قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ يقول: فحسّنوا لهم. كقوله: ﴿... كَذلِكَ زُيِّنَ﴾ [يونس:١٢]، يقول: حسّن. ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ يعني: مِن أمر الآخرة، وزيّنوا لهم التكذيب بالبعث والحساب والثواب والعقاب أن ذلك ليس بكائن، ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ من الدنيا، فحسّنوه في أعينهم، وحبّبوها إليهم حتى لا يعملوا خيرًا
ذكر ابنُ القيم (١/٢٥١) أنّ مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية ليس إثباتَ القدر، وإلّا لَما ذُمُّوا عليه، ولَما حَسُن الرَّدُّ عليه بقوله: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾، ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية. ثم قال: «ولهذا قال غيرُ واحد من المفسرين عن ظنِّهم الباطلَ هاهُنا: التكذيب بالقدر»
قال ابنُ تيمية (٦/٦٢-٦٣): «المغتاب له سبيل إلى التوبة بكل حال، وإن كان الذي اغتيب ميتًا أو غائبًا، بل على أصح الروايتين ليس عليه أن يستحلّه في الدنيا إذا لم يكن عَلِمَ؛ فإن فساد ذلك أكثر من صلاحه، وفي الأثر: «كفارة الغِيبة أن تستغفر لمن اغتبته»، وقد قال تعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾»
قال مقاتل بن سليمان: لما نزلت هذه الآية بمكة قال أبو طالب بن عبد المطلب: يا آل غالب، اتَّبعوا محمدًا ﷺ تفلحوا وترشدوا؛ واللهِ، إنّ ابن أخي لَيأمر بمكارم الأخلاق، وبالأمر الحسن، ولا يأمر إلا بحسن الأخلاق، واللهِ، لئن كان محمد ﷺ صادقًا أو كاذبًا ما يدعوكم إلا إلى الخير. فبلغ ذلك الوليد بن المغيرة، فقال: إن كان محمد ﷺ قاله فنِعْمَ ما قال، وإن إلهه قاله فنعم ما قال، فأتنا بلسانه. ولم يصدق محمدًا ﷺ بما جاء به، ولم يتبعه؛ فنزلت: ﴿أفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى وأَعْطى قَلِيلًا﴾ بلسانه، ﴿وأَكْدى﴾ [النجم:٣٣-٣٤] يعني: وقطع ذلك
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا بالقرآن: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ وذلك أنّ المؤمنين اشتاقوا إلى الوحي، فقالوا: هلّا نزلتْ سورة! ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ يعني بالمُحكمة: ما فيها من الحلال والحرام، ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ وطاعة الله، والنبي ﷺ، وقول معروف حَسن؛ فرح بها المؤمنون، فيها تقديم، ثم ذكر المنافقين، فذلك قوله: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الشكّ في القرآن، منهم عبد الله بن أُبَيّ، ورفاعة بن زيد، والحارث بن عمرو ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ غمًّا وكراهية لنزول القرآن
انتَقَد ابنُ جرير (٩/١١٢) قولَ ابن جُرَيج مستندًا لدلالة اللغة، والعقل بقوله: «وأما الذي قاله ابن جُرَيْج... فتأويلٌ لا معنى له، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يحدث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عما عملت الأمم بعدها والأمر كذلك فإنما يُقال لها: ماذا عرفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهر خبر الله -تعالى ذِكْرُه- عن مسألته إياهم يدل على غير ذلك». وبنحوه ذهب ابنُ عطية (٣/٢٩٤)، فقال: «لكن لفظة ﴿أُجِبْتُمْ﴾ لا تساعد قول ابن جريج إلا على كُرْه». ووجَّهه بقوله: «وهذا معنًى حسنٌ في نفسه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾»
ذكر ابنُ عطية (٤/٥٣٨-٥٣٩) في الآية احتمالين، فقال: «وقوله تعالى: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: كل ذي إحسان بقوله، أو بفعله، أو قوته، أو بماله، أو غير ذلك، مما يمكن أن يتقرب به. و﴿فَضْلَهُ﴾ يحتمل أن يعود الضمير فيه على ﴿ذي﴾ أي: ثواب فضله وجزاءه. ويحتمل أن يعود الضمير فيه على الله عز وجل، أي: يؤتي اللهُ فضلَه كل ذي فضل وعمل صالح من المؤمنين، ونحو هذا المعنى ما وعد به تعالى من تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، ومن التضعيف غير المحصور لمن شاء، وهذا التأويل تأوَّله ابن مسعود، وقال: ويلٌ لِمَن غلبت آحادُه عشراته. ويحتمل أن يكون قولُ ابن مسعود موافقًا للمعنى الأول»
استدل ابن عطية (٥/٣٣٧، ٣٣٨) بهذا الأثر على أن «ألقى» ليست بمعنى: خَلَقَ وجَعَلَ كما ذكر ذلك بعض المفسرين، بل هي أخَصُّ من ذلك؛ لأن «ألْقى» تقتضي أن الله أحدث الجبال ليس من الأرض، لكن من قدرته واختراعه، فقال: «ويؤيد هذا النظر ما روي في القصص عن الحسن عن قيس بن عباد أن الله تعالى لما خلق الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هذه بمُقرَّة على ظهرها أحدًا. فأصبحت ضحى وفيها رواسيها». واستدل على ذلك أيضا بالإجماع على أن قوله تعالى: ﴿وأَنْهارًا﴾ «منصوب بفعل مضمر، تقديره: وجَعَلَ أو خَلَقَ أنهارًا». فقال: «وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على خصوص ﴿ألْقى﴾، ولو كان ﴿ألْقى﴾ بمعنى: خَلَقَ، لم يحتج إلى الإضمار»
اختُلِف في الاستدلال بهذه الآية على تحريم أكل لحوم الخيل على قولين: الأول: أن في هذه الآية دلالة على تحريم أكل لحوم الخيل. الثاني: أنها لا تدل على تحريم شيء. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/١٧٥-١٧٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، وهو قول إبراهيم النخعي، وقول الأسود، وعلَّل ذلك بأنه «لو كان في قوله -تعالى ذكره-: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ دلالةٌ على أنها لا تصلح -إذ كانت للركوب- للأكل، لكان في قوله: ﴿فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ دلالة على أنها لا تصلح -إذ كانت للأكل والدِّفْءِ- للركوب، وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال -تعالى ذِكْره-: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ جائزٌ حلالٌ غير حرام، دليلٌ واضحٌ على أن أكل ما قال: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ جائزٌ حلالٌ غير حرامٍ، إلا بما نصَّ على تحريمه، أو وضَع على تحريمه دلالة من كتابٍ أو وحيٍ إلى رسول الله ﷺ، فأما بهذه الآية فلا يُحَرَّم أكلُ شيءٍ». وذكر ابنُ عطية (٥/٣٣٠) احتجاج ابن عباس ومالك بهذه الآية على كراهة لحوم الخيل والبغال والحمير، واحتجاج الحكم بن عيينة بها على حرمة لحوم الخيل والبغال والحمير، ثم استدرك قائلًا: «وهذه الحجة غير لازمة عند جماعة من العلماء، قالوا: إنما ذكر الله تعالى عظم منافع الأنعام، وذكر عظم منافع هذه وأهم ما فيها، وليس يقضي ذلك بأن ما ذكره لهذه لا تدخل هذه فيه». ثم ذكر (٥/٣٣١) قول ابن جرير بأن في «إجماعهم على جواز ركوب ما ذكر للأكل دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب»، وعلق قائلًا: «وفي هذا نظر، ولحوم الخيل عند كثير من العلماء حلال، وفي جواز أكلها حديث أسماء بنت أبي بكر، وحديث جابر بن عبد الله: كنا نأكل الخيل في عهد النبي ﷺ. والبغال والحمير مكروهة عند الجمهور، وهو تحقيق مذهب مالك»
اختلف المفسرون فيمن عني بهذه الآية؟ وفيمن نزلت؟ فذهب البعض إلى نزولها في رجل كان مسلمًا فارتد، وذهب البعض إلى ان المعني بالآية أهل الكتاب، وفيهم نزلت. وذكر ابنُ جرير (٥/٥٦١) أن القول الثاني الذي قال به الحسن وابن عباس من طريق العوفي أشبه بظاهر الآية، فقال: «وأشبه القولين بظاهر التنزيل: ما قال الحسن من أن هذه الآية معني بها أهل الكتاب». ثم رجَّحَ قولَ ابن عباس من طريق عكرمة ومجاهد والسدي؛ لكثرة القائلين به وسعة علمهم، قال: «غير أن الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم بتأويل القرآن». ثم بين (٥/٥٦١) عموم الآية لكلا القولين ولغيرهما مما يدخل في عموم الآية، فقال: «وجائز أن يكون الله عز وجل أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا ارتدوا عن الإسلام، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد ﷺ في هذه الآيات، ثم عَرَّف عباده سنته فيهم، فيكون داخلًا في ذلك كل من كان مؤمنًا بمحمد ﷺ قبل أن يبعث ثم كفر به بعد أن بعث، وكل من كان كافرًا ثم أسلم على عهده ﷺ ثم ارتد وهو حي عن إسلامه؛ فيكون معنيًّا بالآية جميع هذين الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء الله». وبنحوه قال ابن عطية (٢/٢٧٧)