علَّق ابن عطية (٤/٢٣٢-٢٣٣) على هذا القول وقول مجاهد الآتي بقوله: «وهذا كله تمثل حسن بالآية، لا أن الآية نزلت في ذلك، بل تظاهرت أقوال المفسرين أنها في الأوس والخزرج». ثم قال: «ولو ذهب ذاهب إلى عموم المؤمنين في المهاجرين والأنصار، وجعل التأليف ما كان من جميعهم من التَّحابّ حتى تكون أُلْفَةُ الأوس والخزرج جزءًا من ذلك؛ لساغ ذلك»
ذكر ابنُ عطية (٤/٣٢٨) عن بعض الناس أنّ معنى: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾: «أي: لا تُصَعِّب عَلَيَّ حتى أحتاج إلى مواقعة معصيتك ومخالفتك، فَسَهِّل أنت عليّ، ودعني غير مُجَلّح». وبيَّن أنّ هذا «تأويل حسن واقف مع اللفظ». غير أنّه انتقده مستندًا لأحوال النزول بقوله: «لكن تَظاهَرَ ما رُوِي مِن ذِكْرِ بنات الأصفر، وذلك معترض في هذا التأويل»
ذكر ابنُ عطية (٤/٣٣٥) أنّ قوله: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد: ويموتون على الكفر. الثاني: أن يريد: وتزهق أنفسهم من شدة التعذيب الذي ينالهم. ثم قال: «وقوله: ﴿وهُمْ كافِرُونَ﴾ جملة في موضع الحال على التأويل الأول [أي: قول قتادة ومَن وافقه]، وليس يلزم ذلك على التأويل الثاني [قول الحسن]»
ذكر ابنُ عطية (٤/٤١٨) أنّ فرقة قالت: إنّ رفع ﴿التائبون﴾ إنّما هو على الابتداء وما بعده صفة، إلا قوله: ﴿الآمِرُونَ﴾ فإنّه خبر الابتداء، كأنه قال: هم الآمرون. وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا حسن، إلا أنّ معنى الآية ينفصل مِن معنى التي قبلها، وذلك قلق. فتأمَّله»
بيَّن ابنُ عطية (٥/٢٣٩) معنى قوله تعالى: ﴿لَمّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ بناءً على قول الشعبي، والحسن، ومحمد بن كعب، ومقاتل، وابن زيد، فقال: «فعلى معنى هذه الروايات يكون معنى قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ﴾، أي: تعيَّن قومٌ لدخول النار، وقومٌ لدخول الجنة، وذلك كله في الموقف»
علَّق ابنُ عطية (٨/٥٦) على هذا القول الذي قاله قتادة، والحسن، وأبي صالح، وابن زيد، بقوله: «فكأنه قال: إن هذه العبرة التذكرة لمن له فَهْم فيتدبر الأمر، أو لمن سمعها من أهل الكتاب فشهد بصحّتها لعلمه بها مِن كتابه التوراة وسائر كتب بني إسرائيل». ثم ذكر أن ﴿شهيد﴾ على هذا القول من الشهادة
قال ابنُ القيم (٢/٥٤): «قال الزجاج: المعنى: إن كنتم تزعمون أنّهم إنما اتبعوني في بادي الرأي وظاهره فليس عَلَيَّ أن أطَّلع على ما في أنفسهم، فإذا رأيت مَن يُوَحِّد الله عملت على ظاهره، ورددت عِلْمَ ما في نفوسهم إلى الله. وهذا معنًى حسن. والذي يظهر من الآية: أنّ الله يعلم ما في أنفسهم، إذ أهَّلهم لقبول دينه وتوحيده، وتصديق رسله، والله سبحانه وتعالى عليم حكيم، يضع العطاء في مواضعه، وتكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ [الأنعام:٥٣]، فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهلهم للهدى والحق، وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة والثروة منهم، كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة، فأخبر الله سبحانه أنّه أعلم بمن يؤهله لذلك لِسِرٍّ عنده من معرفة قدر النعمة، ورؤيتها من مجرد فضل المنعم، ومحبته، وشكره عليها، وليس كل أحد عنده هذا السر؛ فلا يؤهل كل أحد لهذا العطاء»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِنهُمْ﴾ يعني: من المنافقين ﴿مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ أمر الناس بالجهاد إلى غزاة تبوك، وذكر بنات الأصفر لقوم، وقال: «لعلكم تصيبون مِنهُنَّ». قال ذلك لِيُرَغِّبهم في الغزو، وكان الأصفر رجلًا من الحبش، فقضى الله له أن مَلَك الروم، فاتخذ من نسائهم لنفسه، وولدن له نساءً كُنَّ مَثَلًا في الحُسْن، فقال جَدُّ بن قيس [الأنصاري] -من بني سَلِمة بن جشم-: يا رسول الله، قد عَلِمَتِ الأنصارُ حرصي على النساء، وإعجابي بِهِنَّ، وإنِّي أخاف أن أُفتتن بِهِنَّ؛ فأْذَن لي، ولا تفتني ببنات الأصفر. وإنما اعتلَّ بذلك كراهية الغزو؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ومِنهُم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾
عن أبى صخر حميد بن زياد الخرّاط، قال: قلتُ لمحمد بن كعب القرظي: أخبِرْني عن أصحاب رسول الله ﷺ. وإنّما أريدُ الفِتَن، فقال: إنّ الله قد غفر لجميع أصحاب النبي ﷺ، وأَوْجَب لهم الجنَّةَ في كتابه؛ مُحسِنِهم، ومُسِيئِهم. قلت له: وفي أيِّ موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال: ألا تقرأ: ﴿والسابقون الأولون﴾ الآية؟ أوجَبَ لجميع أصحاب النبيِّ ﷺ الجنةَ والرُّضوان، وشَرَط على التابعين شرطًا لم يشترطه فيهم. قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يَتَّبِعوهم بإحسان. يقول: يَقْتَدُوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يَقْتَدُوا بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: فواللهِ، لَكَأَنِّي لم أقرَأها قبلَ ذلك، وما عرَفتُ تفسيرَها حتى قرأها عليَّ محمدُ بن كعب
عن واثِلة بن الأَسْقع، قال: قال رسول الله ﷺ: «يبعث الله يوم القيامة عبدًا لا ذنب له، فيقول له: بأيِّ الأمرين أحبُّ إليك أنْ أجْزِيك؛ بعملك، أم بنعمتي عليك؟ قال: يا ربّ، أنت تعلم أني لم أعصِك. قال: خذوا عبدي بنعمة مِن نعمي. فما يبقى له حسنة إلا استغْرقَتْها تلك النعمةُ، فيقول: يا ربّ، بنعمتك ورحمتك. فيقول: بنعمتي وبرحمتي. ويُؤتى بعبد مُحسن في نفسه، لا يرى أنّ له سيئة، فيقال له: هل كنتَ توالي أوليائي؟ قال: يا ربّ، كنت مِن الناس سِلمًا. قال: هل كنتَ تعادي أعدائي؟ قال: يا ربّ، لم أكن أحبُّ أن يكون بيني وبين أحد شيء. فيقول الله -تبارك وتعالى-: وعِزَّتي، لا ينال رحمتي مَن لم يُوال أوليائي، ويعادِ أعدائي»