ذكر ابنُ جرير (١‏/‏٦٢٨) في معنى: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ قولًا آخر غير قول أبي العالية لم يُسنده، فقال: «وقال آخرون: معنى ذلك أنهم إليه يرجعون بموتهم». ثم رجَّح قول أبي العالية استنادًا إلى السياق، فقال: «وأولى التأويلين بالآية: القولُ الذي قاله أبو العالية؛ لأن الله -تعالى ذِكْرُه- قال في الآية التي قبلها: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (٢٨)﴾، فأخبر -جل ثناؤه- أنّ مرجعهم إليه بعد نشرهم وإحيائهم من مماتهم، وذلك لا شك يوم القيامة، فكذلك تأويل قوله: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾». وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٢٠٣)

علَّقَ ابنُ عطية (٢‏/‏٧) على مضمون ذلك الأثر، فقال: «وأمّا قول النبي لهم: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾؛ فإنّ الطبري ذهب إلى أنّ بني إسرائيل تَعَنَّتوا، وقالوا لنبيهم: وما آية مُلك طالوت؟ وذلك على جهة سؤال الدلالة على صِدْقه في قوله: إنّ الله قد بعث. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن نبيهم قال لهم ذلك على جهة التغبيط والتنبيه على هذه النعمة التي قرنها الله بملك طالوت، وجعلها آيةً له دون أن تعن بنو إسرائيل لتكذيب نبيهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويل الطبري أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة؛ فإنهم أهل تكذيب وتَعَنُّتٍ واعْوِجاج»

علَّق ابنُ كثير (٤‏/‏٢٣٩) على هذا الأثر بقوله: «وكذا رواه النسائي، عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن عون به. قال أبو عمر ابن عبد البر: وهكذا رواه أيوب، وهشام، ويزيد بن إبراهيم التستري، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ مثله. قلت: وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة إلى مكة، لا يخاف إلا رب العالمين، فصلى ركعتين. ثم قال الترمذي: صحيح»

ذَهَبَ ابنُ جرير (٨‏/‏٥٩-٦٠)، وابنُ عطية (٣‏/‏٩٧)، وابنُ كثير (٣‏/‏٢٢) إلى أنّ ﴿النَّطِيحَة﴾ (فَعِيلَة) بمعنى (مَفْعُولَة)، أي: مَنطُوحَة، وهي الشاة التي ماتت بسبب نَطْحِ غيرِها لها، استنادًا إلى لغة العرب، وقول أهل التأويل والقراءات. قال ابنُ جرير: «يعني بقوله: ﴿النطيحة﴾: الشاة التي تنطحها أخرى، فتموت من النِّطاحِ بغير تَذْكِيةٍ، فحرَّم الله -جَلَّ ثناؤه- ذلك على المؤمنين، إن لم يُدرِكوا ذكاتَه قبلَ موتِه». وزاد ابن كثير: «وإنْ جرَحَها القرنُ، وخرَجَ منها الدم، ولو مِن مَذْبحِها». وقال ابنُ عطية: «وكلّ ما مات ضغطًا فهو نطيح... وقرأ أبو ميسرة: (والمنطوحة)»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٤٤) في الآية قولين: الأول: أن قوله تعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ آية مُوادعة منسوخة بآية السيف، والمراد بالآية قريش. الثاني: أن قوله: ﴿واهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ منسوخ، وأما الصبر على ما يقولون فقد يتوجّه أحيانًا ويبقى حكمه. وعلق على هذا القول بقوله: «وفيما يتوجّه مِن الهجْر الجميل بين المسلمين، قال أبو الدرداء: إنّا لنَكشِر في وجوه قوم، وإنّ قلوبنا لتلعنهم». ثم رجّح -مستندًا إلى السياق- القول الأول، فقال: «والقول الأول أظهر؛ لأنّ الآية إنما هي في كفار قريش وردّهم رسالته وإعلامهم بذلك، ولا يمكن أن يكون الحكم في هذه المعاني باقيًا»

رجّح ابنُ عطية (٨‏/‏٥٤١) -مستندًا إلى دلالة العقل- أنّ القَضْب: هو كلّ ما يُقضب ليأكله ابن آدم، فقال: «والذي أقوله إنّ القَضْب هنا: هو كلّ ما يُقضب ليأكله ابن آدم غضًّا من النبات؛ كالبقول والهليون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم، ولا ذِكر له في الآية إلا في هذه اللفظة». وانتقد -مستندًا إلى الدلالة العقلية- القول بأنه الفَصافِص بقوله: «وهذا عندي ضعيف؛ لأن الفَصافِص هي للبهائم، فهي داخلة في الأبّ». ونقل تعليق ثعلب على قول مَن قال: هو الرَّطْبة. فقال: «وقال أبو عبيدة: القَضْب: الرَّطْبة. قال ثعلب: لأنه يُقضب كلّ يوم»

ذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٦٠) عبارات السلف في قوله: ﴿عطلت﴾، ثم علّق قائلًا: «والمعنى في هذا كله متقارب». وبيّن أنّ العِشار هي النُّوق الحوامل، كما جاء في أقوال السلف، ثم ذكر فيها عدة أقوال أخر، فقال: «وقد قيل في العِشار: إنها السحاب يُعطّل عن المسير بين السماء والأرض لخراب الدنيا. وقد قيل: إنها الأرض التي تعشر. وقيل: إنها الديار التي كانت تُسكن، تُعطَّل لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه التذكرة، ورجّح أنها الإبل. وعزاه إلى أكثر الناس». ثم علّق قائلًا: «قلتُ: بل لا يُعرف عن السلف والأئمة سواه»

أفاد أثر عثمان بن المُغيرة أن أبْرَهَة لم يقدم من اليمن، وإنما أرسل شهر بن مقصود على الجيش، وقد ذكره ابن كثير (١٤‏/‏٤٦٢)، وانتقده مرجّحًا أنّ أبْرَهَة إنما قدم إلى مكة مستندًا إلى دلالة التاريخ، فقال: «وهذا السياق غريب جدًّا، وإن كان أبو نعيم قد قوّاه ورجّحه على غيره، والصحيح أنّ أبْرَهَة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل على ذلك السياقات والأشعار. وهكذا روى ابن لهيعة، عن الأسود، عن عروة: أنّ أبْرَهَة بعث الأسود بن مقصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبْرَهَة نفسه، والصحيح قدومه، ولعل ابن مقصود كان على مقدمة الجيش»

سورة البقرة — الآية ١٠٢

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: عَمَدَت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام، فكتبوا أصناف السحر: مَن كان يُحْبُّ أن يَبْلُغَ كذا وكذا فلْيَقُل كذا وكذا. حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموا عليه بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب آصَفُ بن بَرْخِيا الصِّديق للملك سليمان بن داود من ذَخائِر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحْدَثُوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فأَفْشَوُا السحر في الناس، وتَعَلَّمُوه، وعَلَّمُوه، فليس في أحد أكثر منه في يهود، فلَمّا ذَكَرَ رسول الله ﷺ -فيما نزل عليه من الله- سليمانَ بن داودَ، وعَدَّه فيمن عَدَّه من المرسلين؛ قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تَعْجَبُون لمحمد، يزعم أنّ سليمان بن داود كان نبيًّا! والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد ﷺ: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾، أي: باتِّباعهم السحر، وعملهم به

سورة النساء — الآية ١٢٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: أصاب الناس سَنَةٌ جَهَدُوا فيها، فحشروا إلى باب إبراهيم عليه الصلاة والسلام يطلبون الطعام، وكانت الميرة لهم كُلَّ سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى مصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريد لنفسه احتملنا ذلك له، وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة. فرجع رسل إبراهيم، فمرُّوا ببطحاء، فقالوا: لو احتملنا مِن هذه البطحاء ليرى الناس أنّا قد جئنا بالميرة، إنا نستحيي أن نمر بهم وإبلنا فارغة. فملأوا تلك الغَرائِرَ رملًا، ثم إنهم أتوا إبراهيم عليه السلام وسارة نائمة، فأعلموه ذلك، فاهتم إبراهيم عليه السلام لمكان الناس، فغلبته عيناه، فنام، واستيقظت سارة، فقامت إلى تلك الغرائر، ففتحتها، فإذا هو أجود حُوّارى يكون، فأمرت الخبّازين، فخبزوا، وأطعموا الناس، واستيقظ إبراهيم عليه السلام، فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارةُ، مِن أين هذا الطعام؟ قالت: مِن عند خليلك المصري. فقال: بل مِن عند خليلي الله، لا من عند خليلي المصري. فيومئذ اتخذه الله خليلًا