أفاد هذا القول أنّ قوله: ﴿بآخرين﴾ يعني: من نوعكم. وذكر ابنُ عطية (٣/٤١) هذا القول، وساق بعده حديث سلمان، ثم ذكر احتمالًا آخر، وهو أن تكون الآية وعيدًا لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما روي أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل آدم. ثم قال: «وقدرة الله على ما ذكر تقضي العقول بداهتها». وذكر ابنُ جرير (٧/٥٨١) أنّ هذا الوعيد والتوبيخ في الآية هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق، وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق. وانتقده ابنُ عطية (٣/٤١) مستندًا لدلالة العموم، فقال: «هذا تأويل بعيد، واللفظ إنما يظهر حُسْن رَصْفه بعمومه، وانسحابه على العالم جملة، أو العالم الحاضر»
ذكرَ ابنُ جرير (٤/٥٤٠) دليلَ مَن قال: الكرسيُّ: هو العرش. فقال بعد أن ذكر الأقوال في معنى الكرسي: «ولكل قول من هذه الأقوال وجْه ومذهب، غير أنّ الذي هو أوْلى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله ﷺ، وهو: ما حدثني به عبد الله ابن أبي زياد القَطَواني، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأةٌ النبي ﷺ، فقالت: ادْعُ الله أن يُدخلني الجنةَ. فعَظَّم -الرَّبَّ تعالى-، ثم قال: «إن كرسيَّه وسع السماوات والأرض، وإنه لَيَقْعُدُ عليه فما يَفْضُلُ منه مقدار أربَعِ أصابع». ثم قال بأصابعه فجمعها: «وإنّ له أطيطًا كأطيط الرَّحْلِ الجديد إذا رُكِبَ؛ مِن ثِقَلِه»». ثم ساق سندين آخرين إلى النبي ﷺ بنحو هذا الحديث، الأول منهما: «حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر، عن النبي ﷺ، بنحوه». ورَجَّح ابنُ عطية (٢/٢٧-٢٨)، وابنُ كثير (٢/٤٤٤) مستندين إلى السُّنَّةِ، وأقوال السلف أنّ الكرسي غير العرش. وانتَقَدا قول الحسن، فقال ابنُ عطية: «والذي تقتضيه الأحاديثُ أنّ الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وقد قال رسول الله ﷺ: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس»، وقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض»». وقال ابنُ كثير: «وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش. والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار». وقال ابنُ تيمية (١/٥٨٧-٥٨٨) مُبَيِّنًا أنّ أكثر السَّلَف على أنّ الكرسيَّ غيرَ العرش: «وقد قال بعضهم: إنّ الكرسيَّ هو العرش. لكن الأكثرون على أنهما شيئان»
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿يَهدِيهِم رَبُّهُم بِإيِمانِهِم﴾، قال: يُمثَّلُ له عملُه في صورةٍ حسنةٍ، وريحٍ طيبةٍ، يعارِضُ صاحبَه، ويُبَشِّره بكلِّ خير، فيقول: مَن أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيجعلُ له نورًا مِن بين يديه حتى يُدخِلَه الجنةَ، والكافرَ يُمثَّلُ له عملُه في صورة سيئة، وريح مُنتِنة، فيُلازِمُ صاحبَه حتى يَقذِفَه في النار
عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث، وقد كان معه، فقال ابن عباس -فيما يذكُرُ من حديث الفتى- قال: شرب الفتى من الماء فخُلِّد، فأخذه العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب
عن قتادة بن دعامة-من طريق سعيد- في قوله: ﴿والأرض مددناها﴾، قال: قال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات: ٣٠]. قال: ذُكر لنا: أنّ أمَّ القُرى مكة، ومنها دُحِيت الأرض، قال قتادة: وكان الحسن [البصري] يقول: أخَذ طِينةً، فقال لها: انبَسِطي. وفي قوله: ﴿وألقينا فيها رواسي﴾، قال: رواسيها: جِبالُها
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن المبارك- قال: مَلَكان؛ أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، ومَلكٌ عن يساره يكتب السيئات، فالذي عن يمينه يكتب بغير شهادة من صاحبه، والذي عن يساره لا يكتب إلا عن شهادة من صاحبه، إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ يعني: مِن لهب النار، صافٍ ليس له دُخان، وإنما سُمّي: الجان؛ لأنه مِن حيٍّ مِن الملائكة يقال لهم: الجنّ، فالجنّ الجماعة، والجانّ الواحد، وكان حُسن خَلقهما من النّعم، فمِن ثَمّ قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ﴾ يعني: نعماء ﴿رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
ذكر ابنُ عطية ٢/٣٠٢ قول زيد، وقولًا آخر عن الحسن وقتادة والسدي: بأن هذه الآيات نزلت في أحبار اليهود الذين كانوا يصدون المسلمين عن الإسلام، ويقولون لهم: إن محمدًا ليس بالموصوف في كتابنا. ثم علّق على القولين مستشهدًا بأحوال النزول، فقال: «ولا شك في وقوع هذين السببين وما شاكلهما من أفعال اليهود وأقوالهم، فنزلت الآيات في جميع ذلك»
علَّق ابن جرير (١٠/٨٦) على قول الحسن وابن سيرين بقوله: «يعنيان بذلك: القياس الخطأ». وانتقده ابن عطية (٣/٥٢٢)، فقال: «ولا دليل من لفظهما عليه». ثم وجَّه قولهما قائلًا: «ولا يتأول عليهما إنكار القياس، وإنما خرج كلامهما نهيًا عما كان في زمنهما من مقاييس الخوارج وغيرهم، فأرادا حمْلَ الناس على الجادَّة»
علَّق ابنُ كثير (١٠/٢١٢-٢١٣) على هذا الحديث بقوله: «وكذا رواه الإمام أحمد، عن هشيم، عن يونس بن عبيد، به. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، من حديثه أيضًا. وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية لبعضهم: فقال: «أطرِق بصرك». يعني: انظر إلى الأرض. والصرف أعم؛ فإنه قد يكون إلى الأرض، وإلى جهة أخرى»