قال مقاتل بن سليمان: ﴿ق﴾ جبل مِن زُمُرُّدة خضراء، محيط بالعالم، فخُضرة السماء منه، ليس من الخلْق شيء على خَلْقه، وتنبت الجبال منه، وهو وراء الجبال، وعروق الجبال كلّها مِن قاف، فإذا أراد الله تعالى زلزلة أرضٍ أوحى إلى المَلَك الذي عنده أن يُحَرِّك عِرقًا مِن الجبل، فتتحرك الأرض التي يريد، وهو أول جبل خُلِقَ، ثم أبو قبيس بعده، وهو الجبل الذي الصفا تحته ودون قاف بمسيرة سنة، جبلٌ تغرب فيه الشمس، يُقال له: الحجاب، فذلك قوله: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص:٣٢] يعني: بالجبل، وهو من وراء الحجاب، وله وجهٌ كوجه الإنسان، وقلبٌ كقلوب الملائكة في الخشية لله
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ﴾ من أموالهم ﴿والمُصَّدِّقاتِ﴾ نزلتْ في أبي الدّحداح الأنصاري، وذلك أنّ النبي ﷺ أمر الناس بالصّدقة، ورغّبهم في ثوابها، فقال أبو الدّحداح الأنصاري: يا رسول الله، فإني قد جعلتُ حديقتي صدقة لله ولرسوله. ثم جاء إلى الحديقة، وأُمّ الدّحداح في الحديقة، فقال: يا أُمّ الدّحداح، إني قد جعلتُ حديقتي صدقة لله ولرسوله؛ فخذي بيد صبيتاه، فأخرِجيهم من الحائط. فلما أصابهم حرُّ الشمس بَكَوْا، فقالت أُمّهم: لا تبكوا، فإنّ أباكم قد باع حائطه من ربّه. فقال رسول الله ﷺ: «كم مِن نخلة مذلًّا عذوقها قد رأيتُها لأبي الدّحداح في الجنة». فنَزَلَت فيه: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾
عن أبي رجاء العُطارديّ من بني تميم -من طريق سَلْمٍ- قال: بُعث رسول الله ﷺ وقد رَعيتُ على أهلي، وكُفيتُ مَهنتهم، فلما بُعث رسول الله ﷺ خَرجنا هِرابًا، فأتينا على فَلاة من الأرض، وكُنّا إذا أمسينا بمثلها قال شيخُنا: إنّا نعوذ بعزيز هذا الوادي مِن الجنّ الليلةَ. فقلنا ذاك، فقيل لنا: إنما سبيل هذا الرجل شهادة ألا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، فمَن أقرّ بها أمِن على دمه وماله. فرَجعنا، فدَخلنا في الإسلام. قال أبو رجاء: إنِّي لأرى هذه الآية نزلت فِيَّ وفي أصحابي: ﴿وأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجنّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾
عن العباس بن عبد المُطَّلب، قال: كنت يومًا في المسجد، فأقبل أبو جهل، فقال: إنّ لله عليّ إن رأيتُ محمدًا ساجدًا لَأطأنّ على رقبته. فخرجتُ على رسول الله ﷺ حتى دخلتُ عليه، فأخبرتُه بقول أبي جهل، فخرج غضبان حتى جاء المسجد، فعجل أن يدخل مِن الباب، فاقتحم الحائط، فقلتُ: هذا يوم شرٍّ. فأْتَزَرْتُ، ثم تبعتُه، فدخل رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فلما بلغ شأن أبي جهل: ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ قال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم، هذا محمد. فقال: ألا ترون ما أرى؟! واللهِ، لقد سُدّ أُفُق السماء عليَّ. فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد
علَّقَ ابن جرير (١/٥١٣، ٥١٤ بتصرف) على تلك الآثار بقوله: «وقد رُوِي عن رسول الله ﷺ خبرٌ يُحَقِّق ما قال مَن حَكَيْنا قولَه في معنى آدم. وذلك ما حَدَّثَنِي به... عن أبي موسى الأشعري»، فذكر حديثه الوارد في المتن في الآثار المتعلقة بالآية. ثم وجَّه هذا التأويل بقوله: «فعلى التأويل الذي تَأَوَّل آدم بمعنى: أنه خُلِق من أديم الأرض، يجب أن يكون أصل آدم فِعْلًا سُمِّي به أبو البشر، كما سُمِّي أحمد بالفعل من الإحماد، وأسعد من الإسعاد، فلذلك لم يُجْرَ [لم يُصْرَف]، ويكون تأويله حينئذ: آدمَ الملكُ الأرضَ، يعني: به بلغ أدَمَتَها. ثم نُقِلَ من الفعل فجُعِل اسمًا للشخص بعينه»
عَلَّق ابنُ عطيَّة (١/٥٧٦) على هذا القول الذي قال به قتادة، والربيع، وابن شهاب، فقال: «على هذا الاحتمال يدخل في الخطاب بـ﴿سلمتم﴾ الرجالُ والنساءُ». وذَكر أنّ أبا علي قال باحتمال الآية لمعنيين: الأول: أن المعنى: إذا سلَّمتم ما أتيتم نقده أو إعطاءه أو سوقه، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه، فكان التقدير: ما أتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة. وعلَّق عليه بقوله: «على التأويل الذي ذكره أبو علي وغيره: فالخطاب للرجال، لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع». الثاني: أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، أي: إذا سلمتم الإتيان، وعلَّق عليه بقوله: «والمعنى كالأول، لكن يستغنى عن الصنعة من حذف المضاف، ثم حذف الضمير»
ذكر ابنُ جرير (٥/٦١٧ بتصرف) هذه القراءة وقراءة مَن قرأ بكسر الحاء، ثم علَّق مستندًا إلى اللغة بقوله: «وهما لغتان معروفتان للعرب، فالكسر لغة أهل نجد، والفتح لغة أهل العالية، ولم نر أحدًا مِن أهل العربية ادَّعى فرقًا بينهما في معنى ولا غيره غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتين، إلا ما حدثنا به أبو هشام الرفاعي، قال: قال حسين الجعفي: الحَج -مفتوح-: اسم، والحج -مكسور-: عمل. وهذا قول لم أر أهل المعرفة بلغات العرب ومعاني كلامهم يعرفونه، بل رأيتهم مجمعين على ما وصفت من أنهما لغتان بمعنى واحد... فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته»
علَّق ابنُ كثير (٤/٥٣) على قول سعيد، فقال: «وقد يُسْتَدَلُّ له بالحديث الصحيح أنّ العباس قال: يا رسول الله، إنّ أبا طالب كان يحوطُك وينصرك، فهل نفعته بشيء؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح مِن نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». وقد يكون هذا خاصًّا بأبي طالب مِن دون الكفار، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في سننه حدثنا عمران، حدثنا قتادة، عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة»»
نقل ابنُ جرير (١٠/٣٨٢) اختلاف السلف في معنى الطوفان على أقوال كما هو موضح في الآثار. وقد رجّح ابنُ جرير قول ابن عباس أنّ المراد بالطوفان: أمرٌ من الله طاف بهم. مستندًا إلى اللغة، وجعل بقية الأقوال مندرجة تحت عموم قول ابن عباس، فقال: «الصواب من القول في ذلك عندي: ما قاله ابن عباس، على ما رواه عنه أبو ظبيان: أنّه أمر من الله طاف بهم. وأنّه مصدر من قول القائل: طاف بهم أمرُ الله يطوف طوفانًا، كما يقال: نقص هذا الشيء ينقص نقصانًا. وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يكون الذي طاف بهم المطر الشديد، وجاز أن يكون الموت الذريع»
قال ابنُ عطية (٤/١٤٣-١٤٤): «الضمير في ﴿جعله﴾ عائد على الوعد... ، وهذا عندي أمكن الأقوال من جهة المعنى. وقال الزجاج: الضمير عائد على المدد، ويحتمل أن يعود على الإمداد، وهذا يحسن مع قول مَن يقول: إن الملائكة لم تقاتل، وإنما أنست بحضورها مع المسلمين. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي ضعيف، تردّه الأحاديث الواردة بقتال الملائكة، وما رأى من ذلك أصحاب النبي ﷺ كابن مسعود وغيره. ويحتمل أن يعود على الإرداف، وهو قول الطبري، وهذا أيضًا يجري مجرى القول الذي قبله. ويحتمل أن يعود على الألْف، وهذا أيضًا كذلك؛ لأن البشرى بالشيء إنما هي ما لم يقع بعد»