رجَّح ابنُ القيم (٢/٢١٨) قول الحسن مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، فقال: «وهذا ظاهر اللفظ، ولا إشكال فيه بوجه، فإنّ الآية دلت على الواقع، لم تدل على كون هذه الأمكنة -غير المساجد- محبوبة مَرْضِيَّة له، لكنه أخبر أنه لولا دفعه الناس بعضهم ببعض لهدمت هذه الأمكنة التي كانت محبوبة له قبل الإسلام، وأقرَّ منها ما أقر بعده، وإن كانت مسخوطة له كما أقر أهل الذمة، وإن كان يبغضهم ويمقتهم ويدفع عنهم بالمسلمين مع بغضه لهم. وهكذا يدفع عن مواضع متعبداتهم بالمسلمين، وإن كان يبغضها، وهو سبحانه يدفع عن متعبداتهم التي أُقِرُّوا عليها شرعًا وقدرًا، فهو يحب الدفع عنها، وإن كان يبغضها، كما يحب الدفع عن أربابها، وإن كان يبغضهم. وهذا القول هو الراجح -إن شاء الله تعالى-، وهو مذهب ابن عباس في الآية»
اختُلف في معنى: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: غير مُحاسبين. الثاني: غير مبعوثين. الثالث: غير موقنين. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٣٧٥) القول الأول، وهو قول ابن عباس، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة، والحسن من طريق أبي رجاء، وابن زيد، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: غير مُحاسبين فمَجْزِيِّين بأعمالكم، من قولهم: كما تَدِين تُدان، ومن قول الله: ﴿مالِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]». وذكر ابنُ عطية (٨/٢١٣) أن «المَدين: المملوك، وأنّ هذا أصح ما يقال في معنى اللفظة هنا». ثم انتقد القول الأول قائلًا: «ومَن عبَّر عنها بالمجازى أو المحاسَب فذلك هنا قلق». ولم يذكر مستندًا
قال مقاتل بن سليمان: ذلك أن خَوْلَة بنت ثَعْلَبة بن مالك بن أحرم الأنصاري، من بني عمرو بن عوف بن الخزرج، كانت حَسنة الجسم، فرآها زوجُها ساجدةً في صلاتها، فلما انصرفتْ أرادها زوجُها، فأَبتْ عليه، فغضب، فقال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. واسمه أوْس بن الصّامت أخو عبادة بن الصّامت بن قيس بن أحرم الأنصاري، فأَتتْ خَوْلةُ النبيَّ ﷺ، فقالت: إنّ زوجي -يا رسول الله- تَزَوّجَني وأنا شابّة، ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وكَبِرت سِنّي، ووهن عظمي؛ جعلني عليه كظَهْر أُمّه، ثم ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه؟ فسكتَ النبيُّ ﷺ عنها، وكان الظِّهار والإيلاء وعدد النّجوم مِن طلاق الجاهلية، فوقّتَ اللهُ تعالى في الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظِّهار الكفارة، ووقّتَ مِن عدد النّجوم ثلاث تطليقات، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهَرونَ مِنكُمْ مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾
رَجَّح ابنُ جرير (٣/٦٩٠-٦٩٢ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به ابن عباس من طريق مِقْسم، وقتادة من طريقي مَعْمَر وسعيد، وعطاء من طريق عبد الملك، والسُّدِّي، وابن زيد، والحسن من طريق يونس، مستندًا إلى السُّنَّةِ، واللغة، فقال: «وذلك هو الفَضْلُ الذي تظاهرت به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ بالإذن في الصدقة، وصدقته في وجوه البِرِّ. فإذا كان الذي أذِن ﷺ لأُمَّتِه الصدقة من أموالهم الفضلَ عن حاجةِ المتصدِّقِ، فالفضلُ من ذلك هو العفوُ من مالِ الرجل؛ إذ كان العَفْوُ في كلام العرب في المال وفي كلِّ شيء: هو الزِّيادة والكثرة؛ كان بَيِّنًا أنّ الذي أذِن اللهُ به في قوله: ﴿قل العفو﴾ لعباده من النفقة، فأذِنهم بإنفاقِه إذا أرادوا إنفاقَه، هو الذي بَيَّن لأُمَّتِه رسولُ الله ﷺ بقوله: «خير الصدقة ما أنفقت عن غنى». وآذَنَهم به». وذكَر ابنُ عطية (١/٥٣٤) أن العفو هو ما ينفقه المرء دون أن يُجهد نفسه وماله، ثم علَّق بقوله: «ونحو هذا هي عبارة المفسرين». ثم قال: «وهو مأخوذ من عفا الشيء: إذا كَثُر، فالمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالَةً»
أفادت الآثارُ الاختلاف في حدِّ الزاني المحصن على قولين: أحدهما: أنّ حدَّه: جلد مائة، والرجم. وهذا قول السدّي. والآخر: أنّ حدَّه: الرجم. وهذا قول الجمهور. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٤٩٨) القولَ الثاني استنادًا إلى السُّنَّةِ والإجماع قائلًا: «أولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ قولُ مَن قال: السبيلُ التي جعلها الله -جل ثناؤه- للثيبين المحصَنَيْن الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مائة ونفي سنة؛ لصِحَّةِ الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه رَجم ولم يجلد، وإجماعِ الحجة التي لا يجوز عليها -فيما نقلته مجمعةً عليه- الخطأ والسهو والكذب، وصحةِ الخبر عنه أنه قضى في البكرين بجلد مائة ونفي سنة. فكان في الذي صحَّ عنه مِن تركه جلدَ من رُجم مِن الزناة في عصره دليلٌ واضح على وهاء الخبر الذي رُوِي عن الحسن، عن حطان، عن عبادة، عن النبي ﷺ أنّه قال: «السبيل للثيب المحصن الجلد والرجم»»
عن مقاتل بن سليمان، في قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾، قال: نزلت بمكة، فلمّا هاجر النبيُّ ﷺ إلى المدينة كَتَب وحشيُّ بن حبيش غلام المُطْعِم [بن] عَدِيِّ بن نوفل بن عبد مناف إلى النبيِّ ﷺ بعد ما قتل حمزة: هل لي مِن توبةٍ وقد أشركتُ وقتلتُ وزَنَيتُ؟ فسكت النبيُّ ﷺ، فأنزل الله فيه بعد سنتين، فقال سبحانه: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾. فأسلم وحشيٌّ، وكان وحشيٌّ قد قتل حمزة بن عبد المطلب عليه السلام يوم أحد، ثم أسلم، فأمره النبيُّ ﷺ فخرَّب مسجد المنافقين، ثم قتل مسيلمة الكذاب باليمامة على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكان وحشيٌّ يقول: أنا الذي قتلتُ خيرَ الناس -يعني: حمزة-، وأنا الذي قتلت شرَّ الناس -يعني: مسيلمة الكذاب-. فلما قَبِلَ الله عز وجل توبة وحشيٍّ قال كُفّار مكة: كُلُّنا قد عمِل عمَل وحشيٍّ، فقد قبل الله عز وجل توبتَه، ولم ينزل فينا شيء. فأنزل الله عز وجل في كُفّار مكة: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر:٥٣] في الإسلام، يعني بالإسراف: الذنوب العِظام؛ الشرك، والقتل، والزِّنا، فكان بين هذه الآية: ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ إلى آخر الآية، وبين الآية التي في النساء [٩٣]: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾إلى آخر الآية؛ ثماني سنين
عن ابن الكواء أنّه قال لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، مَن القوم ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾؟ قال: أولئك أقوام كانوا على حسنات مِن أعمالهم، فملُّوها، وبدَّلوها بغيرها، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. ثم أدخل عليٌّ أصبعيه في أذنيه، ثم هتف بصوته حتى خرج صوته من نواحي المسجد، ثم قال: وما ابن الكواء منهم ببعيد. ثلاث مرات
قال يحيى بن سلّام: قوله عز وجل: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِ المَوْتى﴾ يعني: البعث، ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥]، ﴿ما قَدَّمُوا﴾ ما عمِلوا مِن خير وشرٍّ، ﴿وآثارَهُمْ﴾ ما أخَّروا مِن سنة حسنة فعُمِل بها بعدهم فلهم مثل أجر مَن عَمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، أو سنة سيئة فعُمل بها بعدهم فإن عليه مثل وزر مَن عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء
ذكر ابنُ عطية (٣/٣٤٧) أنّ الضمير في قوله: ﴿فيها﴾ عائد على الساعة، أي: في التقدمة لها، ونسبَه إلى الحسن. وذَكَر أنّ ابن جرير قال بعَوْده على الصفقة التي يتضمنها ذكر الخسارة في أول الآية، ثم أورد ابنُ عطية احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يعود الضمير على الدنيا، إذ المعنى يقتضيها، وتجيء الظرفية أمكن بمنزلة: زيد في الدار». ثم قال: «وعَوْدُه على الساعة إنما معناه: في أمورها والاستعداد لها، بمنزلة: زيد في العلم مشتغل»
نقل ابنُ عطية (٨/٦٢٧) في معنى: ﴿تَلاها﴾ عن الحسن قوله: «﴿تَلاها﴾ معناه: تبعها دأبًا في كلّ وقت؛ لأنه يستضيء منها، فهو يتلوها لذلك». وعلَّق عليه بقوله: «فهذا اتباعٌ لا يختص بنصف أول من الشهر ولا بآخر، وقاله الفراء أيضًا». ونقل عن الزَّجّاج وغيره أنّ «﴿تَلاها﴾ معناه: امتلأ واستدار، فكان لها تابعًا في المنزلة من الضياء والقدر». وعلَّق عليه بقوله: «لأنه ليس في الكواكب شيء يتلو الشمس في هذا المعنى غير القمر»