علّق ابنُ كثير (٣‏/‏١٩٤-١٩٥ بتصرف) على هذا الأثر مستشهدًا بالسنَّة، ودلالة القرآنِ، بقوله: «ومِمّا يشهد لصِحَّة هذا الحديث ما رواه مسلمٌ في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ، قال: «ما مِنكُم مِن أحدٍ يتوضأ فيبلغ -أو: فيُسْبِغ- الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ إلا فُتِحَت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء». وفي الصحيحين عن عثمان بن عفان رضي الله عنهما: أنّه تَوَضَّأ لهم وضوء النبي ﷺ، ثم قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَن توضأ نحوَ وضوئي هذا، ثُمَّ صلى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسَه؛ غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبه». فقد ثبت هذا الحديثُ من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيِّد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين، كما دلَّ عليه الكتابُ المبين مِن أنّ الاستغفار مِن الذنب ينفع العاصين»

عَلَّق ابنُ كثير (٣/٢٢٨) على رواية البيهقي مستندًا إلى الدلالة العقلية والنظائر بقوله: «هكذا رواه بهذه الزيادة [يعني: الحديث عن الطائفة الأخرى]، وكأنّها من كلام قتادة رحمه الله، وهو كما قال؛ فإنّ الله عز وجل يقول: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾ يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأنّ الله سينصر رسولَه، وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾ يعني: لا يغشاهم النعاسُ مِن القلق والجزع والخوف ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا﴾ [الفتح:١٢]، وهكذا هؤلاء، اعتقدوا أنّ المشركين لَمّا ظهروا تلك الساعة أنّها الفيصلة، وأنّ الإسلام قد باد وأهلُه، هذا شأنُ أهل الريب والشك إذا حصل أمرٌ مِن الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة»

علَّقَ ابنُ عطية (٣‏/‏١٦٧ بتصرف) على هذا الحديث قائلًا: «وفي هذا الحديث اختلاف ألفاظ وروايات كثيرة، وقد وقع في بعض الطرق في حديث أبي هريرة أنّه قال في قصة الرَّجْم: فقام رسول الله ﷺ إلى بيت مِدْراسهم، وقمنا معه. وهذا يقتضي أنّ الأمر كان في آخر مدة النبي ﷺ؛ لأنّ أبا هريرة أسلم عام خيبر في آخر سنة ست من الهجرة، وقد كانت النضير أُجْلِيَت، وقريظة وقريش قُتِلت، واليهود بالمدينة لا شيء، فكيف كان لهم بيت مِدْراس في ذلك الوقت؟! أو إن كان لهم بيت على حال ذِلَّة فهل كان النبي ﷺ يحتاج -مع ظهور دينه- إلى محاجتهم تلك المحاجة؟! وظاهر حديث بيت المدراس أنه كان في صدر الهجرة، اللهم إلا أن يكون ذلك من النبي ﷺ مع عزة كلمته من حيث أراد أن يخرج حكمهم من أيدي أحبارهم بالحجة عليهم من كتابهم، فلذلك مشى إلى بيت مدراسهم مع قدرته عليهم. وهذا عندي يبعد؛ لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت يحزنونه، ولا كانت لهم حال يُسَلّى عنها ﷺ»

اختُلِف فيمن مات من أولاد المشركين صغيرًا على أربعة أقوال: الأول: أنهم في الجَنَّة؛ لحديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال في جملة ذلك المنام حين مرَّ على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، «فقال له جبريل: هذا إبراهيم عليه السلام، وهؤلاء أولاد المسلمين، وأولاد المشركين». والثاني: أنهم في النار؛ لقوله ﷺ: «هم مع آبائهم». والثالث: التوقف في أمرهم. والرابع: أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات؛ فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومَن عصى دخل النار، وانكشف علم الله به بسابق الشقاوة. ومالَ ابنُ كثير (٨‏/‏٤٥٥) إلى القول الرابع، فقال: «وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد»

قال ابنُ عطية (٨‏/‏١٨-١٩ بتصرف): «أمر -تبارك وتعالى- المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وأن لا يعملوا ولا يتكلّموا بحسبه، لما في ذلك وفي التجسس مِن التقاطع والتدابر، وحكم على بعضه بأنّه إثم؛ إذ بعضه ليس بإثمٍ، ولا يلزم اجتنابه، وهو ظنّ الخير بالناس، وحسنه بالله تعالى، والمظنون من شهادات الشهود، والمظنون به من أهل الشرّ؛ فإنّ سقوط عدالته وغير ذلك هي من حُكم الظنّ به، وظنّ الخير بالمؤمن محمود. والظنّ المنهي عنه: هو أن يظن سوءًا برجل ظاهره الصلاح، بل الواجب أن يزيل الظنّ وحكمه ويتأوّل الخير. وقال بعض الناس: ﴿إثم﴾ معناه: كذب، ومنه قول النبي ﷺ: «إياكم والظنّ؛ فإنّ الظنّ أكذب الحديث». وقال بعض الناس:»معنى قوله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ أي: إذا تكلم الظانّ أثِم، وما لم يتكلم فهو في فسحة؛ لأنه لا يقدر على دفع الخواطر التي يبيحها قول النبي ﷺ: «الحزم سوء الظن»، وما زال أولو العزم يحترسون من سوء الظن ويسدُّون ذرائعه""

انتَقَدَ ابنُ جرير (٤‏/‏١٦٢-١٦٣ بتصرف) قولَ بكر بن عبد الله الذي يُفِيدُ نسخَ الآية مستندًا لمخالفته الإجماعَ، وظاهرَ الآية، فقال: «فأمّا ما قاله بكر بن عبد الله فقولٌ لا معنى له؛ لمعنيين: أحدهما: إجماعُ الجميع من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من المسلمين على تخطئته، وإجازةِ أخْذِ الفِدْيَةِ من المُفْتَدِيَةِ نفسَها لزوجها. وفي ذلك الكفاية عن الاستشهاد على خطئه بغيره. والآخر: أنّ الآية التي في سورة النساء إنّما حَرَّم الله فيها على زوجِ المرأة أن يأخذ منها شيئًا مِمّا آتاها، بأن أراد الرجلُ استبدال زوج بزوج من غير أن يكون هنالك خَوْفٌ من المسلمين عليهما بمقام أحدهما على صاحبه أن لا يُقِيما حدود الله، ولا نشوز من المرأة على الرجل. وأمّا الآية التي في سورة البقرة فإنّها إنّما دَلَّت على إباحة الله -تعالى ذِكْرُهُ- له أخذَ الفِدْيَةِ منها في حال الخوف عليهما أن لا يُقِيما حدودَ الله بنُشُوزِ المرأة، وطلبِها فراقَ الرجل، ورغبته فيها. فالأمر الذي أُذِن به للزوج في أخذ الفدية من المرأة في سورة البقرة ضِدُّ الأمرِ الذي نُهِي من أجله عن أخذ الفِدْية في سورة النساء، كما الحظر في سورة النساء غير الطلاق والإباحة في سورة البقرة. فإنما يجوز في الحكمين أن يُقال: أحدهما ناسخ؛ إذا اتَّفقت معاني المحكوم فيه، ثُمَّ خُولِف بين الأحكام فيه باختلاف الأوقات والأزمنة. وأمّا اختلاف الأحكام باختلاف معاني المحكوم فيه في حال واحدة ووقت واحد فذلك هو الحكمة البالغة، والمفهوم في العقل والفطرة، وهو من الناسخ والمنسوخ بمعزِل». وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٥٦٥)، وابنُ كثير (٢‏/‏٣٤٦)

علّق ابنُ عطية (٣‏/‏١٧٢-١٧٣ بتصرف) على الآية بقوله: «قال كثير من العلماء: هي محكمة، وتخيير الحُكّام باقٍ. وهذا هو الأظهر إن شاء الله. وفِقْهُ هذه الآية: أنّ الأمة -فيما علمتُ- مجمعةٌ على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم، ويتسلط عليهم في تغييره، وينقِّر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم: حبس السلع المبيعة، وغصب المال، وغير ذلك. فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر، وإنما هي دعاوى محتملة، وطلب ما يحِلُّ ولا يحل، وطلب المخرج من الإثم في الآخرة، فهذه هي التي الحاكم فيها مخيَّر، وإذا رضي به الخصمان فلا بُدَّ مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار. قاله ابن القاسم في العتبية، قال: وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمين، أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم. قال القاضي أبو محمد: وانظر إن رضي الأساقفة لأشكال النازلة عندهم دون أن يرضى الخصمان فإنها تحتمل الخلاف، وانظر إذا رضي الخصمان ولم يقع من الأحبار نكيرٌ فحكم الحاكم ثم أراد الأحبار ردَّ ذلك الحكم، وهل تستوي النوازل في هذا، كالرجم في زانيين، والقضاء في مال يصير من أحدهما إلى الآخر، وانظر إذا رضي الخصمان هل على الحاكم أن يستعلم ما عند الأحبار، أو يقنع بأن لم تقع منهم معارضة؟ ومالك رحمه الله يستحب لحاكم المسلمين الإعراضَ عنهم وتركَهم إلى دينهم. وقال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: قوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك﴾ يعني: أهل نازلة الزانيين. قال القاضي أبو محمد: ثم الآية بعد تتناول سائر النوازل»

على هذا فالنبوة في الذكور فقط، وهو ما رجَّحه ابنُ كثير (٨‏/‏٩٢-٩٣) مستندًا إلى السياق، فقال: «وهذا قول جمهور العلماء، كما دلَّ عليه سياق هذه الآية الكريمة: أنّ الله تعالى لم يوحِ إلى امرأة مِن بنات بني آدم وحي تشريع». ثم ذكر القول بنبوة النساء استنادًا لمجيء المَلَك إليهن، وعلَّق بقوله: «وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يَكُنَّ نبيات بذلك، فإن أراد القائلُ بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أنّ هذا: هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمُجَرَّده أم لا؟ والذي عليه أئمة أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم: أنه ليس في النساء نبيّة، وإنما فيهن صديقات، كما قال تعالى مُخْبِرًا عن أشْرَفِهِنَّ مريم بنت عمران حيث قال: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ [المائدة:٧٥]، فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نَبِيَّةً لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صديقة بنصِّ القرآن». وساق ابنُ عطية (٥‏/‏١٦١) قول الحسن، ثم علَّق بقوله: «والتَّبَدِّي مكروه إلا في الفتن، وحين يفر بالدين، كقوله ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا» الحديث». ثم ذكر (٥‏/‏١٦٢) أنّ ذلك يعترض ببدو يعقوب، وبين أنه ينفصل عن ذلك بوجهين: أحدهما: أنّ ذلك البدو لم يكن في أهل عمود، بل هو بتَقَرٍّ في منازل وربوع. الثاني: أنه إنما جعله بدوًا بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر

لم يذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٠٤) غير قول السُّدّي، وقتادة. ووجّه ابنُ عطية (٧‏/‏٥١٤) معنى الآية على ما جاء فيهما، فقال: «وقوله تعالى: ﴿فَإنْ يَشَإ اللَّهُ يَخْتِمْ﴾ معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك القرآن. والمراد: الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها، وذلك كأنه يقول: وكيف يصح أن تكون مفتريًا وأنت مِن الله بمرأى ومسمع، وهو قادر لو شاء على أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك؟! فمقصد اللفظ هذا المعنى، وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصارًا واقتصارًا». ورجّح ابنُ القيم (٢‏/‏٤٢٦-٤٢٨) -مستندًا إلى اللغة، والسياق، ودلالة العقل- قول قتادة، وانتقد قول مجاهد من وجوه كثيرة: ١- أنّ هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم: إنّ محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن. فأجابهم بأحسن جواب، وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء، فلو كان كما تقولون لختم على قلبه. ٢- أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحقّ والمُبطل، فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه ردّ لقولهم، فإن الصبر على أذى المكذّب لا يدل بمجرده على صدق المخبر. ٣- أن الرابط على قلب العبد لا يقال له: ختم على قلبه. ولا يُعرف هذا في عُرف المخاطب، ولا لغة العرب، ولا هو المعهود في القرآن. ٤- أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجهٍ ما، لا بالمطابقة ولا التضمن، ولا اللزوم. ٥- أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر، بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره، بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف، بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر

سورة آل عمران — الآية ٤٥

عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين﴾: أي: هكذا كان أمرُه، لا ما يقولون فيه