سورة فصلت — الآية ١٢

عن عبد الله بن مسعود، وناس مِن أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدّيّ، عن مُرَّة الهَمْدانِيّ-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدّيّ عن أبي مالك وأبي صالح-: ثم زيّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زِينة وحِفْظًا تَحفَظ مِن الشياطين

سورة التحريم — الآية ٤

عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس -من طريق ميمون- في قوله: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾، قالا: نَزَلَتْ في أبي بكر، وعمر

اخْتُلِفَ في معنى ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ على قولين: أحدهما: أنّها نافية. وهو قول الجمهور. والمعنى: ما كان للخلق على الله الخيرة. ويكون الوقف التام على هذا القول على قوله تعالى: ﴿ويَخْتارُ﴾. والثاني: أنّها اسم موصول بمعنى: الذي، فيكون ذلك إثباتًا، والمعنى: ويختار للمؤمنين ما كان لهم فيه الخيرة. وعلى هذا القول لا يُوقَف على قوله تعالى: ﴿ويَخْتارُ﴾. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨‏/‏٣٠٠-٣٠١ بتصرّف) الثاني مستندًا إلى لغة العرب، وقال: «فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفتَ مِن أن ﴿ما﴾ اسم منصوب بوقوع قوله: ﴿يختار﴾ عليها، فأين خبر كان؟... قيل: إنّ العرب تجعل لحروف الصفات إذا جاءت الأخبار بعدها أحيانًا أخبارًا، كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها... كقول القائل: كان عمرٌو أبوه قائمٌ. لاشكَّ أن»قائمًا«لو كان مكان الأب وكان الأب هو المتأخر بعده كان منصوبًا، فكذلك وجه رفع ﴿الخيرة﴾، وهو خبر لـ﴿ما﴾». ورجَّحَ ابنُ كثير (١٠‏/‏٤٧٩ بتصرّف) الأولَ مستندًا إلى النظائر، والسياق، وأقوال السلف، فقال: «قوله: ﴿ماكان لهم الخيرة﴾ نفيٌ على أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذ اقضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب:٣٦]. [و] كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره أيضًا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: ﴿سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾ أي: من الأصنام والأنداد، التي لا تخلق ولا تختار شيئًا». وبنحوه قال ابنُ القيم (٢‏/‏٢٩١). وذَهَبَ ابنُ عطية (٦‏/‏٦٠٦) إلى وجه ثالث، فقال: «ويتَّجه عندي أن يكون ﴿ما﴾ مفعولة، إذا قدَّرنا ﴿كان﴾ تامة، أي: أنّ الله تعالى يختار كل كائن، ولا يكون شيء إلا بإذنه، وقوله تعالى: ﴿لهم الخيرة﴾ جملة مستأنفة، معناها: تعديد النعمة عليهم في اختيار الله تعالى لهم لو قبلوا وفهموا». ولم يذكر مستندًا. وانتَقَدَ ابنُ جرير (١٨‏/‏٣٠١) القولَ الأولَ؛ لدلالة أقوال السلف، ولغة العرب، والعقل، فقال: «هذا قول لا يخفى فسادُه على ذي حِجًا مِن وجوهٍ، لو لم يكن بخلافه لأهل التأويل قولٌ، فكيف والتأويل عمن ذكرنا بخلافه؟!». ثم ذكر في أوجه فساد ذلك القول، ما ملخصه: ١- أنّ مقتضى هذا القول نفي أن تكون لهم الخيرة فيما مضى قبل نزول هذه الآية، دون المستقبل. لقوله: «ما لهم الخيرة»، ولم يقل: «ليس لهم الخيرة»؛ ليكون نفيًا عن أن يكون ذلك لهم فيما قبل وفيما بعد. ٢- أنه غير جائز في الكلام أن يقال ابتداء: «ما كان لفلان الخيرة»، ولَمّا يتقدم قبل ذلك كلام يقتضي ذلك. ٣-أن معنى ﴿الخيرة﴾ في هذا الموضع: إنما هو «الخِيرَة»، وهو الشيء الذي يختار من البهائم، والأنعام، والرجال، والنساء، وليس بالاختيار. وانتَقَدَ ابنُ عطية (٦‏/‏٦٠٥) اختيار ابن جرير للقول الثاني، فقال: «اعتذر الطبري عن الرفع الذي أجمع القراء عليه في قوله تعالى: ﴿ما كان لهم الخيرةُ﴾ بأقوالٍ لا تتحصل، وقد ردَّ الناس عليه في ذلك». وقال ابنُ كثير (١٠‏/‏٤٧٩): «قد احتجَّ بهذا المسلك طائفةُ المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح»

سورة ص — الآية ٤١

عن معاوية بن قرة، قال: إنّ أيوب نبيَّ الله لَمّا أصابه الذي أصابه قال إبليس: يا ربِّ، ما يُبالي أيوبُ أن تعطيه أهلَه ومثلَهم معهم، وتخلف له ماله، سلِّطني على جسده. قال: اذهب، فقد سلَّطتك على جسده، وإيّاك -يا خبيثُ- ونفسَه. قال: فنفخ فيه نفخةً سقط لحمه، فلمّا أعياه صرخ صرخة اجتمعت إليه جنوده، فقالوا: يا سيدنا، ما أغضبك؟ فقال: لِمَ لا أغضب؟! إنِّي أخرجتُ آدم من الجنة، وإنّ ابنه هذا الضعيف قد غلبني. فقال المُذْهَبُ: سيدنا، ما فعلت امرأته؟ فقال: حية. قال: أمّا هي فقد كفيتُك أمرَها. فقال له: فإن أطلقتها فقد أصبتَ، وإلا فأعطه المَقادة، فجاء إليها، فاستزَلَّها، فأتتْ أيوبَ، فقالت له: يا أيوبُ، إلى متى هذا البلاء؟ كلمةٌ واحدة ثم استغفرْ ربك فيغفر لك. فقال لها: فعلتِها أنتِ أيضًا؟ ثم قال لها: أما -واللهِ- لَئِن عافاني اللهُ لأجلدنَّك مائة جلدة. فقال: ربِّ، إن الشيطان مسني بنصب وعذاب. فأتاه جبريل، فقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾. فرجع إليه حُسنُه وشبابُه، ثم جلس على تلٍّ مِن تراب، فجاءته امرأته بطعامه، فلم تر له أثرًا، فقالت لأيوب وهو على التل: يا عبد الله، هل رأيت مُبتلًى كان ههنا، أتدري ما فعل؟ فقال لها: إن رأيتِه تعرفينه؟ فدارت، فلم تره، فرجعت إليه، فقالت: يا عبد الله، هل رأيت مُبتلًى كان ههنا؟ فقال لها: إن رأيتِه تعرفينه؟ فقالت له: لعلك أنت هو؟ قال: نعم. فأوحى الله إليه: أن خذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث. قال: والضِغْثُ: أن يأخذ الحزمة مِن السياط، فيضرب بها الضربة الواحدة

أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ على أقوال: الأول: أن الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله. والإقتار: المنع من حقوق الله. الثاني: أن السرف: هو مجاوزة الحد في النفقة. والإقتار: التقصير عن الحدِّ الذي لا بُدَّ منه. الثالث: أنّ الإسراف هو أكل مال الغير بغير حق. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٠١) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، فقال: «والصواب من القول في ذلك قولُ مَن قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدَّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه. والإقتار: ما قصر عما أمر الله به. والقوام: بين ذلك. وإنما قلنا إن ذلك كذلك لأنّ المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصًا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذمومًا؛ لأنّ ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذم». وانتقد ابنُ عطية (٦‏/‏٤٥٧-٤٥٨ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية القول الأول، وقول مَن قال: الإسراف: أن تنفق مال غيرك، فقال: «هذه الأقوال غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر. والوجه أن يُقال: إنّ النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليلَه وكثيرَه، وكذلك التعدِّي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون مُنَزَّهون عن ذلك». ثم رجّح أن «التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدبُ الشرع فيها أن لا يُفَرِّط الإنسان حتى يضيع حقًّا آخر أو عيالًا ونحو هذا، وأن لا يضيق أيضًا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشُّحّ، والحسن في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخِفَّة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها»

سورة الأعراف — الآية ١٤٤

عن عبد الرحمن المغافريِّ، عن أبيه: أنّ كعب الأحبار رأى حبر اليهود يبكي، فقال له: ما يُبكيك؟ قال: ذكرتُ بعض الأمر. فقال له كعبٌ: أنشدك بالله، لَئِن أخبرتُك ما أبكاك لَتُصَدِّقَنِّي؟ قال: نعم. قال: أنشدك بالله، هل تجد في كتاب الله المنزَّل أنّ موسى نظر في التوراة، فقال: ربِّ، إنِّي أجد أُمَّةً في التوراة خيرَ أُمَّةٍ أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالكتاب الأوَّل، والكتاب الآخر، ويُقاتِلون أهلَ الضلالة حتى يُقاتِلوا الأعور الدجال. فقال موسى: ربِّ، اجعلهم أمتي. قال: هُمْ أُمَّةُ أحمد؟ قال الحَبرُ: نعم. قال كعبٌ: فأنشدك بالله، هل تجد في كتاب الله المُنَزَّل أنّ موسى نظر في التوراة، فقال: ربِّ، إنِّي أجِدُ أُمَّةً هم الحمّادون، رعاة الشَّمس، المحكَّمون، إذا أرادوا أمرًا قال: أفعلُه إن شاء الله. فاجعلهم أُمَّتي. قال: هُم أُمَّة أحمد؟ قال الحبرُ: نعم. قال كعبٌ: أنشدك بالله، هل تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة، فقال: يا ربِّ، إني أجد أُمَّةً إذا أشرف أحدهم على شَرَفٍ كَبَّر الله، وإذا هَبَط واديًا حمِد الله، الصعيدُ لهم طهورٌ، والأرض لهم مسجدٌ، حيثما كانوا يَتَطَهَّرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غُرٌّ مُحَجَّلون من آثار الوضوء، فاجعلهم أُمَّتي. قال: هم أمة أحمد؟ قال الحبرُ: نعم. قال كعبٌ: أنشدك بالله، هل تجد في كتاب الله المُنَزَّل أنّ موسى نظر في التوراة، فقال: ربِّ، إني أجد أُمَّةً مرحومة ضعفاء، يرثون الكتاب، واصطفيتهم؛ فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصدٌ، ومنهم سابقٌ بالخيرات، ولا أجد أحدًا منهم إلّا مرحومًا، فاجعلهم أمتي. قال: هم أُمَّة أحمد؟ قال الحبرُ: نعم. قال كعبٌ: أنشدك بالله، هل تجد في كتاب الله المنزَّل أنّ موسى نظر في التوراة، فقال: يا ربِّ، إني أجد في التوراة أمَّةً مصاحفُهم في صدورهم، يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة، يَصُفُّون في صلاتهم كصفوف الملائكة، أصواتهم في مساجدهم كدَوِيِّ النحل، لا يدخل النار منهم أحدٌ إلا مَن برِئَ من الحسنات مثل ما برِئَ الحجر مِن ورَق الشجر، فاجعلهم أمَّتي. قال: هم أُمَّةُ أحمد؟ قال الحبرُ: نعم. فلمّا عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله محمدًا وأمَّته قال: يا ليتني مِن أمَّة أحمدَ. فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهنَّ: ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ الآية. فرضي موسى كُلَّ الرِّضا

اختُلِف في المراد بالحياة الطيبة على خمسة أقوال: الأول: أنّ المراد: أنه تعالى يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال. والثاني: أنّ المراد: أنه تعالى يرزقهم في الدنيا القناعة. والثالث: أنّ المراد: أنه تعالى يحييهم في الدنيا حياة مؤمنين به عاملين بطاعته. والرابع: أنّ المراد: أنه تعالى يحييهم في الدنيا سعداء. والخامس: أنّ المراد بالحياة الطيبة: حياة الآخرة، ونعيم الجنة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٥٤-٣٥٥) القولَ الثانيَ -وهو قول عليّ، والحسن، ووهب بن منبه، ومحمد بن كعب، وغيرهم- استنادًا إلى السياق، والدلالة العقلية، فقال: «أولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة. وذلك أنّ من قنَّعه الله بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها. وإنما قلت ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية لأن الله -تعالى ذكره- أوعد قومًا قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها، وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله﴾ فهذا لهم في الدنيا، ﴿ولكم﴾ في الآخرة ﴿عذاب عظيم﴾ فهذا لهم في الآخرة، ثم أتبع ذلك ما لمن أوفى بعهد الله وأطاعه، فقال تعالى: ﴿ما عندكم﴾ في الدنيا ﴿ينفد وما عند الله باق﴾، فالذي أوعد أهل المعاصي بإذاقتهم هذه السيئة بحكمته أراد أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بالإحسان في الدنيا، والغفران في الآخرة، وكذلك فعل -تعالى ذكره-». وعَلَّقَ (١٤‏/‏٣٥٥) على القول الأول بقوله: «وأما القول الذي روي عن ابن عباس أنه: الرزق الحلال. فهو محتمل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال وإن قلَّ، فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال، وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال لم نرهم رزقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥‏/‏٤٠٦) على القول الخامس -وهو قول مجاهد، وقتادة، وابن زيد، وقول آخر للحسن- بقوله: «هناك هو الطيب على الإطلاق، ولكن ظاهر هذا الوعد أنه في الدنيا». ثم قال: «والذي أقول: إن طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط نفوسهم ونُبلها وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر مُلِذٌّ، فبهذا تطيب حياتهم، وأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال، وصحة، أو قناعة؛ فذلك كمال، وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب». وذَهَبَ ابنُ كثير (٨‏/‏٣٥٢-٣٥٣بتصرّف) مستندًا إلى السُّنَّة إلى أنّ الحياة الطيبة تشمل كل تلك الأقوال، فقال: «الصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه»، «قد أفلح من هدي للإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقنع به»»

سورة النور — الآية ١١

عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار-: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك﴾: الكذب، ﴿عصبة منكم﴾ يعني: عبد الله بن أبي المنافق، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ﴿لاتحسبوه شرا لكم﴾ يقول لعائشة وصفوان: لا تحسبوا الذي قيل لكم مِن الكذب شرا لكم، ﴿بل هو خير لكم﴾ لأنّكم تؤجرون على ذلك، ﴿لكل امرىء منهم﴾ يعني: مَن خاض في أمر عائشة ﴿ما اكتسب من الإثم﴾ على قدر ما خاض فيه مِن أمرها، ﴿والذي تولى كبره﴾ يعني: عظمه ﴿منهم﴾ يعني: القَذَفَة، وهو ابن أُبيٍّ رأس المنافقين، وهو الذي قال: ما بَرِئَتْ مِنهُ، وما بَرِئَ منها ﴿له عذاب عظيم﴾ وفي هذه الآية عِبرةٌ عظيمة لجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئة، فمَن أعان عليها بفِعْل أو كلام، أو عَرَّض بها، أو أعجبه ذلك، أو رضي؛ فهو في تلك الخطيئة على قدر ما كان منه، وإذا كان خطيئة بين المسلمين فمَن شهد وكره فهو مثل الغائب، ومَن غاب ورضي فهو مثل شاهد، ﴿لولا إذ سمعتوه﴾ قذفَ عائشة وصفوان؛ ﴿ظن المؤمنون والمؤمنات﴾ لأنّ منهم حَمْنة بنت جحش، يعني: هلّا كذَّبتم به ﴿بأنفسهم خيرا﴾ هلّا ظنَّ بعضُهم ببعضٍ خيرًا أنهم لم يَزْنوا، ﴿وقالوا هذا إفك مبين﴾ ألا قالوا: هذا القذفُ كذبٌ بيِّن، ﴿لولا جاءوا عليه﴾ يعني: على القذف ﴿بأربعة شهداء﴾، ﴿فأولئك﴾ يعني: الذي قذفوا عائشة ﴿عند الله هم الكاذبون﴾ في قولهم، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة﴾ مِن تأخُّر العقوبة؛ ﴿لمسكم فيما أفضتم فيه﴾ يعني: في ما قلتم مِن القذف ﴿عذاب عظيم﴾، ﴿تلقونه بألسنتكم﴾ وذلك حين خاضوا في أمرِ عائشة، فقال بعضهم: سمعت فلانًا يقول كذا وكذا. وقال بعضهم: بلى، كان كذا وكذا. فقال: ﴿تلقونه بالسنتكم﴾ يقول: يرويه بعضُكم عن بعض، ﴿وتقولون بأفواهكم﴾ يعني: بألسنتكم مِن قذفها ﴿ما ليس لكم به علم﴾ يعني: مِن غير أن تعلموا أنّ الذي قلتم مِن القذف حقٌّ، ﴿وتحسبونه هينا﴾ يعني: تحسبون أنّ القذف ذنب هيِّن، ﴿وهو عند الله عظيم﴾ يعني: في الوِزْر، ﴿لولا اذ سمعتموه﴾ يعني: القذف؛ ﴿قلتم ما يكون﴾ يعني: ألا قلتم: ما يكون؛ ما ينبغي ﴿لنا أن نتكلم بهذا﴾ ولم تره أعينُنا! ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ يعني: ألا قلتم: هذا كذب عظيم. مثل ما قال سعدُ بن معاذ الأنصاري؛ وذلك أنّ سعدًا لَمّا سمع قول مَن قال في أمر عائشة قال: سبحانك! هذا بهتان عظيم. والبهتان: الذي يبهت فيقول ما لم يكن، ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله﴾ يعني: القذف؛ ﴿ان كنتم مؤمنين﴾ يعني: مُصَدِّقين، ﴿ويبين الله لكم الآيات﴾ يعني: ما ذُكِر مِن المواعظ، ﴿أن الذين يحبون ان تشيع الفاحشة﴾ يعني: تَفْشُو، ويظهر الزنا؛ ﴿لهم عذاب أليم في الدنيا﴾ بالحدِّ، ﴿و﴾في ﴿الآخرة﴾ عذاب النار، ﴿ولولا فضل الله﴾ الآيةَ؛ لعاقبكم بما قلتم لعائشة، ﴿وأن الله رؤوف رحيم﴾ حين عفا عنكم فلم يعاقبكم، ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان﴾ يعني: تزيينه؛ ﴿فانه يأمر بالفحشاء﴾ يعني: بالمعاصي، ﴿والمنكر﴾ ما لا يُعْرَف، مثل ما قيل لعائشة، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ يعني: نعمته؛ ﴿ما زكا﴾ ما صلح، ﴿ولكن الله يزكي﴾ يُصلِح ﴿من يشاء﴾، فلما أنزل الله عذر عائشة وبرَّأها، وكذَّب الذين قذفوها؛ حلف أبو بكر أن لا يَصِل مسطحَ بن أثاثة بشيء أبدًا؛ لأنه كان في مَنِ ادَّعى على عائشة مِن القذف، وكان مسطح من المهاجرين الأولين، وكان ابنَ خالة أبي بكر، وكان يتيمًا في حِجْره فقيرًا، فلمّا حلف أبو بكر ألا يصله نزلت في أبي بكر: ﴿ولا يأتل﴾ أي: ولا يحلف ﴿أولو الفضل منكم﴾ يعني: في الغنى؛ أبا بكر الصديق، ﴿والسعة﴾ يعني: في الرزق، ﴿أن يؤتوا أولي القربى﴾ يعني: مسطح بن أثاثة قرابة أبي بكر وابن خالته، ﴿والمساكين﴾ يعني: لأنّ مسطحًا كان فقيرًا، ﴿والمهاجرين في سبيل الله﴾ يعني: لأنّ مِسطحًا كان من المهاجرين، ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ يعني: ليتجاوزوا عن مِسطح، ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «أما تحب أن يغفر الله لك؟». قال: بلى، يا رسول الله. قال: «فاعفُ واصفح». فقال أبو بكر: قد عفوتُ وصفحتُ، لا أمنعه معروفًا بعد اليوم. ﴿ان الذين يرمون المحصنات﴾ يعني: يقذفون بالزِّنا الحافظات لفروجهن العفائف، ﴿الغافلات﴾ يعني: عن الفواحش، يعني: عائشة، ﴿المؤمنات﴾ يعني: الصادقات؛ ﴿لعنوا﴾ يعني: جُلِدوا ﴿في الدنيا والآخرة﴾ يُعَذَّبون بالنار، يعني: عبد الله بن أبي؛ لأنه منافق له عذاب عظيم، ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم﴾ قال: مَن قذف عائشة يوم القيامة، ﴿يومئذ﴾ يعني: في الآخرة ﴿يوفيهم الله دينهم الحق﴾ حسابهم العدل، لا يظلمهم، ﴿ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾ يعني: العدل المبين، ﴿الخبيثات﴾ يعني: السيء من الكلام؛ قذفُ عائشة ونحوه ﴿للخبيثين﴾ مِن الرجال والنساء، يعني: الذين قذفوها، ﴿والخبيثون﴾ يعني: مِن الرجال والنساء ﴿للخبيثات﴾ يعني: السيء مِن الكلام؛ لأنه يليق بهم الكلام السيء، ﴿والطيبات﴾ يعني: الحسن مِن الكلام ﴿للطيبين﴾ مِن الرجال والنساء، يعني: الذين ظنوا بالمؤمنين والمؤمنات خيرًا، ﴿والطيبون﴾ من الرجال والنساء ﴿للطيبات﴾ للحسن من الكلام؛ لأنه يليق بهم الكلام الحسن، ﴿أولئك﴾ يعني: الطيبين مِن الرجال والنساء ﴿مبرؤون ما يقولون﴾ هم بُرآء من الكلام السيء، ﴿لهم مغفرة﴾ يعني: لذنوبهم، ﴿ورزق كريم﴾ يعني: حسنًا في الجنة. فلمّا أنزل اللهُ عُذْرَ عائشة ضمَّها رسولُ الله ﷺ إلى نفسه، وهي مِن أزواجه في الجنة

اختُلف في المراد بالماعون على أقوال: الأول: الزكاة. الثاني: ما يتعاوره الناسُ بينهم مِن مثل الدّلو والقِدْر ونحو ذلك. الثالث: المعروف. الرابع: المال. قال ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦٦٥) مستندًا إلى اللغة: ""وقوله: ﴿ويمنعون الماعون﴾ يقول: ويمنعون الناس منافع ما عندهم، وأصل الماعون من كل شيء منفعته؛ يقال للماء الذي ينزل من السحاب: ماعون؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة:بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغمثم ذكر اختلاف السلف في المراد به في هذا الموضع، ثم رجّح (٢٤‏/‏٦٧٨) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، إذ كان الماعون هو ما وصفنا قبل، وكان الله قد أخبر عن هؤلاء القوم، وأنهم يمنعونه الناس، خبرًا عامًا، من غير أن يخص من ذلك شيئًا؛ أن يقال: إنّ الله وصفهم بأنهم يمنعون الناس ما يتعاورونه بينهم، ويمنعون أهل الحاجة والمسكنة ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق؛ لأنّ كل ذلك من المنافع التي ينتفع بها الناس بعضهم من بعض». وذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٧٤) قول عكرمة: «رأس الماعون: زكاة المال، وأدناه: المُنخُل، والدّلو، والإبرة». ثم علّق قائلًا: «وهذا الذي قاله عكرمة حسن؛ فإنه يشمل الأقوال كلّها، وترجع كلّها إلى شيء واحد، وهو ترْك المعاونة بمال أو منفعة. ولهذا قال محمد بن كعب: ﴿ويمنعون الماعون﴾، قال: المعروف. ولهذا جاء في الحديث: «كلّ معروف صدقة»»

سورة البقرة — الآية ٣٦

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-: وسْوَس الشيطان إلى حواء في الشجرة، حتى أتى بها إليها، ثم حَسَّنها في عين آدم. قال: فدعاها آدمُ لحاجته. قالت: لا، إلا أن تأتي ههنا. فلَمّا أتى قالت: لا، إلا أن تأكل من هذه الشجرة. قال: فأكلا منها، فبدت لهما سوآتهما. قال: وذهب آدم هارِبًا في الجنة، فناداه ربه: يا آدم، أمِنِّي تَفِرُّ؟ قال: لا، يا رب، ولكن حياءً منك. قال: يا آدم، أنّى أُتِيتَ؟ قال: من قِبَل حواء، أيْ رب. فقال الله: فإنّ لها عَلَيَّ أن أُدْمِيَها في كل شهر مرة كما أدميت هذه الشجرة، وأن أجعلها سفيهة، فقد كنت خلقتها حليمة، وأن أجعلها تحمل كرهًا وتضع كرهًا، فقد كنت جعلتها تحمل يُسرًا وتضع يُسرًا. قال ابن زيد: ولولا البَلِيّة التي أصابت حواء لكان نساء الدنيا لا يَحِضْنَ، ولَكُنَّ حليمات، وكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا، ويَضَعْنَ يُسْرًا