قال مقاتل بن سليمان: الكَفُور: هو عُتبة بن ربيعة، وذلك أنهم خَلَوا به في دار النّدوة، وفيهم عمرو بن عُمير بن مسعود الثَّقَفي، فقالوا: يا محمد، أخبِرنا لِمَ تركتَ دين آبائك وأجدادك؟ فقال الوليد بن المُغيرة: إن طلبتَ مالًا أعطيتُك نصف مالي على أن تَدعَ مقالتك هذه. وقال أبو البَخْتَريّ بن هشام: واللّات والعُزّى، إن ارتدّ عن دينه لأزوّجنه ابنتي؛ فإنها أحسن النساء، وأجملهنّ جمالًا، وأفصحهنّ قولًا، وأَبْلغهنّ علمًا، وقد عَلمت العُزّى بذلك. فسكَتَ النبي ﷺ عن ذلك، فلم يُجبهم شيئًا. فقال ابن مسعود الثَّقَفي: ما لك لا تُجيبنا؟! إن كنتَ تخاف عذاب ربّك وذمّه أجَرْتُك. فضحك النبيُّ ﷺ عند ذلك، وقَبض ثوبه، وقام عنهم، وقال: «أصعب أقوال، وأضعف أعمال». فأَنزَل الله عز وجل: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾
اختُلف في معنى: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ في هذه الآية على أقوال بناءً على اختلاف القرأة في قراءتها، فمن قرأها: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء: اختلفوا في معناها على أقوال: الأول: المعنى: فراحةٌ ومُسْتَراحٌ. الثاني: الرَّوح: الراحة، والريحان: الرزق. الثالث: الرَّوح: الفرح، والريحان: الرزق. الرابع: الرَّوح: الرحمة، والرَّيحان: الريحان المعروف. الخامس: الرَّوح: الرحمة، والريحان: الاستراحة. ومَن قرأها: ‹فَرُوحٌ› بضم الراء، قالوا: الرُّوح: روح الإنسان، والريحان: هو الريحان المعروف. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٣٧٩) -مستندًا إلى اللغة- «قول مَن قال: عُنِيَ بالرَّوح: الفرح والرحمة والمغفرة، وأصله من قولهم: وجدتُ رَوحًا: إذا وجَد نسيمًا رَوْحًا يستريح إليه مِن كرب الحرِّ، وأما الرَّيحان: فإنه عندي الريحان الذي يُتَلَقّى به عند الموت. كما قال أبو العالية، والحسن، ومَن قال في ذلك نحو قولهما؛ لأن ذلك الأغلب والأظهر من معانيه»
اختُلف في قراءة قوله: ﴿برق﴾؛ فقرأ قوم: ‹بَرَقَ› بفتح الراء. وقرا آخرون بكسرها. وذكر ابنُ جرير (٢٣/٤٧٨) أنّ معنى قراءة الفتح: شَخص، وفَتح عند الموت. وأنّ معنى قراءة الكسر: فَزع وشقّ. وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/٤٧٣). وذكر ابنُ كثير (١٤/١٩٤) أنّ ما قاله أبو عمرو بن العلاء شبيه بقوله تعالى: ﴿لا يرتد إليهم طرفهم﴾ [إبراهيم:٤٣]، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يَستقرّ لهم بصرٌ على شيء؛ من شدة الرُّعب. ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/٤٧٩) قراءة الكسر مستندًا إلى اللغة، فقال: «وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب كسر الراء ﴿فإذا برق﴾، بمعنى: فزعِ فشُقّ وفُتح من هول القيامة وفزَع الموت، وبذلك جاءت أشعار العرب». وذكر ابنُ عطية (٨/٤٧٣) أنّ المعنى متقارب في القراءتين. وبنحوه قال ابنُ كثير (١٤/١٩٤)
اختُلف في قوله: ﴿والسابحات سبحا﴾ على أقوال: الأول: الملائكة. الثاني: النُّجوم. الثالث: الموت. الرابع: أرواح المؤمنين. الخامس: السُّفن. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٦٣) العموم، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله -جلّ ثناؤه- أقسم بالسّابحات سبحًا من خَلْقه، ولم يخصص من ذلك بعضًا دون بعض، فذلك كلّ سابح؛ لما وصفنا قبل في النازعات». وزاد ابنُ عطية (٨/٥٢٦) في معنى الآية عدة أقوال، فقال: «وقال أبو رَوق: السابحات: الشمس والقمر والليل والنهار. وقال بعض المتأولين: السابحات: السحاب؛ لأنها كالعائمة في الهواء. وقال عطاء وجماعة: السابحات: الخيل، ويقال للفرس: سابح. وقال آخرون: السابحات: الحيتان دواب البحر فما دونها، وذلك من عظيم المخلوقات، فرُوي أنّ الله تعالى بثّ في الدنيا ألف نوع من الحيوان؛ منها أربعمائة في البر، وستمائة في البحر»
ذَهَبَ ابن القيم إلى أنّ الباء في قوله تعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِه﴾ للمصاحبة، فقال (٢/١٣٢-١٣٣): «في قوله تعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِه﴾ دون: بعث بعبده، وأرسل به. ما يُفِيد مصاحبته له في مسراه؛ فإن الباء هنا للمصاحبة، كهي في قوله: هاجر بأهله، وسافر بغلامه. وليست للتعدية؛ فإنّ»أسرى«يتعدى بنفسه، يقال: سري به، وأسراه. وهذا لأنّ ذلك السرى كان أعظم أسفاره ﷺ، والسفر يعتمد الصاحب، ولهذا كان ﷺ إذا سافر يقول: «اللهم، أنت الصاحب في السفر». فإن قيل: فهذا المعنى يفهم من الفعل الثلاثي لو قيل: سرى بعبده. فما فائدة الجمع بين الهمزة والباء؟ ففيه أجوبة: أحدها: أنهما بمعنى، وأن»أسرى«لازم كـ»سرى«، تقول: سرى زيد، وأسرى. بمعنًى واحد، وهذا قول جماعة. الثاني: أنّ»أسرى"" متعدّ، ومفعوله محذوف، أي: أسرى بعبده البراق. هذا قول أبي القاسم السهيلي وغيره. ويشهد للقول الأول قول الصديق: أسرينا ليلتنا كلها ومِن الغد حتى قام قائم الظهيرة. والجواب الصحيح: أنّ الثلاثي المتعدي بالباء يفهم منه شيئان: أحدهما: صدور الفعل من فاعله. الثاني: مصاحبته لما دخلت عليه الباء. فإذا قلت: سريت بزيد، وسافرت به. كنت قد وجد منك السرى والسفر مصاحبًا لزيد فيه، كما قال:ولقد سريت على الظلام بمعشرومنه الحديث: أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. وأما المتعدي بالهمزة فيقتضي إيقاع الفعل بالمفعول فقط، كقوله تعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكُمْ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النحل:٧٨]، ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء:٥٧]، ونظائره. فإذا قرن هذا المتعدي بالهمزة أفاد إيقاع الفعل على المفعول مع المصاحبة المفهومة من الباء، ولو أتى فيه بالثلاثي فهم منه معنى المشاركة في مصدره وهو ممتنع، فتأمله
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخلن علينا قَصَبةَ المدينة[[قصبة البلد: مدينته، وقيل: معظمه. وقصبة القرية: وسطها. لسان العرب (قصب).]] إلا مؤمن». فقال رؤساء اليهود: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا. فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر، ويرجعون إليهم بعد العصر، وهو قوله: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا آخره﴾ [آل عمران: ٧٢]. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال لكم في التوراة كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم قالوا: ﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية[[أخرجه ابن جرير ٢/١٤٩ مع اختلاف عما هنا.]][[c=٣٢٤]]
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ هذا في الأحرار إذا لم يكونا مُحصنَيْن، فإن كانا محصنَينِ رُجِما، نا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله في البِكر ينكح، ثم يزني قبل أن يُجامع امرأته. قال: الجلد عليه، ولا رجم عليه حتى يُحْصَن. وأما المملوكان فيجلدان خمسين خمسين، وليس عليهما رجم. ولا يقام حَدُّ الزنا على أحد حتى يشهد عليه أربعة أحرار عدول، يجيئون جميعًا غير متفرقين، حرًّا كان الزاني أو مملوكًا، فإن شهد أربعة على امرأة، أحدُهم زوجُها؛ لم تُرْجَم، ولاعنها زوجها، وجُلِد الثلاثة ثمانين ثمانين. فإذا جاء الشهود الأربعة متفرقين جُلِدوا ثمانين ثمانين. فأما الرجل الزاني فتُوضَع عنه ثيابه إذا جُلِد، وأمّا المرأة فيُترك عليها من الثياب ما يصل إليها الجلد. وإن أقر الزاني على نفسه بالزِّنا حرًّا كان أو مملوكًا لم يُقَم عليه الحدُّ حتى يُقِرَّ على نفسه أربع مرات. قال: والجلد في الزنا بالسوط...
اختُلف في معنى: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: حبالٌ من الشجر تكون بمكة. الثاني: المسد: اللِّيفُ. الثالث: المسد: الحديد الذي يكون في البكرة. الرابع: هو قلادة من ودَعٍ في عنقها. وعلَّق ابنُ عطية (٨/٧٠٩) على القول الرابع بقوله: «فإنما عبَّر عن قِلادتها بحبل من مَسَد على جهة التفاؤل لها، وذكر تبرّجها في هذا السعي الخبيث». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٧٢٥) -مستندًا إلى اللغة- أنه ""حَبْلٌ جُمِعَ من أنواع مختلفة، ولذلك اختلف أهل التأويل في تأويله على النحو الذي ذكرنا، ومما يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول الراجز:ومَسَدٍ أُمِرَّ مِن أيانِقِ صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتِ مُخٍّ زاهِقِفجعل إمراره من شتى، وكذلك المسد الذي في جِيدِ امرأة أبي لهبٍ أُمِرَّ من أشياء شتى؛ من ليفٍ وحديدٍ ولِحاءٍ، وجُعِلَ في عُنُقها طوقًا كالقِلادة من ودَعٍ، ومنه قول الأعشى:تُمسي فيَصرفُ بابُها من دوننا غَلَقًا صريفَ محالةِ الأمسادِيعني بالأمسادِ: جمعَ مسدٍ؛ وهي الحبال""
قال ابن إسحاق: فلمّا أبَوْا إلا الكفرَ به أمْسَكَ اللهُ عنهم القَطْرَ ثلاث سنين -فيما يزعمون- حتى جهدهم ذلك. قال: وكان الناس إذا جهدهم أمرٌ في ذلك الزمان، فطلبوا من الله الفرج فيه؛ إنّما يطلبونه بحُرْمَة ومكان بيته، وكان معروفًا عند المِلَل، وبه العماليق مقيمون، وهم مِن سلالة عِمْلِيقُ بن لاوَذَ بن سام بن نوح، وكان سيِّدُهم إذ ذاك رجلًا يُقال له: معاوية بن بكر، وكانت له أُمٌّ من قوم عاد، واسمها: كَلْهدةَ ابنةَ الخَيْبَرِيِّ، قال: فبَعَثَتْ عادٌ وفدًا قريبًا من سبعين رجلًا إلى الحرم؛ لِيَسْتَسْقوا لهم عند الحرم، فمَرُّوا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة، فنزلوا عليه، فأقاموا عنده شهرًا، يشربون الخمر، وتُغَنِّيهم الجرادتان؛ قَيْنَتانِ لمعاوية بن بكر، وكانوا قد وصلوا إليه في شهر، فلمّا طال مقامهم عنده، وأخذته شفقة على قومه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عَمِل شعرًا يُعَرِّض لهم بالانصراف، وأمر القَيْنَتَيْنِ أن تغنياهم به، فقال: ألا يا قَيْلُ ويحك قم فَهَيْنِمْ لعل الله يصبحنا غَماما فيسقي أرض عاد إنّ عادًا قد أمسوا لا يُبِينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهمُ بخير فقد أمست نساؤهمُ عَرامى وإن الوحش تأتيهم جهارًا ولا تخشى لعادِيٍّ سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما فقُبِّح وفدُكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما قال: فعند ذلك تَنَبَّه القومُ لِما جاءوا له، فنهضوا إلى الحرم، ودَعَوْا لقومهم، فدعا داعيهم، وهو: قَيْلُ بن عَنزٍ، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا: بيضاء، وسوداء، وحمراء، ثم ناداه منادٍ من السماء: اختر لنفسك -أو: لقومك- من هذا السحاب. فقال: اخترت هذه السحابة السوداء؛ فإنّها أكثر السحاب ماءً. فناداه منادٍ: اخترتَ رمادًا رِمْدِدًا، لا تبقي مِن عاد أحدا، لا والدًا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا بني اللُّوذِيَّةِ المُهَدّى، قال: وبنو اللوذية: بطنٌ من عادٍ، مقيمون بمكة، فلم يصبهم ما أصاب قومهم. قال: وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة. قال: وساق الله السحابة السوداء -فيما يذكرون- التي اختارها قَيْلُ بن عَنزٍ بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من وادٍ يُقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾. يقول: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ [الأحقاف:٢٤-٢٥] أي: تُهْلِك كلَّ شيء مَرَّت به، فكان أول مَن أبصر ما فيها وعرف أنها ريح -فيما يذكرون- امرأة من عاد يُقال لها: مَهْدُ، فلمّا تبينت ما فيها صاحت، ثم صعقت، فلمّا أفاقت قالوا: ما رأيتِ، يا مَهْدُ؟ قالتْ: ريحًا فيها شُهُب النار، أمامها رجال يقودونها. فسخَّرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، كما قال الله. والحسوم: الدائمة. فلم تدع من عاد أحدًا إلا هلك، واعتزل هود عليه السلام فيما ذُكِر لي- ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومَن معه إلا ما تلين عليه الجلود، وتَلْتَذُّ الأنفس، وإنّها لَتَمُرُّ على عاد بالطعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة
أفادت الآثارُ اختلافَ السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ على أقوال أربعة: الأول: أنهم الأمراء والولاة. الثاني: أنهم أهل العلم والفقه. الثالث: أنهم أصحاب النبي ﷺ. الرابع: أنهم أبو بكر وعمر. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧/١٨٢) مستندًا إلى السنة، والدلالة العقلية القول الأول، وذلك: «لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة». ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في ذلك -وهي في الآثار المتعلقة بالآية-، ثُمَّ قال (٧/١٨٤): «فإذا كان معلومًا أنّه لا طاعةَ واجبةً لأحد غيرِ الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ بطاعة ذوي أمرنا، كان معلومًا أنّ الذين أمر بطاعتهم -تعالى ذِكْرُه- مِن ذوي أمرنا هم الأئمة، ومَن ولَّوْه أمرَ المسلمين دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضًا القبولُ مِن كُلِّ مَن أمر بترك معصية الله، ودعا إلى طاعته، غير أنّه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تَقُم حُجَّةُ وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عبادَه طاعتَهم فيما أمروا به رعِيَّتَهم مما هو مصلحة لعامة الرعية، فإن على مَن أمَروه بذلك طاعتهم». ورَجَّح ابنُ كثير (٤/١٣٦) مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة أنّ الآية عامَّةٌ في الأمراء والعلماء، وكلاهما داخل فيها، قال: «والظاهر -والله أعلم- أنّ الآية في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء، وقد قال تعالى: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت﴾ [المائدة:٦٣]، وقال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل:٤٣]، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصا الله، ومَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عصا أميري فقد عصاني». فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء». وإلى نحو ما قال ابنُ كثير ذهب ابنُ القيم (١/٢٧٩)، حيث قال: «فإنّ العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به نبيه، فإنّ العلماء ولاته حِفْظًا، وبيانًا، وذبًّا عنه، وردًّا على مَن ألحد فيه وزاغ عنه، والأمراء ولاته قيامًا، وعنايةً، وجهادًا، وإلزامًا للناس به، وأخذهم على يد مَن خرج عنه»