سورة الحجرات — الآية ٦

عن أُمّ سَلَمة -من طريق ثابت مولى أُمّ سَلَمة- قالت: بعث النبيُّ ﷺ الوليدَ بن عُقبة إلى بني المُصطلق يُصدِّقُ أموالهم، فسمع بذلك القومُ، فتلقّوه يُعَظِّمون أمرَ رسول الله ﷺ، فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتْله، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: إنّ بني المُصطلق منعوا صدقاتهم. فبلغ القومَ رجوعُه، فأتَوا رسول الله ﷺ، فقالوا: نعوذ بالله من سَخَط الله وسَخَط رسوله، بَعثتَ إلينا رجلًا مُصَدِّقًا فسُرِرْنا لذلك، وقَرَّت أعينُنا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبًا من الله ورسوله. ونَزَلتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية

سورة الحشر — الآية ٨

عن عبد الله بن عباس، قال: خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية، فقال: يا أيها الناس، مَن أراد أن يسأل عن القرآن فليأتِ أُبيّ بن كعب، ومَن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأتِ زيد بن ثابت، ومَن أراد أن يسأل عن الفقه فليأتِ معاذ بن جبل، ومَن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإنّ الله جعلني له واليًا وقاسِمًا، أبدأ فيه بأزواج النبي ﷺ، ثم المهاجرين الأولين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ﴾ فقرأ الآية كلّها، فمَن أسرع إلى الهجرة أسْرَع إليه العطاء، ومَن أبطأ عن الهجرة أبطأَ عنه العطاء، فلا يلومنّ رجلٌ إلا مُناخ راحلته

سورة الجمعة — الآية ٩

عن محمد بن سيرين -من طريق أيوب- قال: جَمَّع أهلُ المدينة قبل أن يَقدَم النبيُّ ﷺ، وقبل أن تَنزل الجُمُعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كلّ سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلُمّ فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر الله ونشكره. فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العَرُوبة. وكانوا يُسمُّون الجُمُعة: يوم العَرُوبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين، وذكّرهم، فسَمَّوا الجُمُعة حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاةً، فتَغَدّوا، وتَعشَّوا منها، وذلك لقِلّتهم؛ فأنزل الله في ذلك بعد: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية

عن عبد الله بن عباس، قال: قلتُ لعمر بن الخطاب: مَن المرأتان اللتان تَظاهرتا؟ قال: عائشة وحفصة، وكان بدء الحديث في شأن مارية أُمّ إبراهيم القِبْطيّة، أصابها النبيُّ ﷺ في بيت حفصة في يومها، فوجدتْ حفصةُ، فقالت: يا نبي الله، لقد جئتَ إلَيَّ شيئًا ما جئتَه إلى أحد من أزواجك؛ في يومي، وفي دَوْري، وعلى فراشي. فقال: «ألا تَرضَين أنْ أُحرّمها فلا أقرَبها». قالت: بلى. فحرّمها، وقال: «لا تَذكُري ذلك لأحد». فذَكرتْه لعائشة، فأظهره الله عليه؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيات كلّها. فبلَغنا: أنّ رسول الله ﷺ كفّر عن يمينه، وأصاب جاريته

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ قريشًا دَعتْ رسول الله ﷺ إلى أن يُعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد مِن النساء، فقالوا: هذا لك، يا محمد، وكُفّ عَن شتْم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنّا نَعرض عليك خَصلة واحدة، ولك فيها صلاح. قال: «ما هي؟». قالوا: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. قال: «حتى أنظر ما يأتيني من ربي». فجاء الوحيُ من عند الله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٤-٦٦]

ذكر ابنُ جرير (١‏/‏٦٢٨) في معنى: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ قولًا آخر غير قول أبي العالية لم يُسنده، فقال: «وقال آخرون: معنى ذلك أنهم إليه يرجعون بموتهم». ثم رجَّح قول أبي العالية استنادًا إلى السياق، فقال: «وأولى التأويلين بالآية: القولُ الذي قاله أبو العالية؛ لأن الله -تعالى ذِكْرُه- قال في الآية التي قبلها: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (٢٨)﴾، فأخبر -جل ثناؤه- أنّ مرجعهم إليه بعد نشرهم وإحيائهم من مماتهم، وذلك لا شك يوم القيامة، فكذلك تأويل قوله: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾». وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٢٠٣)

انتَقَدَ ابن جرير (٢‏/‏٤٦٤ بتصرف) قولَ مَن زعم أن هذه الآية: ﴿كل له قانتون﴾ خاصَّةٌ لأهل الطاعة، وليست بعامة بدلالةِ السّياق، وعدم وجود حجة تدلّ على التّخصيص، فقال: «قد زَعَمَ بعضُ من قَصُرَت معرفته عن توجيه الكلام وجهته أنّ قوله: ﴿كل له قانتون﴾ خاصة لأهل الطاعة وليست بعامة، وغير جائز ادِّعاءُ خصوصٍ في آيةٍ عامٍّ ظاهرُها، إلا بحجةٍ يجب التسليم لها، وهذا خبرٌ من الله عن أنّ المسيح -الذي زعمت النصارى أنه ابن الله- مكذبهم هو والسموات والأرض وما فيهما؛ إما باللسان، وإما بالدلالة، وذلك أنّ الله أخبر عن جميعهم بطاعتهم إياه، وإقرارهم له بالعبودة، عَقِيب قوله: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا﴾، فدل ذلك على صحة ما قلنا»

اختُلِف فيمن عُنِي بهذه الآية؛ فقال قوم: هم الرؤساء والقادة، يتبرؤون ممن اتبعوهم. وقال آخرون: هم الشياطين، يتبرؤون من الإنس الذين اتبعوهم. وجَمَع ابنُ جرير (٣‏/‏٢٤) بين القولين لاندراجهما تحت العموم الذي أفادته الآية، فقال: «والصواب من القول عندي في ذلك: أنّ الله -جَلَّ ثناؤُه- أخْبَر أنّ المُتَّبِعِين على الشرك بالله يَتَبَرَّؤُون من أتباعهم حين يُعايِنُون عذاب الله، ولم يُخَصِّص بذلك منهم بعضًا دون بعض، بل عَمَّ جميعَهم، فداخلٌ في ذلك كُلُّ متبوع على الكفر بالله والضلال أنّه يتبرّأ من أتباعه الذين كانوا يتبعونه على الضلال في الدنيا إذا عاينوا عذاب الله في الآخرة». وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٤٠٤)

انتَقَد ابنُ جرير (٥‏/‏١٢٥)، وابنُ عطية (٢‏/‏١٢٥-١٢٦)، وابنُ كثير (١‏/‏٧٢٧) مستندين إلى السُّنَّةِ القولَ بكون الرهن لا يصار إليه إلا عند تعذر الكاتب والشهيد، وأنّ ذلك في السفر لا في الحضر. قال ابنُ جرير عَقِب إيراده أثر الضحاك: «إنه قول لا معنى له؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه اشترى طعامًا نَساءً، فجائز للرجل أن يرهن ويرتهن، في السفر والحضر؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ، ولأنه لم يكن مُتَعَذِّرًا عليه بمدينته في وقت من الأوقات الكاتب والشاهد». وبيَّن ابنُ عطية أنّ ذكر السفر في الآية وارد مورد التمثيل للأعذار، لا مورد الحصر لها، فيدخل في الآية كل عذر يحول دون الكتابة

بَيَّن ابنُ جرير (٦‏/‏٥٤٠-٥٤١ بتصرف) معنى الآية استنادًا إلى أقوال السلف، فقال: «يعني -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿وكيف تأخذونه﴾: وعلى أيِّ وجه تأخذون مِن نسائكم ما آتيتموهُنَّ من صدقاتهن إذا أردتُم طلاقَهُنَّ واستبدالَ غيرِهن بهن أزواجًا، ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ فتباشرتم وتلامستم. وهذا كلام وإن كان مخرجه مخرجَ الاستفهام فإنّه في معنى النكير والتغليظ، كما يقول الرجل لآخر: كيف تفعل كذا وكذا، وأنا غير راضٍ به؟! على معنى التهديد والوعيد. وأما الإفضاء إلى الشيء فإنّه: الوصول إليه بالمباشرة له. والذي عُني به الإفضاء في هذا الموضع: الجماعُ في الفرج. فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه: وكيف تأخذون ما آتيتموهن وقد أفضى بعضكم إلى بعض بالجماع؟!»