قال ابنُ عطية (٨‏/‏٢٨٣) تعليقًا على هذه الآية: «نَزَلَتْ إثر صُلح الحُدَيبية، وذلك أنّ الصُّلح تضمّن أن يَردّ المؤمنون إلى الكفار كلَّ من جاء مسلمًا مِن رجل وامرأة، فنقض الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم أنّ المُهاجِرة لا تُردّ إلى الكفار، بل تبقى تستبرئ وتتزوّج ويُعطى زوجها الكافر الصداق الذي أنفق، وأمر أيضًا المؤمنين بطلب صداق مَن فرَّت امرأتُه مِن المؤمنين، وحكم تعالى بهذا في النازلة وسمّاهم: مؤمنات قبل أن يتيقّن ذلك؛ إذ هو ظاهر أمرهن». وبنحوه قال ابنُ جرير (٢٢‏/‏٥٧٨)، وقال ابنُ تيمية (٦‏/‏٢٩٢)، وقال ابنُ القيم (٣‏/‏١٥٠)

رجَّح ابنُ جرير (٢‏/‏٢٢٣-٢٢٤)، وابنُ عطية (١‏/‏٢٧٨)، وابنُ تيمية (١‏/‏٢٦٥-٢٦٧)، وابنُ كثير (١‏/‏٤٧٩-٤٨١)، استنادًا إلى السنة، والدلالة العقلية: أن المراد بروح القدس: جبريل. وانتقد ابنُ جرير القول بكونه الإنجيل، وعلَّل ذلك بقوله: «وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله -جل ثناؤه- أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي المَهْدِ وكَهْلا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة:١١٠]، فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل لكان قوله: ﴿إذ أيدتك بروح القدس﴾، و﴿إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ تكريرُ قول لا معنى له، وذلك أنه على تأويل قول من قال: معنى ﴿إذ أيدتك بروح القدس﴾ إنما هو: إذ أيدتك بالإنجيل - وإذ علمتك الإنجيل. وهو لا يكون به مُؤَيَّدًا إلا وهو مُعَلَّمُه، فذلك تكرير كلام واحد، من غير زيادة معنى في أحدهما على الآخر». وأيَّده ابنُ عطية بقوله: «وهذا أصح الأقوال، وقد قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: «اهج قريشًا وروح القدس معك». ومرة قال له: «وجبريل معك»». وذكر ابن تيمية هذا القول، وأيده بقوله: «ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون. قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ [النحل:١٠١-١٠٢]». وفي سياق آخر قال: «فروح القدس الذي نزل بالقرآن من الله هو الروح الأمين، وهو جبريل، وثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول لحسان بن ثابت: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس». وفي صحيح مسلم: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله». وفي الصحيحين: «اهجهم أو هاجهم وجبريل معك»». ورجَّحه ابنُ كثير ذاكرًا ما تقدم من أدلة، ثم زاد استدلالًا لذلك بقوله: «عن شَهْر بن حَوْشَب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ، فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: «أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو الذي يأتيني؟» قالوا: نعم... وفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إن روح القدس نفخ في روعي...»»

اختُلِف في مقدار ما يأخذ الزوج من المرأة في الفدية؛ فقال قوم: لا يجوز له أن يزيد على المهر الذي أعطاها. وقال آخرون: مباحٌ له أن يأخذ ما يشاء من قليل أو كثير. وقال غيرهم: الآية منسوخة. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٦٢) القولَ الثاني الذي قال به عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعثمان بن عفان، وقَبيصَة بن ذُؤَيب، وابن عباس، ومجاهد، والنَّخَعِيّ مستندًا إلى دلالة ألفاظ الآية، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يَخُصَّ ما أباح لهما من ذلك على حَدِّ لا يُجاوَز، بل أطلق ذلك في كلِّ ما افتدت به، غير أنِّي أختارُ للرجل استحبابًا لا تحتيمًا إذا تَبَيَّنَ من امرأته أنّ افتداءها منه لغير معصية لله، بل خوفًا منها على دينها أن يفارقها بغير فدية، ولا جُعْل، فإن شَحَّت نفسُه بذلك فلا يبلغ بما يأخذ منها جميع ما آتاها». وقال مُبَيِّنًا (٤‏/‏١٥٧) حُجَّة القائلين بهذا القول: «واحتجوا لقولهم ذلك بعموم الآية، وأنّه غير جائز إحالةُ ظاهرٍ عامٍّ إلى باطن خاصٍّ إلا بحُجَّةٍ يجب التسليم لها، قالوا: ولا حُجَّة يجب التسليمُ لها بأنّ الآية مرادٌ بها بعضُ الفِدْيَة دون بعضٍ من أصلٍ، أو قياس؛ فهي على ظاهرها وعمومها». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٤‏/‏١٦٣) القول الأول بعكس ما قال في ترجيح القول الثاني. ونَقَل (٤‏/‏١٥٤) حُجَّة قائليه من السياق، والسنّة، فقال: «واحْتَجُّوا في قولهم ذلك بأنّ آخر الآية مردودٌ على أولها، وأنّ معنى الكلام: ولا يَحِلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به مما آتيتموهن. قالوا: فالذي أحَلَّه الله لهما من ذلك عند الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله هو الذي كان حُظِر عليهما قبل حال الخوف عليهما من ذلك. واحْتَجُّوا في ذلك بقصة ثابت بن قيس بن شماس، وأنّ رسول الله ﷺ إنّما أمر امرأته إذْ نَشَزَتْ عليه أن تَرُدَّ ما كان ثابتٌ أصْدَقَها، وأنها عَرَضَتِ الزيادةَ فلم يقبلها النبي ﷺ». وذهبَ ابنُ كثير (٢‏/‏٣٥١) إلى نحوه

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ على أقوال: الأول: أنّ طمس الوجوه هو محو آثارها، حتى تصير كالأقفاء، ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى. الثاني: أنّ معناه: طمس أعينهم عن الحق، وردها إلى الكفر والضلال. الثالث: أنّ معناه: محو آثارهم من وجوههم ونواحيهم التي هم بها، وردهم إلى الشام كما كانوا. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏١١٥-١١٦) القول الأول مستندًا إلى السياق، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي وقتادة وعطية العوفي، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤُه- خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة﴾، ثُمَّ حذَّرهم -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ الآية بأسَه، وسطوته، وتعجيلَ عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شكَّ أنهم كانوا لَمّا أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا». ثُمَّ انتَقَدَ (٧‏/‏١١٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ مَن قال: إنّ معنى الآية: نُعميهم عن الحق فنردهم إلى الضلال والكفر. فقال: «وإذ كان ذلك كذلك فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: تأويلُ ذلك: أن نعميها عن الحق فنردها في الضلالة. فما وجه ردِّ مَن هو في الضلالة فيها؟! وإنما يُرَدُّ في الشيء مَن كان خارجًا منه، فأمّا مَن هو فيه فلا وجه لأن يُقال: يَرُدُّهُ فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أنّ الله قد تهدد الذين ذكرهم في هذه الآية بردِّه وجوههم على أدبارهم؛ كان بيِّنًا فسادُ تأويل مَن قال: معنى ذلك: يهددهم بردهم في ضلالتهم». وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٥٧٤) قولًا آخر: أنّ ذلك معناه: «أن تعفى أثر الحواس فيها، وتزال الخلقة منه، فيرجع كسائر الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس». وعَلَّق عليه بقوله: «فيكون الرد على الأدبار في هذا الموضع بالمعنى، أي: خُلُوِّه من الحواسِّ دبرًا لكونه عامرًا بها»

أفادت الآثار اختلاف أهل التأويل في حكم هذه الآية: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، هل هو ثابت اليوم؟ أو منسوخ؟ على قولين. ورجَّحَ ابنُ جرير (٨‏/‏٤٤٤-٤٤٥ بتصرف)، وابنُ عطية (٣‏/‏١٧٢-١٧٣)، وابنُ تيمية (٢‏/‏٤٩٤) عدمَ النسخ في الآية لعدم دليل النسخ، قال ابن جرير: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ مَن قال: إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وتركِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جعله الله لرسوله ﷺ من ذلك في هذه الآية. وإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب لأنّ القائلين: إنّ حكم هذه الآية منسوخ. زَعموا أنه نسخ بقوله: ﴿وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنزلَ اللَّهُ﴾، وقد دللنا أن النسخ لا يكون نسخًا إلا ما كان نفيًا لحكم غَيْرِه بكلِّ معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا على صِحَّته بوجه من الوجوه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذْ كان ذلك كذلك -وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال: وأن احكم بينهم بما أنزل الله. ومعناه: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إذا حكمت بينهم، باختيارك الحكم بينهم، إذا اخترت ذلك، ولم تختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدَّم إعلام المقول له ذلك من قائِله: إنّ له الخيار في الحكم وترك الحكم- كان معلومًا بذلك أن لا دلالة في قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، أنه ناسخٌ قوله: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾؛ لِما وصفنا من احتمال ذلك ما بَيَّنّا، بل هو دليل على مثل الذي دلَّ عليه قوله: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾. وإذْ لم يكن في ظاهر التنزيل دليلٌ على نسخ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر، ولم يكن عن رسول الله ﷺ خبٌر يصحُّ بأن أحدهما ناسخ صاحبَه، ولا من المسلمين على ذلك إجماعٌ، صحَّ ما قلنا من أنّ كلا الأمرين يؤيِّد أحدهما صاحبه، ويوافق حكمُه حكمَه، ولا نسخ في أحدهما للآخر»

اختُلِفَ في السبب الذي من أجله أُنزلت الآية على ثلاثة أقوال: أولها: أنها نزلت في غنائم بدر؛ نفَّل أقوامًا على بلاءٍ، فأبلى أقوام، وتخلَّف آخرون مع رسول الله ﷺ، فاختلفوا فيها بعد انقضاء الحرب، فأنزل الله هذه الآية على رسوله، يُعْلِمُهم أن ما فعل فيها رسول الله ﷺ فماضٍ جائزٌ. وثانيها: أنها أُنزِلت لأن بعض أصحاب رسول الله ﷺ سأله من المغنم شيئًا قبل قِسْمَتِها، فلم يعطه إياه؛ إذ كان شِرْكًا بين الجيش، فجعل الله جميعَ ذلك لرسول الله ﷺ. وثالثها: أنها نزلت؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ سألوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر، فأعلمهم الله أنّ ذلك لله ولرسوله دونهم، ليس لهم فيه شيء. وقالوا: معنى ﴿عن﴾ في هذا الموضع: مِن. وإنما معنى الكلام: يسألونك مِن الأنفال. وبيَّنَ ابن جرير (١١‏/‏٢١) أنّ الأقوال الثلاثة جائزة في الآية، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى أخبر في هذه الآية عن قوم سألوا رسول الله ﷺ الأنفالَ أن يُعْطِيهُمُوها، فأخبرهم الله أنها لله، وأنه جعلها لرسوله. وإذا كان ذلك معناه، جاز أن يكون نزولها كان من أجل اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ فيها، وجائز أن يكون كان من أجل مسألة من سأله السيف الذي ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه، وجائز أن يكون من أجل مسألة مَن سأله قَسْم ذلك بين الجيش». وقال ابنُ عطية (٤‏/‏١٢٩): «يجيء من مجموع هذه الآثار: أنّ نفوس أهل بدر تنافرت، ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأثرة، لا سيما مَن أبلى، فأنزل الله عز وجل الآية، فرضي المسلمون وسلّموا، فأصلح الله ذات بينهم، ورَدَّ عليهم غنائمهم». ومال ابنُ تيمية (٣‏/‏٢٤٧) للقول الأول، فقال: «قد تنازع المسلمون يوم بدر في الأنفال، فقال الآخذون: هي لنا. وقال الذاهبون خلف العدو: هي لنا. وقال الحافظون لرسول الله ﷺ: هي لنا. حتى أنزل الله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾»

اختلف في المعنيِّ بـ﴿المقتسمين﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، اقتسموا القرآن فجعلوه أعضاء، فآمنوا ببعض منها وكفروا ببعض. الثاني: أنهم أهل الكتاب، اقتسموا القرآن استهزاءً به، فقال بعضهم: هذه السورة لي، وهذه السورة لك. الثالث: أنهم أهل الكتاب، اقتسموا كتبهم، فآمن بعضهم ببعضها، وآمن آخرون منهم بما كفر به غيرهم وكفروا بما آمن به غيرهم. الرابع: أنهم رهط من كفار قريش بأعيانهم. الخامس: أنهم رهط من قوم صالح، الذين تقاسموا على تبييت صالح وأهله. ووجَّه ابنُ عطية (٥‏/‏٣١٨) هذا بقوله: «فالمقتسمون -على هذا- مِن القَسَم». السادس: أنهم قوم من كفار قريش اقتسموا طرق مكة ليتلقوا الواردين إليها من القبائل، فينفروهم عن رسول الله ﷺ بأنّه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون، حتى لا يؤمنوا به. ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏١٣٣) مستندًا إلى دلالة عموم ظاهر الآية شمول الآية لجميع الأقوال، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أمر نبيَّه ﷺ أن يُعلِم قومَه الذين عَضُّوا القرآن ففَرَّقوه، أنه نذيرٌ لهم من سخط الله تعالى وعقوبته أن يَحُلَّ بهم على كفرهم ربَّهم وتكذيبِهم نبيَّهم ما حلَّ بالمقتسمين من قبلهم ومنهم». ثم بيَّن أنّه جائزٌ أن يكون عُنِي بـ﴿المقتسمين﴾ أحد هذه الأقوال، ثم قال (١٤‏/‏١٣٤): «فإذ لم يكن في التنزيل دلالةٌ على أنه عُنِيَ به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، ولا في خبرٍ عن الرسول ﷺ، ولا في فطرة عقلٍ، وكان ظاهر الآية مُحْتَمِلًا ما وصفْتُ؛ وجَبَ أن يكون مَقْضِيًّا بأنّ كلَّ من اقتسم كتابًا لله، بتكذيبِ بعضٍ وتصديق بعض، واقتسم على معصيةٍ الله، مِمَّن حلَّ به عاجلُ نقمةِ الله في الدار الدنيا قبل نزول هذه الآية؛ فداخلٌ في ذلك؛ لأنهم لأشكالهم من أهل الكفر بالله كانوا عِبْرةً، وللمتَّعظين بهم منهم عِظَةً». وانتقد ابنُ عطية (٥‏/‏٣١٨) القول الخامس مستندًا إلى السياق، قائلًا: «ويقلق هذا التأويل مع قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾»

اختُلف في قوله: ﴿ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ على أقوال: الأول: أن المعنى: في الآخرة، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك عرّفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم. الثاني: أنه ﷺ أُمر أن يقول هذا في أمرٍ كان ينتظره مِن الله في غير الثواب والعقاب. الثالث: أن معنى الآية: لا أدري ما أؤمر به، ولا ما تؤمرون به. الرابع: أن المعنى: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الدنيا مِن أن أُنصر عليكم أو من أن تُمكّنوا مني. ورجَّح ابن جرير (٢١‏/‏١٢٣-١٢٤) -مستندًا إلى السياق- القولَ الأخير الذي قاله الحسن من طريق أبي بكر الهذلي. وانتقد -مستندًا لمخالفته الدلالة العقلية- القول الأول، فقال: «لأن الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عز وجل خطابًا للمشركين، وخبرًا عنهم، وتوبيخًا لهم، واحتجاجًا من الله -تعالى ذكره- لنبيّه ﷺ؛ فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن هذه الآية أيضًا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك فمحال أن يقال للنبي ﷺ: قل للمشركين: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الآخرة. وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مُخلّدون، والمؤمنون به في الجنان مُنعَّمون، وبذلك يُرهبهم مرة، ويرغّبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك لقالوا له: فعلام نتّبعك إذن وأنت لا تدري إلى أيِّ حال تصير غدًا في القيامة؛ إلى خفْض ودَعة، أم إلى شدّة وعذاب! وإنما اتّباعنا إياك إن اتبعناك، وتصديقنا بما تدعونا إليه، رغبة في نعمة، وكرامة نصيبها، أو رهبة من عقوبة، وعذاب نهرب منه». وعلَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٩) على القول الأخير بقوله: «هذا القول هو الذي عوّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شكّ أن هذا هو اللائق به ﷺ؛ فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتّبعه، وأما في الدنيا فلم يدرِ ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا: أيؤمنون أم يكفرون، فيُعذَّبون فيُستَأصلون بكفرهم؟»

اختُلف في معنى هذه الآية على أقوال: الأول: أنّ الله يُدخل الذّرية الجنة بإيمان الأباء تكرمة للآباء، وإن لم تبلغ ذُرّيتهم عملهم. الثاني: والذين آمنوا وأتبعناهم ذُرّياتهم التي بلغت الإيمان بإيمان، ألحقنا بهم ذُرّياتهم الصغار التي لم تبلغ الإيمان، وما ألتنا الآباء من عملهم من شيء. الثالث: والذين آمنوا واتّبعتهم ذُرّيتهم الصغار، وما ألتنا الكبار من عملهم من شيء. الرابع: أعطيناهم من الثواب مثل الآباء. وساق ابنُ عطية (٨‏/‏٩٢-٩٣) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «قوله: ﴿بِإيمان﴾ هو في موضع الحال، فمَن رأى أنّ الآية في الأبناء الصغار، فالحال من الضمير في قوله: ﴿اتَّبَعَتْهُمْ﴾ فهو من المفعولين. ومَن رأى أنّ الآية في الأبناء الكبار فيحتمل أن تكون الحال من المفعولين، ويحتمل أن تكون من المتبعِين الفاعلين». وبنحوه قال ابنُ القيم (٣‏/‏٦٠). ورجَّح ابن جرير (٢١‏/‏٥٨٣) -مستندًا إلى الأغلب لغة- القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق سعيد بن جُبَير، فقال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب وأشبهها بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، القول الذي ذكرنا عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، ... لأن ذلك الأغلب من معانيه، وإن كان للأقوال الأُخَر وجوه». ورجَّح ابن عطية (٨‏/‏٩٣) القول الأول -مستندًا إلى اللغة والسياق- فقال: «وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأول؛ لأن الآيات كلها في صفة إحسان الله –تعالى- إلى أهل الجنة فذكر من جملة إحسانه أنه يرعى المحسِن في المسيء، ولفظة ﴿ألْحَقْنا﴾ تقتضي أنّ للملحَق بعض التقصير في الأعمال»، وذكر أنه قول الجمهور. وعرض ابن القيم (٣‏/‏٦٢) الأقوال وناقشها، ثم رجَّح -مستندًا إلى الدلالة العقلية-، اختصاص الذُّرّية بالصغار، فقال: «واختصاص الذرية هاهنا بالصغار أظهر؛ لئلا يلزم استواء المتأخّرين بالسابقين في الدرجات، ولا يلزم مثل هذا في الصغار، فإن أطفال كل رجل وذُرّيته معه في درجته، والله أعلم». وذكر ابن كثير (١٣‏/‏٢٣٣) أن القول الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق العَوفيّ، والضَّحّاك، راجع إلى القول الأول؛ إذ هو أصرح في التفسير من الثاني

سورة النور — الآية ٢

قال يحيى بن سلّام: وأمّا الرجم فهو في مصحف أُبَيِّ بن كعب، وفي مصحفنا في سورة المائدة في قوله: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار﴾، حيثُ رَجَم رسولُ الله - ﷺ - اليهوديين حين ارتفعوا إليه، حدثني المُعَلّى، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: قال لي أُبَيّ بن كعب: يا زِرُّ، كم تقرءون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثًا وسبعين آية. قال: قط؟ قلت: قط. قال: فواللهِ، إن كانت لَتُوازي سورةَ البقرة، وإنّ فيها لآية الرجم. قلت: وما آيةُ الرَّجم، يا أبا المنذر؟ قال: (إذا زَنى الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِّنَ اللهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، نا يحيى، قال: نا المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن: أنّ عمر بن الخطاب حَمِد الله، ثم قال: أمّا بعدُ، فإنّ هذا القرآن نزل على رسول الله - عليه السلام -، فكُنّا نقرأ: (ولا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكُمْ فَإنَّهُ كُفْرٌ)، وآيةَ الرجم، وإنِّي قد خِفتُ أن يقرأ القرآنَ قومٌ يقولون: لا رَجْمَ. وإنّ رسول الله - ﷺ - قد رَجَم، ورجمنا، واللهِ، لولا أن يقول الناسُ: إنّ عمر زاد في كتاب الله. لَكَتَبْتُها، ولقد نزلت وكتبناها...