اختُلِف هل كان كلْب أصحاب الكهف كلب من كلابهم كان معهم، أم كان لغيرهم وتبعهم؟ ورجَّح ابنُ كثير (٩‏/‏١١٦) القول الأول، وهو أنّ الكلب كان كلب صيد لأحدهم. فقال: «وهو الأشبه». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٥٨١) أنّ أكثر المفسرين على القول الأول، ثم ذكر قولًا بأنه كان أحدهم، وكان قعد عند باب الغار طليعة لهم. ووجَّهه بقوله: «فسُمِّي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، كما سُمِّي النجم التابع للجوزاء: كلبًا؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان، ويقال له: كلب الجبّار». وانتقده مستندًا لدلالة العقل، فقال: «أما إن هذا القول يضعفه بسط الذراعين؛ فإنهما في العرف في صفة الكلب حقيقة، ومنه قول النبي ﷺ: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه في السجود انبساط الكلب»». ثم قال: «وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قُرئ: (وكالِبُهُم باسِطٌ ذِراعَيْهِ) فيحتمل أن يريد بـ»الكالب«هذا الرجل على ما روي؛ إذْ بسْط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة المستخفي بنفسه، ويحتمل أن يريد بالكالب: الكلب»

اختُلف في معنى: ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ على أقوال: الأول: عُنِيَ بالوالد: كلّ والد، وما ولد: كلّ عاقر لم يلد. الثاني: عني بذلك: آدم، وولده. الثالث: إبراهيم، وما ولد. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٤٠٨) العموم، فقال: «إنّ الله أقسم بكلّ والدٍ وولده». وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله عمَّ كلَّ والدٍ وما ولد، وغير جائزٍ أن يُخَصَّ ذلك إلا بحجّةٍ يجب التسليم لها من خبر، أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه كما عمَّه». ورجَّح ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٥٤) القول الثاني، وهو قول مجاهد وما في معناه مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسنٌ قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأُمّ القُرى وهي المساكن أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده». ثم ذكر أنّ اختيار ابن جرير محتمل أيضًا. ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٦١٩) عن بعض رواة التفسير أنّ معنى الآية: «نوح، وجميع ولده». ونقل عن ابن عباس ما معناه: «أنّ الوالد والولد هنا على العموم؛ فهي أسماء جنس يدخل فيها جميع الحيوان»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ على قولين: الأول: أنّه لم يكن مِن ولده، بل مِن ولد غيره. الثاني: أنّ معنى الآية: ليس مِن أهلك الذين وعدتُك أن أنجيهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٤٣٣) مستندًا إلى دلالة القرآن، والنظائر القولَ الثانيَ، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: إنّه ليس مِن أهلك الذين وعدتُك أن أنجيهم؛ لأنّه كان لدينك مخالفًا، وبي كافرًا. وكان ابنَه؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد أخبر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه ابنه، فقال: ﴿ونادى نوح ابنه﴾، وغيرُ جائِز أن يُخْبِر أنّه ابنه فيكون بخلاف ما أخبر. وليس في قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ دلالة على أنّه ليس بابنه، إذ كان قوله: ﴿ليس من أهلك﴾ محتملًا مِن المعنى ما ذكرنا، ومحتملًا أنّه ليس مِن أهل دينك، ثم يحذف «الدين» فيُقال: إنّه ليس مِن أهلك، كما قيل: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ [يوسف:٨٢]». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٣‏/‏٥٤١)، وبيَّن أنّ خيانة امرأة نوحٍ له إنّما كانت في الدِّين، وليست في العِرض، فإنها كانت تقول: إنه مجنون. وبنحوهما قال ابنُ كثير (٧‏/‏٤٤٤) مستندًا إلى أقوال السلف، ودلالة العقل، والسنّة، فقال: «وقال ابن عباس وغيرُ واحد من السَّلَف: ما زَنَتِ امرأة نبيٍّ قطُّ. قال: وقوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ أي: الذين وعدتك نجاتهم. وقول ابن عباس في هذا هو الحقُّ الذي لا مَحِيد عنه، فإنّ الله سبحانه أغيرُ مِن أن يمكن امرأة نبيٍّ مِن الفاحشة، ولهذا غضب الله على الذين رموا أُمَّ المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي ﷺ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه». وبيّن ابنُ عطية (٣‏/‏٥٧٧-٥٧٨بتصرف) أنّ مَن قال: إنه لم يكن ابنه، عوَّل في ذلك على قوله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك﴾. ومَن قال: هو ابنه، عوّل على قوله: ﴿إن ابني من أهلي﴾. وعلى هذا رتّب ابنُ عطية الخلاف في قراءة قوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾؛ فمَن قال ليس ابنه استقام له على ذلك قراءة: ﴿إنه عملٌ غير صالح﴾ بالتنوين. ومن قال ليس ابنه، وقرأ هذه القراءة بتنوين ﴿عمل﴾ فإنهم خرّجوا ذلك عدة تخريجات، ذكرها ابنُ عطية، فقال: ""فمن قرأ مِن هذه الفرقة: ﴿إنه عملٌ غيرُ صالح﴾ جعله وصفًا له بالمصدر على جهة المبالغة، فوصفه بذلك كما قالت الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها:ترتع ما غفلت حتى إذا ادَّكَرَتْ فإنما هي إقبال وإدبارأي: ذات إقبال وإدبار. وقالت فرقة: الضمير في قوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ على قراءة جمهور السبعة على سؤال الذي يتضمنه الكلام وقد فسره آخر الآية«. وعلّق على هذا القول، فقال: «ويقوي هذا التأويل أنّ في مصحف ابن مسعود: (إنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أن تَسْأَلَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ». ثم قال: «وقالت فرقة: الضميرُ عائِد على رُكُوبِ ولد نوح معهم الذي يتضمنه سؤال نوح، المعنى: أنّ ركوب الكافر مع المؤمنين عمل غير صالح. وقال أبو علي: ويحتمل أن يكون التقدير: أنّ كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل غير صالح». وانتقد مستندًا إلى دلالة الآية قول أبي علي بقوله: «وهذا تأويل لا يَتَّجِه مِن جهة المعنى». ثم علّق على هذه الأقوال بقوله: «وكل هذه الفرق قال: إنّ القول بأن الولد كان لغية وولد فراش خطأ محض، وقالوا: إنّه روي عن النبي ﷺ: «أنه ما زنت امرأة نبي قط». وقالوا في قوله عز وجل: ﴿فخانتاهما﴾: إنّ الواحدة كانت تقول للناس: هو مجنون، والأخرى كانت تنبه على الأضياف، وأما غير هذا فلا، وهذه مَنازِع ابنِ عباس وحُجَجُه، وهو قوله، وقول الجمهور من الناس""

سورة الرعد — الآية ٢٩

عن فَرْقَدٍ السَّبخيِّ، قال: أوحى اللهُ إلى عيسى ابن مريم في الإنجيل: يا عيسى، جِدَّ في أمري ولا تهْزِلْ، واسمع قولي وأَطِعْ أمري، يا ابنَ البِكْر البَتُول، إنِّي خلقتك مِن غير فحلٍ، وجعلتُك وأمَّك آيةً للعالمين، فإيّاي فاعبُد، وعَلَيَّ فتوكَّل، وخُذِ الكتاب بقوة. قال عيسى: أيْ ربِّ، أيَّ كتابٍ آخُذُ بقوة؟ قال: خذ كتاب الإنجيل بقوة، ففسِّره لأهل السُّريانية، وأخبِرهم أنِّي أنا الله لا إله إلا أنا الحيُّ القيومُ البديعُ الدائمُ الذي لا أزول، فآمِنوا بالله ورسوله النبيَّ الأُمِّيِّ الذي يكون في آخر الزمان، فصدِّقوه، واتَّبِعوه، صاحب الجمل والمِدرعة والهِراوة والتاج، الأكْحَلِ العين، المقرون الحاجبين، صاحب الكساء، الذي إنّما نسْلُه مِن المباركة -يعني: خديجة-، يا عيسى، لها بيت مِن لؤلؤ من قَصَبٍ مُوصَل بالذهب، لا يُسْمَع فيه أذًى ولا نَصَبٌ، لها ابنةٌ -يعني: فاطمة-، ولها ابنان يُستشهدان -يعني: الحسن، والحسين-، طُوبى لِمَن سمِع كلامَه، وأدرك زمانَه، وشهِد أيّامه. قال عيسى: يا ربِّ، وما طوبى؟ قال: شجرةٌ في الجنة، أنا غرستها بيَدَيَّ، وأسكنتُها ملائكتي، أصلها مِن رضوان، وماؤها مِن تسنيمٍ

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿فارهين﴾؛ فقرأ قوم: ﴿فارهين﴾، وقرأ آخرون: ‹فَرِهِينَ›. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٦٢٣) صحة كلتا القراءتين مستندًا لشهرتهما واستفاضتهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إن قراءة مَن قرأها: ﴿فارهين﴾ وقراءة مَن قرأ: ‹فَرِهِينَ› قراءتان معروفتان، مستفيضة القراءة بكل واحدة منهما في علماء القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب». ثم علَّق (١٧‏/‏٦٢٤) بقوله: «ومعنى قراءة مَن قرأ: ﴿فارهين﴾: حاذقين بنحتها، متخيرين لمواضع نحتها، كيسين، مِن الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ: ‹فَرِهِينَ›: مرِحين، أشرين. وقد يجوز أن يكون معنى فاره وفره واحدًا». وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٦٣) قول مَن قال: معناه: حاذقين. ومَن قال: معناه: شرهين أشرين. ثم بيَّن أنه لا منافاة بينهما، فقال: «ولا منافاة بينهما؛ فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا، مِن غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لِمَن رأى منازلهم؛ ولهذا قال: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ أي: أقبِلوا على عمل ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم؛ لِتُوَحِّدوه، وتعبدوه، وتسبحوه بكرة وأصيلًا»

عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر، وعن محمد بن يحيى بن حبّان، قال: كلٌّ قد حدَّثني بعض حديث بني المُصْطَلِق، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أنّ بني المُصْطَلِق يَجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار أبو جُوَيْرِيَة بنت الحارث زوج النبي ﷺ؛ فلمّا سمع بهم رسول الله ﷺ، خرج إليهم حتى لَقِيَهم على ماء مِن مياههم يُقال له: المُرَيْسِيع، من ناحية قُدَيْد إلى الساحل، فتزاحف الناس، فاقتتلوا، فهَزم الله بني المُصْطَلِق، وقتل مَن قتل منهم، ونفَّل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءَهم الله عليه، وقد أُصِيب رجل من بني كلب بن عَوْف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صُبابة، أصابه رجل من الأنصار من رَهْط عُبادة بن الصّامت، وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأً، فبَينا الناس على ذلك الماء ورَدتْ واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غِفار يُقال له: جَهْجاه بن سعيد، يقود له فرسه، فازدَحم جَهْجاه وسِنان الجُهَنيّ حليف بني عَوْف بن الخَزْرَج على الماء، فاقتتلا، فصَرخ الجُهَنيّ: يا معشر الأنصار. وصرخ جَهْجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، وعنده رَهْطٌ من قومه فيهم زيد بن أرْقَم، غلام حديث السِّن، فقال: قد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، واللهِ، ما أعدُّنا وجَلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يَأكلْك، أما -واللهِ- لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. ثم أقبل على مَن حضر مِن قومه، فقال: هذا ما فعَلتُم بأنفسكم؛ أحللتُموهم بلادكم، وقاسمتُموهم أموالكم، أما -واللهِ- لو أمسكتُم عنهم ما بأيديكم لتَحوّلوا إلى غير بلادكم. فسمع ذلك زيد بن أرْقَم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ مِن غَزوه، فأَخبَره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، مُر به عبّاد بن بِشر بن وقْش، فَليَقتُله. فقال رسول الله ﷺ: «فكيف -يا عمر- إذا تحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه، لا، ولكن أذِّن بالرحيل». وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يَرتَحل فيها، فارتَحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أُبيّ إلى رسول الله ﷺ حين بَلغه أنّ زيد بن أرْقَم قد بَلغه ما سمع منه، فحَلف بالله: ما قلتُ ما قال، ولا تَكلّمتُ به. وكان عبد الله بن أُبيّ في قومه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حضر رسول الله ﷺ مِن أصحابه مِن الأنصار: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام أوْهَم في حديثه، ولم يَحفظ ما قال الرجل. حَدَبًا على عبد الله بن أُبيّ، ودَفعًا عنه، فلما استقلّ رسول الله ﷺ وسار، لَقِيه أُسيْد بن حُضَيْر، فحَيّاه بتحيّة النّبوة وسَلّم عليه، ثم قال: يا رسول الله، لقد رُحتَ في ساعة مُنكَرة ما كنتَ تَروح فيها. فقال له رسول الله ﷺ: «أوَما بلَغك ما قال صاحبكم؟». قال: فأيُّ صاحب، يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أُبيّ». قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رَجع إلى المدينة أخرَج الأَعزُّ منها الأَذلَّ». قال أُسيْد: فأنت -واللهِ- يا رسول الله تُخرجه إن شئتَ، هو -واللهِ- الذليلُ وأنتَ العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارْفُق به، فواللهِ، لقد جاء اللهُ بك، وإنّ قومه ليَنظِمون له الخَرَز ليُتَوّجوه، فإنه ليَرى أنّك قد استَلبتَه مُلكًا. ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يكن إلا أن وجدوا مسّ الأرض وقعوا نِيامًا، وإنما فعل ذلك ليَشغَل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس مِن حديث عبد الله بن أُبيّ، ثم راح بالناس وسَلك الحِجاز حتى نزل على ماء بالحِجاز فُوَيْق النَّقيع، يقال له: نقعاء، فلما راح رسول الله ﷺ هبّتْ على الناس ريح شديدة آذتهم، وتَخوَّفوها، فقال رسول الله ﷺ: «لا تخافوا، فإنما هبّتْ لموت عظيم من عظماء الكفار». فلمّا قدِموا المدينةَ وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قَيْنُقاع -وكان من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين- قد مات ذلك اليوم، فنَزَلَت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، ومَن كان معه على مثل أمْره، فقال: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ فلما نَزَلَتْ هذه السورة أخذ رسول الله ﷺ بأُذُن زيد، فقال: هذا الذي أوفى الله بأُذُنه. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ الذي كان من أبيه

اختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ على أقوال، بيَّنها ابنُ عطية (٣‏/‏١٨٠-١٨١ بتصرف) بقوله: «قوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ يحتمل ثلاثة معانٍ: أحدها: أن تكون»مَن«للمجروح، أو ولي القتيل، ويعود الضمير في قوله: ﴿له﴾ عليه أيضًا، ويكون المعنى: أنّ من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقِّه في ذلك فإنّ ذلك العفو كفّارة له عن ذنوبه، ويُعَظِّم الله أجره بذلك، ويُكَفِّر عنه. وقال بهذا التأويل عبد الله بن عمر، وجابر بن زيد، وأبو الدرداء، وقال به أيضًا قتادة، والحسن. والمعنى الثاني: أن تكون»مَن«للمجروح أو ولي القتيل، والضمير في ﴿له﴾ يعود على الجارح أو القاتل إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه، وصحَّ عنه، فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب، فكما أنّ القصاص كفارة، فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى الله تعالى. وعاد الضمير على مَن لم يتقدم له ذِكرٌ؛ لأن المعنى يقتضيه. قال بهذا التأويل ابن عباس، وأبو إسحاق السبيعي، ومجاهد، وإبراهيم، وعامر الشعبي، وزيد بن أسلم. والمعنى الثالث: أن تكون للجارح أو القاتل، والضمير في ﴿له﴾ يعود عليه أيضًا، والمعنى: إذا جنى جانٍ فجُهِل وخفي أمره، فتصدق هو بأن عرَّف بذلك، ومكَّن الحق من نفسه، فذلك الفعل كفارة لذنبه». وبيَّن أنّ مَن قالوا بالمعنى الثالث احتجوا بقول مجاهد من طريق عبد الله بن كثير، وعلَّق عليه، بقوله: «وانظر أن ﴿تَصَدَّقَ﴾ -على هذا التأويل- يحتمل أن يكون من الصدقة، ومن الصدق». ورجَّحَ ابنُ جرير (٨‏/‏٤٧٩) قولَ مَن قال: عُني به: المجروح. وانتَقَدَ الأقوال الأخرى مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية قائلًا: «لأن تكون الهاء في قوله: ﴿له﴾ عائدةً على»مَن«أوْلى من أن تكون مِن ذِكْر مَن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ إلا بالمعنى دون التصريح، وأحرى؛ إذ الصدقة هي المكفِّرة ذنبَ صاحبها دون المتصدَّق عليه في سائر الصدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيلُ هذه سبيلَ غيرها من الصدَّقات». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏١٨١) أن مكيَّ بن أبي طالب وغيره ذكروا أنّ قومًا تأولوا الآية أنّ المعنى: والجروح قصاص، فمن أعطى دية الجرح وتصدق بذلك فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت. وانتقده بقوله: «وهذا تأويل قلق»

اختُلِف في الذين عُنُوا بهذه الآية، واختُلِف أيضًا في نسخها، على أقوال لخَّصَها ابنُ عطية (٨‏/‏٢٨٢ بتصرف)، فقال: «اختلف الناس في هؤلاء الذين لم يُنْهَ عنهم أن يُبَرُّوا مَن هم؟ فقال مجاهد: هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يُهاجروا، وكانوا لذلك في رتبة سُوء لترْكهم فرض الهجرة. وقال آخرون: أراد المؤمنين التاركين للهجرة كانوا من أهل مكة ومن غيرها. وقال الحسن، وأبو صالح: أراد خُزاعة، وبني الحارث بن كعب، وقبائل من العرب كفار، إلا أنهم كانوا مُظاهرين للنبي ﷺ مُحبّين فيه وفي ظهوره، ومنهم كنانة، وبنو الحارث بن عبد مناة، ومُزينة. وقال قوم: أراد مِن كفار قريش مَن لم يُقاتل، ولا أخرج، ولا أظهر سوءًا. وعلى هذين القولين فالآية منسوخة بالقتال. وقال عبد الله بن الزبير: أراد النساء، والصبيان مِن الكفرة. وقال: إن الآية نَزَلَتْ بسبب أُمّ أسماء حين استأذنت النبي ﷺ في بِرّها وصِلتها فأذِن لها. وقال أبو جعفر بن النحاس، والثعلبي: أراد المستضعفين مِن المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة. وهذا قول ضعيف. وقال مُرَّة الهمداني، وعطية العَوفيّ: نَزَلَتْ في قوم من بني هاشم، منهم العبّاس رضي الله عنه. وقال قتادة: نسخَتْها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]». وذَهَبَ ابنُ جرير (٢٢‏/‏٥٧٤) إلى العموم في الآية، وانتقد القول بالنسخ فيها -استنادًا إلى عموم لفظ الآية، وأقوال السلف-، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين مِن جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتَصِلوهم، وتُقْسِطوا إليهم. إنّ الله عز وجل عمَّ بقوله: ﴿الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم﴾ جميع مَن كان ذلك صفته، فلم يَخْصُص به بعضًا دون بعض». ثم قال: «ولا معنى لقول مَن قال: ذلك منسوخ. لأنّ برَّ المؤمنِ مِن أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غيرُ محرَّم، ولا مَنهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورةٍ لأهل الإسلام، أو تقويةٌ لهم بكُراعٍ أو سلاح. وقد بيَّن صحةَ ما قلنا في ذلك الخبرُ الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأُمّها»

سورة يوسف — الآية ٢٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكانوا فيه﴾ يعني: الذين باعوه، كانوا في يوسف ﴿من الزاهدين﴾ حين باعوه، ولم يعلموا منزِلة يوسف عند الله، ومَن أبوه، ولو علِموا ذلك ما باعوه. فانطَلَق القومُ حتى أتوا به مصرَ، فبينا هو قريبٌ منها إذ مَرَّ براكبٍ منها يُقال له: مالك بن دعر اللخمي، قال له يوسف: أين تريد، أيُّها الراكب؟ قال: أريد أرض كنعان. قال: إذا أتيت كنعانَ فأتِ الشيخَ يعقوب فأَقْرِئْه السلامَ، وصِفْنِي له، وقُل له: إنِّي لقيت غلامًا بأرض مصر، [وصِفْهُ] له، وهو يُقْرِئُك السلامَ. فبكى يعقوب عليه السلام، ثم قال: هل لك إلى الله حاجة. قال: نعم، عندي امرأة، وهي مِن أحَبِّ الخلائق إلَيَّ، لم تَلِد مِنِّي ولدًا قطُّ. فوقع يعقوب ساجدًا، فدعا اللهَ، فولد له أربعة وعشرون ذَكَرًا. وكان يوسف عليه السلام بأرض مصر، فأنزل اللهُ عليهم البَرَكَة، ثم باعه المشتري مِن قُطْفير بن ميشا، فقال يوسف: مَن يشترى ويُبْشِر. فاشتراه قُطْفير بن ميشا بعشرين دينارًا وزيادة حُلَّةٍ ونعلين، وأخذ البائعُ قيمة الدنانير دراهم

وجَّهَ ابن عطية (١‏/‏٣٠٧) قراءةَ الحسن، فقال: «وقرأ الحسن بن أبي الحسن، وابن أبي ليلى، وابن محيصن، وأبو حيوة (راعِنًا) بالتنوين، وهذه من معنى الجهل، وهذا محمول على أنّ اليهود كانت تقوله، فنهيُ الله تعالى المؤمنين عن القول المباح سدُّ ذريعة؛ لئلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور؛ إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون: راعِنا، دون تنوين». وانتَقَدها ابن جرير (٢‏/‏٣٨٢) لشذوذها، وخلافها ما جاءت به الحجة من المسلمين، فقال: «وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (لا تَقُولُوا راعِنًا) بالتنوين، بمعنى: لا تقولوا قولًا راعِنًا، من الرعونة، وهي: الحمق والجهل. وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين، وخلافها ما جاءت به الحجة من المسلمين. ومَن نوَّن (راعِنًا) نوَّنه بقوله: ﴿لا تقولوا﴾؛ لأنه حينئذ عامل فيه. ومن لم ينوّنه فإنه ترك تنوينه؛ لأنه أمر محكي؛ لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ: ﴿راعنا﴾ بمعنى مسألته؛ إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم»