علَّق ابنُ تيمية (١‏/‏٢٦٠) على قول مجاهد بقوله: «وهذا المعنى صحيح، قال النبي ﷺ: «إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صُقِل قلبه، وإن زاد زيد فيها حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾». فهذا يراد به ما أصر عليه من الذنوب فلم يتب منها». وزادَ ذلك بيانًا (١‏/‏٢٦١) بذكرِ نظائره، فقال: «قال أبو علي الفارسي: إما أن يكون المعنى: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها، من حيث إن المحيط أكثر من المحاط به، فيكون كقوله: ﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ [التوبة:٤٩]، وقوله: ﴿أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف:٢٩]، أو يكون معنى ﴿وأحاطت به﴾ أي: أهلكته، كقوله: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف:٦٦]. قلت: كلا المعنيين قد ذكرهما السلف، فالأول قول مجاهد، والثاني قول ابن السائب، وهما متلازمان. ولفظ»أحاط به«يدل على أنه مقهور مغلوب مع المحيط به، لكن هلاكه يعرف من خصوص المادة، فلما كان الذي يحيط به الذنوب فتغلب عليه أن يموت هالكًا، قيل المعنى: أوبقته ذنوبه». وقال أيضًا (١‏/‏٢٦٢): «فعلى تفسير مجاهد وابن السائب وغيرهما: السيئة يدخل فيها الشرك وغيره، لكن إحاطة الخطيئة أن تغلب السيئات الحسنات ويموت عليها، وعلى هذا القول فالخلود مجمل: خلود أهل الشرك نوع، وخلود أهل القبلة نوع، كما قد فسرت النصوص النبوية هذا وهذا»

ذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏١٤٥، ١٤٧-١٤٨) قراءة: (سَأَلَتْ)، ووجّهها، فقال: «قرأه أبو الضُّحى مُسلم بن صُبيح: (وإذا المَوْءُودَةُ سَأَلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلْتُ) بمعنى: سألت الموءودة الوائدين: بأي ذنب قتلوها». ثم علّق عليها قائلًا: «ولو قرأ قارئ ممن قرأ: (سَأَلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلْتُ) كان له وجه، وكان يكون معنى ذلك مَن قرأ: ﴿بأي ذنب قتلت﴾ غير أنه إذا كان حكاية جاز فيه الوجهان». ووجّه قراءة ﴿سُئلت﴾ بقوله: «وقرأ ذلك بعض عامة قراء الأمصار: ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾ بمعنى: سُئلت الموءودة بأي ذنبٍ قُتلتْ، ومعنى ﴿قتلت﴾ قُتلتْ غير أنّ ذلك ردٌّ إلى الخبر على وجه الحكاية على نحو القول الماضي قبل، وقد يتوجه معنى ذلك إلى أن يكون: وإذا الموءودة سألتْ قَتَلتَها ووائديها، بأي ذنبٍ قتلوها؟ ثم ردّ ذلك إلى ما لم يُسمّ فاعله، فقيل: بأي ذنبٍ قُتلتْ». وعلّق عليها ابنُ عطية (٨‏/‏٥٤٨) بقوله: «وهذا على وجه التوبيخ للعرب الفاعلين ذلك؛ لأنها تسأل ليصير الأمر إلى سؤال الفاعلين، ويحتمل أن تكون مسؤولًا عنها مطلوبًا الجواب منهم. كما قال تعالى: ﴿إن العهد كان مسؤلا﴾ [الإسراء:٣٤]، وكما سُئل التراث والحقوق». ثم رجّح ابنُ جرير قراءة: ﴿سئلت﴾ مستندًا إلى إجماع الحجة من القراء، فقال: «وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة مَن قرأ ذلك ﴿سُئلت﴾ بضم السين ﴿بأي ذنب قتلت﴾ على وجه الخبر؛ لإجماع الحجّة من القراء عليه»

سورة العاديات — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ بعث سَريّة إلى حُنَين مِن كنانة، واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري أحد النُّقباء، فغابتْ، فلم يأت النبيَّ ﷺ خبرُها، فأخبره الله عز وجل عنها، فقال: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ يعني: الخيل. وقيل: إنّ رسول الله ﷺ بَعث سَريّة إلى أرض تِهامة، وأبطأ عليه الخبر، فجعلت اليهود والمنافقون إذا رأَوا رجلًا من الأنصار أو من المهاجرين تناجَوا بأمره، فكان الرجل يظن أنه قد مات، أو قُتل أخوه، أو أبوه، أو عمّه، وكان يجِد مِن ذلك أمرًا عظيمًا، فجاءه جبريل عليه السلام يوم الجمعة عند وقت الضُّحى، فقال: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا فالمُورِياتِ قَدْحًا فالمُغِيراتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ يقول: فوسَطْن بذلك الغبار جمعًا، يقول: حمل المسلمون عليهم، فهزموهم، فضرب بعضهم بعضًا، حتى ارتفع الوهج الذي كان ارتفع مِن حوافر الخيل إلى السماء، فهزم الله المشركين، وقتلهم، فأخبره الله عز وجل بعلامات الخيل، والغبار، وكيف فعل بهم، فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل، ومتى كان هذا؟». قال: اليوم. فخرج رسول الله ﷺ، فأخبر المسلمين بذلك، وقرأ عليهم كتاب الله عز وجل، ففرحوا، واستبشروا، وأخزى الله عز وجل اليهود والمنافقين

علَّقَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٩٧) على كلام للربيع يشبه ما ورد في أثر ابن عباس هذا بقوله: «طَعَنَ بعضُ الناس في هذا القول بأنّ الآية خبرٌ، والأخبارُ لا تُنسَخُ. وهذا غير لازمٍ؛ لأنّ الآيةَ لفظها الخبر، ومعناها تقرير حكم شرعي، فهي نحو قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [البقرة:٢٨٤]، ونحو قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال:٦٥]، وإنّما يضعف القولَ بالنسخ مِن حيث تنبني الآيتان، ولا يحتاج إلى تقرير نسخ؛ لأنّ هذه الآية لم تنفِ أن يغفر للعاصي الذي لم يَتُبْ مِن قريب، فنحتاج أن نقول: إنّ قوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ نسخها. وإنّما نَفَتْ هذه الآيةُ أن يكون تائبًا مَن لم يتب إلا مع حضور الموت. فالعقيدة عندي في هذه الآيات: أنّ مَن تاب مِن قريبٍ فله حكم التائب فيغلب الظَّنُّ عليه أنه ينعم ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم: بل هو مغفور له قطعًا؛ لإخبار الله تعالى بذلك. وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومَن لم يتب حتى حضره الموتُ فليس في حكم التائبين، فإن كان كافرًا فهو يخلد، وإن كان مؤمنًا فهو عاصٍ في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوى الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أنّ مَن هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلًا منه ولا يعذبه. وأعلم الله تعالى أيضًا أنّ ﴿الذين يموتون وهم كفار﴾ فلا مُسْتَعْتَبَ لهم، ولا توبة في الآخرة»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في صفة هذه النعمة التي ذكّر الله -جل ثناؤُه- أصحابَ نبيه ﷺ بها، وأمرهم بالشكر له عليها. فقالَ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو مالك، ويزيد بن أبي زياد، والجمهور: إنها استنقاذ الله نبيَّه محمدًا ﷺ وأصحابَه مِمّا كانت اليهودُ من بني النَّضِير همُّوا به يوم أتَوْهُم يستحملونهم دية العامِرِيَّيْن اللَّذَيْنِ قَتلهما عمرو بن أمية الضَّمْرِي. ورجَّحَه ابنُ جرير (٨‏/‏٢٣٣)، وابنُ عطية (٣‏/‏١٢٥) بدلالة السياق، وقال ابن جرير: «وإنما قلنا: ذلك أوْلى بالصحة في تأويل ذلك؛ لأن الله عَقًّب ذِكْرَ ذلك برمي اليهود بصنائِعها وقبيح أفعالها، وخيانتها ربَّها وأنبياءها، ثم أمر نبيَّه ﷺ بالعفو عنهم، والصفح عن عظيم جهلهم، فكان معلومًا بذلك أنه ﷺلم يُؤْمَر بالعفو عنهم والصفح عَقِيب قوله: ﴿إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾، ومَن غيرُهم كان يبسط الأيدي إليهم؟ لأنه لو كان الذين همُّوا ببسط الأيدي إليهم غيرَهم، لكان حَرِيًّا أن يكون الأمر بالعفو والصفح عنهم، لا عمَّن لم يَجْرِ لهم بذلك ذكر، ولَكان الوصفُ بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع، لا في وصف مَن لم يجْرِ لخيانته ذكر، ففي ذلك ما يُنبِئُ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك، دون ما خالفه». وقال ابنُ عطية: «وهذا القول يترجح بما يأتي بعدُ من الآيات في وصف غَدْرِ بني إسرائيل، ونقضهم المواثيق»

ذكر ابنُ جرير (١٣‏/‏٢٢٨-٢٢٩) أنّ العِلَّة التي من أجلها أمر يوسف فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم تحتمل ثلاثة احتمالات: الأول: ما ذكره الكلبيُّ مِن خشيته أن لا يكون عند أبيه دراهم، فيضر أخذ ذلك منهم به، وأحب أن يرجع إليه. الثاني: أنّه أراد أن يَتَّسع بها أبوه وإخوته مع حاجتهم إليه، فردَّه عليهم مِن حيث لا يعلمون تكرُّمًا وتفضُّلًا. الثالث: أن يتحرجوا مِن أخذ الطعام بلا ثمن فيكون ذلك أدعى لهم إلى العوْد. ونقل ابنُ عطية (٥‏/‏١١٣) احتمالًا رابعًا أنّه قيل: إنّ يوسف عليه السلام فعل ذلك ليجعلها توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك، لِيُبَيِّن أنه لم يسرق لِمَن يتأمل القصة. وانتقد الاحتمال الثالث مستندًا للسياق، والدلالة العقلية، فقال: «وهذا ضعيف من وجوه، وسرورهم بالبضاعة وقولهم: ﴿هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ يكشف أنّ يوسف عليه السلام لم يقصد هذا، وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم فيرغبهم في نفسه كالذي كان. وخص البضاعة بعينها دون أن يعطيهم غيرها من الأموال لأنها أوقع في نفوسهم، إذ يعرفون حلها، وماله هو إنما كان عندهم مالًا مجهول الحال، غايته أن يستجاز على نحو استجازتهم قبول الميرة». ثم قال: «ويظهر أنّ ما فعل يوسف من صلتهم، وجبرهم في تلك الشدة كان واجبًا عليه، إذ هو ملك عدل، وهم أهل إيمان ونبوة». ثم رجَّح أنّه أراد استمالتهم وصلتهم، فقال: «والظاهر من القِصَّة أنه إنما أراد الاستئلاف، وصلة الرَّحِم»

قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ اختلف المفسرون فيه على قولين: الأول: معناه: اطرحوا لهم من الكتابة بعضها. ثم اختلفوا في المقدار؛ فقيل: الربع. وقيل: الثلث. وقيل: النصف. وقيل: العشر. وقيل: جزء من الكتابة غير مقدر. والثاني: بل المراد من قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾: هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٨٩ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الثاني الذي قاله الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبوه، ومقاتل بن حيان، وإبراهيم، وبريدة، فقال: «لأنّ قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ أمرٌ مِن الله -تعالى ذِكْرُه- بإيتاء المكاتَبين من ماله الذي آتى أهل الأموال، وأمر الله فرض على عباده الانتهاء إليه، ما لم يخبرهم أنّ مراده الندب... فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن أخبرنا في كتابه ولا على لسان رسوله ﷺ أنه ندب؛ ففرض واجب. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجة قد قامت أن لا حقَّ لأحدٍ في مال أحد غيره من المسلمين إلا ما أوجبه الله لأهل سُهْمان الصدقة في أموال الأغنياء منهم، وكانت الكتابة التي يقتضيها سيد المكاتب من مكاتبه مالًا من مال سيد المكاتب؛ فيفاد أنّ الحق الذي أوجب الله له على المؤمنين أن يؤتوه من أموالهم هو ما فرض على الأغنياء في أموالهم له من الصدقة المفروضة، إذ كان لا حقَّ في أموالهم لأحد سواها». وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٢٣٠) أنّ القول الأول أشهر

اختُلف في قوله تعالى: ﴿قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ على أقوال: الأول: أنه خلَقهم أمواتًا في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث. الثاني: أنه أحياهم نسمًا عند أخْذ العهد عليهم وقت أخذهم من صلب آدم عليه السلام، ثم أماتهم بعد ذلك، ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم. الثالث: أنه أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم في القبر وقت سؤال منكر ونكير، ثم أماتهم فيه، ثم أحياهم في الحشر. وانتقد ابنُ عطية (٧‏/‏٤٢٦) القول الثاني الذي قاله ابن زيد، والثالث الذي قاله السُّدّيّ، -مستندًا لظاهر الآية- وذلك أن الإحياء فيهما ثلاث مرّات. وبنحوه قال ابنُ كثير (١٢‏/‏١٧٦). ورجَّح ابنُ عطية القول الأول الذي قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والضَّحّاك، وأبو مالك، والكلبي، فقال: «والأول أثبت الأقوال». ولم يذكر مستندًا. وكذا رجَّحه ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٣١) مستندًا إلى النظائر، فقال: «والصحيح أن هذه الآية كقوله: ﴿وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ [البقرة:٢٨]، فالموتة الأولى قبل هذه الحياة، والموتة الثانية بعد هذه الحياة، وقوله تعالى: ﴿ثم يحييكم﴾ بعد الموت: قال تعالى: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ وقال: ﴿قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ [الأعراف:٢٥]». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٢‏/‏١٧٦)

اختُلف في خبر قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم﴾؛ فذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤٨٩) أن فرقة قالت: إن الخبر في قوله: ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾. ونقل عن النقاش أنه ذكر أن بلال بن أبي بردة سأل عن هذا في مجلسه، وقال: لم أجد لها نفاذًا. فقال له أبو عمرو بن العلاء: إنه منك لقريب ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ﴾. وانتقده، فقال: «ويردّ هذا النظر كثرةُ الحائل، وإن هنالك قومًا قد ذكروا يحسُن ردّ قوله: ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ﴾ عليهم». ثم ذكر أن فرقة قالت: إن الخبر مضمر، تقديره: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم هلكوا أو ضلوا. وذكر أيضًا عن بعض نحاة الكوفة أنهم قالوا: إن الجواب في قوله: ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾. وانتقده بقوله: «وهو ضعيف لا يتجه». ثم ساق قول عيسى بن عمر. ورجَّح مسلك إضمار الخبر، فقال: «والذي يحسن في هذا هو إضمار الخبر». ولم يذكر مستندًا، ثم ذكر تقديرًا آخر غير المذكور في هذا القول، فقال: «ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدّره هؤلاء فيه، وإنما هو بعد ﴿حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وهو أشد إظهارًا لمذمّة الكفار به؛ وذلك أن قوله: ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ﴾ داخل في صفة الذكر المكذَّب به، فلم يتم ذكر المخبر عنه إلا بعد استيفاء وصفه، وهذا كما تقول: تخالف زيدًا وهو العالم الودود، الذي من شأنه ومن أمره. فهذه كلها أوصاف». وذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏٤٥٣) نحو هذه الأقوال، ثم رجَّح -مستندًا للغة- أن الأَولى في الخبر أن يكون مما تُرك ذكره اكتفاءً بمعرفة السامعين بمعناه لَمّا تطاول الكلام

اختُلف في المراد بالذِّكْر على قولين: الأول: أنّه ذِكْر العذاب، فالمعنى: أفنُمْسِكُ عن عذابكم ونترُكُكم على كفركم؟!. الثاني: أنه القرآن، فالمعنى: أفنُمْسِكُ عن إنزال القرآن من أجل أنكم لا تؤمِنون به؟! ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٥٠) -مستندًا إلى السياق- القولَ الأول الذي قاله ابن عباس، والسُّدّيّ، ومجاهد، وأبو صالح، ومقاتل، فقال: «لأنّ الله -تبارك وتعالى- أتْبَع ذلك خبرَه عن الأمم السالفة قبل الأُمَّة التي توعّدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها، وما أحلّ بها مِن نقمته، ففي ذلك دليلٌ على أنّ قوله: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحا﴾ وعيدٌ منه للمخاطبين به مِن أهل الشِّرك؛ إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم». وقال ابنُ عطية (٧‏/‏٥٣٣-٥٣٤): ""قوله تعالى: ﴿صَفْحًا﴾ انتصابه كانتصاب ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٨٨]، فيحتمل أن يكون بمعنى: العفو والغفر للذنب، فكأنه يقول: أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوًا عنكم وغفرًا لإجرامكم أن كنتم، أو من أجل أن كنتم قومًا مسرفين، هذا لا يصلح، وهذا قول ابن عباس ومجاهد، ويحتمل قوله: ﴿صَفْحًا﴾ أن يكون بمعنى: مغفولًا عنه، أي: نتركه يمرُّ لا تؤخذون بقوله ولا بتدبُّره ولا تُنَبهون عليه، وهذا المعنى نظير قول الشاعر:تمر الصبا صفحًا بساكن ذي الغضا ويصدع قلبي إن يهب هبوبهاأي: تمر مغفولًا عنها، فكأن هذا المعنى: أفنترككم سدًى، وهذا هو منحى قتادة وغيره، ومن اللفظة قول كثير:صفوحًا فما تلقاك إلا بخيلة فمَن ملّ منها ذلك الوصل ملّت""