انتَقَدَ ابنُ عطية (٢/٣٩-٤٠) مستندًا إلى الدلالة العقلية وضْعَ ابن جرير لهذه الترجمة (بل هي القرية التي كان الله أهلك فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) عنوانًا لقول ابن زيد، بأنّ قول ابن زيد لا يُلائِم الترجمة؛ لأنّ الإشارة بـ﴿هذه﴾ -في قوله تعالى: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ﴾- على مقتضى الترجمة هي إلى المكان، وعلى نَفْس قول ابن زيد هي إلى العظام والأجساد. وانتَقَدَ ابنُ عطية أثرَ ابنِ زيد مستندًا إلى ألفاظ الآية؛ إذ الآيةُ تَضَمَّنَتْ قريةً خاوِيةً لا أنيس فيها، والإشارة بـ﴿هذه﴾ إنما هي إلى القرية، وإحياؤها إنّما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان، وأمّا على قول ابن زيد فالإشارة بـ﴿هذه﴾ إنما هي إلى العظام والأجساد. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٥٨٤) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية عدمَ تعيين القرية، كما سبق في عدم تعيين المارِّ على القرية. وزاد ابنُ عطية (٢/٣٩) في تعيين القرية حكاية عن النقاش: «أن قومًا قالوا: هي المؤتفكة»
اختُلف في معنى: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ على أقوال: الأول: عُنِيَ بذلك: الجن؛ أنهم كادوا يركبون رسول الله صلى الله ﷺ لَمّا سمعوا القرآن. الثاني: أنه من قول النَّفَر من الجنّ، لَمّا رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأَوا من طاعة أصحاب رسول الله ﷺ له، وائتمامهم به في الركوع والسجود. الثالث: أنّ ذلك من خبر الله الذي أوحى إلى نبيِّه ﷺ، لعلمِه أنّ الإنسَ والجنَّ تظاهروا عليه، ليُبْطِلوا الحق الذي جاءهم به، فأبى الله إلا إتمامه. ووجَّه ابنُ جرير (٢٣/٣٤٣) القول الأول بقوله: «ومَن قال هذا القول جعل قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ مما أُوحِيَ إلى النبي، فيكونُ معناه: قل أوحِيَ إليَّ أنه استمع نَفَرٌ من الجن، وأنه لَمّا قام عبد الله يدعوه». ووجَّه (٢٣/٣٤٤) القول الثاني بقوله: «ومَن قال هذا القول الذي ذكرناه... يفتَحُ الألف من قوله: ﴿وأَنَّهُ﴾ عطف بها على قوله: ﴿وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن:٣] مفتوحةً، وجاز له كسْرُها على الابتداء». ووجَّه (٢٣/٣٤٥) القول الثالث بقوله: «ومَن قال هذا القول فتحَ الألف من قوله: ﴿وأَنَّهُ﴾». ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/٣٤٥) -مستندًا إلى السياق، ودلالة العقل- القول الثالث، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير من طريق رجل، ومجاهد، وابن زيد، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ عقيب قوله: ﴿وأَنَّ المَساجِدَ للهِ﴾ وذلك من الله -جلَّ وعزَّ- خبرٌ، فكذلك قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾. وأخرى أنه -تعالى ذِكْرُه- أتْبَع بذلك قوله: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا﴾، فمعلومٌ أن الذي يَتْبَع ذلك الخبر عمّا لقيَ المأمورُ بأن لا يدعوَ مع الله أحدًا في ذلك، لا الخبرُ عن كثرة إجابة المدعُوِّين وسرعتهم إلى الإجابة». وكذا ابنُ كثير (١٤/١٥٦) مستندًا إلى السياق، فقال: «وهو الأظهر؛ لقوله بعده: ﴿قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا﴾، أي: قال لهم الرسول لَمّا آذَوه وخالفوه وكذّبوه وتَظاهروا عليه، ليُبطلوا ما جاء به من الحق، واجتمعوا على عداوته: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له، وأستجير به وأتوكل عليه، ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾». وذكر ابنُ عطية (٨/٤٣٦) أنه إن «قدّرنا الضمير -في لفظة ﴿كادُوا﴾- للجن فبتقصفهم عليه لاستماع الذكر. وهذا تأويل ابن عباس، والضحاك. وإن قدرناه للكفار فبتمالئهم عليه وإقبالهم على أمْره بالتكذيب والرد. وهذا تأويل الحسن، وقتادة». ونقل ابنُ عطية (٨/٤٣٥) عن قوم أنّ «العبد»: «هو نوح عليه السلام، والضمير في ﴿كادُوا﴾ لكفار قومه». ثم انتقده قائلًا: «ولا يتَّجه أن يكون العبدُ نوحًا عليه السلام إلا على تحاملٍ في تأويل نَسَق الآية»
ذهب ابنُ جرير (٢/١٣٥)، وابنُ عطية (١/٢٥٧) إلى أنّ الآية مَعْذِرة للحجارة، وتفضيل لها على قلوبهم في معنى قلة القسوة. وقال ابن جرير: «وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل»
وجَّه ابنُ جرير (٩/٤٠٨) قول ابن عباس، فقال: «فكأنّ ابنُ عباسٍ في تأويله هذا على ما تأوَّله يُوَجِّه معنى قول قائل: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلى: سأُنْزِلُ مثل ما قال الله من الشعر»
وجَّه ابنُ جرير (٩/٦٧٧) قول ابن زيد، فقال: «و﴿أحْسَنَ﴾ على هذا التأويل أيضًا في موضع نصبٍ على أنه فعلٌ ماضٍ، و﴿الَّذِي﴾ على هذا القول والقول الذي قاله الربيع بمعنى: ما». ووافقه ابنُ عطية (٣/٤٩٦)
ذكر ابنُ عطية (٨/٥٢٥) قول مجاهد وابن عباس في معناه، ووجّههما، فقال: «قال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكة؛ لأنها تنشِط النفوس عند الموت، أي: تحلّها كحلّ العِقال، وتنشَط بأمر الله إلى حيث كان»
قال مقاتل بن سليمان:... فرَدَّ عليهم أصحابُ الغرفة، ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يعني: الذين يعلمون -كقوله سبحانه: ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة:٢٨]، يعني: وعلم، وكقوله عز وجل: ﴿فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف:٥٣]، وكقوله عز وجل: ﴿ألا يَظُنُّ أُولئِكَ﴾ [المطففين:٤]، أي: ألا يعلم- ﴿أنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّه﴾ لأنّهم قد طابت أنفسُهم بالموت: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ﴾ يعني: جند قَلِيلَةٍ عددُهم ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ عددُهم ﴿بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ يعني: بني إسرائيل في النَّصْرِ على عَدُوِّهِم. فرَدَّ طالوتُ العُصاةَ، وسار بأصحاب الغرفة، حَتّى عايَنُوا العَدُوَّ
قال عبد الله بن عباس: يعني: أعراب غِفار، ومُزينة، وجُهَينة، وأشْجَع، وأسْلَم، وذلك أنّ رسول الله ﷺ حين أراد المسير إلى مكة عام الحُدَيبية معتمرًا استنفر مَن حول المدينة مِن الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه؛ حذَرًا مِن قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدّوه عن البيت، فأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْي؛ ليُعلِم الناس أنه لا يريد حربًا، فتثاقل عنه كثيرٌ مِن الأعراب، وتخلّفوا، واعتلّوا بالشّغل؛ فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ وهي شجرة تكون بمكة كثيرة الشوك، لا تَقربها دابة في الأرض مِن شوكها، ولا يستطيع أحد أن يمسّها مِن كثرة شوكها، وتُسمّيها قريش وهي رطبة في الربيع: الشِّبرِق، وتصيب الإبل من ورقها في الربيع ما دامت رطبة، فإذا يبستْ لم تَقربها الإبل، وما من دابة في الأرض من الهوام والسباع وما يؤذي بني آدم إلا مثلها في النار، سلّطها الله عز وجل على أهلها، لكنها مِن نار، وما خلق الله شيئًا في النار إلا من النار، ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فإنهم لا يطعمون مِن أجل الجوع، وإنما من أجل العذاب
اختُلِف في الذبيح المفْدِيِّ من ولد إبراهيم، المُبَشَّر به في قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ على قولين: الأول: أنه إسحاق عليه السلام. والثاني: أنه إسماعيل عليه السلام. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩/٥٩٨-٥٩٩) القولَ الأولَ استنادًا إلى دلالة القرآن، ونظائره، والدلالة العقلية، فقال: «هو إسحاق؛ لأن الله قال: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ فذكر أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدًا صالحًا من الصالحين، فقال: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾ فإذ كان المفدي بالذبح من ابنيه هو المبشر به، وكان الله -تبارك اسمه- قد بين في كتابه أن الذي بشر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال -جل ثناؤه-: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾، وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنيّ به إسحاق، كان بيِّنًا أن تبشيره إياه بقوله: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن». ورجَّحَ ابنُ عطية (٤/٦١١، ٧/٣٠١)، وكذا ابنُ تيمية (٥/٣٥٢-٣٥٣)، ومثلهما ابنُ كثير (٧/٤٥٣، ١٢/٣٧-٣٨) القولَ الثانيَ استنادًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية، وانتَقَدَ الأخيران القول الأول بكلام طويل، ملخصه ما يلي:١- أنه بشره بالذبيح وذكر قصته أولًا، فلما استوفى ذلك قال: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيًا من الصالحين*وباركنا عليه وعلى إسحاق﴾ فبين أنهما بشارتان: بشارة بالذبيح، وبشارة ثانية بإسحاق، وهذا بيِّنٌ. ٢- أنه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن إلا في هذا الموضع، وفي سائر المواضع يذكر البشارة بإسحاق خاصة، ولم يذكر أنّه الذبيح، ثم لَمّا ذكر البشارتين جميعًا: البشارة بالذبيح، والبشارة بإسحاق بعده كان هذا مِن الأدلة على أنّ إسحاق ليس هو الذبيح. ٣- أنه ذكر في الذبيح أنه غلام حليم، ولما ذكر البشارة بإسحاق ذكر البشارة بغلام عليم في غير هذا الموضع، والحلم مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح: ﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾، وإسماعيل وصف بالصبر في قوله تعالى: ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ [الأنبياء:٨٥]. ٤- أنّ البشارة بإسحاق كانت مشتركة بين إبراهيم وامرأته، أما البشارة بالذبيح فكانت لإبراهيم عليه السلام، وامتحن بذبحه دون الأم المبشرة به، وهذ يوافق الأخبار الواردة في الصحيح وغيره أن سارة غارت لما ولدت هاجر إسماعيل، فذهب إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة، وهناك أُمِر بالذبح. ٥- أن قرن الكبش كان معلقًا بالكعبة، ولم ينقل أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة. ٦- أن الله تعالى قال: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ [هود:٧١]، والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب، ولا خلاف بين الناس أنّ قصة الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب، بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم بلا ريب. ورَدَّ ابنُ جرير (١٩/٥٩٩-٦٠٠) عللًا مِمّا احتج بها مَن يقول: إن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، فقال: «أما الذي اعتل به من اعتل في أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابنُ ابنٍ، فلم يكن جائزًا أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم. فإنّ الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير منكر أن يكون قد ولد لإسحاق فيها أولاد، فكيف الواحد؟! وأما اعتلال مَن اعتل بأن الله أتبع قصة المفديِّ من ولد إبراهيم بقوله: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيا﴾ ولو كان المفديّ هو إسحاق لم يبشر به بعد، وقد ولد وبلغ معه السعي. فإنّ البشارة بنبوة إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فُدِي تكرمة مِن الله له على صبره لأمرِ ربه فيما امتحنه به مِن الذبح، وقد تقدمت الرواية قبلُ عمَّن قال ذلك. وأما اعتلال من اعتل بأن قرن الكبش كان معلقًا في الكعبة. فغير مستحيل أن يكون حُمِل مِن الشام إلى مكة، وقد روي عن جماعة من أهل العلم أنّ إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه». وتعقَّب ابنُ كثير (١٢/٥١-٥٢ بتصرف) ذلك، فقال: «إنما عوَّل ابنُ جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: ﴿وبشروه بغلام عليم﴾، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو بعيد جدًّا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى»