سورة محمد — الآية ٤

عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن المبارك- أنه كان يقول في قوله: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾: نَسَخَها قوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]

وجّه ابنُ عطية (٥‏/‏٥٥٦) قول ابن عباس، فقال: «وقوله: ﴿لِلْأَذْقانِ﴾ أي: لناحيتها، وهذا كما تقول: تساقط لليد والفم، أي: لناحيتهما، وعليهما قال ابن عباس: المعنى للوجوه»

علّق ابن عطية (٦‏/‏٥٤٠) على قول قتادة، وقول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: «وهذان القولان يُقابِلان قولَ مَن قال: إنّ القيام هو مِن مجلس الحكم»

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في الذين عُنُوا بالخطاب بقوله تعالى: ﴿وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ على قولين: الأول: أمة محمد ﷺ. وهو قول أبي مالك، وسعيد بن جبير. الثاني: قوم موسى عليه السلام. وهو قول ابن عباس، ومجاهد. ورجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٢٨٣) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وعلَّل ذلك بأن الخطاب «جاء في سياق قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ومعطوفًا عليه، ولا دلالة في الكلام تدل على أن قوله: ﴿وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مصروفٌ عن خطاب الذين ابتُدِئَ بخطابهم في أول الآية. فإذ كان ذلك كذلك فأن يكون خطابًا لهم أوْلى مِن أن يُقال: هو مصروفٌ عنهم إلى غيرهم». ثم أورد إشكالًا على ترجيحه، مفاده: أنّ قوله تعالى: ﴿وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ لا يجوز أن يكون خطابًا لبني إسرائيل، إذ كانت أمة محمدٍ قد أوتيت من كرامة الله بنبيها محمد ﷺ ما لم يؤت أحد غيرهم، وهم من العالمين. وأجاب عنه: بأن قوله: ﴿وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ خطابٌ من موسى عليه السلام لقومه يومئذٍ، وأنه عنى بذلك عالَمي زمانه لا عالَمي كل زمان

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في جنس إبليس: فقيل: هو من الملائكة. وقيل: هو من الجن. وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٦١٨) أنّ وجه التعبير عن الملائكة بالجن على القول الأول مِن حيث إنهم مستترون، وأنها صفة تعم الملائكة والشياطين، ثم وجَّه الاستثناء على القول الأول بأنّه متصل، وعلى الثاني بأنّه منقطع، ثم بيَّن أنه لا خلاف أن إبليس كان من الملائكة في المعنى؛ إذ كان مُتَصَرِّفًا بالأمر والنهي مُرْسَلًا، والملك مشتق من المألكة، وهي الرسالة، فهو في عداد الملائكة يتناوله قول ﴿اسْجُدُوا﴾. وعلَّق ابنُ كثير (٩‏/‏١٥٥) على الآثار الواردة في معنى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قائلًا: «وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة الأتقياء»

اختُلف في قوله: ﴿إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ على قولين: الأول: محجوبون عن كرامته. الثاني: محجوبون عن رؤيته. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٢٠٥-٢٠٦) العموم؛ لعدم الدليل على التخصيص، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبر عن هؤلاء القوم أنهم عن رؤيته محجوبون. ويحتمل أن يكون مرادًا به: الحجاب عن كرامته. وأن يكون مرادًا به: الحجاب عن ذلك كلّه، ولا دلالة في الآية تدل على أنه مراد بذلك الحجاب عن معنى منه دون معنى، ولا خبر به عن رسول الله ﷺ قامت حجّته. فالصواب أن يقال: هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته؛ إذ كان الخبر عامًّا، لا دلالة على خصوصه». وقال ابنُ عطية (٨‏/‏٥٦١ بتصرف يسير) معلّقًا على القولين: ""فمَن قال بالرؤية -وهم أهل السنة- قال: إنّ هؤلاء لا يرون ربّهم، فهم محجوبون عنه، واحتجَّ بهذه الآية مالك بن أنس عن مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب، وإلا فلو حجب الرؤية عن الكلّ لما أغنى هذا التخصص... ومَن قال بألاَّ رؤية -وهو قول المعتزلة- قال في هذه الآية: إنهم محجوبون عن رحمة ربّهم وغفرانه""

سورة النساء — الآية ١٧٦

عن هزيل بن شرحبيل: أنّ أبا موسى الأشعري سُئِل عن ابنة، وابنة ابن، وأخ

نقل ابنُ جرير (٢٤‏/‏٤٧٨) عن بعض أهل العربية أنّ معنى الآية: «وما لأحدٍ من خَلْقِ الله عند هذا الذي يؤتي ماله في سبيل الله يتزكى ﴿مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ يعني: من يدٍ يكافئه عليها، يقول: ليس يُنفِق ما يُنفِق من ذلك، ويُعطِي ما يُعطِي، مجازاة إنسانٍ يُجازيه على يدٍ له عنده، ولا مكافأةً له على نعمةٍ سلفتْ منه إليه أنعمها عليه، ولكن يؤتيه في حقوق الله ابتغاء وجْه الله. قال: و﴿إلا﴾ في هذا الموضع بمعنى: لكن. وقال: يجوز أن يكون الفعل في المكافأة مستقبَلًا، فيكون معناه: ولم يُرِدْ بما أنفق مكافأةً من أحد، ويكون موقع اللام التي في»أحد"" في الهاء التي خفَضَتْها ﴿عِنْدَهُ﴾، فكأنك قلتَ: وما له عند أحدٍ فيما أنفق من نعمةٍ يلتمس ثوابها. قال: وقد تضعُ العربُ الحرفَ في غير موضعه إذا كان معروفًا، واستَشْهَدوا لِذلك ببيت النّابغة:وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ فِي ذِي المَطارَةِ عاقِلِ"". ثم رجَّحه ابن جرير (٢٤‏/‏٤٧٩) -مستندًا إلى اللغة، وأقوال السلف- قائلًا: «وهذا الذي قاله الذي حكينا قوله من أهل العربية، وزعم أنه مما يجوز هو الصحيحُ الذي جاءت به الآثار عن أهل التأويل، وقالوا: نزلت في أبي بكر بِعِتْقِه مَن أعتق من المماليك ابتغاء وجْه الله». ثم وجَّه قوله تعالى: ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى﴾ على هذا المعنى، فقال: ""وعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن هؤلاء ينبغي أن يكون قوله: ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى﴾ نصبًا على الاستثناء من معنى قوله: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾؛ لأنّ معنى الكلام: وما يُؤْتِي الذي يُؤْتِي من ماله ملتمسًا من أحدٍ ثوابه، إلا ابتغاء وجْه ربِّه. وجائزٌ أن يكون نصبُه على مخالفة ما بعد ﴿إلا﴾ ما قبلها، كما قال النّابِغةُ:وقَفْتُ فِيها أُصَيْلانًا أُسائِلُها عَيَّتْ جَوابًا وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدِإلّا الأَوارِيُّ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ"". وعلَّق ابنُ عطية (٨‏/‏٦٣٧) على ما رجَّحه ابن جرير قائلًا: «وذهب الطبري إلى أنّ المعنى: وليس يُعطي لِيُثاب نعمًا يُجزى بها يومًا وينتظر ثوابها. وحوَّم في هذا المعنى وحلَّق بتطويل غير مُغْنٍ، ويتَّجه المعنى الذي أراد بأيسر من قوله، وذلك أن يكون التقدير: وما لأحد عنده إعطاءٌ ليقع عليه من ذلك الأحد جزاءٌ بَعْدُ، بل هو لمجرد ثواب الله تعالى وجزائه»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿قدم صدق﴾ على أقوال: الأول: الأعمال الصالحة من العبادات. الثاني: السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ. الثالث: شفاعة النبي ﷺ. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏١١١) مستندًا إلى اللغة القولَ الأول الذي قاله عبد الله بن عباس من طريق العوفي، والضحاك بن مزاحم، ومجاهد بن جبر، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: «وذلك أنّه محكيٌّ عن العرب: هؤلاء أهْلُ القَدَم في الإسلام. أي: هؤلاء الذين قدَّموا فيه خيرًا، فكان لهم فيه تقديم. ويقال: له عندي قدم صِدْق، وقدم سوء، وذلك ما قدَّمت إليه من خير أو شر». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٧‏/‏٣٣٢) بقوله: «وهذا كقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ أجْرًا حَسَنًا ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف:٢-٣]». ورجَّح ابنُ عطية (٤‏/‏٤٤٦) القول الثاني الذي قاله عبد الله بن عباس من طريق علي، فقال: «وهو أليق الأقوال بالآية». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٣١بتصرف) أنّه لا يعارض بقية الأقوال، فقال: «فإنّه سبق لهم من الله في الذِّكْر الأوَّلِ السعادةُ بأعمالهم على يد محمد ﷺ، فهو خير تَقَدُّم لهم من الله، ثم قدَّمه لهم على يد رسوله، ثم يقدمهم عليه يوم لقائه»

اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ على أقوال: الأول: يرى تقلبك في صلاتك حين تقوم، وحين تركع، وحين تسجد. الثاني: يرى تقلبك في المصلين، وإبصارك منهم من هو خلفك، كما تبصر من هو بين يديك منهم. الثالث: يرى تقلبك في الركوع والسجود والقيام مع المصلين في الجماعة. الرابع: يرى تصرفك في ذهابك ومجيئك في الناس. الخامس: يرى تصرفك في أحوالك كما كانت الأنبياء قبلك تفعله. السادس: يرى تقلبك في أصلاب الأنبياء. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٦٦٩) مستندًا إلى دلالة الظاهر القول الثالث، وهو قول ابن عباس من طريق عطاء، وقتادة من طريق معمر، وابن زيد، ومن وافقهم، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن ذلك هو الظاهر من معناه». وانتقد (١٧‏/‏٦٦٩-٦٧٠) القول الرابع، والثاني، مستندًا إلى الأغلب من اللغة، فقال: «فأما قول مَن وجَّهه إلى أن معناه: وتقلبك في الناس. فإنه قولٌ بعيدٌ من المفهوم بظاهر التلاوة، وإن كان له وجْه، لأنه وإن كان لا شيء إلا وظِلُّه يسجد لله، فإنه ليس المفهوم من قول القائل: فلانٌ مع الساجدين، أو في الساجدين، أنه مع الناس أو فيهم، بل المفهوم بذلك أنه مع قومٍ سجودٍ السجودَ المعروف، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأغلب أولى من توجيهه إلى الأنكر. وكذلك أيضًا في قول مَن قال: معناه: تتقلَّبُ في أبصار الساجدين، وإن كان له وجْه، فليس ذلك الظاهر من معانيه». وانتقد ابنُ عطية (٦‏/‏٥١١) القول الثاني، فقال: «وهذا معنًى أجنبيٌّ هنا»