اختُلِف في المراد بـ﴿العادّين﴾ في الآية على قولين: أحدهما: أنهم الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، ويُحْصُون عليهم ساعاتهم. والآخر: أنهم الحُسّاب. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٧‏/‏١٣٢)، وكذا ابنُ عطية (٦‏/‏٣٢٦) إلى عدم التعيين؛ لصوابهما، وعدم الدليل على أحدهما دون الآخر، فقال ابنُ جرير: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال كما قال الله -جلّ ثناؤه-: ﴿فاسْأَلِ العادِّينَ﴾. وهم الذين يَعُدّون عدد الشهور والسنين وغير ذلك، وجائز أن يكونوا الملائكة، وجائز أن يكونوا بني آدم وغيرهم، ولا حجة بأيِّ ذلك مِن أيٍّ ثبتتْ صحتها، فغير جائز توجيه معنى ذلك إلى بعض العادّين دون بعض». وقال ابنُ عطية ٦‏/‏٣٢٦): «ظاهر اللفظة أنهم أرادوا مَن يتصف بهذه الصفة، ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها؛ لأن النائم والميت لا يعدّ الحركة فيقدَّر له الزمان»

اختُلِف في حُكْم هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها محكمة. والآخر:أنها منسوخة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧‏/‏١٦٠-١٦١)، وابنُ عطية (٦‏/‏٣٣٦-٣٣٨)، وابنُ تيمية (٤‏/‏٤٨٧-٤٨٨)، وابنُ القيم (٢‏/‏٢٣٣-٢٣٤) القولَ الأولَ؛ لعدم الدليل على النسخ، وعدم التعارض بين الخبرين. قال ابنُ القيم: «الصواب: القول بأنّ هذه الآية محكمة يعمل بها، لم ينسخها شيء، وهي مشتملة على خبر وتحريم، ولم يأتِ مَن ادَّعى نسخَها بحجَّة ألبتة». وانتَقَدَ القولَ الثانيَ -وهو قول سعيد بن المسيب-، فقال: «هذا أفسد مِن الكل، فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين، ولا تُناقِض إحداهما الأخرى، بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى، وحرَّم نكاح الزانية كما حرَّم نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم، فأين الناسخ والمنسوخ في هذا؟!». وبنحوه قال ابنُ تيمية

على هذا القول الذي قاله الحسن، وقتادة، فالآية عامة كالتي قبلها، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٧‏/‏٦٢١)، ثم قال: «ويشبه أن لها سببًا من رجل قال ذلك لأبويه. فلمّا فرغ من ذكر الموفق عقّب بذكر هذا العاق». ورجَّح (٧‏/‏٦٢٢) العموم، وانتقد القول بنزولها في ابن أبي بكر مستندًا للسياق، فقال: «والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات، ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره من المؤمنين، والدليل القاطع على ذلك قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾، وكان عبد الرحمن رحمه الله من أفضل الصحابة، ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غَناءٌ، ويكفيه مقامه مع مروان يوم اليمامة وغيره». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٨). ثم قال ابنُ عطية (٧‏/‏٦٢٣): «وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في مُشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيرًا مِن الوقوع في مثلها»

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٨): «قوله تعالى: ﴿أن تحبط﴾ مفعول من أجله، أي: مخافة أن تحبط. والحبط: إفساد العمل بعد تقرره، يقال: حبِط -بكسر الباء-، وأحبطه الله، وهذا الحبط إن كانت الآية معرِّضة بمن يفعل ذلك استخفافًا واستحقارًا وجرأةً فذلك كفر، والحبط معه على حقيقته. وإن كان التعريض للمؤمن الفاضل الذي يفعل ذلك غفلةً وجريًا على طبْعه، فإنما يحبط عمله البرَّ في توقير النبي ﷺ وغضّ الصوت عنده إن لو فعل ذلك، فكأنه قال: أن تحبط الأعمال التي هي معدَّة أن تعملوها فتؤجروا عليها. ويحتمل أن يكون المعنى: أن تأثموا ويكون ذلك سببًا إلى الوحشة في نفوسكم، فلا تزال معتقداتكم تتجرد القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فيُحبط الأعمالَ حقيقة. وظاهر الآية أنها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الذين لا يفعلون ذلك احتقارًا، وذلك أنه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة: وأنت لا تشعر. لأنه ليس له عمل يعتقده هو عملًا»

اختُلف في المراد بالسائق والشهيد على أقوال: الأول: أنهما ملكان. الثاني: أن السائق ملَك، والشهيد جوارح الإنسان. الثالث: أن السائق ملك، والشهيد العمل. ورجَّح ابن كثير (١٣‏/‏١٩٠) -مستندًا إلى ظاهر الآية- القول الأول الذي قاله عثمان، ومجاهد، وابن زيد، ومقاتل، فقال: «هذا هو الظاهر من الآية». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٣-٤٤) قولًا آخر وهو أن «سائق» اسم جنس، و«شهيد» كذلك، فالساقة للناس ملائكة يُوكّلون بذلك، والشهداء: الحفظة في الدنيا وكل ما يشهد. وعلَّق عليه بقوله: «ويقوى في ﴿شهيد﴾ اسم الجنس، فتشهد بالخير الملائكة والبقاع، ومنه قول النبي ﷺ: «لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». وكذلك يشهد بالشر الملائكة، والبقاع، والجوارح. ونقل عن ابن مسلم أنه قال: السائق: شيطان. وانتقده بقوله:»وهو ضعيف""

اختُلف في القرين على قولين: الأول: أنه مَلَك. الثاني: أنه شيطانه. وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٥) قولين آخرين: الأول: أنّه قرينه من زبانية جهنم، أي قال: هذا العذاب الذي لهذا الإنسان الكافر حاضر عتيد. وعلَّق عليه، بقوله: «ففي هذا تحريض على الكافر، واستعجال به». الثاني: أنّه عمله قلبًا وجوارحًا. ورجَّح أنّ القرين اسم جنس، فيشمل ما يصدق عليه، فقال: «ولفظ القرين: اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبه من الزبانية قرين، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين، وتحتمله هذه الآية، أي: هذا الذي أحصيته عليه عتيد لدي، وموجب عذابه، ومماشِي الإنسان في طريقه قرين». ثم قال: «والقرين الذي في هذه الآية غير القرين الذي في قوله: ﴿قال قرينه ربنا ما أطغيته﴾؛ إذ المقارنة تكون على أنواع». وعلَّق ابنُ عطية على القول الأول الذي قاله قتادة، وابن زيد، وابن جُرَيْج، ومقاتل، فقال: «فكأنه قال: هذا الكافر الذي جُعل إلي سَوْقه، فهو لديَّ حاضر»

ذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏٢٩٩-٣٢٠) أنّ الظهور المراد هنا فُسّر بأنه ظهور بيان، وفُسّر بأنه ظهور سيف وسنان، ثم علَّق بقوله: «ولفظ الظهور يتناولهما؛ فإنّ ظهور الهدى بالعلم والبيان، وظهور الدّين باليد والعمل، والله تعالى أرسل رسوله بالهُدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله. ومعلوم أنّ ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال، فإنّ النبي ﷺ مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يُظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين، فآمنتْ به المهاجرون والأنصار طوعًا واختيارًا بغير سيف؛ لما بان لهم من الآيات البينات والبراهين والمعجزات، ثم أظهره بالسيف، فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداءً ودفعًا؛ فلئن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداءً ودفعًا لِمَن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى»

علَّق ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٧٩) على قول مَن قال: إنّ هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق بقوله: «وقد ذكر غير واحد من المفسرين أنّ هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق، حتى إنّ بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإنّ لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأَتْقى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾، ولكنه مقدّم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صدِّيقًا تقيًّا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده مِنّة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٣٧) نحوه

سورة البقرة — الآية ٤٠

عن ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- في قوله: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾، قال: ذلك الميثاق الذي أُخِذ عليهم في المائدة: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾ إلى آخر الآية [المائدة:١٢]، فهذا عَهْدُ الله الذي عَهِد إليهم، وهو عَهْدُ الله فينا، فمن أوفى بعهد الله وفّى الله له بعهده

سورة آل عمران — الآية ١٢٨

قال سعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، ومحمد بن إسحاق: لَمّا رأى رسول الله - ﷺ - والمسلمون يومَ أحد ما بأصحابهم من جَدْع الآذانِ والأنوف، وقَطْعِ المذاكير، وقالوا: لَئِن أدالنا الله تعالى منهم لنفعَلَنَّ بهم مثل ما فعلوا، ولَنُمَثِّلَنَّ بهم مُثْلَةً لم يُمَثِّلها أحدٌ من العرب بأحد. فأنزل الله تعالى هذه الآية