محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٢٨ من سورة آل عمران في ١١٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٢٨ من سورة آل عمران

١١٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
يعني بذلك تعالى ذكره : ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، فقوله :﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ منصوب عطفا على قوله :﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾. وقد يحتمل أن يكون تأويله : ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم، فيكون نصب «يتوب » بمعنى «أو » التي هي في معنى «حتى ». والقول الأول أولى بالصواب، لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحد سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك. وتأويل قوله :﴿لَيْسَ لكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ : ليس إليك يا محمد من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهي فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري أقضي فيهم، وأحكم بالذي أشاء من التوبة على من كفر بي وعصاني، وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي. كما :
حدثني ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثم قال لمحمد ﷺ :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾ : أي ليس لك من الحكم في شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئت فعلت. أو أعذبهم بذنوبهم، ﴿فإنّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي قد استحقوا ذلك بمعصيتهم إياي.
وذكر أن الله عزّ وجلّ إنما أنزل هذه الآية على نبيه محمد ﷺ، لأنه لما أصابه بأحد ما أصابه من المشركين، قال كالاَيس لهم من الهدى أو من الإنابة إلى الحقّ :«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بنبّيهم ». ذكر الرواية بذلك.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا حميد، قال : قال أنس : قال النبيّ ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، وشجّ، فجعل يمسح عن وجهه الدم ويقول :«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضّبُوا نَبِيّهُمْ بالدّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى رَبّهِمْ ؟ » فأنزلت :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، عن النبيّ ﷺ بنحوه.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن حميد الطويل، عن أنس، عن النبيّ ﷺ بنحوه.
حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ حين شجّ في جبهته، وكسرت رباعيته :«لا يُفْلِحُ قَوْمٌ صَنَعُوا هَذَا بِنَبِيّهِمْ » فأوحى الله إليه :﴿لَيْس لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيّءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِم أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
حدثني يعقوب عن ابن علية، قال : حدثنا ابن عون، عن الحسن أن النبيّ ﷺ قال يوم أُحد :«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ أدْمَوْا وَجْهَ نَبِيّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى اللّهِ عَزّ وَجَلّ » فنزلت :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن حميد، عن أنس، عن النبيّ ﷺ، نحو ذلك.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾ ذكر لنا أن هذه الاَية أنزلت على رسول الله ﷺ يوم أُحد، وقد جرح نبيّ الله ﷺ في وجهه، وأصيب بعض رباعيته، فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم :«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضّبُوا وَجْهَ نَبِيّهِمْ بالدّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى رَبّهِمْ » فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، ، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة، قال : أصيب النبيّ ﷺ يوم أُحد وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمرّ به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه، ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول :«كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى اللّهِ » فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
حُدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قوله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾. . . الاَية، قال : قال الربيع بن أنس، أنزلت هذه الاَية على رسول الله ﷺ يوم أُحد وقد شجّ رسول الله ﷺ في وجهه، وأصيبت رباعيته، فهمّ رسول الله ﷺ أن يدعو عليهم، فقال :«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ أدْمَوا وَجْهَ نَبِيّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى اللّهِ وَهُمْ يَدْعُونَهُ إلى الشّيْطانِ وَيَدْعُوهُمْ إلى الهُدَى وَيَدْعُونَهُ إلى الضّلالَةِ، ويَدْعُوهُمْ إلى الجَنّةِ وَيَدْعُونَهُ إلى النّارِ » فهمّ أن يدعو عليهم، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾ فكفّ رسول الله ﷺ عن الدعاء عليهم.
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، قال : حدثنا عباد، عن الحسن في قوله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. . . الاَية كلها، فقال : جاء أبو سفيان من الحول غضبان لما صنع بأصحابه يوم بدر، فقاتل أصحاب محمد ﷺ يوم أُحد قتالاً شديدا، حتى قتل منهم بعدد الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله ﷺ كلمة علم الله أنها قد خالطت غضبا :«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضّبُوا وَجْهَ نَبِيّهِمْ بالدّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى الإسْلامِ » فقال الله عزّ وجلّ :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : أن رباعية النبيّ ﷺ أصيبت يوم أُحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص، وشجّه في وجهه، وكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبيّ ﷺ الدم، والنبيّ ﷺ يقول :«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ صَنَعُوا بِنَبِيّهِمْ هَذَا » فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، وعن عثمان الجزري، عن مقسم : أن النبيّ ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر باعيته، ووثأ وجهه، فقال :«اللّهُمّ لا تُحِلْ عَلَيْهِ الحَوْلَ حتى يَمُوتَ كافِرا ! » قال : فما حال عليه الحول حتى مات كافرا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : شجّ النبيّ ﷺ في فرق حاجبه، وكسرت رباعيته. قال ابن جريج : ذكر لنا أنه لما جرح، جعل سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه، ورسول الله ﷺ يقول :«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضّبُوا وَجْهَ نَبِيّهِمْ بالدّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى اللّهِ ؟ ». فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الاَية على النبيّ ﷺ، لأنه دعا على قوم، فأنزل الله عزّ وجل : ليس الأمر إليك فيهم. ذكر من الرواية بذلك :
حدثني يحيى بن حبيب بن عربي، قال : حدثنا خالد بن الحرث، قال : حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر : أن رسول الله ﷺ، كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾ قال : وهداهم الله للإسلام.
حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال : حدثنا أحمد بن سفيان، عن عمر بن حمزة، عن سالم، عن ابن عمر، قال : قال رسول الله ﷺ :«اللّهُمّ الْعَنْ أبا سُفْيانَ ! اللّهُمّ الْعَنِ الحَارِثَ ابْنَ هِشامٍ ! اللّهُمّ الْعَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ ! » فنزلت :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد الله بن كعب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، قال : صلى رسول الله ﷺ الفجر، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية، قال :«اللّهُمّ أنْجٍ عَيّاشَ بْنَ أبي رَبِيعَةَ وَسَلْمَةَ بْنَ هِشامٍ وَالَولِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللّهُمّ أنْجِ المُسْتَضْعفينَ مِنَ المُسْلِمينَ، اللّهُمّ اشْدُدْ وَطأتَكَ على مُضَرَ، اللّهُمّ سِنِينَ كَسِنِينَ آلِ يُوسَف ! » فأنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِم﴾. . . الاَية.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبره عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول : كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة، ويكبر ويرفع رأسه :«سَمِعَ الله لمن حَمِدَهْ، رَبّنَا وَلَكَ الحَمْدُ » ثم يقول وهو قائم :«الّلهُمّ أنْجِ الولِيدَ بْنَ الوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ وعَيّاشَ بْن أبي رَبيعَةَ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللّهُمّ اشْدُدْ وَطأتَكَ على مُضرَ، وَاجْعَلْها عَلَيْهِمْ كَسِني يُوسُفَ، اللّهُمّ الْعَنِ لْحْيانَ وَرعلاً وَذَكْوَانَ وعُصَيّةُ عَصَتِ اللّهَ وَرَسُولَهُ ». ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل قوله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ ظالِمُونَ﴾.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٧٨٠٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أو يكبتهم"، يقول: يخزيهم،"فينقلبوا خائبين".
٧٨٠٣- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء.
* * *
فقوله:"أو يتوب عليهم"، منصوبٌ عطفًا على قوله:"أو يكبتهم".
وقد يحتمل أن يكون تأويله: ليس لك من الأمر شيء، حتى يتوب عليهم = فيكون نصب"يتوب" بمعنى"أو" التي هي في معنى"حتى". (١)
* * *
قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بالصواب، لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحدٍ سوى خالقهم، قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.
* * *
وتأويل قوله:"ليس لك من الأمر شيء"، ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهيَ فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنّقَم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددتُ لأهل الكفر بي. كما:-
(١) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٤.
٧٨٠٤- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"، أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئتُ فعلتُ، أو أعذبهم بذنوبهم = (١) "فإنهم ظالمون"، أي قد استحقوا ذلك بمعصيتهم إياي. (٢)
* * *
وذكر أن الله عز وجل إنما أنزل هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لما أصابه بأحُد ما أصابه من المشركين، قال، كالآيس لهم من الهدى أو من الإنابة إلى الحق:"كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيهم!!
*ذكر الرواية بذلك:
٧٨٠٥- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا حميد قال، قال أنس: قال النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رَبَاعيته، وشُجَّ، فجعل يمسح عن وجهه الدم ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم!! فأنزلت:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوبَ عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون". (٣)
(١) في سيرة ابن هشام: "... بذنوبهم، فبحقي".
(٢) الأثر: ٧٨٠٤- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، وهو تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٠١، مع اختلاف يسير في بعض لفظه.
(٣) الحديث: ٧٨٠٥- هذا الحديث رواه الطبري متصلا بخمسة أسانيد: ٧٨٠٥ - ٧٨٠٨، ٧٨١٠، من طريق بشر بن المفضل، وابن أبي عدي، وهشيم، وأبي بكر بن عياش، وابن علية = الخمسة عن حميد بن أبي حميد الطويل، عن أنس بن مالك. ورواه: ٧٨٠٩، من حديث الحسن البصري، بنحوه، مرسلا.
وقد رواه أحمد في المسند: ١١٩٨٠، عن هشيم، و: ١٢٨٦٢، عن سهل بن يوسف، و: ١٣١١٥، عن يزيد بن هارون، و: ١٣١٧٠، عن ابن أبي عدي = أربعتهم عن حميد الطويل، به. (ج٣ ص٩٩، ١٧٨ - ١٧٩، ٢٠١، ٢٠٦ حلبي). ورواه الترمذي ٤: ٨٣، عن أحمد بن منيع، وعبد بن حميد - كلاهما عن يزيد بن هارون، كرواية المسند: ١٣١١٥. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". ورواه أبو جعفر النحاس، في الناسخ والمنسوخ، ص: ٩٠، من طريق يزيد بن هارون.
ورواه أحمد أيضًا، بنحوه: ١٣٦٩٢ (ج٣ ص٢٥٣ حلبي)، عن عفان، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن ثابت، عن أنس.
وكذلك رواه مسلم ٢: ٦٧، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن حماد بن سلمة، به
وذكره البخاري في الصحيح ٧: ٢٨١، مختصرًا، معلقًا، من الوجهين. قال: "قال حميد وثابت، عن أنس...". وبين الحافظ في الفتح أن رواية حميد وصلها أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن إسحاق في المغازي. وأن رواية ثابت وصلها مسلم.
وذكر ابن كثير ٢: ٢٣٨ رواية البخاري المعلقة. وفي ص: ٢٣٩ رواية أحمد عن هشيم. ثم أشار إلى رواية مسلم.
وذكره السيوطي ٢: ٧٠ - ٧١، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل.
وانظر ما يأتي: ٧٨١٨ - ٧٨٢١.
"الرباعية" - على وزن"ثمانية": الأسنان الأربعة التي تلي الثناياه، بين الثنية والناب.
٧٨٠٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ بنحوه.
٧٨٠٧- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن حميد الطويل، عن أنس، عن النبي ﷺ بنحوه.
٧٨٠٨- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ حين شُجَّ في جبهته وكسِرت رباعيته: لا يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم! فأوحى الله إليه:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون". (١)
٧٨٠٩- حدثني يعقوب، عن ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن الحسن: أن النبي ﷺ قال يوم أحُد: كيف يفلح قوم دمَّوا وجه نبيهم وهو
(١) الحديث: ٧٨٠٨- يحيى بن طلحة اليربوعي: سبق في: ٤٢١ أن النسائي ضعفه. والراجح توثيقه. فقد ترجمه ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٦٠، فلم يذكر فيه جرحًا.
يدعوهم إلى الله عز وجل!! فنزلت:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون". (١)
٧٨١٠- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن حميد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو ذلك.
٧٨١١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"، ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ يوم أُحد، وقد جُرح نبي الله ﷺ في وجهه وأصيبَ بعضُ رباعيته، فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم! فأنزل الله عز وجل:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون".
٧٨١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال: أصيب النبي ﷺ يوم أحد وكِسرت رباعيته، وفُرِق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه فأفاق وهو يقول: كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله! فأنزل الله تبارك وتعالى:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون".
٧٨١٣- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قوله:"ليس لك من الأمر شيء" الآية قال قال الربيع بن أنس: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ يوم أحُد، وقد شج رسول الله ﷺ في وجهه وأصيبتْ رباعيته، فهم رسول الله ﷺ أن يدعوَ عليهم،
(١) الحديث: ٧٨٠٩- هذه رواية الحسن المرسلة. وقد ذكر السيوطي ٢: ٧١ رواية عن الحسن، مطولة مرسلة أيضًا، ونسبها لعبد بن حميد، وحده.
فقال: "كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله وهم يدعونه إلى الشيطان، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار! فهمَّ أن يدعوَ عليهم، فأنزل الله عز وجل:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"، فكفَّ رسول الله ﷺ عن الدعاء عليهم.
٧٨١٤- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم" الآية كلها، فقال: جاء أبو سفيان من الحول غضبان لما صُنع بأصحابه يوم بدر، فقاتل أصحابَ محمد ﷺ يوم أحد قتالا شديدًا، حتى قتل منهم بعدد الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله ﷺ كلمةً علم الله أنها قد خالطت غضبًا: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الإسلام! فقال الله عز وجل:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون".
٧٨١٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: أن رباعية النبي ﷺ أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص، وشجه في وجهه. وكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي ﷺ الدمَ، والنبي ﷺ يقول: كيف يفلح قوم صنعوا بنبيهم هذا!! فأنزل الله عز وجل:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون".
٧٨١٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، وعن عثمان الجزري، عن مقسم: أن النبي ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد، حين كسر رباعيته، وَوثأ وجهه، (١)
(١) وثأه وثأه: فهو أن يضرب حتى يرهص الجلد واللحم، ويصل الضرب إلى العظم من غير أن ينكسر، يكسر اللحم ولا يكسر العظم.
فقال:"اللهم لا يحل عليه الحول حتى يموت كافرا! " قال: فما حال عليه الحول حتى مات كافرا.
٧٨١٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: شج النبي ﷺ في فرق حاجبه، وكسرت رباعيته.
= قال ابن جريج: ذكر لنا أنه لما جرح، جعل سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه، ورسول الله ﷺ يقول:"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله! ". فأنزل الله عز وجل: (ليس لك من الأمر شيء)
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه دعا على قوم، فأنزل الله عز وجل: ليس الأمر إليك فيهم.
* ذكر الرواية بذلك:
٧٨١٨ - حدثني يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله عز وجل: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) قال: وهداهم الله للإسلام (١).
(١) الحديث: ٧٨١٨ - خالد بن الحارث بن عبيد، أبو عثمان الهجيمي: ثقة ثبت إمام. وقال أحمد: " إليه المنتهى في التثبت بالبصرة ".
والحديث رواه أحمد في المسند: ٥٨١٣، عن يحيى بن حبيب بن عربي- شيخ الطبري هنا- بهذا الإسناد. ولم يذكر لفظه، إحالة على رواية قبله.
ورواه الترمذي ٤: ٨٤ عن يحيى بن حبيب بن عربي أيضًا. وقال: " هذا حديث حسن غريب صحيح، يستغرب من هذا الوجه، من حديث نافع عن ابن عمر. ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان".
ورواه أحمد أيضًا: ٥٨١٢ - قبل الرواية السابقة -: عن أبي معاوية الغلابي، عن خالد بن الحارث.
ورواه أحمد أيضًا: ٥٩٩٧، بنحوه، عن هارون بن معروف المروزي، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو متابعة صحيحة لرواية ابن عجلان عن نافع، التي استغربها الترمذي - فكانت غير غريبة، بهذه المتابعة الصحيحة.
وذكره ابن كثير ٢: ٢٣٨، من رواية المسند: ٥٨١٢.
وأشار إليه الحافظ في الفتح ٨: ١٧٠، من روايتي أحمد والترمذي.
وذكره السيوطي ٢: ٧١، ونسبه للترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، فقط.
وانظر الحديث التالي لهذا.
٧٨١٩ - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن عمر بن حمزة، عن سالم، عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم العن أبا سفيان! اللهم العن الحارث بن هشام! اللهم العن صفوان بن أميه! فنزلت: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) (١).
(١) الحديث: ٧٨١٩ - أحمد بن بشير، أبو بكر الكوفي، مولى عمرو بن حريث المخزومي: ثقة، أخرج له البخاري في صحيحه، وترجمه هو وابن أبي حاتم، فلم يذكرا فيه جرحًا. ومن نقل فيه جرحًا عن ابن معين فقد وهم. ذاك " أحمد بن بشير " آخر، كما بينه الخطيب في تاريخ بغداد ٤: ٤٦ - ٤٨.
ووقع في المطبوعة هنا اسم أبيه " سفيان"، وفي المخطوطة "سنين" - وكلاهما خطأ، ليس في الرواة من يسمى بهذا أو بذاك، إلا راويًا اسمه " أحمد بن سفيان أبو سفيان النسائي" وهو متأخر عن هذه الطبقة. وأثبتنا الصواب عن ذلك، وعن رواية الترمذي هذا الحديث بهذا الإسناد، كما سيأتي.
عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: رجحنا توثيقه في شرح المسند: ٥٦٣٨، بأنه أخرج له مسلم في صحيحه، وبقول الحاكم: " أحاديثه كلها مستقيمة". وهو يروي هنا عن عمه " سالم بن عبد الله بن عمر " عن جده " عبد الله بن عمر".
والحديث رواه أحمد في المسند: ٥٦٧٤، عن أبي النضر، عن أبي عقيل عبد الله بن عقيل، عن عمر بن حمزة، به وزاد في آخره بعد نزول الآية: " قال: فتيب عليهم ".
ورواه الترمذي ٤: ٨٣، عن أبي السائب سلم بن جنادة بن سلم الكوفي - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد. وزاد في آخره: " فتاب عليهم، فأسلموا فحسن إسلامهم ".
وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب، يستغرب من حديث عمر بن حمزة عن سالم. وكذا رواه الزهري، عن سالم، عن أبيه".
ورواية الزهري عن سالم - التي أشار إليها الترمذي - رواها أحمد في المسند: ٦٣٤٩، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.
وكذا رواها أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ص: ٨٩، من طريق عبد الرزاق، به. ورواه أيضًا ابن المبارك عن معمر.
فرواه أحمد في المسند: ٦٣٥٠، عن علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن معمر، عن سالم. عن أبيه.
وكذلك رواه البخاري ٧ / ٢٨١، ٨: ١٧٠ / و ١٣: ٢٦٣ - ٢٦٤، من طريق عبد الله بن المبارك.
ورواه البخاري أيضًا ٧: ٢٨١، من رواية ابن المبارك، عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن سالم بن عبد الله: " كان رسول الله ﷺ يدعو... " رواه تبعًا لحديث ابن المبارك عن معمر، فقال الحافظ في الفتح: " والراوي له عن حنظلة، هو عبد الله بن المبارك".
ووهم من زعم أنه معلق. وقوله: " سمعت سالم بن عبد الله يقول كان رسول الله ﷺ يدعو "، إلى آخره -: هو مرسل.
وقد ذكره ابن كثير ٢: ٢٣٨، عن رواية المسند: ٥٦٧٤.
وذكره السيوطي ٢: ٧١، وزاد نسبته للنسائي، والبيهقي في الدلائل.
٧٨٢٠ - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد الله بن كعب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال، صلى رسول الله ﷺ الفجر، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قال اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد! اللهم أنج المستضعفين من المسلمين! اللهم اشدد وطأتك على مضر! اللهم سنين كسنين آل يوسف! فأنزل الله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم) (١) الآية.
(١) الحديث: ٧٨٢٠ - عبد الله بن كعب: هو الحميري المدني، مولى عثمان بن عفان. وهو ثقة، أخرج له مسلم في صحيحه، وترجمه ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٤٢.
وهذا الحديث مرسل، لأن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي - تابعي- وقد مضت ترجمته في: ٢٣٥١. ولم أجد هذا الحديث المرسل في موضع آخر. ومعناه ثابت صحيح في الحديث الآتي عقبه: ٧٨٢١، وفي حديث أبي هريرة في المسند: ٧٦٥٦، من رواية الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. عن أبي هريرة. ولكن ليس فيه نزول الآية.
ثم وجدته موصولا من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن نفسه:
فرواه البخاري ٢: ٢٤١ - ٢٤٢، في حديث مطول، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري " قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة... قالا: وقال أبو هريرة: وكان رسول الله ﷺ حين يرفع رأسه... " - إلخ.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٢٠٧، مقتصرًا على القسم الأخير منه، من أول قوله: " كان رسول الله ﷺ " - من طريق عثمان بن سعيد الدارمي، عن أبي اليمان، بمثل إسناد البخاري، ثم قال: " رواه البخاري في الصحيح، عن أبي اليمان ".
ووجدته أيضا مرسلا، مثل رواية الطبري هنا:
فرواه الطحاوي في معاني الآثار ١: ١٤٢، من طريق سلمة بن رجاء، عن محمد بن إسحاق، بمثل إسناد الطبري هنا. وزاد في آخره بعد الآية: " قال: فما دعا رسول الله ﷺ بدعاء على أحد ".

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم اعترض بجملة دَلَّت على أنّ الحُكْم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أي : بل الأمر كلّه إلي، كما قال :﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
قال محمد بن إسحاق في قوله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أي : ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم.
ثم ذكر تعالى بقية الأقسام فقال :﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي : مما هم فيه من الكفر ويهديهم بعد الضلالة ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي : في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم ؛ ولهذا قال :﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي : يستحقون ذلك.
وقال البخاري : حدثنا حِبّان بن مُوسى، أخبرنا عبد الله، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه : أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر(١) اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا " بعد ما يقول :" سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ربنا ولك الحمد " فأنزل الله تعالى(٢) ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] (٣).
وهكذا رواه النسائي، من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما، عن مَعْمَر(٤)، به.
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النَّضْر، حدثنا أبو عقيل - قال أحمد : وهو عبد الله بن عقيل، صالح الحديث ثقة - قال : حدثنا عُمَر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" اللهم العن فلانا، اللهم العن الحارث بن هِشامِ، اللهم العن سُهَيلَ بنَ عَمْرو، اللهم العن صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ ". فنزلت هذه الآية :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتِيبَ عليهم كلّهم(٥).
وقال أحمد : حدثنا أبو معاوية الغَلابي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجْلان، عن نافع، عن عبد الله ؛ أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة قال : فأنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] (٦) قال : وهداهم الله للإسلام(٧).
وقال محمد بن عَجْلان، عن نافع، عن ابن عمر قال : كان رسول الله ﷺ يدعو على رجال من المشركين يُسَمِّيهم بأسمائهم، حتى أنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.
وقال البخاري أيضًا : حَدّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سَعْد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، وأبي سلمة بن(٨) عبد الرحمن، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يَدْعو على أحد - أو يدعو لأحد - قَنَتَ بعد الركوع، وربما قال - إذا قال :" سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد - :" اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيد بن الوليدِ، وسَلَمَة بْنَ هشَامٍ، وعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ ". يجهر بذلك، وكان يقول - في بعض صلاته في صلاة الفجر - :" اللهم العن فلانا وفلانا " لأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية(٩).
وقال البخاري : قال حُمَيْد وثابت، عن أنس بن مالك : شُجّ النبي ﷺ يوم أحُد، فقال :" كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ؟ ". فنزلت :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ وقد أسند هذا الحديث الذي عَلَّقه البخاري رحمه الله(١٠).
وقال البخاري : في غزوة أُحُد : حدثنا يحيى بن عَبْد الله السلمي، حدثنا عبد الله - أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، حَدّثَني سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول - إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الأخيرة من الفجر - :" اللهم العن فلانا وفلانا وَفُلانًا " بعد ما يقول :" سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ربنا ولك الحمد ". فأنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [ إلى قوله :﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ] (١١).
وعن حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعت سالم بن عبد الله قال : كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوانَ بن أمَيّة، وسُهَيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ](١٢) فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾(١٣).
هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة مسندة متصلة في مسند أحمد متصلة آنفا.
وقال الإمام أحمد : حدثنا هُشَيم، حدثنا حُمَيد، عن أنس، رضي الله عنه أن النبي ﷺ كُسرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحدُ، وشُجَّ في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال :" كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وهو يدعوهم إلى ربهم، عز وجل ". فأنزل الله تعالى :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
انفرد به مسلم، فرواه(١٤) [ عن ](١٥) القعنبي، عن حَمّاد، عن ثابت، عن أنس، فذكره(١٦).
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال : أصيب النبي ﷺ يوم أحد وكُسرت رَبَاعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول :" كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وهو يدعوهم إلى اللهِ ؟ " فأنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] (١٧).
وكذا رواه عبدُ الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، بنحوه، ولم يقل : فأفاق(١٨).
١ في جـ، ر، أ: "من الفجر يقول"..
٢ في أ: "عز وجل"..
٣ زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية"..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٥).
٥ المسند (٢/٩٣)..
٦ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية"..
٧ المسند (٢/١٠٤)..
٨ في جـ، ر: "عن"..
٩ صحيح البخاري برقم (٤٥٦٠)..
١٠ صحيح البخاري (٧/٣٦٥) "فتح"، وسيأتي حديث حميد موصولا عن أحمد. أما حديث ثابت فقد وصله مسلم برقم (١٧٩١)..
١١ زيادة من جـ، ر، ، وفي هـ: "الآية"..
١٢ في جـ، ر: "إلى قوله"..
١٣ صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩)..
١٤ في جـ: "ورواه"..
١٥ زيادة من ر..
١٦ المسند (٣/٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٩١)..
١٧ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية"..
١٨ تفسير الطبري (٧/١٩٧، ١٩٨) وتفسير عبد الرزاق (٢/١٣٥)..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
لما جرى يوم " أحد " ما جرى، وجرى على النبي ﷺ مصائب، رفع الله بها درجته، فشج رأسه وكسرت رباعيته، قال " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم " وجعل يدعو على رؤساء من المشركين مثل أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، أنزل الله تعالى على رسوله نهيا له عن الدعاء عليهم باللعنة والطرد عن رحمة الله ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ إنما عليك البلاغ وإرشاد الخلق والحرص على مصالحهم، وإنما الأمر لله تعالى هو الذي يدبر الأمور، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلا تدع عليهم بل أمرهم راجع إلى ربهم، إن اقتضت حكمته ورحمته أن يتوب عليهم ويمن عليهم بالإسلام فعل، وإن اقتضت حكمته إبقاءهم على كفرهم وعدم هدايتهم، فإنهم هم الذين ظلموا أنفسهم وضروها وتسببوا بذلك، فعل، وقد تاب الله على هؤلاء المعينين وغيرهم، فهداهم للإسلام رضي الله عنهم، وفي هذه الآية مما يدل على أن اختيار الله غالب على اختيار العباد، وأن العبد وإن ارتفعت درجته وعلا قدره قد يختار شيئا وتكون الخيرة والمصلحة في غيره، وأن الرسول ﷺ ليس له من الأمر شيء فغيره من باب أولى ففيها أعظم رد على من تعلق بالأنبياء أو غيرهم من الصالحين وغيرهم، وأن هذا شرك في العبادة، نقص في العقل، يتركون من الأمر كله له ويدعون من لا يملك من الأمر مثقال ذرة، إن هذا لهو الضلال البعيد، وتأمل كيف لما ذكر تعالى توبته عليهم أسند الفعل إليه، ولم يذكر منهم سببا موجبا لذلك، ليدل ذلك على أن النعمة محض فضله على عبده، من غير سبق سبب من العبد ولا وسيلة، ولما ذكر العذاب ذكر معه ظلمهم، ورتبه على العذاب بالفاء المفيدة للسببية، فقال ﴿أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ ليدل ذلك على كمال عدل الله وحكمته، حيث وضع العقوبة موضعها، ولم يظلم عبده بل العبد هو الذي ظلم نفسه،
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يخبر تعالى أن نصره عباده المؤمنين لأحد أمرين: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أي: جانبا منهم وركنا من أركانهم، إما بقتل، أو أسر، أو استيلاء على بلد، أو غنيمة مال، فيقوى بذلك المؤمنون ويذل الكافرون، وذلك لأن مقاومتهم ومحاربتهم للإسلام تتألف من أشخاصهم وسلاحهم وأموالهم وأرضهم فبهذه الأمور تحصل منهم المقاومة والمقاتلة فقطع شيء من ذلك ذهاب لبعض قوتهم، الأمر الثاني أن يريد الكفار بقوتهم وكثرتهم، طمعا في المسلمين، ويمنوا أنفسهم ذلك، ويحرصوا عليه غاية الحرص، ويبذلوا قواهم وأموالهم في ذلك، فينصر الله المؤمنين عليهم ويردهم خائبين لم ينالوا مقصودهم، بل يرجعون بخسارة وغم وحسرة، وإذا تأملت الواقع رأيت نصر الله لعباده المؤمنين دائرا بين هذين الأمرين، غير خارج عنهما إما نصر عليهم أو خذل لهم. -[١٤٧]-
{١٢٨ - ١٢٩} ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
لما جرى يوم "أحد" ما جرى، وجرى على النبي ﷺ مصائب، رفع الله بها درجته، فشج رأسه وكسرت رباعيته، قال "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم" وجعل يدعو على رؤساء من المشركين مثل أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، أنزل الله تعالى على رسوله نهيا له عن الدعاء عليهم باللعنة والطرد عن رحمة الله ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ إنما عليك البلاغ وإرشاد الخلق والحرص على مصالحهم، وإنما الأمر لله تعالى هو الذي يدبر الأمور، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلا تدع عليهم بل أمرهم راجع إلى ربهم، إن اقتضت حكمته ورحمته أن يتوب عليهم ويمن عليهم بالإسلام فعل، وإن اقتضت حكمته إبقاءهم على كفرهم وعدم هدايتهم، فإنهم هم الذين ظلموا أنفسهم وضروها وتسببوا بذلك، فعل، وقد تاب الله على هؤلاء المعينين وغيرهم، فهداهم للإسلام رضي الله عنهم، وفي هذه الآية مما يدل على أن اختيار الله غالب على اختيار العباد، وأن العبد وإن ارتفعت درجته وعلا قدره قد يختار شيئا وتكون الخيرة والمصلحة في غيره، وأن الرسول ﷺ ليس له من الأمر شيء فغيره من باب أولى ففيها أعظم رد على من تعلق بالأنبياء أو غيرهم من الصالحين وغيرهم، وأن هذا شرك في العبادة، نقص في العقل، يتركون من الأمر كله له ويدعون من لا يملك من الأمر مثقال ذرة، إن هذا لهو الضلال البعيد، وتأمل كيف لما ذكر تعالى توبته عليهم أسند الفعل إليه، ولم يذكر منهم سببا موجبا لذلك، ليدل ذلك على أن النعمة محض فضله على عبده، من غير سبق سبب من العبد ولا وسيلة، ولما ذكر العذاب ذكر معه ظلمهم، ورتبه على العذاب بالفاء المفيدة للسببية، فقال ﴿أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ ليدل ذلك على كمال عدل الله وحكمته، حيث وضع العقوبة موضعها، ولم يظلم عبده بل العبد هو الذي ظلم نفسه، ولما نفى عن رسوله أنه ليس له من الأمر شيء قرر من الأمر له فقال ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ من الملائكة والإنس والجن والحيوانات والأفلاك والجمادات كلها، وجميع ما في السماوات والأرض، الكل ملك لله مخلوقون مدبرون متصرف فيهم تصرف المماليك، فليس لهم مثقال ذرة من الملك، وإذا كانوا كذلك فهم دائرون بين مغفرته وتعذيبه فيغفر لمن يشاء بأن يهديه للإسلام فيغفر شركه ويمن عليه بترك العصيان فيغفر له ذنبه، ﴿ويعذب من يشاء﴾ بأن يكله إلى نفسه الجاهلة الظالمة المقتضية لعمل الشر فيعمل الشر ويعذبه على ذلك، ثم ختم الآية باسمين كريمين دالين على سعة رحمته وعموم مغفرته وسعة إحسانه وعميم إحسانه، فقال ﴿والله غفور رحيم﴾ ففيها أعظم بشارة بأن رحمته غلبت غضبه، ومغفرته غلبت مؤاخذته، فالآية فيها الإخبار عن حالة الخلق وأن منهم من يغفر الله له ومنهم من يعذبه، فلم يختمها باسمين أحدهما دال على الرحمة، والثاني دال على النقمة، بل ختمها باسمين كليهما يدل على الرحمة، فله تعالى رحمة وإحسان سيرحم بها عباده لا تخطر ببال بشر، ولا يدرك لها وصف، فنسأله تعالى أن يتغمدنا ويدخلنا برحمته في عباده الصالحين.
تم السفر الأول من هذا التفسير المبارك بيسر من الله وإعانة، فله الحمد والشكر والثناء، وأسأله المزيد من فضله وكرمه وإحسانه، ويليه المجلد الثاني، أوله قول الباري جل جلاله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ الآية وذلك في تسع وعشرين من شهر ربيع الأول من سنة ١٣٤٣ ثلاث وأربعين وثلاث مئة وألف من الهجرة النبوية وصلى الله على محمد وسلم تسليما كثيرا بقلم جامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وإخوانه المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
المجلد الثاني من تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن لجامعه الفقير إلى الله: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين. بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما كثيرا قال تعالى:
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
أو يتوب
المعنى ليقطع طرفا او يتوب

إعراب الآية ١٢٨ من سورة آل عمران

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٨]

لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨)
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي بالقتل أي ليقطع طرفا نصركم ويجوز أن يكون متعلقا بيمددكم. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أَوْ يَكْبِتَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٣٠]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مصدر في موضع الحال. مُضاعَفَةً نعته.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٣٣]

وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)
وفي مصاحف أهل الكوفة وَسارِعُوا عطف جملة على جملة وفي مصاحف أهل المدينة بغير واو لأنه قد عرف المعنى. وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ابتداء وخبر في موضع خفض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٣٤]

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ نعت للمتّقين وإن شئت كان على إضمار مبتدأ وإن شئت أضمرت أعني. قال عبيد بن عمير «١» : السرّاء والضرّاء الرّخاء والشدة.
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ عطف، وإن جعلت الأول في موضع رفع كان هذا منصوبا على أعني مثل يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء:
١٦٢] وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ عطف قال أبو العالية: أي عن المماليك.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٣٥]

وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً نسق. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي ليس أحد يغفر المعصية ولا يزيل عقوبتها إلّا الله جلّ وعزّ. وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ قيل:
أي وهم يعلمون أنّي أعاقب على الإصرار وقيل: وهو قول حسن وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها وليس على الإنسان إذا لم يذكر ذنبه ولم يعلمه أن يتوب منه بعينه ولكن يعتقد أنّه كلّما ذكر ذنبا تاب منه.
(١) وهذا قول الضحاك أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٦٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٢٨ من سورة آل عمران

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. [١٢٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد التميمي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدَّثنا عبد الرحمن بن محمد الرَّازي، حدَّثنا سهل بن عثمان العسكري، حدَّثنا عَبِيدَة بن حُميد، عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال:
كسرت رَبَاعية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ودمى وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ قال: فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الغازي أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدَّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدَّثنا عبد العزيز بن محمد، حدَّثنا مَعْمَر، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه، قال:
لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم [في صلاة الصبح] فلاناً وفلاناً [ناساً من المنافقين] فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ رواه البخاري عن حيان عن ابن المبارك عن معمر، ورواه مسلم من طريق ثابت، عن أنس.
أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى بن عَمْرَوَيه، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا مسلم بن الحجاج، حدَّثنا القَعْنَبِيّ، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كُسرت رَبَاعِيَته يوم أُحد، وشُجَّ في رأسه، وجعل يسيل الدم عنه، ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رَبَاعِيته وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
أخبرنا أبو إسحاق الثعالبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الوَزَّان، أخبرنا أبو حامد بن الشرقي، حدَّثنا محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.
أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركوع: ربنا لك الحمد، اللهم العن فلاناً وفلاناً. دعا على ناس من المنافقين، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾. رواه البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، وسياقه أحسن من هذا.
أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن، حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدَّثنا بحر بن نصر قال: قُرِئَ على ابن وهب: أخبرك يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وابو سلمة بن عبد الرحمن، أنهما سمعا أبا هريرة يقول:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه، يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسَلَمة بن هشام، وعَيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين؛ اللهم اشدد وَطْأَتِك على مُضَر، واجعلها عليهم سِنينَ كَسِنِي يوسف، اللهم العن لحْيان ورِعْلاً وذَكْوان، وعُصَيّةَ عصت الله ورسوله، ثم بلغنا أنه ترك لما نزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، عن الزُّهري.

القراءات في الآية ١٢٨ من سورة آل عمران

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

عَلَيْهِمْ أَوْ

(عليهُمْ أو) بضم الهاء وإسكان الميم دون سكت

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(عليهُمْ أو) بضم الهاء وإسكان الميم مع السكت عليها

خلف عن حمزة

(عليهِمْ أو) بكسر الهاء وإسكان الميم دون سكت عليها

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قالون عن نافع

(عليهِمُ أو) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(عليهِمُ أو) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

(عليهِمُ أو) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها حركتين

قالون عن نافع قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٢٨ من سورة آل عمران

٣ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية

١٧ قولًا
١
قال سعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، ومحمد بن إسحاق: لَمّا رأى رسول الله - ﷺ - والمسلمون يومَ أحد ما بأصحابهم من جَدْع الآذانِ والأنوف، وقَطْعِ المذاكير، وقالوا: لَئِن أدالنا الله تعالى منهم لنفعَلَنَّ بهم مثل ما فعلوا، ولَنُمَثِّلَنَّ بهم مُثْلَةً لم يُمَثِّلها أحدٌ من العرب بأحد. فأنزل الله تعالى هذه الآية١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣/ ١٤٦، وتفسير البغوي ٤/ ١٠٢ - ١٠٣ دون ذكر الشعبي.
٢
عن الحسن البصري، قال: بلغني: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا انكشف عنه أصحابُه يوم أحد كُسِرَت رَباعِيَتُه، وجُرِح وجهه، فقال وهو يصعد على أحد: «كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟!». فأنزل الله مكانه: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٤، ٤٦، ١٤٣، وأبو عمرو الداني في المكتفى في الوقف والابتدا ١‏/‏٤٤ مرسلًا.
٣
عن قتادة بن دِعامة، قال: ذُكِر لنا: أنّ هذه الآية أُنزِلت على رسول الله ﷺ يوم أحد، وقد جُرِح في وجهه، وأُصِيب بعضُ رَباعِيَتِه، وفوق حاجبه، فقال -وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم-: «كيف يُفْلِح قومٌ خَضَّبوا وجهَ نبيِّهم بالدَّمِ، وهو يدعوهم إلى ربهم؟!». فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٥ مرسلًا.
٤
عن قتادة بن دِعامة: أنّ رَباعِيَة رسول الله ﷺ أُصِيبَتْ يوم أحد، أصابها عتبةُ بن أبي وقاص، وشجَّه في وجهه، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم، والنبيُّ ﷺ يقول: «كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟!». فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٥، وابن المنذر ١‏/‏٣٧٥ (٩٠٨). قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ١‏/‏٢٢١: «معضل».
٥
عن عكرمة، نحو ذلك. وزاد فيه: أدمى رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قَمِئة وجه رسول الله ﷺ يوم أحد، فدعا عليه رسول الله ﷺ، وكان حتفه أن سلَّط الله عليه تيسًا فنطحه حتى قتله١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٣/ ١٤٧ عن عكرمة وقتادة مرسلًا.
٦
قال عطاء: أقام رسول الله ﷺ بعد أحد أربعين يومًا يدعو على أربعة من ملوك كِندة: مشرح، وأحمده، ولحي، وأختهم العمودة١، وعلى بطن من هذيل يُقال لهم: لحيان، وعلى بطون من سُلَيم: رعل وذكوان وعُصَيَّة والقارة، وكان يقول: «اللَّهُمَّ، اشْدُدْ وطأتَك على مُضَر، واجعلها عليهم سنينَ كسِنِي يوسف»، فأجاب الله دعاءه، وأقحطوا حتى أكلوا أولادهم وأكلوا الكلاب والميتة والعظام المحرقة، فلما انقضت الأربعون نزلت هذه الآية٢
التخريج
  1. ١كذا في مطبوعة المصدر، ولعلها: «مشرح ومحرش وأبصعة وأختهم العمردة»، وينظر: الدر المنثور ١٢/ ٣٨٤.
  2. ٢أورده الثعلبي ٣/ ١٤٦ مرسلًا.
٧
عن الربيع بن أنس، قال: نزلت هذه الآيةُ على رسول الله ﷺ يوم أحد، وقد شُجَّ في وجهه، وأُصِيبَت رَباعِيَتُه، فهمَّ رسول الله ﷺ أن يدعو عليهم، فقال: «كيف يُفْلِح قوم أدْمَوْا وجهَ نبيِّهم، وهو يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى الشيطان، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار؟!». فهمَّ أن يدعو عليهم؛ فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية؛ فكفَّ رسول الله ﷺ عن الدعاء عليهم١. (٣‏/‏٧٦١)
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٥-٤٦ مرسلًا.
٨
وعن محمد بن السائب الكلبي، نحوه١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٣‏/‏١٤٥.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ليس لك﴾ يا محمد ﴿من الأمر شيء﴾، وذلك أنّ سبعين رجلًا مِن أصحاب الصُّفَّة فقراء كانوا إذا أصابوا طعامًا فشَبِعُوا منه تَصَدَّقوا بفضله، ثُمَّ إنّهم خرجوا إلى الغزو محتسبين إلى قتال قبيلتين من بني سليم: عصية، وذكوان، فقاتلوهم، فقُتِل السبعون جميعًا، فشقَّ على النبي ﷺ وأصحابه قتلُهم، فدعا عليهم النبي ﷺ أربعين يومًا في صلاة الغداة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٠٠، وجاء في تفسير الثعلبي ٣/ ١٤٧: «قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أهل بئر معونة، وهم سبعون رجلًا من قراء أصحاب رسول الله ﷺ، أميرهم المنذر بن عمرو، وبعثهم رسول الله ﷺ إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، ليعلموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل، وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق فلما قتل رفع بين السماء والأرض، فوَجَد رسول الله ﷺ من ذلك وجْدًا شديدًا وقنت عليهم شهرًا، فنزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾».
١٠
عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قَنَت بعد الركوع: «اللَّهُمَّ، أنجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللَّهُمَّ، اشْدُدْ وطأتَك على مُضَر، واجعلها عليهم سنينَ كسِنِي يوسف». يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته؛ في صلاة الفجر: «اللَّهُمَّ العَن فلانًا وفلانًا» لأحياء من أحياء العرب. حتى أنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾. وفي لفظ: «اللَّهُمَّ، العَن لِحْيانَ، ورَعْلًا، وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله». ثُمَّ بلغنا: أنّه ترك ذلك لَمّا نزل قوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٣٨ (٤٥٦٠)، ومسلم ١‏/‏٤٦٦ (٦٧٥).
١١
عن عبد الله بن عمر، قال: كان النبي ﷺ يدعو على أربعة نفر؛ فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية، فهداهم الله للإسلام١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٠‏/‏٧٥ (٥٨١٢)، والترمذي ٥‏/‏٢٥٥ (٣٢٥٠)، وابن خزيمة ١‏/‏٦٤٩-٦٥٠ (٦٢٣)، وابن جرير ٦‏/‏٤٧، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٥٧ (٤١٢٨) من طريق محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر به. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب». وقال ابن خزيمة ١‏/‏٦٤٩-٦٥٠ (٦٢٣): «حديث غريب». وقال ابن عساكر في معجمه ١‏/‏١٦٩ (١٨٩): «حديث حسن غريب». وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري ٧‏/‏١٩٩ (٧٨١٨).
١٢
عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: «اللَّهُمَّ، العَن أبا سفيان. اللَّهُمَّ، العَن الحارث بن هشام. اللَّهُمَّ، العَن سُهَيْل بن عمرو. اللَّهُمَّ، العن صفوان بن أمية». فنزلت هذه الآية: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾؛ فتيب عليهم كلهم١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٥‏/‏٩٩ (٤٠٦٩)، ٦‏/‏٣٨ (٤٥٥٩)، ٩‏/‏١٠٦ (٧٣٤٦)، وأحمد ٩‏/‏٤٨٦ (٥٦٧٤) واللفظ له.
١٣
عن عبد الله بن عمر: أنّ النبي ﷺ لَعَنَ في صلاة الفجر بعد الركوع في الركعة الآخرة، فقال: «اللَّهُمَّ، العَن فُلانًا وفُلانًا» ناسًا من المنافقين دعا عليهم؛ فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٥‏/‏٩٩ (٤٠٦٩)، ٩‏/‏١٠٦ (٧٣٤٦)، وعبد الرزاق ١‏/‏٤١٣ (٤٥٧) واللفظ له.
١٤
عن أنس بن مالك: أنّ النبي ﷺ كُسِرَت رَباعِيَتُه يوم أحد، وشُجَّ في وجهه، حتى سال الدَّمُ على وجهه، فقال: «كيف يُفْلِحُ قومٌ فعلوا هذا بنبيِّهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟!». فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٣‏/‏١٤١٧ (١٧٩١)، وابن جرير ٦‏/‏٤٣-٤٤، وابن المنذر ١‏/‏٣٧٣ (٩٠٥)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٥٦ (٤١٢٤). وعلَّقه البخاري ٥‏/‏٩٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٢/٣٥٠) على هذا الأثر وما في معناه بقوله: «وكأنّ النبي ﷺ لَحِقَه في تلك الحال يَأْسٌ مِن فلاح كفار قريش، فمالت نَفْسه إلى أن يستأصلهم الله ويُرِيح منهم، فرُوِي أنّه دعا عليهم، أو استأذن في أن يدعوَ عليهم».
١٥
قال عبد الله بن مسعود: أراد النبيُّ ﷺ أن يدعو على المُنهزمين عنه من أصحابه يوم أُحد، وكان عثمان منهم، فنهاه الله عز وجل عن ذلك، وتاب عليهم؛ وأنزل هذه الآية١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٣‏/‏١٤٥. كما ذكره الآلوسي في روح المعاني ٤/ ٤٩ دون ذكر عثمان. وهو منكر المتن؛ لمخالفته للأحاديث الصحيحة وسائر ما ورد في سبب نزول الآية، كما أنه مخالف لخلق النبي ﷺ المشتمل على الرحمة والعفو، خصوصًا مع أصحابه.
١٦
عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجلٌ مِن قريش إلى النبي ﷺ، فقال: إنّك تنهى عن السَّبْيِ! يقول: قد سبى العرب. ثم تَحَوَّل، فحوَّل قفاه إلى النبي ﷺ، وكشف أسْتَهُ، فلعنه، ودعا عليه، فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية، ثم أسلم الرجل فحَسُن إسلامُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق في السير ١‏/‏٢٣٤، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١‏/‏٢٨٨. قال السيوطي في لباب النقول ١‏/‏٤٧: «مرسل غريب».
١٧
عن سالم بن عبد الله -من طريق حنظلة بن أبي سفيان- قال: وقوله عز وجل: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ نزلت في سُهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، كان النبي ﷺ يدعو في الصلاة، فنزلت فيهم هذه الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن منده في معرفة الصحابة ٢‏/‏٦٧٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١١‏/‏٤٩٣-٤٩٤.

تفسير الآية

٣ أقوال
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أو يتوب عليهم﴾ فيهديهم لدينه، ﴿أو يعذبهم﴾ على كفرهم، ﴿فإنهم ظالمون﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٠٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (٦/٤٢) أن معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾، أي: «ليقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء». وأن قوله: «﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِم﴾ منصوبٌ عطفًا على قوله: ﴿أوْ يَكْبِتَهُم﴾». ووجَّه ابنُ عطية (٢/٣٥٠-٣٥١) هذا العطف بقوله: «فقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراض أثناء الكلام، وقوله: ﴿أوْ يَتُوبَ﴾ معناه: فيسلمون، وقوله: ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معناه: في الآخرة بأن يوافوا على الكفر». ثم ذكر ابنُ جرير احتمالًا آخر أن المعنى: «ليس لك من الأمر شيءٌ حتى يتوب عليهم، فيكون نصبُ ﴿يَتُوبَ﴾ بمعنى: أو، التي هي في معنى: حتى». ووجَّهه ابنُ عطية بقوله: «فيجيء بمنزلة قولك: لا أفارقك أو تقضيني حقي، وكما تقول: لا يتم هذا الأمر أو يجيء فلان، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ليس باعتراض على هذا التأويل، وإنما المعنى الإخبار لمحمد عليه السلام أنه ليس يتحصل له من أمر هؤلاء الكفار شيء يؤمله إلا أن يتوب الله عليهم فيُسلمون، فيرى محمد عليه السلام أحد أمَلَيْه فيهم، أو يعذبهم الله بقتلٍ في الدنيا، أو بنارٍ في الآخرة أو بهما، فيرى محمد ﷺ الأمل الآخر، وعلى هذا التأويل فليس في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ردعٌ كما هو في التأويل الأول». ورجَّح ابنُ جرير المعنى الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحدٍ سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم، وبعد ذلك». وكذا ابنُ عطية قائلًا: «وذلك التأويل الأول أقوى».
٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ثُمَّ قال لمحمد ﷺ: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾، أي: ليس لك مِن الحكم في شيء في عبادي إلا ما أمرتُك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئتُ فعلت، أو أعذبهم بذنوبهم ﴿فإنهم ظالمون﴾، أي: قد استحقوا ذلك بمعصيتهم إيّاي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٣، وابن المنذر ١‏/‏٣٧٦ من طريق زياد، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٥٧-٧٥٨.
٣
قال يحيى بن سلام: فيها تقديم وتأخير؛ قال: ﴿ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين﴾، ﴿أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾، ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٣١٧. وأخرجه أبو عمرو الداني في المكتفى ص ٤٥ (٢).

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن مِقْسَم: أنّ النبي ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كَسَر رَباعِيَتَه، ووَثَأَ١ وجهه، فقال: «اللَّهُمَّ، لا تُحِلْ عليه الحولَ حتى يموت كافرًا». قال: فما حال عليه الحولُ حتى مات كافرًا٢
التخريج
  1. ١وثأ، أي: ضربه فقطع اللحم ووصل إلى العظم من غير أن يكسره. اللسان (وثأ).
  2. ٢أخرجه البيهقي في الدلائل ٣‏/‏٢٦٥، وعبد الرزاق ١‏/‏٤١٢ (٤٥٥)، وابن جرير ٦‏/‏٤٦. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١‏/‏٤١٤: «مرسل». وقال البقاعي في نظم الدرر ٩‏/‏١٨٢: «عن مقسم مرسلًا».
٢
عن يعقوب بن عاصم -من طريق ابن جريج- قال: الذي أدْمى وجهَ النبي ﷺ يوم أحد هو رجل مِن هُذَيْل، يقال له: ابن قَمِئَةَ، فكان حتفُه أن سلَّط اللهُ عليه تيسًا؛ فنطحه حتى قتله١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حميد ص٥٣-٥٤.
٣
قال عكرمة مولى ابن عباس، وقتادة بن دِعامة، نحوه١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣/ ١٤٥.
التفسير بالمأثور لسورة آل عمران كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٢٨ من سورة آل عمران

١٣ وقفةً في هذه الآية

  • "(ليس لك من الأمر شيء) مهما كان حجم تضحياتك .. الأمر كله لله ! مكان النصر وزمانه ليس لك .

    — تأملات قرآنية

  • هم الرسول عليه السلام أن يدعو على أهل مكة بعد أن أصيب في أحد فقال له الله {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم} .

    — حامد الادريسي

  • ‏(ليس لك من الأمر شيء( إنما عليك البلاغ وإرشاد الخلق والحرص على مصالحهم،وإنما الأمر لله هو الذي يدبر الأمور،ويهدي من يشاء ويضل من يشاء.

    — تفسير السعدي

  • آيات من تفسير السعدي (ليس لك من الأمر شيء)

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • مجالس في تدبر القرآن تدبر آية 128 سورة آل عمران

    — خالد السبت

  • إشراقات آية ليس لك من الأمر شيء سورة آل عمران أية 9

    — محمد الشديدي

  • طرقات علي باب التدبر سورة آل عمران آية 128

    — محمد علي يوسف

  • "ليس لك من الأمر شيء" في الآية دليل على أن اختيار الله غالب على اختيار العبد وأن العبد قد يختار شيء وتكون المصلحة والخيرة في غيره

    — مجالس التدبر

  • ﴿ لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ أَو يَتوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم ﴾ : . رسالتك تنتهي عند البلاغ .. مصائر الخلق ليست لك . .

    — عبدالله بلقاسم

  • إن علي أن أنقذ الناس من النار لا أن أحكم الناس بالنار! (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)

    — علي الفيفي

  • { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } اختيار الله غالب على اختيار العباد وأن العبد وإن ارتفعت درجته وعلا قدره (قد يختار شيئا ) وتكون الخيرة والمصلحة في غيره.

    — تفسير السعدي

  • ليس لك من الأمر شيء ) ثم قال ( يا أيها الذين امنوا لا تأكلوا الربا أضعافا) ما العلاقة ؟

    — عدنان عبدالقادر

ووقفة واحدة أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ١٢٨ من سورة آل عمران

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾

قولُه تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِن الأَمْرِ شيءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهُمْ﴾:
قال بعضُ الكوفيين: هذا ناسخٌ للقنوتِ الذي كان النبي - عليه السلام - يَقْنُتُ به في (شهر) رمضان، ويدعو فيه على الكفَّار مِن قومِه(وغيرِهم).
قال أبو محمد: وقد كان حَقُّ هذا أَلاَّ يُذْكَرَ في الناسخ والمنسوخ؛لأنَّه لم يَنْسَخْ قُرآناً. وأيضاً فإنه لو كان (هذا) منسوخاً لم يَجُزْ لنا أن ندعوا ليوم على الكُفَّارِ ونلعَنُهم في صلاتنا، وذلك جائزٌ بإجماع.
وقد قال أَنسُ بنُ مالك وغيرُه: إنَّ هذه الآية نزلت فيما أصابَ النبي يوم أُحُد من المشركين إذ كَسروا رُباعيَّتَه، وشَجُّعوا جبينه، فجعل - صلى الله عليه وسلم -يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يُفْلِحُ قومٌ خضَّبوا (وجهَ) نَبيِّهم بدمه، وهو يدعوهم إلى الله؟‍‍! فنزلت: ﴿ليْسَ لَكَ مِن الأمْرِ شيءٌ﴾ - الآية -.
فهي غيرُ ناسخةٍ لشيء. وهذا أَولى بالآية.

ترجمات معاني الآية ١٢٨ من سورة آل عمران

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(128) Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال