تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم اعترض بجملة دَلَّت على أنّ الحُكْم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أي : بل الأمر كلّه إلي، كما قال :﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
قال محمد بن إسحاق في قوله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أي : ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم.
ثم ذكر تعالى بقية الأقسام فقال :﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي : مما هم فيه من الكفر ويهديهم بعد الضلالة ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي : في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم ؛ ولهذا قال :﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي : يستحقون ذلك.
وقال البخاري : حدثنا حِبّان بن مُوسى، أخبرنا عبد الله، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه : أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر(١) اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا " بعد ما يقول :" سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ربنا ولك الحمد " فأنزل الله تعالى(٢) ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] (٣).
وهكذا رواه النسائي، من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما، عن مَعْمَر(٤)، به.
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النَّضْر، حدثنا أبو عقيل - قال أحمد : وهو عبد الله بن عقيل، صالح الحديث ثقة - قال : حدثنا عُمَر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" اللهم العن فلانا، اللهم العن الحارث بن هِشامِ، اللهم العن سُهَيلَ بنَ عَمْرو، اللهم العن صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ ". فنزلت هذه الآية :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتِيبَ عليهم كلّهم(٥).
وقال أحمد : حدثنا أبو معاوية الغَلابي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجْلان، عن نافع، عن عبد الله ؛ أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة قال : فأنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] (٦) قال : وهداهم الله للإسلام(٧).
وقال محمد بن عَجْلان، عن نافع، عن ابن عمر قال : كان رسول الله ﷺ يدعو على رجال من المشركين يُسَمِّيهم بأسمائهم، حتى أنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.
وقال البخاري أيضًا : حَدّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سَعْد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، وأبي سلمة بن(٨) عبد الرحمن، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يَدْعو على أحد - أو يدعو لأحد - قَنَتَ بعد الركوع، وربما قال - إذا قال :" سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد - :" اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيد بن الوليدِ، وسَلَمَة بْنَ هشَامٍ، وعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ ". يجهر بذلك، وكان يقول - في بعض صلاته في صلاة الفجر - :" اللهم العن فلانا وفلانا " لأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية(٩).
وقال البخاري : قال حُمَيْد وثابت، عن أنس بن مالك : شُجّ النبي ﷺ يوم أحُد، فقال :" كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ؟ ". فنزلت :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ وقد أسند هذا الحديث الذي عَلَّقه البخاري رحمه الله(١٠).
وقال البخاري : في غزوة أُحُد : حدثنا يحيى بن عَبْد الله السلمي، حدثنا عبد الله - أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، حَدّثَني سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول - إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الأخيرة من الفجر - :" اللهم العن فلانا وفلانا وَفُلانًا " بعد ما يقول :" سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ربنا ولك الحمد ". فأنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [ إلى قوله :﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ] (١١).
وعن حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعت سالم بن عبد الله قال : كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوانَ بن أمَيّة، وسُهَيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ](١٢) فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾(١٣).
هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة مسندة متصلة في مسند أحمد متصلة آنفا.
وقال الإمام أحمد : حدثنا هُشَيم، حدثنا حُمَيد، عن أنس، رضي الله عنه أن النبي ﷺ كُسرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحدُ، وشُجَّ في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال :" كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وهو يدعوهم إلى ربهم، عز وجل ". فأنزل الله تعالى :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
انفرد به مسلم، فرواه(١٤) [ عن ](١٥) القعنبي، عن حَمّاد، عن ثابت، عن أنس، فذكره(١٦).
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال : أصيب النبي ﷺ يوم أحد وكُسرت رَبَاعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول :" كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وهو يدعوهم إلى اللهِ ؟ " فأنزل الله :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] (١٧).
وكذا رواه عبدُ الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، بنحوه، ولم يقل : فأفاق(١٨).
١ في جـ، ر، أ: "من الفجر يقول"..
٢ في أ: "عز وجل"..
٣ زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية"..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٥).
٥ المسند (٢/٩٣)..
٦ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية"..
٧ المسند (٢/١٠٤)..
٨ في جـ، ر: "عن"..
٩ صحيح البخاري برقم (٤٥٦٠)..
١٠ صحيح البخاري (٧/٣٦٥) "فتح"، وسيأتي حديث حميد موصولا عن أحمد. أما حديث ثابت فقد وصله مسلم برقم (١٧٩١)..
١١ زيادة من جـ، ر، ، وفي هـ: "الآية"..
١٢ في جـ، ر: "إلى قوله"..
١٣ صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩)..
١٤ في جـ: "ورواه"..
١٥ زيادة من ر..
١٦ المسند (٣/٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٩١)..
١٧ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية"..
١٨ تفسير الطبري (٧/١٩٧، ١٩٨) وتفسير عبد الرزاق (٢/١٣٥)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى