غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿تبوّى المؤمنين﴾ بغير همز : أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف. ﴿منزلين﴾ بالتشديد وفتح الزاي : ابن عامر. الباقون : بالتخفيف والفتح أيضاً. ﴿مسوّمين﴾ بكسر الواو : أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس. الباقون. بالفتح.
الوقوف :﴿للقتال﴾ ط ﴿عليم﴾ ه لأن " إذ " بدل من ﴿إذ غدوت﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿تبوىء﴾ ﴿أن تفشلا﴾ ( لا ) لأن الواو للحال ﴿وليهما﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه ﴿أذلة﴾ ج للفاء ﴿تشكرون﴾ ه ﴿منزلين﴾ ط لتمام القول ﴿بلى﴾ ( لا ) لاتحاد مع ما بعده ﴿مسوّمين﴾ ه ﴿قلوبكم به﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ( لا ) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿خائبين﴾ ه ﴿ظالمون﴾ ه ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه.
قوله عز من قائل :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ فيه قولان : أحدهما وهو الأشهر أنه نزل في قصة أحد عن أنس بن مالك قال : كسرت رباعية رسول الله ﷺ يوم أحد ودمي وجهه فجعل يسيل الدم على وجهه ويقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ وفي رواية : شج رأسه ﷺ عتبة بن أبي وقاص يوم أحد وكسر رباعيته فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول الحديث فنزلت. وفي رواية عن ابن عمر أن النبي ﷺ لعن أقواماً فقال :" اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم لعن صفوان بن أمية " فنزلت هذه الآية. وفيها ﴿أو يتوب عليهم﴾ فتاب الله على هؤلاء فحس إسلامهم. وقيل نزلت في حمزة بن عبد المطلب. وذلك أنه ﷺ لما رآه ورأى ما فعلوا به من المثلة قال : لأمثلن منهم بثلاثين فنزلت، وقيل : أراد يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا فمنعه الله عن ذلك. مروى عن ابن عباس، وقيل : أراد أن يستغفر للمسلمين الذين عصوا أمره فنزلت. وقال القفال : كل هذه الأمور وقعت يوم أحد فلا يمتنع حمل نزول الآية في الكل.
القول الثاني : وإليه ذهب مقاتل أنها نزلت في واقعة أخرى وهي أن النبي ﷺ بعث جمعاً من خيار الصحابة زهاء سبعين إلى بني عامر ليعلموهم القرآن. فلما وصلوا إلى موضع يقال له بئر معونة، ذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم. فجزع من ذلك رسول الله ﷺ شديداً ودعا على الكفار في القنوت أربعين يوماً يقول بعد ما يرفع رأسه من الركعة الثانية في الصبح : اللهم العن بني لحيان والعن رعلاً وذكوان. اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة. اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف حتى أنزل الله عز وجل ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ولا يخفى أن ظاهر الآية يدل على أنه ﷺ كان يفعل فعلاً فمنع منه، وحينئذٍ يتوجه الإشكال بأن فعل ذلك الفعل إن كان من الله تعالى فكيف منعه منه وإلا فهو قدح في عصمته ومناف لقوله :﴿وما ينطق عن الهوى﴾[النجم: ٣] والجواب أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع مشتغل به كقوله :﴿ولا تطع الكافرين﴾[الأحزاب: ٤٨] مع أنه ما أطاعهم وقوله :﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾[الزمر: ٦٥] مع أنه ما أشرك قط. ولعله عليه السلام شاهد من قتل حمزة وغيره ما أورثه حزناً شديداً، وكان من الممكن أن يحمله على ما لا ينبغي من الفعل والقول، فنص الله تعالى على المنع تقوية لعصمته ﷺ وتأكيداً لطهارته. ولئن سلمنا أنه كان مشغولاً بذلك الفعل والقول فإنه محمول على ترك الأولى، والنهي إرشاد إلى اختيار الأفضل وأيضاً إن دعاء النبي ﷺ لا يكون بمجرد التشهي وإنما هو بطلب الأصلح فالذي يظن به خلاف مسئوله ﷺ وقد وقع فهو بالحقيقة سؤاله ﷺ، ولهذا سأل الله تعالى أن يجعل لعنه على من لا يستحقه طهراً وزكاة ورحمة والله أعلم. وقوله :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء، فإني أعلم بمصالح عبادي، أو المراد الأمر الذي هو خلاف النهي أي ليس لك من أمر خلقي شيء إلا ما يكون أمري وحكمي. وقوله :﴿أو يتوب﴾ منصوب بإضمار " أن ". و " أن يتوب " في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿شيء﴾ والحاصل منع رسول الله ﷺ من كل فعل أو قول إلا ما كان بإذنه وأمره. وفيه إرشاد إلى كمال درجات العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار ملكه تعالى وملكوته.
وعن الفراء والزجاج أن قوله :﴿أو يتوب عليهم﴾ عطف على ﴿ليقطع﴾ وما بعده. وقوله :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول : ضربت زيداً فاعلم ذاك وعمراً. فيكون المعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر. وقيل :" أو " بمعنى " إلا أن " كقولك : لألزمنك أو تعطيني حقي. والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم. ثم التوبة عليهم مفسرة عند أهل السنة بخلق الندم فيه على ما مضى، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل. وأكدوا هذا الظاهر ببرهان عقلي وهو أن الندم كراهة تحصل في القلب عما سلف منه، والعزم إرادة تتعلق بترك ذلك الفعل فيما يستقبل. فلو كانت هذه الإرادة فعل العبد لافتقر في فعلها إلى إرادة أخرى وتسلسل، فهو إذن بخلق الله تعالى. وأما المعتزلة ففسروا التوبة عليهم إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة منهم. وقوله :﴿فإنهم ظالمون﴾ تعليل حسن التعذيب بسبب شركهم أو عصيانهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : أخبر عن النصر بعد الصبر بقوله :﴿وإذا غدوت﴾ وهو إشارة إلى جوهر السالك الصادق والسائر العاشق، وذلك أن يغدو في طلب الحق والرجوع إلى المبدأ من أصله أي صفات نفسه الحيوانية والبهيمية ﴿تبوىء المؤمنين﴾ أي صفاتك الروحانية مقاعد لقتال النفس والشيطان والدنيا ﴿والله سميع﴾ لدعائكم بالإخلاص لخلاص عن ورطة تيه الهوى ﴿عليم﴾ بصدق نياتكم في طلب الحق.
﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه ﴿والله وليهما﴾ ليخرجهما من ظلمات البشرية إلى نور الربوبية ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ الدنيا ﴿وأنتم أذلة﴾ من غلبات شهوات النفس ﴿إذ تقول للمؤمنين﴾ فيه إشارة إلى أن نور النبي ﷺ يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا. وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله :﴿وأنزل جنوداً لم تروها﴾[التوبة: ٢٦] ﴿بلى إن تصبروا﴾ على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما سواه يزدكم في الإمداد بالجنود ﴿ليقطع طرفاً﴾ ليقهر بعضاً من الصفات النفسانية التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته ﴿أو يكبتهم﴾ أو يغلبهم ويظفر بهم ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ما تصفون.
الوقوف :﴿للقتال﴾ ط ﴿عليم﴾ ه لأن " إذ " بدل من ﴿إذ غدوت﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿تبوىء﴾ ﴿أن تفشلا﴾ ( لا ) لأن الواو للحال ﴿وليهما﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه ﴿أذلة﴾ ج للفاء ﴿تشكرون﴾ ه ﴿منزلين﴾ ط لتمام القول ﴿بلى﴾ ( لا ) لاتحاد مع ما بعده ﴿مسوّمين﴾ ه ﴿قلوبكم به﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ( لا ) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿خائبين﴾ ه ﴿ظالمون﴾ ه ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه.
قوله عز من قائل :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ فيه قولان : أحدهما وهو الأشهر أنه نزل في قصة أحد عن أنس بن مالك قال : كسرت رباعية رسول الله ﷺ يوم أحد ودمي وجهه فجعل يسيل الدم على وجهه ويقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ وفي رواية : شج رأسه ﷺ عتبة بن أبي وقاص يوم أحد وكسر رباعيته فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول الحديث فنزلت. وفي رواية عن ابن عمر أن النبي ﷺ لعن أقواماً فقال :" اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم لعن صفوان بن أمية " فنزلت هذه الآية. وفيها ﴿أو يتوب عليهم﴾ فتاب الله على هؤلاء فحس إسلامهم. وقيل نزلت في حمزة بن عبد المطلب. وذلك أنه ﷺ لما رآه ورأى ما فعلوا به من المثلة قال : لأمثلن منهم بثلاثين فنزلت، وقيل : أراد يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا فمنعه الله عن ذلك. مروى عن ابن عباس، وقيل : أراد أن يستغفر للمسلمين الذين عصوا أمره فنزلت. وقال القفال : كل هذه الأمور وقعت يوم أحد فلا يمتنع حمل نزول الآية في الكل.
القول الثاني : وإليه ذهب مقاتل أنها نزلت في واقعة أخرى وهي أن النبي ﷺ بعث جمعاً من خيار الصحابة زهاء سبعين إلى بني عامر ليعلموهم القرآن. فلما وصلوا إلى موضع يقال له بئر معونة، ذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم. فجزع من ذلك رسول الله ﷺ شديداً ودعا على الكفار في القنوت أربعين يوماً يقول بعد ما يرفع رأسه من الركعة الثانية في الصبح : اللهم العن بني لحيان والعن رعلاً وذكوان. اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة. اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف حتى أنزل الله عز وجل ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ولا يخفى أن ظاهر الآية يدل على أنه ﷺ كان يفعل فعلاً فمنع منه، وحينئذٍ يتوجه الإشكال بأن فعل ذلك الفعل إن كان من الله تعالى فكيف منعه منه وإلا فهو قدح في عصمته ومناف لقوله :﴿وما ينطق عن الهوى﴾[النجم: ٣] والجواب أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع مشتغل به كقوله :﴿ولا تطع الكافرين﴾[الأحزاب: ٤٨] مع أنه ما أطاعهم وقوله :﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾[الزمر: ٦٥] مع أنه ما أشرك قط. ولعله عليه السلام شاهد من قتل حمزة وغيره ما أورثه حزناً شديداً، وكان من الممكن أن يحمله على ما لا ينبغي من الفعل والقول، فنص الله تعالى على المنع تقوية لعصمته ﷺ وتأكيداً لطهارته. ولئن سلمنا أنه كان مشغولاً بذلك الفعل والقول فإنه محمول على ترك الأولى، والنهي إرشاد إلى اختيار الأفضل وأيضاً إن دعاء النبي ﷺ لا يكون بمجرد التشهي وإنما هو بطلب الأصلح فالذي يظن به خلاف مسئوله ﷺ وقد وقع فهو بالحقيقة سؤاله ﷺ، ولهذا سأل الله تعالى أن يجعل لعنه على من لا يستحقه طهراً وزكاة ورحمة والله أعلم. وقوله :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء، فإني أعلم بمصالح عبادي، أو المراد الأمر الذي هو خلاف النهي أي ليس لك من أمر خلقي شيء إلا ما يكون أمري وحكمي. وقوله :﴿أو يتوب﴾ منصوب بإضمار " أن ". و " أن يتوب " في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿شيء﴾ والحاصل منع رسول الله ﷺ من كل فعل أو قول إلا ما كان بإذنه وأمره. وفيه إرشاد إلى كمال درجات العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار ملكه تعالى وملكوته.
وعن الفراء والزجاج أن قوله :﴿أو يتوب عليهم﴾ عطف على ﴿ليقطع﴾ وما بعده. وقوله :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول : ضربت زيداً فاعلم ذاك وعمراً. فيكون المعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر. وقيل :" أو " بمعنى " إلا أن " كقولك : لألزمنك أو تعطيني حقي. والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم. ثم التوبة عليهم مفسرة عند أهل السنة بخلق الندم فيه على ما مضى، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل. وأكدوا هذا الظاهر ببرهان عقلي وهو أن الندم كراهة تحصل في القلب عما سلف منه، والعزم إرادة تتعلق بترك ذلك الفعل فيما يستقبل. فلو كانت هذه الإرادة فعل العبد لافتقر في فعلها إلى إرادة أخرى وتسلسل، فهو إذن بخلق الله تعالى. وأما المعتزلة ففسروا التوبة عليهم إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة منهم. وقوله :﴿فإنهم ظالمون﴾ تعليل حسن التعذيب بسبب شركهم أو عصيانهم.
﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه ﴿والله وليهما﴾ ليخرجهما من ظلمات البشرية إلى نور الربوبية ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ الدنيا ﴿وأنتم أذلة﴾ من غلبات شهوات النفس ﴿إذ تقول للمؤمنين﴾ فيه إشارة إلى أن نور النبي ﷺ يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا. وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله :﴿وأنزل جنوداً لم تروها﴾[التوبة: ٢٦] ﴿بلى إن تصبروا﴾ على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما سواه يزدكم في الإمداد بالجنود ﴿ليقطع طرفاً﴾ ليقهر بعضاً من الصفات النفسانية التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته ﴿أو يكبتهم﴾ أو يغلبهم ويظفر بهم ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ما تصفون.