انتقد ابنُ كثير (١٣/٣١) ما جاء في هذا الأثر مِن أنّ استماع الجن كان عند منصرف النبي ﷺ مِن الطائف مستندًا إلى دلالة التاريخ، فقال: «لأنّ الجنَّ كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دلّ عليه حديثُ ابن عباس المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي، وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمِّه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره»
عن عبد الله بن عمر، قال: تلا رجل عند عمر: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾، فقال كعب: عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام. فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعتُ من رسول الله ﷺ صدَّقناك. قال: إنِّي قرأتها قبل الإسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعتُ من رسول الله ﷺ
علَّقَ ابنُ كثير (١/٣٢٨) على قول سعد رضي الله عنهما بقوله: «وهذا الإسناد إن صحَّ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما فهو تفسير على المعنى، لا أنّ الآية أُرِيد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على عليّ بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سُمُّوا خوارج لخروجهم عن طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام»
لم يذكر ابنُ جرير (٥/٤٩١) غير هذا القول. ووافقه ابنُ عطية (٢/٢٥١) حيث ذكر الاختلاف الوارد في تفسير قوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾، ورجّح مستندًا إلى دلالة التاريخ: أنّ المقصود به هو شهودهم بأمر محمد في كتابهم، قال: «لأنه روي أنّ أهل الكتاب كانوا قبل ظهور محمد ﷺ يُخْبِرون بصفة النبي الخارج وحاله، فلمّا ظهر كفروا به حسدًا، فإخبارهم المتقدم لظهوره هو الشهادة التي وقفوا عليها»
ذكر ابنُ جرير (١٠/٣٢٩) قولين للسلف في تفسير قوله تعالى: ﴿حتى عفو﴾: أحدهما: أنّ معناه: حتى كثروا. وهو قول جمهور السلف. وثانيها: أن معناه: حتى سروا وفرحوا، وهو قول قتادة. وقد رجّح ابنُ جرير القول الأول مستندًا إلى لغة العرب، قال: ""قوله: ﴿حتى عفوا﴾ يقول: حتى كثروا، وكذلك كل شيء كثر فإنه يقال فيه: قد عفا، كما قال الشاعر:ولكنا نعض السيف منها بأسوق عافيات الشحم كوم""
ذكر ابنُ القيم (٢/٣٥٨-٣٥٩) قول مقاتل، وعلّق عليه بقوله: «وكأنّ مقاتلًا أراد التمثيل والبيان، على عادة السلف في تفسير اللفظة العامة بنوعٍ أو فردٍ مِن أفراد مدلولها، تقريبًا وتمثيلًا، لا حصرًا وإحاطة». وذكر ابنُ القيم قولًا عن ابن عباس أنه قال: آثارهم: ما أثروا من خير أو شر، كقوله: ﴿ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر﴾ [القيامة:١٣]. وبيّن أن هذا القول أعمُّ من قول مقاتل
جمع ابنُ جرير (٢١/٥٩٢) بين تفسير ريب المنون بالموت، أو بحوادث الدهر، فذكر أن المعنى: بل يقول المشركون: هو شاعر نتربّص به حوادث الدهر، يكفيناه بموت أو حادثة مُتلفة. ثم قال: «وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت عباراتهم عنه». وقال ابنُ عطية (٨/٩٦): «و﴿المَنُون﴾ من أسماء الموت. وبه فسّر ابن عباس. ومن أسماء الدهر أيضًا. وبه فسّر مجاهد»
علَّق ابنُ كثير (١٣/٢٥٥ بتصرف) على هذه الرواية بأنه: «تكلّم كثيرٌ مِن الناس في متنها، وذكروا أشياء فيها مِن الغرابة، فإن صح فهو محمولٌ على وقت آخر وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية؛ فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده: ﴿ولَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم:١٣-١٤]، فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في الأرض»
اختُلِف في تفسير ما نُهِيَت المرأةُ المطلقةُ عن كتمانِه زوجَها المُطَلِّقَها؛ فقال بعضهم: هو الحيض. وقال غيرهم: إنه الحمل. وقال آخرون: هو الحيض والحمل معًا. ووجَّه ابنُ تيمية (١/٥٢٧) تخصيصَ الآية بالحيض فقط أو الحمل فقط، فقال: «مَن أطْلَقَ القولَ بأحدهما [يعني: الحيض، أو الحمل] فقد يكون مرادُه التمثيلَ لا الحصر، فإنّ مثل هذا كثيرٌ فاشٍ في كلام السلف، يذكرون في تفسير الآية ما يُمَثِّلُون به المرادَ من ذكر بعض الأنواع، لا يقصدون تخصيصها بذلك». وانتَقَدَ ذلك ابنُ جرير (٤/١١٣) مستندًا إلى الدلالات العقلية، وهي أنّ الحيض والحمل جميعًا مما خلق الله في أرحامهن، وأنّ في كل واحد منهما من معنى بطُولِ حقِّ الزوج بانتهائه إلى غايةٍ مثل ما في الآخر. ثُمَّ قال: «ويُسْأَلُ مَن خَصَّ ذلك فجعله لأحد المعنيين دون الآخر عن البرهان على صِحَّة دَعْواه من أصل، أو حُجَّةٍ يجب التسليم لها، ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخر مثله»
بيّن ابنُ جرير (١٧/٥٥١) أن تفسير ابن جريج للـ﴿العزيز الرحيم﴾ غير متحقق في هذا الموطن، ومتحققٌ في بقية مواطن السورة، وعلّق على تفسيره بقوله: «ولعلَّ ابن جريج بقوله هذا أراد ما كان مِن ذلك عقيب خبر الله عن إهلاكه مَن أهلك مِن الأمم، وذلك إن شاء الله إذا كان عقيب خبرهم كذلك». ورجّح مستندًا إلى السياق ومنتقدًا قول ابن جريج أنّ معنى الآية: «إنّ ربك -يا محمد- لهو العزيز في نقمته، لا يمتنع عليه أحدٌ أراد الانتقام منه. ﴿الرحيم﴾ يعني: أنه ذو الرحمة بِمَن تاب مِن خلقه مِن كفره ومعصيته، أن يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته. وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك في هذا الموضع لأنّ قوله: ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ عقيب وعيد الله قومًا مِن أهل الشرك والتكذيب بالبعث لم يكونوا أهلكوا، فيوجه إلى أنه خبر مِن الله عن فعله بهم وإهلاكه»