قال مقاتل بن سليمان: كانت هذه السورةُ آيةَ موتِ النبيِّ ﷺ، فقرأها على أبي بكر وعمر، ففرحا، وسمعها عبدُ الله بن عباس فبكى، فقال له النبي ﷺ: «صدقتَ». فعاش النبيُّ ﷺ بعدها ثمانين يومًا. ومسح رسول الله ﷺ بيده على رأس ابن عباس، وقال: «اللهم فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل»
ذهب ابنُ جرير (٢/١٢٩) إلى أنّ المراد بالضمير في قوله: ﴿قلوبكم﴾ هم بنو أخي المقتول. وظاهر كلام ابن كثير (١/٤٥٦) أنّ المراد: بنو إسرائيل، حيث قال: «صارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة، بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة»
علَّقَ ابن تيمية (١/٣٢٥) على هذا القول بقوله: «هذا من جنس وصفها بالسجود له والتسبيح، قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ [النور:٤١]، لكن قد يُقال: فالصلاة صلاة المخلوقات والمؤمنين، ولم يُرِد أنّ الكافرين يُصَلُّون؛ فتكون الآية خاصَّة، ولهذا حُكِي عن ابن عباس أنه قال: هي خاصة»
جمع ابنُ جرير (٥/١٩-٢١) بين قول ابن عباس، وسعيد، وقتادة، والربيع، والسدي، وابن زيد، بأنّ معنى الآية: «ليس عليك -يا محمد- هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام، فيُوَفِّقُهُم له؛ فلا تمنعهم الصدقة»
اختلف المفسرون في الاصطفاء هنا؛ أهُوَ على العموم أم على الخصوص؟ وذكر ابنُ عطيّة (٢/٢١٧) أنّ الآية تحتمل الوجهين، فقال: «إن جعلنا ﴿العالَمِينَ﴾ عامًّا فيمن تقدَّم وتأخَّر جعلنا الاصطفاء مخصُوصًا في أمر عيسى عليه السلام، وأنًّها اصطُفِيَت لتَلِد مِن غير فَحْل، وإن جعلنا الاصطفاء عامًّا جعلنا قولَه تعالى: ﴿العالَمِينَ﴾ مخصوصًا في عالَمِ ذلك الزمان»
بَيَّنَ ابنُ جرير (٧/٢٦) أنّ الآية أشبه بالمنافقين لا باليهود، كما قال مجاهد؛ لكونها «كانت تُوَحِّدُ اللهَ، وتُصَدِّق بالبعث والمعاد، وإنما كان كفرها تكذيبها بنُبُوَّة محمد ﷺ». واسْتَدْرَك ابنُ عطية (٢/٥٥٢) عليه مُوَجِّهًا قول مجاهد، فقال: «وقولُ مُجاهدٍ مُتَّجِهٌ على المبالغة والإلزام، إذ إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان، من حيث لا ينفعهم»
علَّق ابنُ عطية (٣/٣١٧) بقوله: «ويشبه أنّ سبب هذه الآية اقتراحُ عبد الله بن أبي أمية وتعنته؛ إذ قال للنبي ﷺ: لا أؤمن لك حتى تصعد إلى السماء، ثم تنزل بكتاب فيه: من رب العزة إلى عبد الله بن أبي أمية، يأمرني بتصديقك، وما أراني مع هذا كنت أصدقك. ثم أسلم بعد ذلك عبد الله، وقتل شهيدًا في الطائف»
رجَّح ابنُ جرير (٩/٣١٩) القول بالنسخ مستندًا لأقوال السلف، فقال: «وقد نسخ الله تعالى هذه الآية بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٣٨٧) قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح بعدم النسخ مستندًا لكونها خبرًا، فقال: «وليس فيها نسخ؛ لأنها متضمنة خبرًا، وهو التهديد»
ذكر ابنُ عطية (٤/٢٧٢-٢٧٣) في معنى الآية احتمالين: الأول: «أن يريد: جماعة المؤمنين، لأنّ كل ما يَهُدُّ مِن الكفر هو شفاءٌ مِن هَمِّ صدور المؤمنين». والثاني: «أن يريد تخصيص قوم من المؤمنين». ووجَّه قول مجاهد وما في معناه بقوله: «ووجْه تخصيصهم: أنهم الذين نُقِض فيهم العهد، ونالتهم الحرب، وكان يومئذ في خزاعة مؤمنون كثير»
ذكر ابنُ عطية (٥/١٩١) في قوله تعالى: ﴿وهُمْ يُجادِلُونَ في الله﴾ عدة احتمالات لاسم الإشارة «هم»، فقال: «يجوز أن تكون إشارة إلى جدال اليهود المذكور، وتكون الواو واو حال، أو إلى جدال الجبار المذكور. ويجوز -إن كانت الآية على غير سبب- أن يكون قوله: ﴿وهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ إشارة إلى جميع الكفرة مِن العرب وغيرهم، الذين جُلبت لهم هذه التنبيهات»