محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣ من سورة النصر في ٩٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣ من سورة النصر

٩٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله :﴿فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ﴾ يقول : فسبح ربّك وعظمه بحمده وشكره، على ما أنجز لك من وعده. فإنك حينئذٍ لاحق به، وذائق ما ذاق مَنْ قَبْلك من رُسله من الموت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سألهم عن قول الله تعالى :﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قالوا : فتح المدائن والقصور. قال : فأنت يا ابن عباس ما تقول ؟ قلت : مَثَلٌ ضرب لمحمد ﷺ، نُعِيتْ إليه نفسه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يُدنيه، فقال له عبد الرحمن : إن لنا أبناءً مثلَه، فقال عمر : إنه من حيث تعلم، قال : فسأله عمر عن قول الله :﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ السورة، فقال ابن عباس : أجله، أعلمه الله إياه، فقال عمر : ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم.
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، قال : قال عمر رضي الله عنه : ما هي ؟ يعني ﴿إذا جاء نَصْرُ اللّهِ وَالفَتْحُ﴾ قال ابن عباس : إذَا { جاءَ نَصُرُ اللّهِ{ حتى بلغ :{ وَاسْتغْفِرْهُ } إنك ميت﴿إنّهُ كانَ تَوّابا﴾. فقال عمر : ما نعلم منها إلا ما قلت.
قال : ثنا مهران، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس قال : لما نزلت ﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ علم النبيّ أنه نُعِيتْ إليه نفسه، فقيل له :﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كرَيب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : لما نزلت ﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال رسول الله ﷺ :«نُعِيَتْ إليّ نَفْسِي، كأنّي مَقْبُوضٌ فِي تِلكَ السّنَةِ ».
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله :﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال : ذاك حين نَعَى له نفسه. يقول : إذا رأَيْتَ النّاسَ ﴿يَدْخُلونَ فِي دِينِ اللّهِ أفْوَاجا﴾ يعني إسلام الناس، يقول : فذاك حين حضر أجلُك ﴿فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كانَ تَوّابا﴾.
حدثني أبو السائب وسعيد بن يحيى الأموي، قالا : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت : كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول قبل أن يموت :«سبحانك اللهمّ وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك ». قالت : فقلت : يا رسول الله، ما هذه الكلمات التي أراك قد أحدثَتها تقولها ؟ قال :«قَدْ جُعِلَتْ لي عَلامَةٌ فِي أُمّتِي إذَا رَأيْتُها قُلْتُها ﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ والْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة ».
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال : قالت عائشة : ما سمعت رسول الله ﷺ منذ أُنزلت عليه هذه السورة ﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ لا يقول قبلها : سبحانك ربنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت : كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده :«سبحانك اللهمّ وبحمدك، اللهمّ اغفر لي »، يتأوّل القرآن.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن داود، عن الشعبيّ، قال داود : لا أعلمه إلا عن مسروق، وربما قال عن مسروق، عن عائشة قالت : كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول :«سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه »، فقلت : إنك تُكثر من هذا، فقال :«إنّ رَبّي قَدْ أخْبَرنِي أنّي سأَرَى عَلامَةً فِي أُمّتِي، وأمَرَنِي إذَا رأَيْتُ تِلكَ الْعَلامَةَ أنْ أُسَبّحَ بحَمْدِهِ، وأسْتَغْفِرَهُ إنّهُ كانَ تَوّابا، فَقَدْ رأيْتُها إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ ».
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا حفص، قال : حدثنا عاصم، عن الشعبيّ، عن أمّ سلمة، قالت : كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء إلا قال :«سبحان الله وبحمده »، فقلت : يا رسول الله، إنك تُكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجيء، ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت : سبحان الله وبحمده، قال :«إنّي أُمِرْتُ بِها »، فقال :﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال : نزلت سورة ﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كلها بالمدينة بعد فتح مكة، ودخولها الناس في الدين، يَنْعي إليه نفسه.
قال : ثنا جرير، عن مُغيرة، عن زياد بن الحصين، عن أبي العالية، قال : لما نزلت :﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ونُعَيتْ إلى النبيّ ﷺ نفسُه، كان لا يقوم من مجلس يجلس فيه حتى يقولَ :«سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ».
قال : ثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو، قال : لما نزلت :﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كان النبيّ ﷺ مما يكثر أن يقول :«سبحانك اللهمّ وبحمدك، ربّ اغفر لي وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الرحيم ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ قرأها كلها قال ابن عباس : هذه السورة عَلَم وحَدّ حدّه الله لنبيه ﷺ، ونَعَى له نفسَه. أي إنك لن تعيشَ بعدها إلا قليلاً. قال قتادة : والله ما عاش بعد ذلك إلا قليلاً، سنتين، ثم توفي ﷺ.
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا مهران، عن أبي معاذ عيسى بن أبي يزيد، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، قال : لما نزلت :﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كان يُكثر أن يقول :«سبحانك اللهمّ وبحمدك، اللهمّ اغفر لي، سبحانك ربنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي، إنك أنت التوّاب الغفور ».
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قول الله :﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالفْتْحُ﴾ : كانت هذه السورة آية لموت رسول الله ﷺ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله :﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كانَ تَوّابا﴾ قال : اعلم أنك ستموت عند ذلك.
وقوله :﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ يقول : وسَلْه أن يغفر ذنوبَك. إنّهُ كانَ تَوّابا : يقول : إنه كان ذا رجوع لعبده، المطيع إلى ما يحبّ. والهاء من قوله «إنه » من ذكر الله عزّ وجلّ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إذا جاءك نصر الله يا محمد على قومك من قريش، والفتح: فتح مكة (وَرَأَيْتَ النَّاسَ) من صنوف العرب وقبائلها أهل اليمن منهم، وقبائل نزار (يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) يقول: في دين الله الذي ابتعثك به، وطاعتك التي دعاهم إليها أفواجًا، يعني: زُمَرًا، فوجًا فوجًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ما قلنا في قوله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) :
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) : فتح مكة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) النصر حين فتح الله عليه ونصره.
حدثني إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا الحسين بن عيسى الحنفي، عن معمر، عن الزهري، عن أبي حازم، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ بالمدينة، إذ قال: "اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، جاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ، جاءَ أهْلُ اليَمَنِ"، قيل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: "قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ، لَيِّنةٌ طِبَاعُهُمْ، الإيمَانُ يَمَانٍ، والفِقْهُ يَمَانٍ، والحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ".
حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن
مسروق، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه; قالت: فقلت: يا رسول الله أراك تُكثر قول: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال: "خَبَّرَنِي رَبِّي أنّي سأرَى عَلامَةً فِي أمَّتِي، فإذَا رَأَيْتُهَا أكْثَرْتُ مِنْ قَوْل سُبْحَانَ الله وبحَمْدِهِ، وأسْتَغْفِرُهُ وأتُوبُ إلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُها (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فتح مكة (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) ".
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، عن عائشة، قالت: كان نبي الله ﷺ يكثر قبل موته من قول سبحان الله وبحمده ثم ذكر نحوه.
حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد، عن داود، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عكرمة قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "جَاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ، وَجَاءَ أهْلُ اليَمَنِ"، قالوا: يا نبيّ الله، وما أهل اليمن؟ قال: "رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ، لَيِّنَةٌ طِبَاعُهُمْ، الإيمَانُ يَمَانٍ، والْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ". وأما قوله; (أَفْوَاجًا) فقد تقدّم ذكره في معنى أقوال أهل التأويل.
وقد حدثني الحارث، قال: ثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) قال: زُمرًا زُمرًا.
وقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)
يقول: فسبح ربك وعظمه بحمده وشكره، على ما أنجز لك من وعده. فإنك حينئذ لاحق به، وذائق ما ذاق مَنْ قبلك من رُسله من الموت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سألهم عن قول الله تعالى:
(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قالوا: فتح المدائن والقصور، قال: فأنت يا بن عباس ما تقول: قلت: مَثَلٌ ضُرب لمحمد ﷺ نعيت إليه نفسه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يُدنيه، فقال له عبد الرحمن: إن لنا أبناءً مثلَهُ، فقال عمر: إنه من حيث تعلم، قال: فسأله عمر عن قول الله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) السورة، فقال ابن عباس: أجله، أعلمه الله إياه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، قال: قال عمر رضي الله عنه: ما هي؟ يعني (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال ابن عباس، (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ) حتى بلغ: (وَاسْتَغْفِرْهُ) إنك ميت (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) فقال عمر: ما نعلم منها إلا ما قلت.
قال: ثنا مهران، عن سفيان عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس قال: لما نزلت (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) علم النبيّ أنه نعيت إليه نفسه، فقيل له:
(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع، قالا ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُعِيَتْ إليَّ نَفْسِي، كأنّي مَقْبُوضٌ فِي تِلكَ السَّنَةِ".
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال: ذاك حين نَعَى لَه نفسه يقول: إذا (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) يعني إسلام الناس، يقول: فذاك حين حضر أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).
حدثني أبو السائب وسعيد بن يحيى الأموي، قالا ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول قبل أن يموت: "سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك "; قالت: فقلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك قد أحدثتها تقولها؟ قال: "قد جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إلى آخر السورة".
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قالت عائشة: ما سمعت رسول الله ﷺ منذ أنزلت عليه هذه السورة (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) لا يقول قبلها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي".
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: " سبحانك اللهم وبحمدك، اللهمّ اغفر لي"، يتأول القرآن.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، عن داود، عن الشعبي، قال داود: لا أعلمه إلا عن مسروق، وربما قال عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه"، فقلت: إنك تُكثر من هذا، فقال: "إنَّ رَبي قَدْ أخْبَرَنِي أنِّي سأرَى عَلامةً في أُمَّتِي، وأَمَرَنِي إذَا رأَيْتُ تِلكَ الْعَلامَةَ أنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، وأسْتَغْفِرَهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابا، فَقَدْ رأَيْتُها (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ".
حدثنا أبو السائب، قال: ثنا حفص، قال: ثنا عاصم، عن الشعبي، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: "سبحان الله وبحمده"، فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجيء، ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت: سبحان الله وبحمده، قال: "إني أمرت بها"، فقال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إلى آخر السورة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت سورة (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) كلها بالمدينة بعد فتح مكة، ودخولها الناس في الدين، ينعي إليه نفسه.
قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن زياد بن الحصين، عن أبي العالية، قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ونعيت إلى النبيّ ﷺ نفسه،
كان لا يقوم من مجلس يجلس فيه حتى يقول: "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) كان النبيّ ﷺ مما يكثر أن يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، رب اغفر لي وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الرحيم".
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قرأها كلها. قال ابن عباس: هذه السورة عَلَمٌ وحَدٌّ حدّه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، ونعى له نفسه. إي إنك لن تعيش بعدها إلا قليلا. قال قتادة: والله ما عاش، بعد ذلك إلا قليلا سنتين، ثم توفي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي معاذ عيسى بن أبي يزيد، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) كان يكثر أن يقول: "سبحانك اللهمّ وبحمدك، اللهمّ اغفر لي، سبحانك ربنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي، إنك أنت التواب الغفور".
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قول الله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) : كانت هذه السورة آية لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) قال: اعلم أنك ستموت عند ذلك.
وقوله: (وَاسْتَغْفِرْهُ)
يقول: وسله أن يغفر ذنوبك.
يقول: إنه كان ذا رجوع لعبده، المطيع إلى ما يحب. والهاء من قوله "إنه" من ذكر الله عز وجلّ.
آخر تفسير سورة النصر
تفسير سورة تبت

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
الجزء الأول

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ترجمة ابن كثير
هو الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن كثير بن درع القرشي من بني حصلة. ولد سنة إحدى وسبعمائة كما ذكر هو نفسه في البداية والنهاية «١»، في قرية «مجدل» من أعمال «بصرى»، وقد ورد اسمها في البداية والنهاية «٢» :
«مجيدل» ولعل ذلك وقع تصحيفا. وتوفي والده الخطيب شهاب الدين في قرية المجدل سنة ٧٠٣ هـ- كما ذكر المؤلف في البداية والنهاية ضمن ترجمة مستفيضة لوالده «٣». وقد نشأ الإمام بعد وفاة والده في رعاية شقيقه الأكبر الذي قال عنه: «كان لنا شقيقا، وبنا رفيقا شفوقا» «٤». وقد شهد القرن الثامن الهجري أحداثا عظيمة في ظل دولة المماليك تمثلت بهجوم التتار والمجاعات الكثيرة المتواترة والأوبئة التي حصدت الملايين من الناس، كما شهد الحروب مع الصليبيين وكثرة المؤامرات والفتن بين الأمراء والوزراء.
ومع ذلك كان يسود هذا العصر نشاط علمي بارز تمثل في كثرة المدارس وكثرة التآليف وخاصة التآليف الموسوعية منها.
شيوخه:
درس الإمام ابن كثير على أيدي المئات من الشيوخ، نذكر منهم: القاسم بن محمد البرزالي مؤرخ الشام (ت ٧٣٩ هـ)، والشيخ يوسف بن عبد الرحمن المزي (ت ٧٤٤ هـ)، والحافظ ابن القلانسي (ت ٧٢٩ هـ)، وإبراهيم بن عبد الرحمن الفزاري (ت ٧٢٩ هـ)، ونجم الدين ابن العسقلاني، وابن الشحنة شهاب الدين الحجار (ت ٧٣٠ هـ)، وكمال الدين ابن قاضي شهبة، والشيخ نجم الدين موسى بن علي بن محمد الجيلي ثم الدمشقي المعروف بابن البصيص (ت ٧١٦ هـ)، والحافظ شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) كما أخذ عن القاسم ابن عساكر وابن الشيرازي وإسحاق الآمدي وغيرهم كثير.
وفاته:
توفي ابن كثير في يوم الخميس ٢٦ شعبان من سنة ٧٧٤ هـ، وخرجت بدمشق
(١) البداية والنهاية (١٤/ ٢٢).
(٢) البداية والنهاية (١٤/ ٣٢).
(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٣٣).
(٤) البداية والنهاية (١٤/ ٤٨).
جموع غفيرة لتشييع جنازته ودفن بمقرّ الصوفية خارج باب النصر من دمشق حسب وصيّته رحمه الله.
مصنّفاته
ترك الحافظ ابن كثير عشرات المؤلفات في شتّى الميادين العلمية، وبشكل خاص في التاريخ والتفسير والحديث. وإليك أهم مؤلفاته المطبوعة والمخطوطة والمفقودة:
أ- المؤلفات المطبوعة:
١- تفسير القرآن الكريم
، وهو الكتاب الذي بين أيدينا: طبع أولا ببولاق على هامش فتح البيان للقنوجي في عشرة أجزاء، ثم طبع سنة ١٣٠٠ هـ في حواشي كتاب «مجمع البيان في مقاصد القرآن» للسيد أبي الطيب صديق بن حسن خان، وطبع بمطبعة المنار بمصر سنة ١٣٤٣ هـ بأمر من السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إمام نجد، وبهامشه تفسير البغوي. وأعيد طبعه مختصرا باسم «عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير» سنة ١٣٧٥ هـ، في خمسة أجزاء، عن مخطوطة نفيسة في المكتبة الأزهرية.
وقد اعتمد الحافظ في تفسيره العظيم هذا أسلوب تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالحديث، وابتعد عن الإسرائيليات وانتقد الاعتماد عليها إلا فيما سمح به الشرع. وفي هذا يقول: «وهذا عندي وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يكبسون به على الناس أمر دينهم» «١». وفي موضع آخر يقول: «وَالَّذِي نَسْلُكُهُ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ الْإِعْرَاضُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنْ تضييع الزمان ولما اشتمل عليه من الكذب المروّج عليهم» «٢».
٢- البداية والنهاية:
مؤلف كبير في التاريخ طبع عدة طبعات، ولعل أقدم طبعة منه كانت سنة ١٣٤٨ هـ بمساعدة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، بمطبعة كردستان العلمية عن مخطوطة مصورة في مكتبة ولي الدين بالآستانة.
٣- جامع المسانيد والسنن:
كتاب ضخم، طبع لأول مرة في دار الكتب العلمية في بيروت في ٣٨ مجلدا.
٤- الاجتهاد في طلب الجهاد:
طبع أولا بمطبعة أبي الهول سنة ١٣٤٧ هـ طبعة غير محققة، ثم طبع سنة ١٤٠١ هـ ببيروت بتحقيق عبد الله عبد الرحيم عسيلان.
٥- اختصار علوم الحديث:
طبع بمكة سنة ١٣٥٣ هـ، بتصحيح الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. وطبع بمصر سنة ١٣٥٥ بتحقيق أحمد شاكر، ثم أعاد شاكر طبعه سنة
(١) ابن كثير، عمدة التفسير (ص ١٧).
(٢) ابن كثير، عمدة التفسير (ص ١٧).
١٣٧٠ مع زيادات في الشرح.
٦- أحاديث التوحيد والردّ على الشرك:
ذكره بروكلمان في ملحق تاريخ الأدب العربي (٢/ ٤٨) وأشار إلى أنه طبع في دلهي سنة ١٢٩٧ هـ.
ب- المؤلفات المخطوطة:
٧- طبقات الشافعية:
منه نسخة خطية مصورة بمعهد المخطوطات بالقاهرة تحت رقم (٧٨٩) صورت عن نسخة الكتاني بالرباط، وهناك مخطوطة أخرى في شستربتي رقمها (٣٣٩٠).
ج- المؤلفات المفقودة:
٨- التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل:
ورد ذكره في كشف الظنون (١/ ٤٧١) وطبقات المفسرين للداودي (١/ ١١٠) وذيل تذكرة الحافظ للسيوطي (ص ٨٥).
٩- الكواكب الدراري في التاريخ:
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٥٢١).
١٠- سيرة الشيخين:
ورد ذكره في البداية والنهاية (٧/ ١٨) وذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي (ص ٣٦١).
١١- الواضح النفيس في مناقب الإمام محمد بن إدريس:
ذكر في كشف الظنون (٢/ ١٨٤٠) وطبقات المفسرين (١/ ١١١).
١٢- كتاب الأحكام:
وهو كتاب كبير لم يكمله وصل فيه إلى الحجّ وقد ورد ذكره باسم «الأحكام الصغرى في الحديث» في كشف الظنون (١/ ٥٥٠).
١٣- الأحكام الكبيرة:
ذكر في البداية والنهاية (٣/ ٢٥٣) وطبقات المفسرين (١/ ١١٠).
١٤- تخريج أحاديث أدلة التنبيه في فروع الشافعية:
ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ١٢٥) والبغدادي في هدية العارفين (١/ ٢١٥).
١٥- اختصار كتاب المدخل إلى كتاب السنن للبيهقي:
ورد ذكره في اختصار علوم الحديث لابن كثير (ص ٤).
١٦- شرح صحيح البخاري:
لم يتمه ذكر في البداية والنهاية (٣/ ٣، ١١/ ٣٦)، وكشف الظنون (١/ ٥٥٠) وطبقات المفسرين (١/ ١١٠).
١٧- السماع:
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٠٠٢).

بسم الله الرّحمن الرّحيم

[مقدمة المؤلف]

(قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ، الْبَارِعُ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ، عماد الدين أبو الفداء: إسماعيل ابن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير، الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ).
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالْحَمْدِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الْفَاتِحَةِ: ٢- ٤] وَقَالَ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً. وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً. مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً
[الْكَهْفِ: ١- ٥] وَافْتَتَحَ خَلْقَهُ بِالْحَمْدِ فَقَالَ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الْأَنْعَامِ: ١] وَاخْتَتَمَهُ بالحمد فقال بعد ما ذِكْرِ مَآلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الزمر: ٧٥] ولهذا قال تَعَالَى: وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٧٠] كما قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ: ١] فَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ أَيْ فِي جَمِيعِ مَا خَلَقَ وَمَا هُوَ خَالِقٌ، هُوَ الْمَحْمُودُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا يَقُولُ الْمُصَلِّي «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحمد، ملء السموات وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» وَلِهَذَا يُلْهَمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ تَسْبِيحَهُ وَتَحْمِيدَهُ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ أَيْ يُسَبِّحُونَهُ وَيَحْمَدُونَهُ عَدَدَ أَنْفَاسِهِمْ، لِمَا يَرَوْنَ مِنْ عَظِيمِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ وَتَوَالِي مِنَنِهِ وَدَوَامِ إحسانه إليهم كَمَا قَالَ تَعَالَى:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يُونُسَ: ٩، ١٠].
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ رُسُلَهُ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النِّسَاءِ: ١٦٥] وَخَتَمَهُمْ بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ الْمَكِّيِّ الْهَادِي لِأَوْضَحِ السُّبُلِ، أَرْسَلَهُ إِلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِنْ لَدُنْ بَعْثَتِهِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
[الأعراف: ١٥٨] وَقَالَ تَعَالَى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الْأَنْعَامِ: ١٩] فَمَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ عَرَبٍ وَعَجَمٍ وَأَسْوَدَ وَأَحْمَرَ وَإِنْسٍ وَجَانٍّ فَهُوَ نَذِيرٌ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هُودٍ: ١٧] فَمَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فَالنَّارُ موعده بنص الله تعالى كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ [الْقَلَمِ: ٤٤] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» قَالَ مُجَاهِدٌ يَعْنِي الْإِنْسَ وَالْجِنَّ. فَهُوَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسُ والجن مبلغا لهم عن الله تعالى مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فُصِّلَتْ: ٤٢] وَقَدْ أَعْلَمَهُمْ فِيهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ نَدَبَهُمْ إِلَى تَفَهُّمِهِ فَقَالَ تَعَالَى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النِّسَاءِ: ٨٢] وَقَالَ تَعَالَى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [مُحَمَّدٍ: ٢٤].
فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْكَشْفُ عَنْ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ وَطَلَبُهُ مِنْ مَظَانِّهِ وَتَعَلُّمُ ذَلِكَ وَتَعْلِيمُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٧] وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [آلِ عِمْرَانَ: ٧٧] فَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الْكِتَابِ قَبْلَنَا بإعراضهم عن كتاب الله المنزل إِلَيْهِمْ وَإِقْبَالِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا وَجَمْعِهَا وَاشْتِغَالِهِمْ بِغَيْرِ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ.
فَعَلَيْنَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَنْ نَنْتَهِيَ عَمَّا ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَأَنْ نَأْتَمِرَ بِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ تَعَلُّمِ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ إِلَيْنَا وتعليمه، وتفهمه، وتفهيمه، قال تَعَالَى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الْحَدِيدِ: ١٦- ١٧] فَفِي ذِكْرِهِ تَعَالَى لِهَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَهَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ يلين القلوب بالإيمان والهدى بَعْدَ قَسْوَتِهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، وَاللَّهُ الْمُؤَمَّلُ المسؤول أن يفعل بنا هذا إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا أَحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ؟ فَالْجَوَابُ إِنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ فَمَا أجمل في مكان فإنه قد بسط فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنْ أَعْيَاكَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُوَضِّحَةٌ لَهُ، بَلْ قَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
[النِّسَاءِ: ١٠٥] وَقَالَ تَعَالَى: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النَّحْلِ: ٤٤] وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» يَعْنِي السُّنَّةَ. وَالسُّنَّةُ أَيْضًا تَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ كَمَا يَنْزِلُ الْقُرْآنُ إِلَّا أَنَّهَا لَا تُتْلَى كَمَا يُتْلَى الْقُرْآنُ وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشافعي رحمه الله تعالى وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذَلِكَ.
وَالْغَرَضُ أَنَّكَ تَطْلُبُ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فَمِنَ السُّنَّةِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «فبم تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صدري وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ» «١» وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَحِينَئِذٍ إِذَا لَمْ نَجِدِ التَّفْسِيرَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ رَجَعْنَا فِي ذَلِكَ إِلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ أَدْرَى بِذَلِكَ لِمَا شَاهَدُوا مِنَ الْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِهَا، وَلِمَا لَهُمْ مِنَ الْفَهْمِ التَّامِّ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ لَا سِيَّمَا عُلَمَاؤُهُمْ وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَنْ نَزَلَتْ، وَأَيْنَ نَزَلَتْ. وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ «٢».
وَقَالَ الْأَعْمَشُ أَيْضًا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْرِئُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَخْلُفُوهَا حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا.
وَمِنْهُمُ الْحَبْرُ الْبَحْرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وترجمان القرآن ببركة دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ حَيْثُ قَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وحدثنا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: نِعْمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ دَاوُدَ عَنْ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: نِعْمَ التُّرْجُمَانُ لِلْقُرْآنِ «٣» ابْنُ عَبَّاسٍ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ جَعْفَرِ بن عون عن الأعمش به
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (ج ٥ ص ٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢) من حديث معاذ بن جبل.
(٢) تفسير الطبري ١/ ٦٠. وفيه «فيم نزلت» في موضع «فيمن نزلت».
(٣) في الطبري ١/ ٦٥: «نعم ترجمان القرآن» أي بنص الحديث الذي قبله.
كَذَلِكَ «١». فَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْعِبَارَةَ. وَقَدْ مَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ عَلَى الصَّحِيحِ وَعُمِّرَ بعده عبد الله بن عَبَّاسٍ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا كَسَبَهُ مِنَ الْعُلُومِ بَعْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ:
اسْتَخْلَفَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْمَوْسِمِ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَرَأَ فِي خُطْبَتِهِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفِي رِوَايَةٍ سُورَةَ النُّورِ فَفَسَّرَهَا تَفْسِيرًا لَوْ سَمِعَتْهُ الرُّومُ وَالتُّرْكُ وَالدَّيْلَمُ لَأَسْلَمُوا «٢».
وَلِهَذَا غَالِبُ مَا يَرْوِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ فِي تفسيره عن هذين الرجلين ابن مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يَنْقُلُ عَنْهُمْ مَا يَحْكُونَهُ مِنْ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّتِي أَبَاحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «٣» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لهذا كان عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قد أصاب يوم اليرموك زَامِلَتَيْنِ «٤» مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ مِنْهُمَا بِمَا فَهِمَهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْإِسْرَائِيلِيَّةَ تُذْكَرُ لِلِاسْتِشْهَادِ لَا لِلِاعْتِضَادِ فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ مِمَّا بِأَيْدِينَا مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ فَذَاكَ صَحِيحٌ وَالثَّانِي مَا عَلِمْنَا كَذِبَهُ بِمَا عِنْدَنَا مِمَّا يُخَالِفُهُ وَالثَّالِثُ مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ لَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَلَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَلَا نؤمن به ولا نكذبه ويجوز حِكَايَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَغَالِبُ ذَلِكَ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ تَعُودُ إِلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ. وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذَا كَثِيرًا. وَيَأْتِي عَنِ الْمُفَسِّرِينَ خِلَافٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَمَا يَذْكُرُونَ فِي مِثْلِ هَذَا أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، ولون كلبهم، وعددهم، وَعَصَا مُوسَى مِنْ أَيِّ الشَّجَرِ كَانَتْ، وَأَسْمَاءَ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَتَعْيِينَ الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنَ الْبَقَرَةِ، وَنَوْعَ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ مِنْهَا مُوسَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَبْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِهِ تَعُودُ على المكلفين في دينهم ولا دنياهم. وَلَكِنَّ نَقْلَ الْخِلَافِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [الْكَهْفِ: ٢٢] فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الْأَدَبِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَتَعْلِيمِ مَا يَنْبَغِي فِي مِثْلِ هَذَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ضَعَّفَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ إِذْ لَوْ كَانَ بَاطِلًا لَرَدَّهُ كَمَا رَدَّهُمَا ثُمَّ أَرْشَدَ على أن الاطلاع
(١) في الطبري ١/ ٦٥: «وحدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، بنحوه».
(٢) قارن بالطبري: ١/ ٦٠.
(٣) صحيح البخاري (علم باب ٣٨ جنائز باب ٢٢ مناقب باب ٥ أنبياء باب ٥٠ أدب باب ١٠٩).
(٤) الزاملة: ما يحمل عليه من الإبل وغيرها.
عَلَى عِدَّتِهِمْ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ فَقَالَ فِي مِثْلِ هَذَا قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ فَإِنَّهُ ما يعلم ذلك إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلِهَذَا قَالَ: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً أَيْ لَا تُجْهِدْ نَفْسَكَ فِيمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَلَا تَسْأَلْهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا رَجْمَ الْغَيْبِ. فَهَذَا أَحْسَنُ مَا يَكُونُ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ: أَنْ تَسْتَوْعِبَ الْأَقْوَالَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ وَأَنْ تُنَبِّهَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهَا وَتُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَتَذْكُرَ فَائِدَةَ الْخِلَافِ وَثَمَرَتَهُ لِئَلَّا يَطُولَ الْنِزَاعُ وَالْخِلَافُ فِيمَا لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ، فَتَشْتَغِلُ بِهِ عَنِ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ. فَأَمَّا مَنْ حَكَى خِلَافًا فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ أَقْوَالَ النَّاسِ فِيهَا فَهُوَ نَاقِصٌ إِذْ قَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ فِي الَّذِي تَرَكَهُ، أَوْ يَحْكِي الْخِلَافَ وَيُطْلِقُهُ وَلَا يُنَبِّهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْأَقْوَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ أَيْضًا، فَإِنْ صَحَّحَ غَيْرَ الصَّحِيحِ عَامِدًا فَقَدْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، أَوْ جَاهِلًا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَصَبَ الْخِلَافَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ أَوْ حَكَى أَقْوَالًا مُتَعَدِّدَةً لَفْظًا وَيَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى قَوْلٍ أَوْ قَوْلَيْنِ مَعْنًى فَقَدْ ضَيَّعَ الزَّمَانَ وَتَكَثَّرَ بِمَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَهُوَ كَلَابِسِ ثوبي زور، والله الموفق للصواب.
[فَصْلٌ] إِذَا لَمْ تَجِدِ التَّفْسِيرَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا وَجَدْتَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ رَجَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ إِلَى أَقْوَالِ التَّابِعِينَ كَمُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ آيَةً فِي التَّفْسِيرِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ أُوقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ عَنْ عُثْمَانَ الْمَكِّيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: رَأَيْتُ مُجَاهِدًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعَهُ أَلْوَاحُهُ قَالَ: فَيَقُولُ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اكْتُبْ، حَتَّى سَأَلَهُ عَنِ التَّفْسِيرِ كُلِّهِ. وَلِهَذَا كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ، وَكَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عبارتهم تَبَايُنٌ فِي الْأَلْفَاظِ يَحْسَبُهَا مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ اخْتِلَافًا فَيَحْكِيهَا أَقْوَالًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ أَوْ بِنَظِيرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنُصُّ عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، والكل بمعنى واحد في أكثر الْأَمَاكِنِ فَلْيَتَفَطَّنِ اللَّبِيبُ لِذَلِكَ وَاللَّهُ الْهَادِي.
وَقَالَ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَغَيْرُهُ: أَقْوَالُ التَّابِعِينَ فِي الْفُرُوعِ لَيْسَتْ حُجَّةً فَكَيْفَ تَكُونُ حُجَّةً فِي التَّفْسِيرِ؟ يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ وَهَذَا صَحِيحٌ. أَمَّا إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى الشَّيْءِ فَلَا يُرْتَابُ فِي كَوْنِهِ حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على قول بَعْضٍ وَلَا عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى لُغَةِ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ أَوْ عُمُومِ لُغَةِ الْعَرَبِ أَوْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ.
فَأَمَّا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ فَحَرَامٌ لِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى حيث قال:
(١) تفسير الطبري ١/ ٦٥. [.....]
حدثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد ثنا سفيان حدثني عبد الأعلى وهو ابْنُ عَامِرٍ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» »
وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ «٢» وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عبد الأعلى به مرفوعا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيِّ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بِهِ مرفوعا «٣» ولكن رواه عن مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَقَفَهُ «٤»، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ بَكْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ «٥» فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٦» : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ العظيم العنبري ثنا حبان بن هلال ثنا سهيل أخو حزم ثنا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «من قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ» «٧» وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَزْمٍ الْقُطَعِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي سُهَيْلٍ «٨». وَفِي لَفْظٍ لَهُمْ «مَنْ قَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ» أَيْ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَسَلَكَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ فَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكَانَ قَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ كَمَنْ حَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ الصَّوَابَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَكِنْ يَكُونُ أَخَفَّ جُرْمًا مِمَّنْ أَخْطَأَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَكَذَا سَمَّى اللَّهُ الْقَذَفَةَ كَاذِبِينَ فَقَالَ:
فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ [النُّورِ: ١٣] فَالْقَاذِفُ كَاذِبٌ وَلَوْ كَانَ قَدْ قَذَفَ مَنْ زَنَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ وَلَوْ كَانَ أَخْبَرَ بِمَا يَعْلَمُ لِأَنَّهُ تَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا تَحَرَّجَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَنْ تَفْسِيرِ مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ كَمَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القاسم بن سلام: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ سئل عن قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا [عَبَسَ: ٣١] فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا أَنَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ. مُنْقَطِعٌ، وَقَالَ أبو عبيد أيضا: ثنا يَزِيدُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَفاكِهَةً وَأَبًّا فَقَالَ: هَذِهِ الْفَاكِهَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْأَبُّ؟ ثم رجع إلى
(١) تفسير الطبري ١/ ٥٨.
(٢) سنن الترمذي، كتاب التفسير، باب ١.
(٣) تفسير الطبري ١/ ٥٨.
(٤) تفسير الطبري ١/ ٥٨.
(٥) أي من قول ابن عباس موقوفا.
(٦) تفسير الطبري ١/ ٥٩.
(٧) في الطبري: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». وكذا في الترمذي، كتاب التفسير، باب ١.
(٨) عبارة الترمذي: «وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم» هذا ولم نقع على حكمه بأن هذا الحديث غريب.
نَفْسِهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ يَا عمر. وقال عبد بن حميد: ثنا سليمان بن حرب ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي ظَهْرِ قَمِيصِهِ أَرْبَعُ رِقَاعٍ فقرأ وَفاكِهَةً وَأَبًّا فقال فما الأب ثم قال: هو التكلف فما عليك أن لا تَدْرِيَهُ؟ وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِنَّمَا أَرَادَا اسْتِكْشَافَ عِلْمِ كَيْفِيَّةِ الْأَبِّ وَإِلَّا فَكَوْنُهُ نَبْتًا مِنَ الْأَرْضِ ظَاهِرٌ لا يجهل كقوله تعالى: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً [عَبَسَ: ٢٨] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُكُمْ لَقَالَ فِيهَا فَأَبَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا «١»، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ (يَوْمٍ كَانَ مقداره ألف سنة) فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّمَا سَأَلْتُكَ لِتُحَدِّثَنِي، فَقَالَ ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله فِي كِتَابِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا، فَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ.
وقال ابن جرير أيضا: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: جَاءَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ إِلَى جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؟
فَقَالَ: أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا إِلَّا مَا قُمْتَ عَنِّي- أَوْ قَالَ: أَنْ تُجَالِسَنِي «٢» - وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ إِنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ: إِنَّا لَا نَقُولُ فِي الْقُرْآنِ شَيْئًا «٣». وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ إِنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِي الْمَعْلُومِ مِنَ الْقُرْآنِ «٤» وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ: لَا تَسْأَلْنِي عَنِ الْقُرْآنِ وَسَلْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ يَعْنِي عِكْرِمَةَ «٥».
وَقَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا نَسْأَلُ سعيد بن المسيب عن الحرام والحلال وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ فَإِذَا سَأَلْنَاهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ سَكَتَ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْ «٦». وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ وَإِنَّهُمْ لَيُعَظِّمُونِ «٧» الْقَوْلَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْهُمْ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَنَافِعٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ:
مَا سَمِعْتُ أَبِي تَأَوَّلَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَطُّ. وَقَالَ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَهِشَامٌ الدَّسْتُوائِيُّ عَنْ محمد بن سيرين: سألت عبيدة يعني السَّلْمَانِيَّ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ: ذَهَبَ الذين كانوا يعلمون فيم أنزل
(١) تفسير الطبري ١/ ٦٢.
(٢) تفسير الطبري ١/ ٦٣.
(٣) في الطبري: «أنا لا أقول في القرآن شيئا».
(٤) تفسير الطبري ١/ ٦٢.
(٥) تفسير الطبري ١/ ٦٢.
(٦) تفسير الطبري ١/ ٦٢. [.....]
(٧) في الطبري: «وإنهم ليغلظون القول في التفسير... إلخ».
الْقُرْآنُ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَعَلَيْكَ بِالسَّدَادِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أبيه قال: إذا حدثت عن الله حديثا فَقِفْ حَتَّى تَنْظُرَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَتَّقُونَ التَّفْسِيرَ وَيَهَابُونَهُ. وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا وَلَكِنَّهَا الرِّوَايَةُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حدثنا عمرو بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
اتَّقُوا التَّفْسِيرَ فَإِنَّمَا هُوَ الرِّوَايَةُ عَنِ اللَّهِ.
فَهَذِهِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ وَمَا شَاكَلَهَا عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَحَرُّجِهِمْ عَنِ الْكَلَامِ في التفسير بما لا علم لهم فيه. فَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ لُغَةً وَشَرْعًا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَقْوَالٌ فِي التَّفْسِيرِ، وَلَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيمَا عَلِمُوهُ وَسَكَتُوا عَمَّا جَهِلُوهُ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَإِنَّهُ كَمَا يَجِبُ السُّكُوتُ عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ الْقَوْلُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ مِمَّا يَعْلَمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٧] وَلِمَا جَاءَ فِي الحديث الذي روي مِنْ طُرُقٍ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ ألجم يوم القيام بلجام من نار». وأما الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن خالد بن عثمة حدثنا أبو جعفر بن محمد الزُّبَيْرِيِّ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا آيًا تُعَدُّ «١»، عَلَّمَهُنَّ إِيَّاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْطَرَسُوسِيِّ عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ هِشَامٍ بِهِ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ غَرِيبٌ، وَجَعْفَرٌ هَذَا هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُتَابَعُ فِي حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مِمَّا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا وقفه عليها جبرائيل، وَهَذَا تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ، فَإِنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ، وَمِنْهُ مَا يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ وَمِنْهُ مَا تَعْلَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَاتِهَا، وَمِنْهُ مَا لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي جَهْلِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أبي الزناد قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وتفسير لا يعلمه أحد إِلَّا اللَّهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ فِي حَدِيثٍ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ «٢» ! حَدَّثَنِي يونس عن عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ:
سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ حَلَالٌ وَحَرَامٌ- لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِالْجَهَالَةِ به،
(١) في الطبري: «إلا آيا بعدد».
(٢) عبارة ابن جرير (تفسير الطبري ١/ ٥٧) :«وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبر في إسناده نظر» وهو حديث يونس الصدفي.
وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعَرَبُ وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعُلَمَاءُ، وَمُتَشَابِهٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ سِوَى اللَّهِ فَهُوَ كَاذِبٌ» وَالنَّظَرُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ فَإِنَّهُ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ إِنَّمَا وَهِمَ فِي رَفْعِهِ، وَلَعَلَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تقدم والله أعلم بالصواب.
مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن منهال حدثنا هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: نَزَلَ فِي الْمَدِينَةِ مِنَ الْقُرْآنِ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَبَرَاءَةُ وَالرَّعْدُ وَالنَّحْلُ وَالْحَجُّ وَالنُّورُ وَالْأَحْزَابُ وَمُحَمَّدٌ والفتح والحجرات والرحمن والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة وَالْمُنَافِقُونَ وَالتَّغَابُنُ وَالطَّلَاقُ وَيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [سورة التحريم] إلى رَأْسِ الْعَشْرِ وَإِذَا زُلْزِلَتْ وإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ هؤلاء السور نزلت بالمدينة وسائر السور بمكة.
فأما عدد آيات القرآن العظيم فَسِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ ثُمَّ اخْتُلِفَ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يزد على ذلك، ومنهم من قال ومائتي آيَةٍ وَأَرْبَعُ آيَاتٍ، وَقِيلَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً. وقيل:
ومائتان وتسع عشرة آية وقيل: ومائتان وخمس وعشرون آية، أو ست وعشرون آية، وقيل:
ومائتان وست وثلاثون، حكى ذلك أبو عمرو الداني في كتابه «الْبَيَانِ». وَأَمَّا كَلِمَاتُهُ فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: سَبْعٌ وَسَبْعُونَ أَلْفَ كَلِمَةٍ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَثَلَاثُونَ كَلِمَةً.
وَأَمَّا حُرُوفُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: هذا ما أحصيناه من القرآن وهو ثلاثمائة ألف حرف وأحد وَعِشْرُونَ أَلْفَ حَرْفٍ وَمِائَةٌ وَثَمَانُونَ حَرْفًا، وَقَالَ الفضل بن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ حَرْفٍ وَثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ حَرْفًا. وَقَالَ سَلَّامٌ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحِمَّانِيُّ إِنَّ الْحَجَّاجَ جَمَعَ الْقُرَّاءَ وَالْحُفَّاظَ وَالْكُتَّابَ فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ كم من حرف هو؟ قال: فحسبنا فأجمعوا أنه ثلاثمائة ألف وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا وَسَبْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ حَرْفًا، قَالَ: فَأَخْبِرُونِي عَنْ نِصْفِهِ فَإِذَا هُوَ إِلَى الْفَاءِ مِنْ قوله في الكهف وَلْيَتَلَطَّفْ وَثُلُثُهُ الْأَوَّلُ عِنْدَ رَأْسِ مِائَةِ آيَةٍ مِنْ بَرَاءَةٌ وَالثَّانِي عَلَى رَأْسِ مِائَةٍ أَوْ إِحْدَى وَمِائَةٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ، وَالثَّالِثُ إِلَى آخِرِهِ، وَسُبُعُهُ الأول إلى الدال من قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ [النساء: ٥٥] والسبع الثاني إلى التاء من قوله تعالى في سورة الأعراف: حَبِطَتْ «١» والثالث إلى الألف الثاني من قوله تعالى في الرعد:
أُكُلُها [الرعد: ٣٥] والرابع إلى الألف في الحج من قوله:
(١) لم يرد في سورة الأعراف لفظ «أولئك حبطت» وإنما السياق التالي من دون «أولئك: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [الأعراف: ١٤٧]. أما «أولئك حبطت» فقد وردت في سورة التوبة، الآية: ١٧ و ٦٩.
جَعَلْنا مَنْسَكاً «١» وَالْخَامِسُ إِلَى الْهَاءِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْأَحْزَابِ: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ [الْأَحْزَابِ: ٣٦] وَالسَّادِسُ إلى الواو من قوله تعالى فِي الْفَتْحِ: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ [الْفَتْحِ: ٦] وَالسَّابِعُ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ. قَالَ سَلَّامٌ أَبُو محمد: علمنا ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، قَالُوا وَكَانَ الْحَجَّاجُ يَقْرَأُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ رُبُعَ الْقُرْآنِ، فَالْأَوَّلُ إلى آخر الأنعام والثاني إلى وَلْيَتَلَطَّفْ من سورة الْكَهْفِ، وَالثَّالِثُ إِلَى آخِرِ الزُّمَرِ، وَالرَّابِعُ إِلَى آخر القرآن وقد حكى الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْبَيَانُ) خلافا في هذا كله فالله أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (التَّحْزِيبُ وَالتَّجْزِئَةُ) فَقَدِ اشْتُهِرَتِ الْأَجْزَاءُ من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وَغَيْرِهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي تَحْزِيبِ الصَّحَابَةِ لِلْقُرْآنِ وَالْحَدِيثُ فِي مُسْنَدِ الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجة وغيرهم عَنْ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ سَأَلَ أَصْحَابَ رسول الله ﷺ في حياته كيف تحزبون القرآن؟ قالوا ثلث وخمس وسبع وتسع وأحد عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل حتى تختم.
[فصل] واختلف في معنى السورة مما هِيَ مُشْتَقَّةٌ فَقِيلَ مِنَ الْإِبَانَةِ وَالِارْتِفَاعِ قَالَ النابغة:

[الطويل]

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةًتَرَى كل ملك دونها يتذبذب «٢»
فكأن القارئ ينتقل بِهَا مِنْ مَنْزِلَةٍ إِلَى مَنْزِلَةٍ. وَقِيلَ لِشَرَفِهَا وارتفاعها كسور البلدان، وَقِيلَ:
سُمِّيَتْ سُورَةً لِكَوْنِهَا قِطْعَةً مِنَ الْقُرْآنِ وَجُزْءًا مِنْهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَسْآرِ الْإِنَاءِ وَهُوَ الْبَقِيَّةُ. وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ أَصْلُهَا مَهْمُوزًا. وَإِنَّمَا خففت الهمزة فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ وَاوًا لِانْضِمَامٍ مَا قَبْلَهَا، وَقِيلَ لِتَمَامِهَا وَكَمَالِهَا لِأَنَّ الْعَرَبَ يُسَمُّونَ النَّاقَةَ التَّامَّةَ سُورَةً (قُلْتُ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجَمْعِ والإحاطة لآياتها كما يسمى سور البلد لإحاطته بمنازله ودوره. وجمع السورة سور بفتح الواو، وقد يجمع عَلَى سُورَاتٍ وَسَوْرَاتٍ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَمِنَ الْعَلَامَةِ عَلَى انْقِطَاعِ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهَا عَنِ الَّذِي بعدها وانفصالها أي هي بائنة عن أختها ومنفردة قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ [الْبَقَرَةِ: ٢٤٨] وقال النابغة: [الطويل]
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَالِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ «٣»
وَقِيلَ لِأَنَّهَا جَمَاعَةُ حُرُوفٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَطَائِفَةٌ مِنْهُ كَمَا يُقَالُ: خَرَجَ الْقَوْمُ بآياتهم أي بجماعاتهم. قال الشاعر: [الطويل]
(١) اللفظ «جعلنا منسكا» ورد مرتين في سورة الحج، في الآية ٣٤ والآية ٦٧.
(٢) البيت للنابغة في ديوانه ص ٧٣ ولسان العرب (سور) وتهذيب اللغة ١٣/ ٤٩ وجمهرة اللغة ص ١٧٤، وديوان المعاني ١/ ١٥ وتاج العروس (سور).
(٣) البيت للنابغة في ديوانه ص ٣١ وخزانة الأدب ٢/ ٤٥٣ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٧ والصاحبي في فقه اللغة ص ١١٣ والكتاب ٢/ ٨٦ ولسان العرب (عشر) والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠٦.
خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مِثْلُنَابِآيَتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ الْمَطَافِلَا «١»
وَقِيلَ سُمِّيَتْ آيَةً لِأَنَّهَا عَجَبٌ يَعْجَزُ الْبَشَرُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِمِثْلِهَا قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَأَصْلُهَا أَيَيَةٌ مِثْلُ أَكَمَةٍ وَشَجَرَةٍ، تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا فَصَارَتْ آية بهمزة بعدها مدة وقال الكسائي أصلها آيِيَةٌ عَلَى وَزْنِ آمِنَةٍ فَقُلِبَتْ أَلِفًا ثُمَّ حذفت لالتباسها وقال الفراء: أصلها أيية بتشديد الياء الأولى فقلبت أَلِفًا كَرَاهِيَةَ التَّشْدِيدِ فَصَارَتْ آيَةً وَجَمْعُهَا آيٌ وآيات وآياي. وأما الكلمة فهي اللفظة الواحدة وَقَدْ تَكُونُ عَلَى حَرْفَيْنِ مِثْلُ مَا وَلَا ونحو ذلك. وقد تكون أكثر، وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ وأَ نُلْزِمُكُمُوها فَأَسْقَيْناكُمُوهُ. وقد تكون الكلمة الواحدة آيَةً مِثْلُ وَالْفَجْرِ وَالضُّحَى وَالْعَصْرِ وَكَذَلِكَ الم وطه ويس وحم في قول الكوفيين وحم عسق عِنْدَهُمْ كَلِمَتَانِ وَغَيْرُهُمْ لَا يُسَمِّي هَذِهِ آيات بل يقول هذه فَوَاتِحُ السُّوَرِ وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ لَا أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ وَحْدَهَا آيَةٌ إِلَّا قَوْلُهُ تعالى: مُدْهامَّتانِ بسورة الرحمن.
[فصل] قال القرطبي: أجمعوا على أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ مِنَ التَّرَاكِيبِ الْأَعْجَمِيَّةِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ فِيهِ أَعْلَامًا مِنَ الْأَعْجَمِيَّةِ كَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَلُوطٍ وَاخْتَلَفُوا هَلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ بِالْأَعْجَمِيَّةِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْبَاقِلَّانِيُّ والطبري وقالا: ما وقع فيه مما يُوَافِقُ الْأَعْجَمِيَّةَ فَهُوَ مِنْ بَابِ مَا تَوَافَقَتْ فيه اللغات.
(١) البيت لبرج بن مسهر الطائي في لسان العرب (أيا) ومقاييس اللغة ١/ ١٦٩ وتاج العروس (أيي) وللبرجمي في لسان العرب (قفف) وتاجر العروس (قفف).

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سورة الفاتحة
يُقَالُ لَهَا الْفَاتِحَةُ أَيْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ خَطًّا وبها تفتتح القراءة في الصلوات، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا أُمُّ الْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، ذكره أَنَسٌ، وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ كَرِهَا تَسْمِيَتَهَا بِذَلِكَ، قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: إِنَّمَا ذَلِكَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَلِذَا كَرِهَا أَيْضًا أَنْ يُقَالَ لَهَا أم القرآن وقد ثبت في الصَّحِيحِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم «الحمد لله رب العالمين أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ» وَيُقَالُ لَهَا (الْحَمْدُ) وَيُقَالُ لَهَا (الصَّلَاةُ) لقوله صلّى الله عليه وسلم عَنْ رَبِّهِ «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي» الْحَدِيثَ. فَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ صَلَاةً لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا وَيُقَالُ لَهَا (الشِّفَاءُ) لِمَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُمٍّ» وَيُقَالُ لَهَا (الرُّقْيَةُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ حِينَ رَقَى بِهَا الرَّجُلَ السَّلِيمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» ؟ وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابن عباس أن سماها (أساس القرآن) قال: وأساسها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَسَمَّاهَا سُفْيَانُ بْنُ عيينة (بالواقية) وَسَمَّاهَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ (الْكَافِيَةُ) لِأَنَّهَا تَكْفِي عَمَّا عَدَاهَا وَلَا يَكْفِي مَا سِوَاهَا عَنْهَا كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْمُرْسَلَةِ «أم القرآن عوض من غيرها وليس من غيرها عوض منها» وَيُقَالُ لَهَا سُورَةُ الصَّلَاةِ وَالْكَنْزِ، ذَكَرَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ وَيُقَالُ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الحجر: ٨٧] والله تعالى أَعْلَمُ. وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّ نِصْفَهَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَنِصْفَهَا الْآخَرَ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، نَقْلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْهُ، وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ بِلَا خِلَافٍ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: ثمان، وقال حسين الجعفي: ستة، وهذان القولان شَاذَّانِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْبَسْمَلَةِ هَلْ هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا هُوَ عِنْدَ جمهور قراء الكوفة وقول جماعة مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَخَلْقٌ مِنَ الْخَلَفِ أَوْ بَعْضُ آيَةٍ أَوْ لَا تُعَدُّ مِنْ أَوَّلِهَا بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ القراء والفقهاء على ثلاثة أقوال كما سيأتي تقريرها فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ.
قَالُوا: وَكَلِمَاتُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً، وَحُرُوفُهَا مِائَةٌ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أول كتاب التفسير وسميت أم الكتاب لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا في الصلاة،
وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعرب تسمي كل جامع أمرا أَوْ مُقَدَّمٍ لِأَمْرٍ إِذَا كَانَتْ لَهُ تَوَابِعُ تَتْبَعُهُ هُوَ لَهَا إِمَامٌ جَامِعٌ: أُمًّا، فَتَقُولُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ أُمُّ الرَّأْسِ وَيُسَمُّونَ لِوَاءَ الْجَيْشِ وَرَايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَهَا أُمًّا، واستشهد بقول ذي الرمة [الطويل].
عَلَى رَأْسِهِ أُمٌّ لَنَا نَقْتَدِي بِهَاجِمَاعُ أمور لا نعاصي لَهَا أَمْرَا «١»
- يَعْنِي الرُّمْحُ- قَالَ: وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِتَقَدُّمِهَا أَمَامَ جَمِيعِهَا وَجَمْعِهَا مَا سواها، وقيل لأن الأرض دحيت من تحتها. وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْفَاتِحَةُ لِأَنَّهَا تُفْتَتَحُ بِهَا الْقِرَاءَةُ وَافْتَتَحَتِ الصَّحَابَةُ بِهَا كِتَابَةَ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ «٢» وَصَحَّ تَسْمِيَتُهَا بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي، قَالُوا: لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِنْ كان للمثاني معنى آخر كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ الله تعالى.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٣» : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَهَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ «٤» عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أنه قال في أم الْقُرْآنِ: «هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَهِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ» ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِهِ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ «٥» : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي» وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ حَدَّثَنَا محمد بن غالب بن حارث، حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي، حدثنا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سَبْعُ آيَاتٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَاهُنَّ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وهي أم الكتاب، وفاتحة الْكِتَابِ» وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ، أَوْ مِثْلِهِ، وَقَالَ: كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي بِالْفَاتِحَةِ وَأَنَّ الْبَسْمَلَةَ هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ مِنْهَا وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا عِنْدَ الْبَسْمَلَةِ. وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: لم لم تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها
(١) الطبري ١/ ٧٤. وقد روى ثلاثة أبيات هي:
وأسمر قوّام إذا نام صحبتيخفيف الثياب لا تواري له أزرا
عَلَى رَأْسِهِ أُمٌّ لَنَا نَقْتَدِي بِهَاجِمَاعُ أمور لا نعاصي لها أمرا
إذا نزلت قيل أنزلوا وإذا غدتغدت ذات بزريق ننال بها فخرا
(٢) المصحف الإمام هو مصحف عثمان رضي الله عنه.
(٣) المسند ج ٣ ص ٤٥٩.
(٤) في المسند: «هاشم بن القاسم».
(٥) تفسير الطبري ١/ ٧٤.
فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: يَعْنِي حَيْثُ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَاكْتَفَيْتُ بِحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا عَنْ كِتَابَتِهَا وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوَّلُ شَيْءٍ أنزل مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَنَقْلَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ أَحَدَ أقوال ثلاثة وَقِيلَ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ وَقِيلَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وهذ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الفاتحة
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى فِي مُسْنَدِهِ «١» حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أجبه حتى صليت، قال: فأتيته فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي» ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي قَالَ: ألم يقل الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الْأَنْفَالِ: ٢٤] ثُمَّ قَالَ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ «٢» أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قيل أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ» قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَالَ: «نَعَمْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ بِهِ، وَرَوَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ من التفسير، وأبو داوود وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ، وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ «٣» لِلْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أنس رحمه الله مَا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحُرَقِيِّ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ قَالَ فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى يَدِي وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يخرج من باب المسجد ثم قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لا تَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي القرآن مثلها» قال أبي رضي الله عنه: فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي؟ قَالَ: «كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ» فَأَبُو سَعِيدٍ هَذَا لَيْسَ بِأَبِي سَعِيدِ بْنِ المعلى كما اعتقده ابن الأثير في
(١) المسند ج ٥ ص ٣٣٤. [.....]
(٢) المراد: لأعلمنك من أمرها ما لم تكن تعلمه قبل ذلك، وإلا فقد كان عالما بالسورة وحافظا لها.
(٣) الموطأ، كتاب الصلاة، حديث ٣٧ (باب ما جاء في أم القرآن).
جَامِعِ الْأُصُولِ وَمَنْ تَبِعَهُ فَإِنَّ ابْنَ الْمُعَلَّى صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ وَهَذَا تَابِعِيٌّ مِنْ مَوَالِي خُزَاعَةَ، وذاك الحديث متصل صحيح، وهذا ظاهره مُنْقَطِعٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ أَبُو سَعِيدٍ هَذَا مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: يَا أُبَيُّ، فَالْتَفَتَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْهُ، ثم قال: أبيّ، فخفف «٢» أبيّ ثُمَّ انْصَرَفْ إِلَى رَسُولٍ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيْ رَسُولَ الله قال: وعليك السلام مَا مَنَعَكَ أَيْ أُبَيُّ إِذْ دَعَوْتُكَ أَنْ تجيبني، قال: أي رسول الله إني كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: أَوَلَسْتَ تَجِدُ فِيمَا أوحى الله تعالى إلي [أن] «٣» اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَعُودُ قال أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل لَا فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني لأرجو أن لا أَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي يُحَدِّثُنِي وَأَنَا أَتَبَطَّأُ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْحَدِيثَ، فَلِمَا دَنَوْنَا مِنَ الْبَابِ قُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ مَا السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي؟ قَالَ:
مَا تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ «٤» ؟ قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْقُرْآنِ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي «٥». وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه فَذَكَرَهُ وَعِنْدَهُ: إِنَّهَا مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي أُعْطِيتُهُ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالك، ورواه عبد الله ابن الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَذَكَرَهُ مُطَوَّلًا بِنَحْوِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَمَّارٍ حُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي. هَذَا لفظ النسائي، وقال الترمذي: حديث حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمٌ يَعْنِي ابْنَ الْبَرِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَهَرَاقَ «٦» الماء فقلت: السلام
(١) المسند ج ٣ ص ٣٨٧.
(٢) عبارة المسند: «ثم صلّى أبيّ فخفّف» في موضع «ثم قال: أبيّ، فخفّف».
(٣) زيادة من المسند.
(٤) عبارة المسند: «فكيف تقرأ في الصلاة» ؟.
(٥) عبارة المسند: «وإنها للسّبع من المثاني».
(٦) أهراق يهريق إهراقة الماء: أراقه.
عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ:
فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ: فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَأَنَا خَلْفَهُ حَتَّى دَخَلَ رَحْلَهُ «١» وَدَخَلْتُ أَنَا الْمَسْجِدَ فَجَلَسْتُ كَئِيبًا حَزِينًا فَخَرَجَ عَلَيَّ رسول الله ﷺ وقد تَطَهَّرَ فَقَالَ: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ:
«أَلَا أُخْبِرُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَابِرٍ بِأَخْيَرِ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ «اقْرَأِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى تَخْتِمَهَا «٢» » هَذَا إِسْنَادٌ جيد، وابن عقيل هذا يحتج بِهِ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ هذا الصَّحَابِيُّ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ هُوَ الْعَبْدِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَيُقَالُ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَيَاضِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ عَلَى تَفَاضُلِ بَعْضِ الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا هُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ الحفار مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّهُ لَا تَفَاضُلَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَلَامُ اللَّهِ، وَلِئَلَّا يُوهِمَ التَّفْضِيلُ نَقْصَ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ فَاضِلًا، نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَأَبِي حَاتِمِ بْنِ حيان الْبَسْتِيِّ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَرِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ مالك.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: حدثنا محمد بن المثنى، وحدثنا وهب حدثنا هشام عن محمد عن مَعْبَدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا، فَنَزَلْنَا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ «٣» وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّبٌ فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كنا نأبنه «٤» برقية فرقاه فبرأ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا. فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كنت ترقي؟ فقال: لَا مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ قُلْنَا: لَا تُحَدِّثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ أَوْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِهَذَا، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِهِ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخدري هُوَ الَّذِي رَقَى ذَلِكَ السَّلِيمَ يَعْنِي اللَّدِيغَ يسمونه بذلك تفاؤلا.
(١) الرّحل: مركب للبعير والناقة، وهو من مراكب الرجال دون النساء. ويعبّر به عما يستصحبه الراكب وعما جلس عليه في المنزل، وعن المنزل نفسه، وعن مسكن الرجل.
(٢) المسند ج ٦ ص ١٨٧.
(٣) السليم: الملدوغ (على التفاؤل). وهو أيضا الجريح المشفي على الهلكة. والنّفر: رهط الإنسان وعشيرته، والجماعة الذين ينفرون في الأمر.
(٤) أبنه: عابه، واتّهمه. والمراد: ما كنا نعلم أنه يرقي فنعيبه بذلك، باعتبار أن توسّل الرّمى مما يعاب عليه الإنسان المسلم.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى مُسْلِمٌ «١» فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ «٢» فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعنده جبرائيل، إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا «٣» فَوْقَهُ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ منه ملك فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُوتِيتُهُ، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ.
وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ حَدِيثٌ آخَرُ، قَالَ مُسْلِمٌ «٤» : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ (هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْعَلَاءِ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يعقوب الخرقي) عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا أُمَّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ «٥» » ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون خلف الإمام، فقال: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عبدي، وإذا قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قال الله: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَقَدْ رَوَيَاهُ أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ، وَفِي هَذَا السِّيَاقِ «فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وَكَذَا.
رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْعَلَاءِ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ هَكَذَا. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي السَّائِبِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْهُ فَقَالَ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ، مَنْ قَالَ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ وَعَنِ العلاء عن أبي السائب. روى هذا الحديث عبد الله بن الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مطولا. وقال ابْنُ جَرِيرٍ «٦» :
حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ سعيد عن مطرف بن طريف عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(١) كتاب صلاة المسافرين، حديث ٢٥٤.
(٢) كتاب الافتتاح، باب ٢٥. [.....]
(٣) النقيض: الصوت كصوت الباب إذا فتح.
(٤) كتاب الصلاة، حديث ٣٨. وما وضعناه بين هلالين ليس من حديث مسلم.
(٥) الخداج: النقصان. وقوله عليه الصلاة والسلام: «خداج» أي ذات خداج.
(٦) تفسير الطبري ١/ ١١٧.
«قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلَهُ مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، ثُمَّ قَالَ: هَذَا لِي وَلَهُ مَا بَقِيَ. وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ «١».
الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ مِنْ وُجُوهٍ
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ أَطْلَقَ فِيهِ لَفْظَ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ الْقِرَاءَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] أَيْ بِقِرَاءَتِكَ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» ثُمَّ بين تفضيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة فَدَلَّ عَلَى عِظَمِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا من أكبر أركانها إذا أُطْلِقَتِ الْعِبَادَةُ وَأُرِيدَ بِهَا جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْهَا هو الْقِرَاءَةُ، كَمَا أَطْلَقَ لَفْظَ الْقِرَاءَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي قَوْلِهِ: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الْإِسْرَاءِ: ٧٨] وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الْفَجْرِ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ يَشْهَدُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ اتِّفَاقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ نَذْكُرُهَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ هَلْ يَتَعَيَّنُ لِلْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَمْ تُجْزِئُ هِيَ أَوْ غَيْرُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بَلْ مَهْمَا قَرَأَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ فِي الصَّلَاةِ وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [الْمُزَّمِّلِ: ٢٠] وَبِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» قَالُوا فَأَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْفَاتِحَةَ وَلَا غَيْرَهَا فدل على ما قلنا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا، وَهُوَ قَوْلُ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابُهُمْ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» وَالْخِدَاجُ هُوَ النَّاقِصُ كَمَا فَسَّرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ «غَيْرُ تَمَامٍ» وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خزيمة وابن حبان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها فيها بأم القرآن»
(١) العبارة الأخيرة هي من قول الحافظ ابن كثير لا من قول الطبري، فتنبّه.
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ وَوَجْهُ الْمُنَاظَرَةِ هَاهُنَا يَطُولُ ذِكْرُهُ وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى مَأْخَذِهِمْ فِي ذَلِكَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
ثُمَّ إِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ:
إِنَّمَا تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي مُعْظَمِ الرَّكَعَاتِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ: إِنَّمَا تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ أَخْذًا بِمُطْلَقِ الْحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا تَتَعَيَّنُ قِرَاءَتُهَا بَلْ لَوْ قَرَأَ بِغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ لِقَوْلِهِ تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا» وَفِي صِحَّةِ هَذَا نظر وموضع تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير والله أعلم.
والوجه الثَّالِثُ: هَلْ تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ [أَحَدُهَا] أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا كَمَا تَجِبُ عَلَى إِمَامِهِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ [وَالثَّانِي] لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها ولا فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَلَا السِّرِّيَّةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ «١» عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ «٢». وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ وَهَبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ] أَنَّهُ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي السِّرِّيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ، ولا يجب ذلك فِي الْجَهْرِيَّةِ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» وَقَدْ صَحَّحَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَيْضًا، فَدَلَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَرِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ هَاهُنَا بَيَانُ اخْتِصَاصِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ بِأَحْكَامٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا وَضَعْتَ جَنْبَكَ على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَدْ أَمِنْتَ مِنْ كُلِّ شيء إلا الموت».
(١) ج ٥ ص ١٠٠.
(٢) إسناد الإمام أحمد جاء على النحو التالي: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا حسن بن صالح عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم.
الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ الِاسْتِعَاذَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الْأَعْرَافِ: ١٩٩- ٢٠٠] وَقَالَ تَعَالَى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ. وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٦- ٩٧] وَقَالَ تَعَالَى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فُصِّلَتْ: ٣٤- ٣٦] فَهَذِهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ لَيْسَ لَهُنَّ رابعة في معناها وهو أن الله تعالى يَأْمُرُ بِمُصَانَعَةِ الْعَدُوِّ الْإِنْسِيِّ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ لِيَرُدَّهُ عَنْهُ طَبْعُهُ الطَّيِّبُ الْأَصْلِ إِلَى الْمُوَادَّةِ وَالْمُصَافَاةِ، وَيَأْمُرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنَ الْعَدُوِّ الشَّيْطَانِيِّ لَا مَحَالَةَ إِذْ لَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً وَلَا إِحْسَانًا وَلَا يَبْتَغِي غَيْرَ هَلَاكِ ابْنِ آدَمَ لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ آدَمَ مِنْ قَبْلُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
[الأعراف: ٢٧] وقال تَعَالَى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فَاطِرٍ: ٦] وَقَالَ: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الْكَهْفِ: ٥٠] وَقَدْ أَقْسَمَ للوالد آدم عليه السلام أنه له لَمِنَ النَّاصِحِينَ وَكَذَبَ فَكَيْفَ مُعَامَلَتُهُ لَنَا وَقَدْ قَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢- ٨٣] وَقَالَ تَعَالَى:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النَّحْلِ: ٩٨- ١٠٠].
قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ: نَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى ظَاهِرِ سِيَاقِ الْآيَةِ، وَلِدَفْعِ الْإِعْجَابِ بَعْدَ فَرَاغِ الْعِبَادَةِ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذلك حمزة فيما نقله عنه ابن قلوقا «١» وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، حَكَى ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبَارَةَ الْهُذَلِيُّ الْمَغْرِبِيُّ في كتابه «الْكَامِلِ» «٢» وَرُوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا وَهُوَ غريب. ونقله مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ الظَّاهِرِيِّ.
وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ عَنِ الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ الْقَارِئَ يَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَاسْتَغْرَبَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَحَكَى قَوْلًا ثَالِثًا وَهُوَ الِاسْتِعَاذَةُ أَوَّلًا وآخرا جمعا بين الدليلين، نقله الرازي. والمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الموسوس فيها وَمَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَهُمْ فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النَّحْلِ: ٩٨] أَيْ إِذَا أردت القراءة كقوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
(١) هو عبد الرحمن بن قلوقا، أو أقلوقا، الكوفي. من الرواة. انظر طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٣٧٦.
(٢) هو «الكامل في القراآت الخمسين» لأبي القاسم يوسف بن علي بن جبارة المتوفى سنة ٤٦٥ هـ (كشف الظنون ٢/ ١٣٨١).
[الْمَائِدَةِ: ٦] أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ «١» رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بن أنس حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَفْتَحَ صَلَاتَهُ وَكَبَّرَ قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ «٢»، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» وَيَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثَلَاثًا- ثُمَّ يَقُولُ- «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ رِوَايَةِ جعفر بن سليمان عن علي بن علي وهو الرفاعي، وقال الترمذي: هو أشهر شيء فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ فَسَّرَ الْهَمْزَ بِالْمَوْتَةِ وَهِيَ الْخَنْقُ، وَالنَّفْخَ بِالْكِبْرِ وَالنَّفْثَ بِالشِّعْرِ. كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَاصِمٍ العنزي عن نافع بن جبير بن المطعم عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ثَلَاثًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ثَلَاثًا، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ثَلَاثًا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» قال عمرو: همزه الْمَوْتَةُ وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ، وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهَمْزِهِ ونفخه ونفثه» قال: همزه الموتة ونفخه الكبر ونفثه الشعر. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، «وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» «٣». وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانِ الكوفي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: تَلَاحَى رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَمَزَّعَ «٤» أَنْفُ أَحَدِهِمَا غَضَبًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنِّي لأعلم شيئا لو قاله لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى الْمَرْوَزِيِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، بِهِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ زَائِدَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ في اليوم الليلة عَنْ بُنْدَارٍ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير
(١) المسند ج ٤ ص ١٠١.
(٢) الجدّ: المكانة والمنزلة.
(٣) مسند الإمام أحمد ج ٨ ص ٢٧٨.
(٤) تمزّع الشيء: تشقّف وتقطّع.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا غضبا شديدا حتى يخيل إِلَيَّ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَتَمَزَّعُ أَنْفُهُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لِأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ ما يجد من الغضب» فقال: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» قال: فجعل معاذ يأمره فأبى وَجَعَلَ يَزْدَادُ غَضَبًا وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُرْسَلٌ، يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَلْقَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ سَنَةِ عِشْرِينَ. قُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى سَمِعَهُ مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَبَلَّغَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ شَهِدَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ صرد رضي الله عنه: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ فَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنِّي لِأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» فَقَالُوا لِلرَّجُلِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا مَعَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا هَاهُنَا وَمَوْطِنُهَا كِتَابُ الْأَذْكَارِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَا نَزَلَ بِالْقُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَارَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ اسْتَعِذْ» قَالَ: «أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» ثُمَّ قَالَ: «قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَهِيَ أَوَّلُ سُورَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ. وَهَذَا الْأَثَرُ غَرِيبٌ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِيُعْرَفَ فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفًا وَانْقِطَاعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ]

وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ بِمُتَحَتِّمَةٍ يَأْثَمُ تَارِكُهَا وحكى الرازي عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وُجُوبَهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا كُلَّمَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا تَعَوَّذَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمْرِهِ فَقَدْ كَفَى فِي إِسْقَاطِ الْوُجُوبِ وَاحْتَجَّ الرازي لِعَطَاءٍ بِظَاهِرِ الْآيَةِ (فَاسْتَعِذْ) وَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَبِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهَا تَدْرَأُ شَرَّ الشَّيْطَانِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَلِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ أَحْوَطُ وَهُوَ أَحَدُ مَسَالِكِ الْوُجُوبِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
كَانَتْ وَاجِبَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ أُمَّتِهِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَعَوَّذُ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَيَتَعَوَّذُ لِقِيَامِ رمضان في أول ليلة منه.
(١) تفسير الطبري ١/ ٧٧. [.....]

[مَسْأَلَةٌ]

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْإِمْلَاءِ يَجْهَرُ بِالتَّعَوُّذِ وَإِنْ أَسَرَّ فَلَا يَضُرُّ، وَقَالَ فِي «الْأُمِّ» بِالتَّخْيِيرِ لِأَنَّهُ أَسَرَّ ابْنُ عُمَرَ وَجَهَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الرَّكْعَةِ الْأُولَى هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَرَجَّحَ عَدَمَ الِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِذَا قَالَ الْمُسْتَعِيذُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ كَفَى ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَزَادَ بَعْضُهُمْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ الله هو السميع العليم، قال الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ: أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لِمُطَابَقَةِ أَمْرِ الْآيَةِ وَلِحَدِيثِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ] ثُمَّ الِاسْتِعَاذَةُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا هِيَ لِلتِّلَاوَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: بَلْ لِلصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَوَّذُ الْمَأْمُومُ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ وَيَتَعَوَّذُ فِي الْعِيدِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَالْجُمْهُورُ بَعْدَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَمِنْ لَطَائِفِ الِاسْتِعَاذَةِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْفَمِ مِمَّا كَانَ يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له وهو لِتِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ وَهِيَ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَلِلْعَبْدِ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُبِينِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ وَلَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً وَلَا يُدَارَى بِالْإِحْسَانِ بِخِلَافِ الْعَدُوِّ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذلك آيات من الْقُرْآنِ فِي ثَلَاثٍ مِنَ الْمَثَانِي وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] وَقَدْ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ لِمُقَاتَلَةِ العدو البشري فمن قتله العدو الظاهر الْبَشَرِيُّ كَانَ شَهِيدًا، وَمِنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنِيُّ كان طريدا، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجورا، ومن قهره العدو الباطني كَانَ مَفْتُونًا أَوْ مَوْزُورًا، وَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ يَرَى الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ اسْتَعَاذَ مِنْهُ بِالَّذِي يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ الشَّيْطَانُ.

[فَصْلٌ]

والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى وَالِالْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ وَالْعِيَاذَةُ تَكُونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ وَاللِّيَاذُ يَكُونُ لِطَلَبِ جلب الخير كما قال المتنبي: [البسيط]
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُوَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّنْ أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُوَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جابره
وَمَعْنَى أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَيْ أَسْتَجِيرُ بِجَنَابِ اللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي أَوْ دُنْيَايَ أَوْ يَصُدَّنِي عَنْ فِعْلِ مَا أُمِرْتُ بِهِ، أَوْ يَحُثَّنِي عَلَى فِعْلِ مَا نُهِيتُ عَنْهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَكُفُّهُ عَنِ الْإِنْسَانِ إِلَّا اللَّهُ، وَلِهَذَا أمر تَعَالَى بِمُصَانَعَةِ شَيْطَانِ الْإِنْسِ وَمُدَارَاتِهِ بِإِسْدَاءِ الْجَمِيلِ إِلَيْهِ لِيَرُدَّهُ طَبْعُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَذَى وَأَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ رَشْوَةً وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ جَمِيلٌ لِأَنَّهُ شِرِّيرٌ بِالطَّبْعِ وَلَا يَكُفُّهُ عَنْكَ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَا أَعْلَمُ لَهُنَّ رَابِعَةً قَوْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الْأَعْرَافِ: ١٩٩] فَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَامَلَةِ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْبَشَرِ ثُمَّ قَالَ: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ
نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[الْأَعْرَافِ: ٢٠٠] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ:
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ. وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٦- ٩٨] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ:
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فُصِّلَتْ: ٣٤- ٣٦].
والشيطان فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَنَ إِذَا بَعُدَ، فَهُوَ بَعِيدٌ بِطَبْعِهِ عَنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ وَبَعِيدٌ بِفِسْقِهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنْ شَاطَ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْعَرَبِ قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي ذِكْرِ مَا أوتي سليمان عليه السلام: [الخفيف]
أَيُّمَا شَاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُثُمَّ يُلْقَى فِي السِّجْنِ وَالْأَغْلَالِ «١»
فَقَالَ أَيُّمَا شَاطِنٍ وَلَمْ يَقُلْ أَيُّمَا شَائِطٍ. وَقَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ وَهُوَ زِيَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ ضَبَابِ بْنِ يَرْبُوعَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ سَعْدِ بن ذبيان: [الوافر]
نأت بسعاد عنك نوى شطونفباتت والفؤاد به رَهِينُ «٢»
يَقُولُ: بَعُدَتْ بِهَا طَرِيقٌ بَعِيدَةٌ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْعَرَبُ تَقُولُ تَشَيْطَنَ فُلَانٌ إِذَا فَعَلَ فعل الشياطين ولو كان من شاط لقالوا تشيط فالشيطان مُشْتَقٌّ مِنَ الْبُعْدِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلِهَذَا يُسَمُّونَ كل من تَمَرَّدَ مِنْ جِنِّيٍّ وَإِنْسِيٍّ وَحَيَوَانٍ شَيْطَانًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الْأَنْعَامِ: ١١٢] وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا ذَرٍّ «تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شياطين الإنس والجن» فقلت أو للإنس شَيَاطِينُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ». وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ركب برذونا «٣» فجعل
(١) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص ٥١ وجمهرة اللغة ص ٩٤٧ وكتاب الجيم ٢/ ٢٩٢ وتاج العروس (عكا) والطبري ١/ ٧٦ ولسان العرب (شطن، عكا) وتهذيب اللغة ٣/ ٤٠ ومقاييس اللغة ٣/ ١٨٥، ويروى أيضا: «ثم يلقى في الغلّ والإكبال». وعكاه: شدّه في الحديد.
(٢) البيت للنابغة في ديوانه ص ٢١٨ ولسان العرب (شطن) ومقاييس اللغة ٣/ ١٨٤ والطبري ١/ ٧٦ ولزياد بن معاوية في تاج العروس (نبغ) وبلا نسبة في مجمل اللغة ٣/ ١٥٦.
(٣) البرذون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال. وهو عظيم الخلقة غليظ الأعضاء قوي الأرجل عظيم الحوافر.
يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَعَرَفَ أَنَّهُ الْوَدَاعُ فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَرَحَلَتْ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَذَكَرَ خُطْبَتَهُ الْمَشْهُورَةَ وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَارُ، حَدَّثَنَا الْأَسْفَاطِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ وَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي» فَبَكَتْ ثُمَّ ضَحِكَتْ وَقَالَتْ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَبَكَيْتُ ثُمَّ قَالَ: «اصْبِرِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لِحَاقًا بِي» فَضَحِكْتُ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ كَمَا سَيَأْتِي بِدُونِ ذِكْرِ فَاطِمَةَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة النصر (١١٠) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
قَالَ الْبُخَارِيُّ «١»
: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ:
لِمَ يُدْخِلْ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يوم فأدخلني معهم فما رأيت أَنَّهُ دَعَانِي فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَرَنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نَصَرَنَا وَفَتَحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: أَكَذَلِكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ:
مَا تَقُولُ؟ فَقُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ، قَالَ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ، تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مِهْرَانَ عَنِ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ مِثْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَوْ نَحْوَهَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢»
: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نعيت إلي نفسي» فإنه مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ: وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ إِنَّهَا أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نعي إليه.
(١) كتاب التفسير، تفسير سورة ١١٠، باب ١.
(٢) المسند ١/ ٢١٧.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١»
: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، حدثنا الحسن بْنُ عِيسَى الْحَنَفِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ إِذْ قَالَ:
«اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ! جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ! جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ- قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ؟
قَالَ- قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ، لَيِّنَةٌ طِبَاعُهُمْ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ»
ثُمَّ رواه عن الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ قَالَ: نُعِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسُهُ حِينَ نَزَلَتْ، قَالَ: فَأَخَذَ بِأَشَدِّ مَا كَانَ قَطُّ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ «جَاءَ الْفَتْحُ وَنَصْرُ اللَّهِ، وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ؟ قَالَ: «قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ، لينة طباعهم، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ».
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢»
: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، فَقِيلَ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ السُّورَةُ كُلُّهَا، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ نُعِيَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسُهُ «٣».
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عتبة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ جَمِيعًا إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٤»
أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى خَتَمَهَا فَقَالَ: «النَّاسُ حَيِّزٌ وَأَنَا وَأَصْحَابِي حَيِّزٌّ- وَقَالَ- لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: كَذَبْتَ، وَعِنْدَهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَاعِدَانِ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَوْ شَاءَ هَذَانِ لَحَدَّثَاكَ، وَلَكِنَّ هَذَا يَخَافُ أَنْ تَنْزِعَهُ عَنْ عِرَافَةِ قَوْمِهِ. وَهَذَا يَخْشَى أَنْ تَنْزِعَهُ عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدرة
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٧٢٩.
(٢) المسند ١/ ٣٤٤.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٥٦.
(٤) المسند ٣/ ٢٢، ٥/ ١٨٧.
لِيَضْرِبَهُ فَلَمَّا رَأَيَا ذَلِكَ قَالَا: صَدَقَ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ مَرْوَانُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ، فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: «لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَلَكِنْ إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» «١»
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
فَالَّذِي فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَنَا إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا الْمَدَائِنَ وَالْحُصُونَ أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَشْكُرَهُ وَنُسَبِّحَهُ، يَعْنِي نُصَلِّي له وَنَسْتَغْفِرَهُ.
مَعْنَى مَلِيحٌ صَحِيحٌ وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ صَلَاةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَقْتَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَقَالَ قَائِلُونَ: هِيَ صَلَاةُ الضُّحَى، وَأُجِيبُوا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا فَكَيْفَ صَلَّاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ كَانَ مُسَافِرًا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ، وَلِهَذَا أَقَامَ فِيهَا إِلَى آخِرِ شهر رمضان قريبا من تسع عَشَرَ يَوْمًا، يُقْصِرُ الصَّلَاةَ وَيُفْطِرُ هُوَ وَجَمِيعُ الْجَيْشِ، وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَإِنَّمَا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَتْحِ.
قَالُوا: فَيُسْتَحَبُّ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ إِذَا فَتَحَ بَلَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُهُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، وَهَكَذَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ فَتَحَ الْمَدَائِنَ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلِّيهَا كُلَّهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ كَمَا وَرَدَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم كان يُسَلِّمُ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ.
وَأَمَّا مَا فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُمَرُ رَضِيَ الله تعالى عَنْهُمَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نُعِيَ فِيهَا إلى رسول الله ﷺ روحه الْكَرِيمَةُ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا فَتَحْتَ مَكَّةَ وَهِيَ قَرْيَتُكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَقَدْ فَرَغَ شُغْلُنَا بِكَ فِي الدُّنْيَا فَتَهَيَّأْ لِلْقُدُومِ عَلَيْنَا وَالْوُفُودِ إِلَيْنَا، فَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، وَلِهَذَا قَالَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.
قَالَ النَّسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إِلَى آخِرِ السورة قال: نعيت لرسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسُهُ حِينَ أُنْزِلَتْ فَأَخَذَ فِي أَشَدِّ مَا كَانَ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ: «جَاءَ الْفَتْحُ وَجَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ؟ قَالَ: «قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ لَيِّنَةٌ قُلُوبُهُمُ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَالْفِقْهُ يَمَانٍ».
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ «سُبْحَانَكَ
(١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ١، ٢٧، ومسلم في الإمارة حديث ٨٥.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ «١»
وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢»
: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ في آخر أمره من قوله: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» وَقَالَ: «إِنَّ رَبِّي كَانَ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي وَأَمَرَنِي إِذَا رَأَيْتُهَا أَنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِرَهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، فَقَدْ رَأَيْتُهَا إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
وَرَوَاهُ مسلم «٣»

مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٤»
: حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ حَدَّثَنَا حَفْصٌ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فِي آخِرِ أَمْرِهِ لَا يَقُومُ وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَذْهَبُ وَلَا يَجِيءُ إِلَّا قَالَ:
«سُبْحَانَ الله وبحمده» فقلت: يا رسول الله رأيتك تُكْثِرُ مِنْ سُبْحَانِ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، لَا تَذْهَبُ وَلَا تَجِيءُ وَلَا تَقُومُ وَلَا تَقْعُدُ إِلَّا قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ قَالَ: «إِنِّي أُمِرْتُ بِهَا- فَقَالَ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، غَرِيبٌ، وَقَدْ كَتَبْنَا حَدِيثَ كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ فَيُكْتَبُ هَاهُنَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٥»

: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ كَانَ يُكْثِرُ إِذَا قَرَأَهَا وَرَكَعَ أَنْ يَقُولَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» ثَلَاثًا تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَتْحِ هَاهُنَا فَتْحُ مَكَّةَ قَوْلًا وَاحِدًا، فَإِنَّ أَحْيَاءَ الْعَرَبِ كَانَتْ تَتَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهَا فَتْحَ مَكَّةَ يَقُولُونَ إِنْ ظَهَرَ عَلَى قَوْمِهِ فَهُوَ نَبِيٌّ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَلَمْ تَمْضِ سَنَتَانِ حَتَّى اسْتَوْسَقَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ إِيمَانًا، وَلَمْ يَبْقَ فِي سَائِرِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ إِلَّا مُظْهِرٌ لِلْإِسْلَامِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ «٦»
فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْفَتْحُ بَادَرَ كُلُّ قوم
(١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١٠، باب ٢، ومسلم في الصلاة حديث ٢١٧، وأبو داود في الصلاة باب ١٤٨، والنسائي في التطبيق باب ٦٤، ٦٥، وابن ماجة في الإقامة باب ٢٠، وأحمد في المسند ٦/ ٤٣، ٤٩، ١٩٠.
(٢) المسند ٦/ ٣٥.
(٣) كتاب الصلاة حديث ٢٢٠.
(٤) تفسير الطبري ١٢/ ٧٣١. [.....]
(٥) المسند ١/ ٣٨٨.
(٦) كتاب المغازي باب ٥٣.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
فأمر رسوله أن يشكر ربه على ذلك، ويسبح بحمده ويستغفره، وأما الإشارة، فإن في ذلك إشارتين : إشارة لأن يستمر النصر لهذا الدين(١)، ويزداد عند حصول التسبيح بحمد الله واستغفاره من رسوله، فإن هذا من الشكر، والله يقول :﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وقد وجد ذلك في زمن الخلفاء الراشدين، وبعدهم في هذه الأمة لم يزل نصر الله مستمرًا، حتى وصل الإسلام إلى ما لم يصل إليه دين من الأديان، ودخل فيه، ما لم يدخل في غيره، حتى حدث من الأمة من مخالفة أمر الله ما حدث، فابتلاهم(٢) الله  بتفرق الكلمة، وتشتت الأمر، فحصل ما حصل.
[ ومع هذا ] فلهذه الأمة، وهذا الدين، من رحمة الله ولطفه، ما لا يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.
وأما الإشارة الثانية، فهي الإشارة إلى أن أجل رسول الله ﷺ قد قرب ودنا، ووجه ذلك أن عمره عمر فاضل، أقسم الله به.
وقد عهد أن الأمور الفاضلة تختم بالاستغفار، كالصلاة والحج، وغير ذلك.
فأمر الله لرسوله بالحمد والاستغفار في هذه الحال، إشارة إلى أن أجله قد انتهى، فليستعد ويتهيأ للقاء ربه، ويختم عمره بأفضل ما يجده صلوات الله وسلامه عليه.
فكان ﷺ يتأول القرآن، ويقول ذلك في صلاته، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : " سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي ".
١ - في ب: إشارة أن النصر يستمر للدين..
٢ - في ب: فابتلوا..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٣} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
في هذه السورة الكريمة، بشارة وأمر لرسوله عند حصولها، وإشارة وتنبيه على ما يترتب على ذلك.
فالبشارة هي البشارة بنصر الله لرسوله، وفتحه مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، بحيث يكون كثير منهم من أهله وأنصاره، بعد أن كانوا من أعدائه، وقد وقع هذا المبشر به، وأما الأمر بعد حصول النصر والفتح، فأمر رسوله أن يشكر ربه على ذلك، ويسبح بحمده ويستغفره، وأما الإشارة، فإن في ذلك إشارتين: إشارة لأن يستمر النصر لهذا الدين (١)، ويزداد عند حصول التسبيح بحمد الله واستغفاره من رسوله، فإن هذا من الشكر، والله يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ وقد وجد ذلك في زمن الخلفاء الراشدين وبعدهم في هذه الأمة لم يزل نصر الله مستمرًا، حتى وصل الإسلام إلى ما لم يصل إليه دين من الأديان، ودخل فيه ما لم يدخل في غيره، حتى حدث من الأمة من مخالفة أمر الله ما حدث، فابتلاهم الله (٢) بتفرق الكلمة، وتشتت الأمر، فحصل ما حصل.
[ومع هذا] فلهذه الأمة، وهذا الدين، من رحمة الله ولطفه، ما لا يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.
وأما الإشارة الثانية، فهي الإشارة إلى أن أجل رسول الله ﷺ قد قرب ودنا، ووجه ذلك أن عمره عمر فاضل أقسم الله به.
وقد عهد أن الأمور الفاضلة تختم بالاستغفار، كالصلاة والحج، وغير ذلك.
فأمر الله لرسوله بالحمد والاستغفار في هذه الحال، إشارة إلى أن أجله قد انتهى، فليستعد ويتهيأ للقاء ربه، ويختم عمره بأفضل ما يجده صلوات الله وسلامه عليه.
فكان ﷺ يتأول القرآن، ويقول ذلك في صلاته، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: " سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي ".
تفسير سورة تبت
[وهي] مكية
(١) في ب: إشارة أن النصر يستمر للدين.
(٢) في ب: فابتلوا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
نَزِّهُ رَبَّكَ تَنْزِيهًا مَصْحُوبًا بِحَمْدِهِ.
تَوَّابًا
يَرْجِعُ عَلَى المُسْتَغْفِرِ بِالرَّحْمَةِ، وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِمَّنْ تَابَ.

إعراب الآية ٣ من سورة النصر

من كتاب: إعراب القرآن

١١٠ شرح إعراب سورة إذا جاء نصر الله (النصر)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة النصر (١١٠) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)
إِذا ظرف زمان نصب بجاء نَصْرُ اللَّهِ رفع بجاء ويجمع على أنصار، والقياس أنصر وَالْفَتْحُ عطف عليه.

[سورة النصر (١١٠) : آية ٢]

وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢)
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ «يدخلون» في موضع نصب على الحال أو على خبر رأيت أَفْواجاً نصب على الحال جمع فوج، والقياس فوج أفوج استثقل الحركة في الواو فشبّهوا فعلا بفعل.

[سورة النصر (١١٠) : آية ٣]

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي اجعل تسبيحك بالحمد وَاسْتَغْفِرْهُ وكان يقول صلّى الله عليه وسلّم: «إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرّة» «١» إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً خبر كان، والجملة خبر إنّ وكانت في هذه السورة دلالة على نبوّته صلّى الله عليه وسلّم لأنها نزلت قبل الفتح، قال ابن عباس: فعرف أنه إذا كان الفتح فعددنا أجله صلّى الله عليه وسلّم. قال قتادة: نزلت سورة الفتح إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ بالمدينة.
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٣٩٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٥٢، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥/ ٧٥.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٣ من سورة النصر

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

[قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ....﴾ إلى آخر السورة]. [١-٣].
نزلتْ في مُنصَرَف النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من غزوة حُنَيْنٍ، وعاش بعد نزولها سنتين.
أخبرنا سعيد بن محمد المؤذِّنُ، أخبرنا أبو عُمَرَ بن أبي جعفر المقرىءُ، أخبرنا الحسن بن سُفيانَ، حدَّثنا عبد العزيز بن سَلاَّم، حدَّثنا إسحاق بن عبد الله بن كَيْسَانَ، قال: حدَّثنا أبي عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عباس، قال:
لما أقبلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حُنَيْنٍ، وأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ - قال: يا عليُّ بن أبي طالب ويا فاطمةُ! قد جاء نصرُ الله والفتح، ورأيتُ الناسَ يدخلون في دين الله أفْوَاجاً، فسُبحانَ ربيِّ وبحمدِهِ، وأستغفرُه إنه كان تواباً!.

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالسورة

١٨ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة؛ قال محمد ﷺ: «يا جبريل، نفسي قد نُعِيَتْ». قال جبريل: الآخرة خير لك من الأولى١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٣‏/‏٥٨-٦٤ (٢٦٧٦)، وأبو نعيم في الحلية ٤‏/‏٧٣-٧٩ كلاهما مطولًا جدًّا. قال ابن الجوزي في الموضوعات ١‏/‏٣٠١: «هذا حديث موضوع محال، كافأ الله مَن وضعه، وقبَّح مَن يشين الشريعة بمثل هذا التخليط البارد، والكلام الذي لا يليق بالرسول ﷺ، ولا بالصحابة، والمتهم به عبد المنعم بن إدريس. قال أحمد بن حنبل: كان يكذب على وهب. وقال يحيى: كذّاب خبيث. وقال ابن المديني وأبو داود: ليس بثقة. وقال ابن حبّان: لا يحلّ الاحتجاج به. وقال الدارقطني: هو وأبوه متروكان». وقال الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات ص٨٩ (٢٠٣): «وهذا من موضوعات الحلية». وقال الهيثمي في المجمع ٩‏/‏٢٦-٣١ (١٤٢٥٣): «رواه الطبراني، وفيه عبد المنعم بن إدريس، وهو كذّاب وضّاع». وأورده السيوطي في اللآلئ المصنوعة ١‏/‏٢٥٤. وابن عرّاق الكناني في تنزيه الشريعة ١‏/‏٣٢٧. وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة ص٣٢٤ (١٤): «موضوع، آفته مِن عبد المنعم بن إدريس بن سنان».
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ قال رسول الله ﷺ: «نُعِيتْ إلَيّ نفسي» بأنه مقبوض في تلك السنة١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣‏/‏٣٦٦ (١٨٧٣)، وابن جرير ٢٤‏/‏٧٠٩، والثعلبي ١٠‏/‏٣٢٠. قال ابن كثير في البداية والنهاية ٦‏/‏٦٢٤: «تفرد به الإمام أحمد، وفي إسناده عطاء بن أبي مسلم الخُراسانيّ، وفيه ضعف، تكلّم فيه غير واحد من الأئمة، وفي لفظه نكارة شديدة، وهو قوله بأنه مقبوض في تلك السنة، وهذا باطل، فإنّ الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها، كما تقدم بيانه، وهذا ما لا خلاف فيه، وقد تُوفّي رسول الله ﷺ في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، بلا خلاف أيضًا». وقال الهيثمي في المجمع ٩‏/‏٢٢ (١٤٢٤٠): «رواه أحمد، وفيه عطاء بن السّائِب، وقد اختلط».
٣
عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ قال رسول الله ﷺ: «نُعِيتْ إليّ نفسي، وقُرِّب إليّ أجلي»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ١‏/‏٤٥٨ ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ: «نُعِيتْ إليّ نفسي، قرب لي أجلي». فلما نزلت: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ قال رسول الله ﷺ: «يمنّ عليّ ربي، وأهل المنّ ربي». يرويه عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه. وعبد الوهاب هذا قال فيه سفيان الثوري: هذا كذّاب. وقال وكيع: كانوا يقولون: إنّ عبد الوهاب بن مجاهد لم يسمع من أبيه. وقال أحمد: لم يسمع من أبيه، ليس بشيء، ضعيف الحديث. وقال يحيى بن معين: ضعيف. ينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٦‏/‏٧٠.
٤
عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة، فقال: «إنه قد نُعِيتْ إليّ نفسي»١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارمي ١‏/‏٥١ (٧٩)، وابن مردويه -كما في تخريج الكشاف ٤‏/‏٣٢٢-. قال الهيثمي في المجمع ٩‏/‏٢٣ (١٤٢٤٢): «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خبّاب، وهو ثقة، وفيه ضعف».
٥
عن أُمّ حبيبة، قالت: لما نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لم يبعث نبيًّا إلا عُمِّر في أُمّته شطر ما عُمِّر النَّبِيُّ الماضي قبله، وإنّ عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل، وهذه لي عشرون سنة، وأنا ميّتٌ في هذه السنة». فبكَتْ فاطمة، فقال النبيُّ ﷺ: «أنتِ أول أهل بيتي لحوقًا بي». فتبسّمتْ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.
٦
عن أبي بكر الصِّدِّيق -من طريق سهل بن سعد-: أنّ سورة ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ حين أُنزِلَتْ على رسول الله ﷺ علم أنّ نفسه نُعِيتْ إليه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن النجار. وأخرج نحوه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢‏/‏٦١-٦٢ من طريق ابن إسحاق في قصة طويلة.
٧
عن علي بن أبي طالب، قال: نعى الله لنبيّه ﷺ نفسَه حين أنزل عليه: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾، فكان الفتْح سنة ثمان بعدما هاجر رسول الله ﷺ، فلما طُعن في سنة تسع مِن مُهاجَره تتابع عليه القبائل تسعى، فلم يدرِ متى الأجل ليلًا أو نهارًا، فعمل على قدْر ذلك، فوسّع السنن، وشدّد الفرائض، وأظهر الرّخص، ونسخ كثيرًا من الأحاديث، وغزا تبوك، وفعل فعل مُودّع١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الخطيب، وابن عساكر.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رزين- قال: لَمّا نزلت على النبيِّ ﷺ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ علم أنه قد نُعِيتْ إليه نفسه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٧٠٩. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لما نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ نُعِيتْ لرسول الله ﷺ نفسه حين أُنزِلَتْ، فأخذ في أشدّ ما يكون اجتهادًا في أمر الآخرة١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي في الكبرى (١١٧١٢)، والطبراني (١١٩٠٣). وعزاه السيوطي إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
١٠
عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ جاء العباس إلى علي، فقال: انطلِق بنا إلى رسول الله ﷺ، فإن كان هذا الأمر لنا مِن بعده لم تُشاحِنّا فيه قريش، وإن كان لغيرنا سألناه الوصاة لنا. قال: لا. قال العباس: فجئتُ رسول الله ﷺ سِرًّا، فذكرتُ ذلك له، فقال: «إنّ الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحْيه، وهو مستوصٍ، فاسمعوا له وأطيعوا تهتدوا وتُفْلِحوا، واقتدوا به تَرشُدُوا». قال ابن عباس: فما وافق أبا بكر على رأيه، ولا وازره على أمْره، ولا أعانه على شأنه إذ خالفه أصحابه في ارتداد العرب إلا العباس. قال: فواللهِ، ما عدل رأيهما وحزمهما رأي أهل الأرض أجمعين١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في فضائل الخلفاء الراشدين ص١٤٦ (١٨٠)، والخطيب في تالي تلخيص المتشابه ٢‏/‏٣٩٩-٤٠٠ (٢٤١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٠‏/‏٢٢٤-٢٢٥. قال ابن الجوزي في الموضوعات ١‏/‏٣١٥-٣١٦: «هذا حديث لا يصحّ؛ ومدار الطريقين على عمر بن إبراهيم، وهو الكردي، قال الدارقطني: كان كذّابًا يضع الحديث».
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾، قال: ذُكر لنا: أنّ ابن عباس قال: هذه السورة عَلَمٌ وحَدٌّ حدّه الله لنبيّه، ونعى له نفسه، أي: إنك لن تعيش بعدها إلا قليلًا. قال قتادة: والله ما عاش بعد ذلك إلا قليلًا؛ سنتين ثم تُوفي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٧١٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ورَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾، قال: اعلم أنك ستموت عند ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٧٥٨ بنحوه، وأخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٧١٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٣
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾، قال: كانت هذه السورة آية لموت النبيِّ ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٧١٢-٧١٣.
١٤
عن الحسن البصري -من طريق معمر، عن يحيى بن المختار- قال: كان إذا قرأ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ قال: أجيب رسول الله ﷺ، وقورب له، فقارب من الله تعالى ما قورب له، فالحمد لله الذي أقَرَّ عينه، وأسرع به إلى كرامته، وحيث وعد بحظه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المبارك في الزهد ١‏/‏٣٠٣، وعبد الرزاق ٢‏/‏٤٠٤ من طريق معمر.
١٥
عن الحسن البصري -من طريق عوف- قال: لَمّا أُنْزِل على النبي ﷺ: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾ قال: قرب لرسول الله ﷺ أجلُه، وأُمر بكثرة التسبيح والاستغفار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢‏/‏١٧٢.
١٦
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ فعند ذلك نُعِيتْ إليه نفسه١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٥‏/‏١٧٠-.
١٧
قال مقاتل بن سليمان: كانت هذه السورةُ آيةَ موتِ النبيِّ ﷺ، فقرأها على أبي بكر وعمر، ففرحا، وسمعها عبدُ الله بن عباس فبكى، فقال له النبي ﷺ: «صدقتَ». فعاش النبيُّ ﷺ بعدها ثمانين يومًا. ومسح رسول الله ﷺ بيده على رأس ابن عباس، وقال: «اللهم فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل»١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٩٠٥.
١٨
قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قرأها رسول الله ﷺ على أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص، ففرحوا واستبشَروا، وسمعها العباس فبكى، فقال له النبي ﷺ: «ما يبكيك، يا عمّ؟». قال: نُعِيتْ إليك نفسك. فقال: «إنه لَكما تقول». فعاش بعدها سنتين ما رُئي فيهما ضاحكًا مُستبشِرًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٣٢١.

تفسير

٩ أقوال
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي عبيدة- قال: لما نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ كان النبيُّ ﷺ يُكثِر أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، اغفر لي، إنك أنت التواب الرحيم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٦‏/‏٢٠٧ (٣٦٨٣)، ٦‏/‏٢٩١ (٣٧٤٥)، ٧‏/‏٢٠٦ (٤١٤٠)، ٧‏/‏٣٦٦ (٤٣٥٢)، ٧‏/‏٣٦٩ (٤٣٥٦)، وابن جرير ٢٤‏/‏٧١٢، جميعهم من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود. قال الهيثمي في المجمع ٢‏/‏١٢٧ (٢٧٧٢): «رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط، وفي إسناد الثلاثة أبو عبيدة عن أبيه، ولم يسمع منه، ورجال الطبراني رجال الصحيح، خلا حمادًا، وهو ثقة، ولكنه اختلط». وقال القاري في مرقاة المفاتيح ٢‏/‏٧٠٩: «صحّ عن ابن مسعود». وقال الألباني في الصحيحة ٥‏/‏١٢٠: «رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أبي عبيدة، وهو ثقة، لكنه لم يسمع من أبيه على الراجح كما قال الحافظ. وقد صرح أبو إسحاق بسماعه من أبي عبيدة، في رواية شعبة عنه به».
٢
عن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ يُكثِر أن يقول: «سبحانك ربنا وبحمدك». فلما نزلت ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ قال: «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، إنك أنت التواب الرحيم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٦‏/‏٢٦٢ (٣٧١٩)، ٧‏/‏٧-٨ (٣٨٩١)، والحاكم ١‏/‏٦٨١ (١٨٤٩)، ٢‏/‏٥٨٧ (٣٩٨٣). قال الحاكم في الموضع الأول: «هذا إسناد صحيح إن كان أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه، ولم يخرجاه». وقال في الموضع الأول: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص.
٣
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يُكثِر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي». يتأول القرآن، يعني: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ١‏/‏١٥٨ (٧٩٤)، ١‏/‏١٦٣ (٨١٧)، ٥‏/‏١٤٩ (٤٢٩٣)، ٦‏/‏١٧٨-١٧٩ (٤٩٦٨)، ومسلم ١‏/‏٣٥٠ (٤٨٤)، وابن جرير ٢٤‏/‏٧٠٩-٧١٠.
٤
عن عائشة، قالت: ما سمعتُ رسول الله ﷺ منذ أُنزِلَتْ عليه هذه السورة ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ إلا يقول مثلها: «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏١٧٨ (٤٩٦٧)، ومسلم ١‏/‏٣٥١ (٤٨٤) كلاهما بنحوه، وابن جرير ٢٤‏/‏٧١٠، والثعلبي ١٠‏/‏١٧٨.
٥
عن أُمّ سَلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ في آخر أمْره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء، إلا قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك». فقلت له، قال: «إنِّي أُمِرْتُ بها». وقرأ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٥‏/‏٨٢ (٤٧٣٤)، وفي الصغير ٢‏/‏٥ (٦٧٧)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢‏/‏٧٥، وابن جرير ٢٤‏/‏٧١١ واللفظ له، والثعلبي ١٠‏/‏٣٢١. قال ابن كثير في تفسيره ٨‏/‏٥١٣ عن رواية ابن جرير: «غريب». وقال الهيثمي في المجمع ٩‏/‏٢٣ (١٤٢٤٣): «رواه الطبراني في الصغير، ورجاله رجال الصحيح». وقال أيضًا ١٠‏/‏١٤٢ (١٧١٦٨): «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح». وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏٤٤٧: «سند صحيح».
٦
عن أبي العالية الرِّياحيّ -من طريق زياد بن الحصين- قال: لما نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾، ونُعيتْ إلى النبي ﷺ نفسه؛ كان لا يقوم من مجلس يجلس فيه حتى يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنتَ، أستغفرك وأتوب إليك»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٧١١.
٧
عن عمرو -من طريق الحكم بن بشير- قال: لما نزلت: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ كان النبي ﷺ مِمّا يُكثِر أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، ربّ اغفر لي، وتُب عَلَيَّ، إنك أنت التواب الرحيم»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٧١٢.
٨
قال الحسن البصري: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ أُعلِم أنه قد اقترب أجَله، فأُمِر بالتسبيح والتوبة، ليختم له بالزيادة في العمل الصالح١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٨‏/‏٥٧٧.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يقول: فأكثِر ذِكْر ربّك، ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾ من الذُّنوب، ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ للمُستغفِرين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٩٠٥.
التفسير بالمأثور لسورة النصر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣ من سورة النصر

٢٢ وقفةً في هذه الآية

  • فتح مكة أعظم فتح اقترن ذكره في القرآن بالتسبيح والاستغفار { إذا جاء نصر الله والفتح...}{فسبح بحمد ربك واستغفره} وهذا المشروع عند كل نصر وفتح

    — محمد الربيعة

  • إذا جاءتك الهبات من الله ( نصر الله والفتح ) فقابلها بالطاعة والعمل الصالح ( فسبح بحمد ربك واستغفره ...)

    — محمد السريع

  • "إذا جاء (نصر الله والفتح)......... فسبح بحمد ربك (واستغفره) ..." جميل حين نستغفر عند الآمن لكن ماذا عندما يغمرنا الفرح؟

    — عبدالله بلقاسم

  • نعيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه فأمر أن يختم عمره بالتسبيح والاستغفار ، فاختم يومك ومراحل حياتك بالاستغفار والعمل الصالح.

    — محمد السريع

  • ﴿ فسبّح بحمد ربك واستغفره إنه كان توَّابًا ﴾ سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

    — روائع القرآن

  • ( فسبح بحمد ربك واستغفره) قال ابن تيمية رحمه الله:"من اعتاد التسبيح قبل نومه أعطي نشاطا وقوة في قضاء حاجاته وقوة في عبادته".

    — فوائد القرآن

  • كم بين قوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، وقوله: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)؟ إنها سنوات قليلةٌ لا تساوي شيئًا في أعمار الأجيال.

    — بدون مصدر

  • عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبحانك اللهم ربَّنا وبحمدِكَ، اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن، والمعنى: أنه يفعل ما أمره القرآن به، وهذا من التدبر العملي.

    — الإمام البخاري

  • "فسبح بحمد ربك واستغفره" قال ابن تيمية رحمه الله:"من اعتاد التسبيح قبل نومه أعطي نشاطا وقوة في قضاء حاجاته وقوة في عبادته".

    — فوائد القرآن

  • تأملات في جزء عم تدبر سورة النصر - آية3

    — مشعل الفلاحي

  • تأملات في جزء عم تدبر سورة النصر - آية 3.

    — مشعل الفلاحي

  • تأملات في جزء عم تدبر سورة النصر - آية 3

    — مشعل الفلاحي

و١٠ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٣ من سورة النصر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(3) Then exalt [Him] with praise of your Lord and ask forgiveness of Him. Indeed, He is ever Accepting of Repentance.[2006]
[2006]- Refer to footnote of 2:37
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال