مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار، ولهذا الترتيب فوائد :
الفائدة الأولى : اعلم أن تأخير النصر سنين مع أن محمدا كان على الحق مما يثقل على القلب ويقع في القلب أني إذا كنت على الحق فلم لا تنصرني ولم سلطت هؤلاء الكفرة علي فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر أمر بالتسبيح، أما على قولنا : فالمراد من هذا التنزيه أنك منزه عن أن يستحق أحد عليك شيئا بل كل ما تفعله فإنما تفعله بحكم المشيئة الإلهية فلك أن تفعل ما تشاء كما تشاء ففائدة التسبيح تنزيه الله عن أن يستحق عليه أحد شيئا، وأما على قول المعتزلة : ما فائدة التنزيه هو أن يعلم العبد أن ذلك التأخير كان بسبب الحكمة والمصلحة لا بسبب البخل وترجيح الباطل على الحق، ثم إذا فرغ العبد عن تنزيه الله عما لا ينبغي فحينئذ يشتغل بحمده على ما أعطى من الإحسان والبر، ثم حينئذ يشتغل بالاستغفار لذنوب نفسه ( الوجه الثاني ) : أن للسائرين طريقين فمنهم من قال : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله بعده، ومنهم من قال : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله، ولا شك أن هذا الطريق أكمل، أما بحسب المعالم الحكمية، فلأن النزول من المؤثر إلى الأثر أجل مرتبة من الصعود من الأثر إلى المؤثر، وأما بحسب أفكار أرباب الرياضات فلأن ينبوع النور هو واجب الوجود وينبوع الظلمة ممكن الوجود، فالاستغراق في الأول يكون أشرف لا محالة، ولأن الاستدلال بالأصل على التبع يكون أقوى من الاستدلال بالتبع على الأصل، وإذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على هذه الطريقة التي هي أشرف الطريقين وذلك لأنه قدم الاشتغال بالخالق على الاشتغال بالنفس فذكر أولا من الخالق أمرين ( أحدهما ) : التسبيح ( والثاني ) : التحميد، ثم ذكروا في المرتبة الثالثة الاستغفار وهو حالة ممزوجة من الالتفات إلى الخالق وإلى الخلق.
واعلم أن صفات الحق محصورة في السلب والإيجاب والنفي والإثبات، والسلوب مقدمة على الإيجابات فالتسبيح إشارة إلى التعرض للصفات السلبية التي لواجب الوجود وهي صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى الصفات الثبوتية له، وهي صفات الإكرام، ولذلك فإن القرآن يدل على تقدم الجلال على الإكرام، ولما أشار إلى هذين النوعين من الاستغفار بمعرفة واجب الوجود نزل منه إلى الاستغفار لأن الاستغفار فيه رؤية قصور النفس، وفيه رؤية جود الحق، وفيه طلب لما هو الأصلح والأكمل للنفس، ومن المعلوم أن بقدر اشتغال العبد بمطالعة غير الله يبقى محروما عن مطالعة حضرة جلال الله، فلهذه الدقيقة أخر ذكر الاستغفار عن التسبيح والتحميد ( الوجه الثالث ) : أنه إرشاد للبشر إلى التشبه بالملكية، وذلك لأن أعلى كل نوع أسفل متصل بأسفل النوع الأعلى ولهذا قيل : آخر مراتب الإنسانية أول مراتب الملكية ثم الملائكة ذكروا في أنفسهم ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ فقوله ههنا :﴿فسبح بحمد ربك﴾ إشارة إلى التشبه بالملائكة في قولهم :﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ وقوله ههنا :﴿واستغفره﴾ إشارة إلى قوله تعالى :﴿ونقدس لك﴾ لأنهم فسروا قوله :﴿ونقدس لك﴾ أي نجعل أنفسنا مقدسة لأجل رضاك والاستغفار يرجع معناه أيضا إلى تقديس النفس، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ادعوا لأنفسهم أنهم سبحوا بحمدي ورأوا ذلك من أنفسهم، وأما أنت فسبح بحمدي واستغفر من أن ترى تلك الطاعة من نفسك بل يجب أن تراها من توفيقي وإحساني، ويحتمل أن يقال : الملائكة كما قالوا : في حق أنفسهم :﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ قال الله في حقهم :﴿ويستغفروا للذين آمنوا﴾ فأنت يا محمد استغفر للذين جاؤوا أفواجا كالملائكة يستغفرون للذين آمنوا ويقولون :﴿ربنا فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾ ( الوجه الرابع ) : التسبيح هو التطهير، فيحتمل أن يكون المراد طهر الكعبة من الأصنام وكسرها ثم قال :﴿بحمد ربك﴾ أن ينبغي أن يكون إقدامك على ذلك التطهير بواسطة الاستغفار بحمد ربك، وإعانته وتقويته، ثم إذا فعلت ذلك فلا ينبغي أن ترى نفسك آتيا بالطاعة اللائقة به، بل يجب أن ترى نفسك في هذه الحالة مقصرة، فاطلب الاستغفار عن تقصيرك في طاعته ( والوجه الخامس ) : كأنه تعالى يقول يا محمد إما أن تكون معصوما أو لم تكن معصوما فإن كنت معصوما فاشتغل بالتسبيح والتحميد، وإن لم تكن معصوما فاشتغل بالاستغفار فتكون الآية كالتنبيه على أنه لا فراغ عن التكليف في العبودية كما قال :﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾.
المسألة الثانية : في المراد من التسبيح وجهان ( الأول ) : أنه ذكر الله بالتنزه سئل رسول الله ﷺ عنه فقال تنزيه الله عن كل سوء وأصله من سبح فإن السابح يسبح في الماء كالطير في الهواء ويضبط نفسه من أن يرسب فيه فيهلك أو يتلوث من مقر الماء ومجراه والتشديد للتبعيد لأنك تسبحه أي تبعده عما لا يجوز عليه، وإنما حسن استعماله في تنزيه الله عما لا يجوز عليه من صفات الذات والفعل نفيا وإثباتا لأن السمكة كما أنها لا تقبل النجاسة فكذا الحق سبحانه لا يقبل ما لا ينبغي البتة فاللفظ يفيد التنزيه في الذات والصفات والأفعال ( والقول الثاني ) : أن المراد بالتسبيح الصلاة لأن هذا اللفظ وارد في القرآن بمعنى الصلاة قال تعالى :﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ وقال :﴿فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس﴾ والذي يؤكده أن هذه السورة من آخر ما نزل، وكان عليه السلام في آخر مرضه يقول :«الصلاة وما ملكت أيمانكم » جعل يلجلجها في صدره وما يقبض بها لسانه، ثم قال بعضهم : عنى به صلاة الشكر صلاها يوم الفتح ثمان ركعات وقال آخرون : هي صلاة الضحى، وقال آخرون : صلى ثمان ركعات أربعة للشكر وأربعة الضحى وتسمية الصلاة بالتسبيح لما أنها لا تنفك عنه ( وفيه تنبيه ) : على أنه يجب تنزيه صلاتك عن أنواع النقائص في الأقوال والأفعال، واحتج أصحاب القول الأول بالأخبار الكثيرة الواردة في ذلك، روت عائشة كان رسول الله ﷺ بعد نزول هذه السورة يكثر أن يقول :" سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك "، وقالت أيضا : كان الرسول يقول كثيرا في ركوعه " سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي " وعنها أيضا كان نبي الله في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال " سبحان الله وبحمده فقلت يا رسول الله إنك تكثر من قوله سبحان الله وبحمده قال : إني أمرت بها "، وقرأ :﴿إذا جاء نصر الله﴾ وعن ابن مسعود :«لما نزلت هذه السورة كان عليه السلام يكثر أن يقول :" سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الغفور " وروي أنه قال :" إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة ".
المسألة الثالثة : الآية تدل على فضل التسبيح والتحميد حيث جعل كافيا في أداء ما وجب عليه من شكر نعمة النصر والفتح، ولم لا يكون كذلك وقوله :" الصوم لي " من أعظم الفضائل للصوم فإنه أضافه إلى ذاته، ثم إنه جعل صدف الصلاة مساويا للصوم في هذا التشريف :﴿وأن المساجد لله﴾ فهذا يدل على أن الصلاة أفضل من الصوم بكثير، ثم إن الصلاة صدف للأذكار ولذلك قال :﴿ولذكر الله أكبر﴾ وكيف لا يكون كذلك، والثناء عليه مما مدحه معلوم عقلا وشرعا أما كيفية الصلاة فلا سبيل إليها إلا بالشرع ولذلك جعلت الصلاة كالمرصعة من التسبيح والتكبير. فإن قيل : عدم وجوب التسبيحات يقتضي أنها أقل درجة من سائر أعمال الصلاة. قلنا الجواب عنه من وجوه :( أحدها ) أن سائر أفعال الصلاة مما لا يميل القلب إليه فاحتيج فيها إلى الإيجاب أما التسبيح والتهليل فالعقل داع إليه والروح عاشق عليه فاكتفى بالحب الطبيعي ولذلك قال :﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، ( وثانيها ) : أن قوله :﴿فسبح﴾ أمر والأمر المطلق للوجوب عند الفقهاء، ومن قال : الأمر المطلق للندب قال : إنه ههنا للوجوب بقرينة أنه عطف عليه الاستغفار والاستغفار واجب ومن حق العطف التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه ( وثالثها ) : أنها لو وجبت لكان العقاب الحاصل بتركها أعظم إظهارا لمزيد تعظيمها فترك الإيجاب خوفا من هذا المحذور.
المسألة الرابعة : أما الحمد فقد تقدم تفسيره، وأما تفسير قوله :﴿فسبح بحمد ربك﴾ فذكروا فيه وجوها :( أحدها ) قال صاحب " الكشاف " أي قل :( سبحان الله والحمد لله ) متعجبا مما أراك من عجيب أنعامه أي اجمع بينهما تقول : شربت الماء باللبن إذا جمعت بينهما خلطا وشربا ( وثانيها ) : أنك إذا حمدت الله فقد سبحته لأن التسبيح داخل في الحمد لأن الثناء عليه والشكر له لابد وأن يتضمن تنزيهه عن النقائص لأنه لا يكون مستحقا للثناء إلا إذا كان منزها عن النقص ولذلك جعل مفتاح القرآن بالحمد لله وعند فتح مكة قال : الحمد لله الذي نصر عبده، ولم يفتتح كلامه بالتسبيح فقوله :﴿فسبح بحمد ربك﴾ معناه سبحه بواسطة أن تحمده أي سبحه بهذا الطريق ( وثالثها ) أن يكون حالا، ومعناه سبح حامدا كقولك : اخرج بسلاحك أي متسلحا ( ورابعها ) : يجوز أن يكون معناه سبح مقدرا أن تحمد بعد التسبيح كأنه يقول : لا يتأتى لك الجمع لفظا فاجمعهما نية كما أنك يوم النحر تنوي الصلاة مقدرا أن تنحر بعدها، فيجتمع لك الثوابان في تلك الساعة كذا ههنا ( وخامسها ) : أن تكون هذه الباء هي التي في قولك : فعلت هذا بفضل الله، أي سبحه بحمد الله وإرشاده وإنعامه، لا بحمد غيره، ونظيره في حديث الإفك قول عائشة :«بحمد الله لا بحمدك » والمعنى : فسبحه بحمده، فإنه الذي هداك دون غيره، ولذلك روي أنه عليه السلام كان يقول :«الحمد لله على الحمد لله » ( وسادسها ) : روى السدي بحمد ربك، أي بأمر ربك ( وسابعها ) : أن تكون الباء صلة زائدة، ويكون التقدير : سبح حمد ربك، ثم فيه احتمالات ( أحدها ) : اختر له أطهر المحامد وأزكاها ( والثاني ) : طهر محامد ربك عن الرياء والسمعة، والتوسل بذكرها إلى الأغراض الدنيوية الفاسدة ( والثالث ) : طهر محامد ربك عن أن تقول : جئت بها كما يليق به. وإليه الإشارة بقوله :﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ ( وثامنها ) : أي ائت بالتسبيح بدلا عن الحمد الواجب عليك، وذلك لأن الحمد إنما يجب في مقابلة النعم، ونعم الله علينا غير متناهية، فحمدها لا يكون في وسع البشر، ولذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ فكأنه تعالى يقول : أنت عاجز عن الحمد، فأت بالتسبيح والتنزيه بدلا عن الحمد ( وتاسعها ) : فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد أمران لا يجوز تأخير أحدهما عن الثاني، ولا يتصور أيضا أن يؤتى بهما معا، فنظيره من ثبت له حق الشفعة وحق الرد بالعيب، وجب أن يقول : اخترت الشفعة بردي ذلك المبيع، كذا قال :﴿فسبح بحمد ربك﴾ ليقعا معا، فيصير حامدا مسبحا في وقت واحد معا ( وعاشرها ) : أن يكون المراد سبح قلبك، أي طهر قلبك بواسطة مطالعة حمد ربك، فإنك إذا رأيت أن الكل من الله، فقد طهرت قلبك عن الالتفات إلى نفسك وجهدك، فقوله :﴿فسبح﴾ إشارة إلى نفي ما سوى الله تعالى، وقوله :﴿بحمد ربك﴾ إشارة إلى رؤية كل الأشياء من الله تعالى.
المسألة الخامسة : في قوله ﴿واستغفره﴾ وجوه ( أحدها ) لعله عليه السلام كان يتمنى أن ينتقم ممن آذاه، ويسأل الله أن ينصره، فلما سمع :﴿إذا جاء نصر الله﴾ استبشر، لكن لو قرن بهذه البشا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى