انتقد ابنُ كثير (١٣‏/‏٣١) ما جاء في هذا الأثر مِن أنّ استماع الجن كان عند منصرف النبي ﷺ مِن الطائف مستندًا إلى دلالة التاريخ، فقال: «لأنّ الجنَّ كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دلّ عليه حديثُ ابن عباس المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي، وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمِّه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏١١٤) قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقول ابن مسعود وما في معناه، وقول أبي هريرة رضي الله عنهما وما في معناه، ثم انتقدها -مستندًا إلى دلالة السنة- قائلًا: «وقيل غير هذا مما هو تكلُّف في الآية؛ لأنّ الله تعالى أبهم ذلك، وهم يريدون شرحه، وقد قال رسول الله ﷺ: «فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟»»

اختُلف في معنى: «الهباء» في هذه الآية على أقوال: الأول: أنه ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يُرى إلا في الشمس إذا دخلت من كَوة. الثاني: أنه ما يتطاير من يبس النبات. الثالث: ما يتطاير من حوافر الخيل والدواب. الرابع: ما يتطاير من شرر النار، فإذا طفئ لم يوجد شيء. ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏١٩٠) القول الأول، فقال: «والقول الأول في الهباء أحسن الأقوال». ولم يذكر مستندًا

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٣٨) اختلافًا في عود الضمير في قوله: ﴿إنها تذكرة﴾ الأول: إنّ هذه السورة. الثاني: إنّ هذه المعتبة تذكرة لك، يا محمد. الثالث: آيات القرآن. كما في قول مقاتل. ثم علّق على القول الثاني: «ففي هذا التأويل إجلال لمحمد ﷺ، وتأنيس له». وذكر أنّ تعلق قوله تعالى: ﴿في صحف﴾ بقوله: ﴿تذكرة﴾ يؤيد أنّ التذكرة يراد بها جميع القرآن

سورة التوبة — الآية ٣٦

عن أبي حُرَّةَ الرَّقاشِيِّ، عن عمِّه -وكانت له صُحبةٌ- قال: كُنتُ آخِذًا بزِمامِ ناقةِ رسول الله ﷺ في أوسطِ أيّام التشريق، أذودُ الناسَ عنه، فقال: «يا أيُّها الناسُ، هل تدرون في أيِّ شهرٍ أنتم؟ وفي أيِّ يومٍ أنتم؟ وفي أيِّ بلدٍ أنتم؟». قالوا: في يومٍ حَرام، وشهرٍ حَرام، وبلدٍ حَرام. قال: «فإنّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا، إلى يومِ تَلْقَونَه». ثم قال: «اسْمَعُوا مِنِّي تعيشُوا، ألا لا تَظالموا، ألا لا تَظالموا، إنّه لا يحِلُّ مالُ امرئٍ إلا بطيبِ نفسٍ منه، ألا إنّ كلَّ دمٍ ومالٍ ومأثُرةٍ كانت في الجاهلية تحتَ قدمي هذه إلى يومِ القيامة، وإنّ أولَ دمٍ يُوضَعُ دمُ ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب؛ كان مُسْتَرْضَعًا في بني ليث، فقتَلته هُذيلٌ، ألا وإنّ كلَّ رِبًا كان في الجاهلية موضوع، وإنّ الله قَضى أنّ أولَ رِبًا يُوضَعُ رِبا العباس بن عبد المطلب، لكم رءوسُ أموالِكم، لا تظلِمون ولا تُظلَمون، ألا إنّ الزمان قد استدارَ كهيئتِه يومَ خلَق الله السماواتِ والأرض، ألا وإنّ عدَّةَ الشهور عندَ الله اثنا عشَرَ شهرًا في كتاب الله يومَ خلَق الله السمواتِ والأرض، منها أربعةٌ حرم، ذلك الدينُ القيم فلا تظلِموا فيهنَّ أنفسَكم، ألا لا ترجِعوا بعدي كُفّارًا يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعض، إلا إنّ الشيطانَ قد أيِسَ أن يعبُدَه المصلُّون، ولكن في التحريشِ بينَهم، واتقوا اللهَ في النساء؛ فإنّهن عَوانٌ عندَكم، لا يملِكن لأنفسِهنَّ شيئًا، وإنّ لهنَّ عليكم حقًّا، ولكم عليهِنَّ حقًّا أن لا يُوطِئْنَ فرُشَكم أحدًا غيرَكم، ولا يَأْذَنَّ في بيوتِكم لأحدٍ تكرهونه، فإن خِفتم نشوزَهُنَّ فعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المضاجع، واضْرِبوهُنَّ ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وكِسوتُهن بالمعروف، وإنّما أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ الله، واستحلَلتم فُروجَهُنَّ بكلمةِ الله، ألا ومَن كانت عندَه أمانةٌ فلْيُؤَدِّها إلى مَن ائتمنَه عليها». وبسَط يديه، وقال: «اللهمَّ هل بلَّغتُ، ألا هل بلَّغتُ». ثم قال: «لِيُبلِّغِِ الشاهدُ الغائبَ؛ فإنّه رُبَّ مبلَّغٍ أسعدُ مِن سامِعٍ»

سورة التوبة — الآية ١٠٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: إنّ رسول الله ﷺ غزا غزوة تبوك، فتخلَّف أبو لبابة ورجلان معه عن النبيِّ ﷺ، ثم إنّ أبا لُبابة ورجلين معه تَفكَّروا، ونَدِموا، وأيقَنوا بالهَلَكَة، وقالوا: نحن في الظِّلِّ والطمأنينة مع النساء، ورسول الله ﷺ والمؤمنون معه في الجهاد، واللهِ، لنُوثِقَنَّ أنفسَنا بالسَّواري فلا نُطلِقُها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يُطلِقُنا ويَعذِرُنا. فانطلق أبو لُبابة، فأَوْثَق نفسَه ورجلان معه بسواري المسجد، وبقي ثلاثةٌ لم يُوثِقوا أنفسَهم، فرجع رسولُ الله ﷺ مِن غزوته، وكان طريقُه في المسجد، فمَرَّ عليهم، فقال: «مَن هؤلاء الموثِقون أنفسهم بالسَّواري؟». فقال رجل: هذا أبو لُبابة وأصحابٌ له تَخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ، فعاهَدوا الله ألّا يُطلِقون أنفسَهم حتى تكون أنت الذي تُطْلِقهم وتَرْضى عنهم، وقد اعترفوا بذنوبهم. فقال رسول الله ﷺ: «واللهِ، لا أُطلِقُهم حتى أُومَرَ بإطلاقهم، ولا أعْذِرُهم حتى يكون الله يَعْذِرُهم وقد تَخَلَّفوا ورَغِبوا عن المسلمين بأنفسهم وجهادهم». فأنزل الله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ الآية، و«عسى» من الله واجب. فلمّا نزلتِ الآيةُ أطلقهم رسولُ الله ﷺ وعَذَرهم، فانطلق أبو لُبابة وأصحابُه بأموالهم، فأتوا بها رسولَ الله ﷺ، فقالوا: خُذ مِن أموالنا، فتصدَّق بها عنّا، وصَلِّ علينا. يقولون: استغفر لنا، وطَهِّرنا. فقال: «لا آخذ منها شيئًا حتى أُومَرَ به». فأنزل الله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ الآية. قال: وبقي الثلاثةُ الذين خالفوا أبا لُبابة ولم يتوبوا، ولم يُذكروا بشيء، ولم ينزل عُذرُهم، وضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَت، وهم الذين قال الله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ الآية [التوبة:١٠٦]. فجعل الناس يقولون: هلَكوا إذا لم ينزِل لهم عُذْرٌ. وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم. فصاروا مُرجَئِين لأمر الله حتى نزلت: ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ إلى قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ [التوبة:١١٧-١١٨]. يعني: المُرْجَئين لأمر الله، نزلت عليهم التوبة، فعُمُّوا بها

اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾، فأفاد أثر ابن عباس هذا أن المخاطب بذلك اليهود الذين كانوا في زمن النبي محمد ﷺ، وأفاد أثر أبي العالية التالي أنّ المخاطب بذلك أسلافهم. وقد وجَّه ابنُ عطية (١‏/‏٢٧٢) معنى الشهادة على قول ابن عباس أنّ المراد به أنهم شهداء على أسلافهم، فقال: «والمعنى: وأنتم شهداء، أي: بينة أن هذا الميثاق أخذ على أسلافكم فمَن بعدهم». ووجَّه ابن جرير (٢‏/‏٢٠٤) معنى الشهادة على قول أبي العالية أن المراد به مشاهدتهم وحضورهم أخذ الميثاق، فقال: «والمعنى: وأنتم شهود، أي: حضور، أخذ الميثاق والإقرار». وقد جمع ابنُ جرير (٢‏/‏٢٠٤-٢٠٥) بين القولين مُستندًا إلى النّظائر، والسّياقِ فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي: أن يكون قوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾ خبرًا عن أسلافهم، وداخلًا فيه المخاطبون منهم، الذين أدركوا رسول الله ﷺ، كما كان قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ خبرًا عن أسلافهم، وإن كان خطابًا للذين أدركوا رسول الله ﷺ؛ لأنّ الله تعالى أخذ ميثاق الذين كانوا على عهد رسول الله موسى عليه السلام من بني إسرائيل، فألزم جميع من بعدهم من ذريتهم من حكم التوراة مثل الذي ألزم منه من كان على عهد موسى منهم، ثم أنّب الذين خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم ذلك الميثاق، وتكذيبهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود، بقوله: ﴿ثم أقررتم وأنتم تشهدون﴾ وإن كان خارجًا على وجه الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا ﷺ منهم، فإنه معنيٌّ به كُلّ من واثق بالميثاق منهم على عهد موسى عليه السلام ومن بعده، وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة. لأنّ الله -جل ثناؤه- لم يخصص بقوله: ﴿ثم أقررتم وأنتم تشهدون﴾ -وما أشبه ذلك من الآي- بعضهم دون بعض، والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم، فإذْ كان ذلك كذلك فليس لأحد أن يدَّعي أنه أريد بها بعض منهم دون بعض... ، وكذلك حُكم الآية التي بعدها». وذكر ابن عطية (١‏/‏٢٧٢) أن قوله:﴿ثم أنتم هؤلاء... ﴾ دال على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردا إلى الأسلاف

اختُلِف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين: الأول: أنّه قَصْرُ أركانها إذا خاف مع استيفاء أعدادها؛ فهو قصر كيفية لا كمية. والثاني: أنه قَصْرُ أعدادها من أربع إلى ما دونها؛ وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين، فإن كان آمنًا مقيمًا لم يقصر. والثاني: أنه قَصْران، فقصر الأمَن من الأربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة. والثالث: أنه يقصر في سفر خائفًا وآمنًا من أربع إلى ركعتين لا غير. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٤٢٢-٤٢٣) القول الأول الذي قاله ابن عباس، والضحاك، وطاووس، والسدي، ومجاهد مستندًا إلى سياق الآية، وأقوال السلف، فقال: «لدلالة قول الله تعالى: ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ [النساء:١٠٣] على أن ذلك كذلك؛ لأن إقامتها إتمام حدودها من الركوع والسجود وسائر فروضها، دون الزيادة في عددها التي لم تكن واجبة في حال الخوف». وبيّن ابنُ كثير (٤‏/‏٢٣٧-٢٤٥) أنّ قوله: ﴿إن خفتم﴾ قيدٌ لا معنى له؛ لخروجه مخرج الغالب، إذ كانت غالب أسفارهم مخوفة في مبدأ الإسلام قبل الهجرة. ورجَّح مستندًا إلى السنة والسياق ما رجَّحه ابنُ جرير، وذكر جملة من الأحاديث المفيدة أنّ القصر ليس من شرطه الخوف، وأنّ القصر لا يُطلَق على صلاة الركعتين في السفر لأنها تمام، فكيف يكون المراد قصر الكمية؟! كما أفاد -مع ذلك- قول الله بعدها: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ أنّ القصر في الكيفيّة. وانتَقَد ذلك ابنُ تيمية (٢‏/‏٣٢٧) مستندًا لمخالفته لظاهر الآية، فقال: «وهذا يرد عليه أنّ صلاة الخوف جائزة حضرًا وسفرًا، والآية أفادت القصر في السفر». ورجَّح ابنُ تيمية (٢‏/‏٣٢٧ بتصرف) مستندًا إلى الدلالات العقلية أنّ الآية أفادت قصر العدد وقصر العمل جميعًا، فقال: «وهو الأصح؛ ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف، فإذا اجتمع الضرب في الأرض والخوف أبيح القصر الجامع لهذا ولهذا، وإذا انفرد السفر فإنما يبيح قصر العدد، وإذا انفرد الخوف فإنما يفيد قصر العمل»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ على أقوال: الأول: عنى بالسكر: الخمر. وبالرزق الحسن: التمر والزبيب. وقال أصحاب هذا القول: إنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، ثم حرمت بعد. الثاني: السكر بمنزلة الخمر في التحريم، وليس بخمر، وقالوا: هو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد وصار يسكر شاربه. الثالث: السكر: هو كل ما كان حلالًا شربه؛ كالنبيذ الحلال، والخل، والرطب. والرزق الحسن: التمر، والزبيب. وقد علّق ابنُ جرير (١٤‏/‏٢٨٤-٢٨٥ بتصرف) على القول الثالث بقوله: «وعلى هذا التأويل الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت». ثم رجّحه، ورجّح عدم النسخ في الآية، وانتقد بقية الأقوال مستندًا إلى لغة العرب، وعدم وجود دليل على النسخ، وقال: «وذلك أن السكر في كلام العرب على أحد أوجه أربعة: أحدها: ما أسكر من الشراب. والثاني: ما طعم من الطعام. والثالث: السكون. والرابع: المصدر من قولهم: سكر فلان يسكر سُكْرًا وسَكْرًا وسَكَرًا، فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما يسكر من الشراب حرامًا، وكان غير جائز لنا أن نقول: هو منسوخ، إذ كان المنسوخ هو ما نفى حكمه الناسخ، وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه، ولم يكن في حكم الله -تعالى ذكره- بتحريم الخمر دليل على أن السكر الذي هو غير الخمر وغير ما يسكر من الشراب حرام، إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب، ومن نزل بلسانه القرآن هو كل ما طعم، ولم يكن مع ذلك، إذ لم يكن في نفس التنزيل دليل على أنه منسوخ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول، ولا أجمعت عليه الأمة؛ فوجب القول بما قلنا من أن معنى السكر في هذا الموضع: هو كل ما حل شربه مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفسد أن يكون معناه: الخمر، أو ما يسكر من الشراب، وخرج من أن يكون معناه: السكر نفسه؛ إذ كان السكر ليس مما يتخذ من النخل والكرم، ومن أن يكون بمعنى السكون». وقال ابنُ عطية (٥‏/‏٣٧٩): «والسكر: ما يسكر. هذا هو المشهور في اللغة». وانتقد دعوى النسخ، فقال: «وقال بعض الفرقة التي رأت السكر الخمر: إنّ هذه الآية منسوخة بتحريم الخمر. وفي هذه المقالة درك؛ لأن النسخ إنما يكون في حكم مستقر مشروع»

اختُلف في قوله: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ على أقوال: الأول: يؤخِّرونها عن وقتها، فلا يُصلُّونها إلا بعد خروج وقتها. الثاني: يتركونها فلا يُصلُّونها. الثالث: يتهاونون بها، ويتغافلون عنها ويلهون. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦٦٣) -مستندًا إلى السنة- القول الثالث بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب بقوله: ﴿ساهون﴾ لاهون يتغافلون عنها». ثم بيّن أنّ هذا القول يَعمُّ القولين الآخرين، فقال: «وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى. وإذا كان ذلك كذلك صحّ بذلك قول مَن قال: عني بذلك: ترْك وقتها. وقول مَن قال: عني به: ترْكها. لما ذكرتُ من أنّ في السهو عنها المعاني التي ذكرت». واستدل ابنُ جرير لهذا بالأثرين الواردين عن رسول الله ﷺ عن أبي برزة وسعد بن أبي وقاص في تفسير الآية، ثم علّق قائلًا: «وكلا المعنيين اللذين ذكرتُ في الخبرين اللذين روينا عن رسول الله ﷺ محتمل عن معنى السهو عن الصلاة». وبنحوه ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٦٨-٤٦٩)، فقال: «اللفظ يشمل هذا كلّه، ولكلّ من اتصف بشيء مِن ذلك قسطٌ من هذه الآية، ومَن اتصف بجميع ذلك فقد تمّ نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي». ورجّح ابنُ تيمية (٧‏/‏١٩١-١٩٢) -مستندًا إلى السنة- أنّ الآية تعمّ القولين الأول والثالث، فقال: «وكلا المعنيين حقّ، والآية تتناول هذا وهذا، كما في صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»». ووافقه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٧٠بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وعلَّل ذلك بقوله: «فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها وحضورها الواجب». وانتقد القول الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية، والسياق، فقال: «وليس السهو عنها ترْكها، وإلا لم يكونوا مُصلِّين، وأيضًا فإنه وصفهم بالرياء، ولو كان السهو سهو ترْك لما كان هناك رياء»