محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠٢ من سورة التوبة في ١١٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠٢ من سورة التوبة

١١٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق، ومنهم آخرون اعترفوا بذنوبهم، يقول : أقرّوا بذنوبهم. خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا يعني جلّ ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيىء : اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها، والآخر السيىء هو تخلفهم عن رسول الله ﷺ حين خرج غازيا، وتركهم الجهاد مع المسلمين،
فإن قال قائل : وكيف قيل : خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا، وإنما الكلام : خلطوا عملاً صالحا بآخر سيىء ؟ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك، فكان بعض نحويي البصرة يقول : قيل ذلك كذلك، وجائز في العربية أن يكون بآخر كما تقول : استوى الماء والخشبة أي بالخشبة، وخلطت الماء واللبن. وأنكر آخرون أن يكون نظير قولهم : استوى الماء والخشبة. واعتلّ في ذلك بأن الفعل في الخلط عامل في الأول والثاني، وجائز تقديم كلّ واحد منهما على صاحبه، وأن تقديم الخشبة على الماء غير جائز في قولهم : استوى الماء والخشبة، وكان ذلك عندهم دليلاً على مخالفة ذلك الخلط. قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أنه بمعنى قولهم : خلطت الماء واللبن، بمعنى خلطته باللبن.
عَسَى اللّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يقول : لعلّ الله أن يتوب عليهم. وعسى من الله واجب، وإنما معناه : سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت. إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول : إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه وساتر له عليها رحيم أن يعذّبه بها.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الآية والسبب الذي من أجله أنزلت فيه، فقال بعضهم : نزلت في عشرة أنفس كانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، منهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم إلى السواري عند مقدم النبي ﷺ توبة منهم من ذبنهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وآخَرَ سَيّئا قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبيّ ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع النبي ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممرّ النبي ﷺ إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال :«مَنْ هَؤُلاَءِ المُوَثّقُونَ أنْفُسَهُمْ بالسّواري ؟ » قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام :«وأنا أُقْسِمُ باللّهِ لا أُطْلِقُهُمْ وَلا أَعْذِرُهُمْ حتى يَكُونَ اللّهَ هُوَ الّذِي يُطْلِقَهُمْ رَغِبُوا عَنّي وَتَخَلّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ » فلما بلغهم ذلك، قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا فأنزل الله تبارك وتعالى : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وآخَرَ سَيّئا عَسَى اللّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وعسى من الله واجب. فلما نزلت. أرسل إليهم النبي ﷺ، فأطلقهم وعذرهم.
وقال آخرون : بل كانوا ستة، أحدهم أبو لبابة، ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وآخَرَ سَيّئا عَسَى اللّهُ. . . إلى قوله : إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وذلك أن رسول الله ﷺ غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبيّ ﷺ. ثم إن أبا لُبابة ورجلين معه تفكروا وندموا وأيقنوا بالهَلَكة، وقالوا : نكون في الكنّ والطمأنينة مع النساء، ورسول الله والمؤمنون معه في الجهاد ؟ والله لنوثِقنّ أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو يطلقنا ويعذرنا فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد، وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم. فرجع رسول الله ﷺ من غزوته، وكان طريقه في المسجد، فمرّ عليهم فقال :«مَنْ هؤلاء المُوثِقُو أنْفُسِهِمْ بالسّواري ؟ » فقالوا : هذا أبو لُبابة وأصحاب له تخلفوا عن رسول الله ﷺ، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم، وقد اعترفوا بذنوبهم. فقال رسول الله ﷺ :«واللّهِ لا أُطْلِقُهُمْ حتى أُومَر بإطْلاقِهِمْ، ولا أعْذِرهُمْ حتى يَكُونَ اللّهُ هُو يَعْذُرُهُمْ، وقَدْ تَخَلّفُوا عَنّي وَرَغِبُوا بأنْفُسِهِمْ عَنْ غَزْوِ المُسْلِمِينَ وَجِهَادِهِمْ » فأنزل الله برحمته : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وآخَرَ سَيّئا عَسَى اللّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعسى من الله واجب. فلما نزلت الآية أطلقهم رسول الله ﷺ وعذرهم، وتجاوز عنهم.
وقال آخرون : الذين ربطوا أنفسهم بالسواري كانوا ثمانية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وآخَرَ سَيّئا عَسَى اللّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال : هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري، منهم كَرْدم ومِرْداس وأبو لْبابة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال : الذين ربطوا أنفسهم بالسواري : هلال، أبو لُبابة، وكَردم، ومِرْداس، وأبو قيس.
وقال آخرون : كانوا سبعة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وآخَرَ سَيّئا عَسَى اللّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ذُكر لنا أنهم كانوا سبعة رَهْط تخلفوا عن غزوة تبوك، فأما أربعة فخلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا : جَدّ بن قيس، وأبو لُبابة، وحَرام، وأوس، وكلهم من الأنصار، وهم الذين قيل فيهم : خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ. . . الآية.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : خَلَطُوا عَمَلاً صالحا وآخر سَيّئا قال : هم نفر ممن تخلف عن تبوك : منهم أبو لَبابة، ومنهم جد بن قيس تِيبَ عليهم. قال قتادة : وليسوا بثلاثة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قال : هم سبعة، منهم أبو لبابة كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك، وليسوا بالثلاثة.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقو ل في قوله : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وآخَرَ سَيّئا نزلا في أبي لبابة وأصحابه تخلفوا عن نبي الله ﷺ في غزوة تبوك فلما قفل رسول الله ﷺ من غزوته، وكان قريبا من المدينة، ندموا على تخلفهم عن رسول الله، وقالوا : نكون في الظلال والأطعمة والنساء، ونبيّ الله في الجهاد واللأواء ؟ والله لنوثقنّ أنفسنا بالسواري ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله ﷺ يطلقنا ويعذرنا وأوثقوا أنفسهم، وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم، فقدم رسول الله ﷺ من غزوته، فمرّ في المسجد وكان طريقه، فأبصرهم، فسأل عنهم، فقيل له : أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبيّ الله، فصنعوا بأنفسهم ما ترى، وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم. فقال نبي الله ﷺ :«لا أُطْلِقُهُمْ حتى أُومَرَ بإطْلاقِهِمْ، وَلا أعْذُرُهُمْ حتى يَعْذُرُهُمْ اللّهُ، قَدْ رَغِبُوا بأنْفُسِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ المُسْلِمِينَ ». فأنزل الله : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ. . . إلى : عَسَى اللّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وعسى من الله واجب. فأطلقهم نبي الله وعذرهم.
وقال آخرون : بل عُني بهذه الآية أبو لبابة خاصة وذنبه الذي اعترف به فتيب عليه منه ما كان من أمره في بني قريظة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قال : نزلت في أبي لبابة قال لبني قريظة ما قال.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قال أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال، أشار إلى حلقه : إن محمدا ذابحكم إن نزلتم على حكم الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ فذكره نحوه، إلا أنه قال : إن نزلتم على حكمه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد : ربط أبو لبابة نفسه إلى سارية، فقال لا أحلّ نفسي حتى يحلني الله ورسوله قال : فحله النبي ﷺ، وفيه أنزلت هذه الآية : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا. . . الآية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قال : نزلت في أبي لبابة.
وقال آخرون : بل نزلت في أبي لبابة بسبب تخلفه عن تبوك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال : قال الزهري : كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية، فقال : والله لا أحلّ نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خرّ مغشيّا عليه. قال : ثم تاب الله عليه، ثم قيل له : قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال : والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ وهو يحلني قال : فجاء النبي ﷺ فحلّه بيده. ثم قال أبو لبابة : يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال :«يَجْزِيكَ يا أبا لُبابَةُ الثّلُثُ ».
وقال بعضهم : عني بهذه الآية الأعرابُ. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وآخَرَ سَيّئا قال : فقال إنهم من الأعراب.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يزيد بن هارون، عن حجاج بن أبي زينب، قال : سمع
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق، ومنهم "آخرون اعترفوا بذنوبهم"، يقول: أقرُّوا بذنوبهم = (خلطوا عملا صالحًا)، يعني جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ: اعترافهم بذنوبهم، وتوبتهم منها، والآخر السيئ: هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خرج غازيًا، وتركهم الجهادَ مع المسلمين.
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل: (خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، وإنما الكلام: خلطوا عملا صالحًا بآخر سيئ؟
قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.
فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك، وجائز في العربية أن يكون "بآخر"، (١) كما تقول "استوى الماء والخشبة"، أي: بالخشبة، "وخلطت الماء واللبن".
وأنكر [آخر] أن يكون نظير قولهم (٢) "استوى الماء والخشبة". واعتلَّ في ذلك بأن الفعل في "الخلط" عامل في الأول والثاني، وجائز تقديم كل واحد منهما على صاحبه، وأن تقديم "الخشبة" على "الماء" غير جائز في قولهم: "استوى الماء والخشبة"، وكان ذلك عندهم دليلا على مخالفة ذلك "الخلطَ". (٣)
(١) لا شك أن الناسخ أسقط شيئًا من كلام أبي جعفر، وهو ظاهر لمن تأمل. وانظر التعليق التالي.
(٢) الذي بين القوسين في المطبوعة وحدها، ولكنه كان فيها " آخرون ". أما المخطوطة ففيها: " وأنكر أن يكون نظير قولهم... "، وهذا أيضا دال على إسقاط الناسخ بعض الكلام. وانظر التعليق التالي.
(٣) في المطبوعة: " دليلا عندهم "، وأثبت ما في المخطوطة، ولكن الناشر الأول غيره، لما وضع " آخرون " من عند نفسه. انظر التعليق السالف.
هذا، وقد تركت الكلام على حاله، لأني لا شك أن الناسخ تخطأ بعض كلام أبي جعفر.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أنه بمعنى قولهم: "خلطت الماء واللبن"، بمعنى: خلطته باللبن.
* * *
="عسى الله أن يتوب عليهم"، يقول: لعل الله أن يتوب عليهم= "وعسى" من الله واجب، (١) وإنما معناه: سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت= "إن الله غفور رحيم"، يقول: إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه، وساترٌ له عليها = "رحيم"، به أن يعذبه بها. (٢)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الآية، والسبب الذي من أجله أنزلت فيه.
فقال بعضهم: نزلت في عشرة أنفس كانوا تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، منهم أبو لبابة، فربط سبعةٌ منهم أنفسهم إلى السّواري عند مَقْدم النبي صلى الله عليه وسلم، توبةً منهم من ذنبهم.
* ذكر من قال ذلك:
١٧١٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: كانوا عشرة رَهْطٍ تخلّفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضرَ رُجوع النبي صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، فكان ممرّ النبي ﷺ إذا رجع في المسجد عليهم. (٣)
(١) انظر تفسير "عسى" فيما سلف: ص ١٦٧ تعليق ٥، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير "غفور" و "رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر)، (رحم).
(٣) في المطبوعة: "وكان" وأثبت ما في المخطوطة بالفاء.
فلما رآهم قال: "من هؤلاء الموثِقُون أنفسهم بالسواري؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، [وحلفوا لا يطلقهم أحد]، حتى تطلقهم، وتعذرهم. (١) فقال النبي عليه السلام: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين! فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا! (٢) فأنزل الله تبارك وتعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم) = و"عسى" من الله واجب. فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعَذَرَهُم.
* * *
وقال آخرون: بل كانوا ستة، أحدهم أبو لبابة.
* ذكر من قال ذلك:
١٧١٣٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله)، إلى قوله: (إن الله غفور رحيم)، وذلك أن رسول الله ﷺ غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكّروا وندموا، وأيقنوا بالهلكة، وقالوا: "نكون في الكِنِّ والطمأنينة مع النساء، ورسول الله والمؤمنون معه في الجهاد! والله لنوثقنّ أنفسنا بالسّواري، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو يطلقنا ويعذرُنا"، فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد، وبقي ثلاثةُ نفرٍ لم يوثقوا أنفسهم. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) في المخطوطة والمطبوعة: " تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم "، سقط بعض الكلام وتمامه في الدر المنثور: " وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى تطلقهم وتعذرهم "، وآثرت ما وضعته بين القوسين.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: " ونحن بالله "، وآثرت ما كتبت.
من غزوته، وكان طريقه في المسجد، فمرَّ عليهم فقال: من هؤلاء الموثقو أنفسهِم بالسواري؟ فقالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم، وقد اعترفوا بذنوبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو يعذرهم، وقد تخلفوا عني ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم! فأنزل الله برحمته: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) = و"عسى" من الله واجب = فلما نزلت الآية أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعذرَهم، وتجاوز عنهم.
* * *
وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري كانوا ثمانية.
* ذكر من قال ذلك:
١٧١٣٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم)، قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري، منهم كرْدَم، ومرداس، وأبو لبابة.
١٧١٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري: هلال، وأبو لبابة، وكردم، ومرداس، وأبو قيس. (١)
* * *
وقال آخرون: كانوا سبعة.
* ذكر من قال ذلك:
١٧١٤٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
(١) هؤلاء خمسة، لم يذكر تمام الثمانية، كما تدل عليه ترجمة الكلام.
قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم)، ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رَهْطٍ تخلفوا عن غزوة تبوك، فأما أربعة فخلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا: جدُّ بن قيس، وأبو لبابة، وحرام، وأوس، وكلهم من الأنصار، وهم الذين قيل فيهم: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ)، الآية.
١٧١٤١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: هم نفر ممن تخلف عن تبوك، منهم أبو لبابة، ومنهم جد بن قيس، تِيبَ عليهم = قال قتادة: وليسوا بثلاثة.
١٧١٤٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: هم سبعة، منهم أبو لبابة، كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك، وليسوا بالثلاثة.
١٧١٤٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، نزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن نبي الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما قَفَل رسول الله ﷺ من غزوته، وكان قريبًا من المدينة، ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا: "نكون في الظلال والأطعمة والنساء، ونبي الله في الجهاد واللأواء! والله لنوثقن أنفسنا بالسواري، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله ﷺ يطلقنا ويعذرنا! " وأوثقوا أنفسهم، وبقي ثلاثة، لم يوثقوا أنفسهم بالسواري. (١) فقدم رسول الله ﷺ من غزوته، فمرّ في المسجد، وكان طريقه، فأبصرهم، فسأل عنهم، فقيل له: أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عنك، يا نبي الله، فصنعوا بأنفسهم
(١) " بالسواري " زيادة من المخطوطة، ليست في المطبوعة.
ما ترى، وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم! فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين! فأنزل الله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، إلى: (عسى الله أن يتوب عليهم) = و"عسى" من الله واجب = فأطلقهم نبيُّ الله وعذرهم.
* * *
وقال آخرون: بل عني بهذه الآية أبو لبابة خاصة، وذنبه الذي اعترف به فتيب عليه فيه، (١) ما كان من أمره في بني قريظة.
* ذكر من قال ذلك:
١٧١٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: نزلت في أبي لبابة، قال لبني قريظة ما قال.
١٧١٤٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: أبو لبابة، إذ قال لقريظة ما قال، أشار إلى حلقه: إن محمدًا ذابحكم إن نزلتم على حُكْم الله.
١٧١٤٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، فذكر نحوه = إلا أنه قال: إن نزلتم على حكمه.
١٧١٤٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ربط أبو لبابة نفسه إلى سارية، فقال: لا أحلُّ نفسي حتى يحلني الله ورسوله! قال: فحلَّه النبي صلى الله عليه وسلم: وفيه أنزلت هذه الآية: (وآخرون اعترفوا
(١) في المطبوعة: " فتيب عليه منه "، وأثبت ما في المخطوطة، وهي صواب محض.
بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا)، الآية.
١٧١٤٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: نزلت في أبي لبابة.
* * *
وقال آخرون: بل نزلت في أبي لبابة، بسبب تخلفه عن تبوك.
* ذكر من قال ذلك:
١٧١٤٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الزهري: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية، فقال: والله لا أحلّ نفسي منها، ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى أموت أو يتوب الله عليّ! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى خرّ مغشيا عليه، قال: ثم تاب الله عليه، ثم قيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة! فقال: والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو يحلني! قال: فجاء النبي ﷺ فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله! قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث.
* * *
وقال بعضهم: عني بهذه الآية الأعراب.
* ذكر من قال ذلك:
١٧١٥٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: فقال إنهم من الأعراب.
١٧١٥١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن حجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه
الأمة من قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، إلى: (إن إ لله غفور رحيم). (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركهم الجهادَ معه، والخروجَ لغزو الروم، حين شخص إلى تبوك = وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جل ثناؤه قال: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترفُ بذنبه، الموثقُ نفسه بالسارية في حصار قريظة، غير أبي لبابة وحده. فإذ كان ذلك [كذلك]، (٢) وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، بالاعتراف بذنوبهم جماعةً، عُلِم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد، (٣) فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعةَ فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك، صحَّ ما قلنا في ذلك. وقلنا: "كان منهم أبو لبابة"، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.
* * *
(١) الأثر: ١٧١٥١ - " حجاج بن أبي زينب السلمي "، " أبو يوسف الواسطي "، " الصيقل "، ضعيف، ليس بقوي ولا حافظ. مترجم في التهذيب، والكبير ١ ٢ ٣٧٣، وابن أبي حاتم ١ ٢ ١٦١، وميزان الاعتدال ١: ٢١٥. وكان في المطبوعة: " بن أبي ذئب "، وهو خطأ، والمخطوطة برسم المطبوعة غير منقوطة.
و" أبو عثمان "، هو النهدي، " عبد الرحمن بن مل "، ثقة، أسلم على عهد رسول الله ولم يلقه. مضى مرارًا، منها رقم: ١٣٠٩٧ - ١٣١٠٠.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٧٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في التوبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان.
(٢) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في المطبوعة: " أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد "، أساء قراءة المخطوطة، فحرف وزاد من عنده، ما أفسد الكلام وأهلكه.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
لما بَيَّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغَزاة رغبة عنها وتكذيبًا وشكا، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال :﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي : أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين رَبِّهم، ولهم أعمال أخرَ صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه.
وهذه الآية - وإن كانت نزلت في أناس معينين - إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين المتلوثين.
وقد قال مجاهد : إنها نزلت في أبي لُبَابة لما قال لبني قريظة : إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه.
وقال ابن عباس :﴿وَآخَرُونَ﴾ نزلت في أبي لُبابة وجماعة من أصحابه، تخلفوا عن غزوة تبوك، فقال بعضهم : أبو لبابة وخمسة معه، وقيل : وسبعة معه، وقيل : وتسعة معه، فلما رجع النبي ﷺ من غزوته(١) ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله ﷺ، فلما أنزل الله هذه الآية :﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أطلقهم النبي ﷺ، وعفا عنهم.
وقال البخاري : حدثنا مُؤمَّل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سَمُرَة بن جُنْدَب قال : قال رسول الله ﷺ لنا :" أتاني الليلة آتيان(٢) فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولَبِن فضة، فتلقانا رجال شَطْر من خلقهم كأحسن ما أنت رَاء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم : اذهبوا فَقَعُوا في ذلك النهر. فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي : هذه جنة عدن، وهذا منزلك. قالا أما القوم الذين كانوا شَطر منهم حَسَن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا، فتجاوز الله عنهم ".
هكذا رواه مختصرًا، في تفسير هذه الآية(٣).
١ - في أ :"من غزوة"..
٢ - في أ :"اثنان"..
٣ - صحيح البخاري برقم (٤٦٧٤)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسرَّ إِلَى حُذَيْفَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: "سِتَّةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلة: سِرَاجٌ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، يَأْخُذُ فِي كَتِفِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى صَدْرِهِ، وَسِتَّةٌ يَمُوتُونَ مَوْتًا". وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ إِذَا مَاتَ رَجُلٌ مِمَّنْ يُرى أَنَّهُ مِنْهُمْ، نَظَرَ إِلَى حُذَيْفَةَ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَإِلَّا تَرَكَهُ. وَذُكر لَنَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: لَا. وَلَا أُومِنُ مِنْهَا أَحَدًا بَعْدَكَ. (١)
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾
لَمَّا بَيَّن تَعَالَى حَالَ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الغَزاة رَغْبَةً عَنْهَا وَتَكْذِيبًا وَشَكًّا، شَرَعَ فِي بَيَانِ حَالِ الْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ تَأَخَّرُوا عَنِ الْجِهَادِ كَسَلًا وَمَيْلًا إِلَى الرَّاحَةِ، مَعَ إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ بِالْحَقِّ، فَقَالَ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أَيْ: أَقَرُّوا بِهَا وَاعْتَرَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهم، وَلَهُمْ أَعْمَالٌ أخرَ صَالِحَةٌ، خَلَطُوا هَذِهِ بِتِلْكَ، فَهَؤُلَاءِ تَحْتَ عَفْوِ اللَّهِ وَغُفْرَانِهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ -وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ مُعَيَّنِينَ -إِلَّا أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كل المذنبين الخاطئين المخلصين الْمُتَلَوِّثِينَ.
وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابة لَمَّا قَالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ: إِنَّهُ الذَّبْحُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَآخَرُونَ﴾ نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبابة وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَبُو لُبَابَةَ وَخَمْسَةٌ مَعَهُ، وَقِيلَ: وَسَبْعَةٌ مَعَهُ، وَقِيلَ: وَتِسْعَةٌ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ (٢) رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَحَلَفُوا لَا يَحُلُّهُمْ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أَطْلَقَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَفَا عَنْهُمْ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُؤمَّل بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَة بْنِ جُنْدَب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ (٣) فَابْتَعَثَانِي فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِن فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْر مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاء، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالَا لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ. فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَا مَنْزِلُكَ. قَالَا أَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطر مِنْهُمْ حَسَن وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ".
هَكَذَا رَوَاهُ مختصرًا، في تفسير هذه الآية. (٤)
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٤/٤٤٣). والدبيلة: خراج ودمل كبير يظهر في الجوف فيقتل صاحبه غالبا.
(٢) في أ: "من غزوة".
(٣) في أ: "اثنان".
(٤) صحيح البخاري برقم (٤٦٧٤).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٠٢ - ١٠٣ ْ } ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ْ﴾
يقول تعالى :﴿وَآخَرُونَ﴾ ممن بالمدينة ومن حولها، بل ومن سائر البلاد الإسلامية، ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي : أقروا بها، وندموا عليها، وسعوا في التوبة منها، والتطهر من أدرانها.
﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان، المخرج عن الكفر والشرك، الذي هو شرط لكل عمل صالح، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة، بالأعمال السيئة، من التجرؤ على بعض المحرمات، والتقصير في بعض الواجبات، مع الاعتراف بذلك والرجاء بأن يغفر اللّه لهم، فهؤلاء ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وتوبته على عبده نوعان :
الأول : التوفيق للتوبة. والثاني : قبولها بعد وقوعها منهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي : وصفه المغفرة والرحمة اللتان لا يخلو مخلوق منهما، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما، فلو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة.
﴿إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا﴾.
ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالأعمال السيئة، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل، فإنه يعفو عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، فهذه الآية، دلت(١)  على أن المخلط المعترف النادم، الذي لم يتب توبة نصوحا، أنه تحت الخوف والرجاء، وهو إلى السلامة أقرب.
وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه، بل لا يزال مصرا على الذنوب، فإنه يخاف عليه أشد الخوف.
١ - في ب: دالة..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٢ - ١٠٣} ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
يقول تعالى: ﴿وَآخَرُونَ﴾ ممن بالمدينة ومن حولها، بل ومن سائر البلاد الإسلامية، ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أقروا بها، وندموا عليها، وسعوا في التوبة منها، والتطهر من أدرانها.
﴿خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان، المخرج عن الكفر والشرك، الذي هو شرط لكل عمل صالح، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة، بالأعمال السيئة، من التجرؤ على بعض المحرمات، والتقصير في بعض الواجبات، مع الاعتراف بذلك والرجاء، بأن يغفر الله لهم، فهؤلاء ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وتوبته على عبده نوعان:
الأول: التوفيق للتوبة. والثاني: قبولها بعد وقوعها منهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: وصفه المغفرة والرحمة اللتان لا يخلو مخلوق منهما، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة.
﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا﴾.
ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالأعمال السيئة، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل، فإنه يعفو عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، فهذه الآية، دلت (١) على أن المخلط المعترف النادم، الذي لم يتب توبة نصوحا، أنه تحت الخوف والرجاء، وهو إلى السلامة أقرب.
وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه، بل لا يزال مصرا على الذنوب، فإنه يخاف عليه أشد الخوف.
قال تعالى لرسوله ومن قام مقامه، آمرا له بما يطهر المؤمنين، ويتمم إيمانهم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وهي الزكاة المفروضة، ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة.
﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ أي: تنميهم، وتزيد في أخلاقهم الحسنة، وأعمالهم الصالحة، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي، وتنمي أموالهم.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم، أي: للمؤمنين عموما وخصوصا عندما يدفعون إليك زكاة أموالهم.
﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي: طمأنينة لقلوبهم، واستبشار لهم، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعائك، سمع إجابة وقبول.
﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوال العباد ونياتهم، فيجازي كل عامل بعمله، وعلى قدر نيته، فكان النبي ﷺ يمتثل لأمر الله، ويأمرهم بالصدقة، ويبعث عماله لجبايتها، فإذا أتاه أحد بصدقته دعا له وبرَّك.
ففي هذه الآية، دلالة على وجوب الزكاة، في جميع الأموال، وهذا إذا كانت للتجارة ظاهرة، فإنها أموال -[٣٥١]- تنمى ويكتسب بها، فمن العدل أن يواسى منها الفقراء، بأداء ما أوجب الله فيها من الزكاة.
وما عدا أموال التجارة، فإن كان المال ينمى، كالحبوب، والثمار، والماشية المتخذة للنماء والدر والنسل، فإنها تجب فيها الزكاة، وإلا لم تجب فيها، لأنها إذا كانت للقنية، لم تكن بمنزلة الأموال التي يتخذها الإنسان في العادة، مالا يتمول، ويطلب منه المقاصد المالية، وإنما صرف عن المالية بالقنية ونحوها.
وفيها: أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها، لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها.
وفيها: استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة، وأن ذلك ينبغي، أن يكون جهرا، بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه.
ويؤخذ من المعنى، أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللين، والدعاء له، ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة، وسكون لقلبه. وأنه ينبغي تنشيط من أنفق نفقة وعمل عملا صالحا بالدعاء له والثناء، ونحو ذلك.
(١) في ب: دالة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
وآخرون اعترفوا
وهم قوم تخلفوا عن تبوك من المؤمنين منهم ابو لبابة
خلطوا عملا صالحا
وهو ما سبق لهم من الجهاد

إعراب الآية ١٠٢ من سورة التوبة

من كتاب: إعراب القرآن

قُرُباتٍ الواحدة قربة والجمع قرب وقربات وقربات وقد ذكرنا علله.
قال أبو جعفر: قال الأخفش: ويقال: قربة. وحكى ابن سعدان أن يزيد بن القعقاع قرأ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ «١».
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ «٢» رفعا عطفا على السابقين. قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه لأنه السابقين منهما. أَبَداً ظرف زمان ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ابتداء وخبر.

[سورة التوبة (٩) : آية ١٠١]

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١)
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ابتداء أي قوم منافقون. وقد ذكرنا أنّ المنافق مشتقّ من النافقاء، وفي الحديث «المنافق الذي إذا حدّث كذّب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» «٣». وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ يكون قولك مردوا نعتا للمنافقين، ويجوز أن يكون تقديره ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق.

[سورة التوبة (٩) : آية ١٠٣]

خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وهي الزكاة المفروضة فيما روي وفيها خمسة أوجه: قال أبو إسحاق: الأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلّى الله عليه وسلّم أي فإنك تطهّرهم وتزكّيهم بها، ويجوز أن يكون في موضع الحال. قال الأخفش: ويجوز أن تكون للصدقة، ويكون اتَّبَعُوهُمْ توكيدا، ويجوز أن يكون تطهّرهم للصدقة وتزكّيهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم، والوجه الخامس أن تجزم على جواب الأمر كما قال امرؤ القيس: [الطويل] ١٩٢-
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان «٤»
(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٩٦.
(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٩٦، وهذه قراءة الحسن وعيسى الكوفي وسلام وسعيد بن أبي سعيد وطلحة ويعقوب والأنصار جميعا.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه باب الإيمان ١٠/ ٩٧.
(٤) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٧٣ (دار صادر) وعجزه:
«ورسم عفت آياته منذ أزمان»
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٠٢ من سورة التوبة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. [١٠٢].
قال ابن عباس في رواية ابن الوالبي: نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة "تبوك"، ثم ندموا على ذلك وقالوا: نكون في الكِنِّ والظِّلال مع النساء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد! والله لنوثقن أنفسنا بالسَّوارِي فلا نطلقها حتى يكون الرسول هو [الذي] يطلقنا ويعذرنا. وأوْثَقُوا أنفسهم بسواري المسجد. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بهم فرآهم فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء تخلّفوا عنك، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو يعذرهم، وقد تخلفوا عني ورغبوا بأنفسهم عن الغزو مع المسلمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلوات الله عليه فأطلقهم، وعذرهم، فلما أطلقهم قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خَلَّفَتْنَا عنك، فتصدَّق بها عنَّا وطهّرنا واستغفر لنا، فقال: ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، فأنزل الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية. [١٠٣].
وقال ابن عباس: كانوا عشرة رَهْطٍ.

القراءات في الآية ١٠٢ من سورة التوبة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

عَلَيْهِمْ إِنَّ

(عَلَيهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم دون ست عليها

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(عليهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم مع السكت عليها

خلف عن حمزة

(عَلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم دون سكت

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قالون عن نافع

(عَلَيهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(عَلَيهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

(عَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها حركتين

قالون عن نافع قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٠٢ من سورة التوبة

٧ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية

١٥ قولًا
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ يعني: غَزاةً قبل غَزاةِ تبوك مع النبي ﷺ، ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ تخلُّفهم عن غَزاة تبوك. نزلت في أبي لُبابة -اسمه: مروان بن عبد المنذر-، وأوس بن حزام، ووديعة بن ثعلبة، كلهم من الأنصار، وذلك حين بَلَغَهم أنّ النبيَّ ﷺ قد أقبل راجِعًا من غزاة تبوك، وبلغهم ما أنزل الله عز وجل في المُتَخَلِّفين، أوْثَقوا أنفسهم هؤلاء الثلاثة إلى سواري المسجد، وكان النبيُّ ﷺ إذا قدِم مِن غزاة صلّى في المسجد ركعتين قبل أن يدخل إلى أهله، وإذا خرج إلى غزاة صلّى ركعتين، فلمّا رآهم موثقين سأل عنهم، قيل: هذا أبو لبابة وأصحابه ندِموا على التخلُّف، وأقسموا ألا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم النبي ﷺ. فقال النبيُّ ﷺ: «وأنا أحلف لا أُطْلِق عنهم حتى أُومَر، ولا أعْذُرهم حتى يُعْذِرهم الله عز وجل». فأنزل الله في أبي لبابة وأصحابه: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ الآية... ، فلما نزلت هذه الآية حلَّهم النبيُّ عليه السلام، فرجعوا إلى منازلهم، ثم جاءوا بأموالهم إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: هذه أموالُنا التي تَخَلَّفنا مِن أجلها عنك، فتَصَدَّق بها. فكره النبيُّ ﷺ أن يأخذها١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٩٣-١٩٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف السلف فيمن نزلت فيه الآية على أقوال؛ فقيل: نزلت في أبي لُبابة خاصة. وقيل: نزلت فيه وفي مجموعة من الناس اختلف في عددهم. وقيل: نزلت في الأعراب. وقد رجّح ابنُ جرير (١١/٦٥٨) القول الثاني، وانتقد قول مَن جعلها في أبي لبابة وحده، مستندًا إلى ظاهر الآية، وإجماع أهل التأويل، فقال: «وأَوْلى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قولُ مَن قال: نزلت هذه الآيةُ في المُعْتَرِفِين بخطأ فعلهم في تخلُّفهم عن رسول الله ﷺ، وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك، وأنّ الذين نزل ذلك فيهم جماعة أحدهم أبو لبابة، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك؛ لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- قال: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾، فأخبر عن اعترافِ جماعةٍ بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة غير أبي لبابة وحده. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الله -تبارك وتعالى- قد وصَف في قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ بالاعتراف بذنوبهم جماعة؛ عُلِم أنّ الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد، فقد تَبَيَّن بذلك أنّ هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعة فعلت ذلك فيما نقله أهل السير والأخبار، وأجمع عليه أهل التأويل إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك؛ صَحَّ ما قلنا في ذلك، وقلنا: كان منهم أبو لبابة لإجماع الحجة مِن أهل التأويل على ذلك».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا﴾، قال: كانوا عشرة رهطٍ تَخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلمّا حَضَر رجوعُ رسول الله ﷺ أوثَق سبعةٌ منهم أنفسَهم بسَواري المسجد، وكان مَمَرُّ النبيِّ ﷺ إذا رجع في المسجد عليهم، فلمّا رآهم قال: «مَن هؤلاء المُوثِقون أنفسَهم؟». قالوا: هذا أبو لُبابة وأصحابٌ له، تخلَّفوا عنك، يا رسول الله، أوثَقوا أنفسَهم، وحلَفوا أنهم لا يُطلِقُهم أحدٌ حتى يُطْلقهم النبيُّ ﷺ، ويَعْذِرَهم. قال: «وأنا أُقسِمُ بالله لا أُطلِقُهم ولا أعذِرُهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يُطلِقُهم، رَغِبوا عنِّي، وتخلَّفوا عن الغزو مع المسلمين». فلمّا بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نُطلِق أنفسَنا حتى يكون اللهُ هو الذي يُطلِقُنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم﴾. و«عسى» من الله واجبٌ، ﴿إن الله غفور رحيم﴾. فلمّا نزلت أرسل إليهم النبيُّ ﷺ، فأطلَقهم، وعَذرهم، فجاءوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالُنا فتَصدَّق بها عَنّا، واستغفِر لنا. قال: «ما أُمِرتُ أن آخُذ أموالَكم». فأنزل الله عز وجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ يقول: استغفِر لهم، ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ يقول: رحمةٌ لهم. فأخذ منهم الصَّدَقة، واسْتَغْفَر لهم. وكان ثلاثةُ نفرٍ منهم لم يُوثِقوا أنفسَهم بالسَّواري، فأُرجِئوا سَبْتَةً لا يدرون أيُعَذَّبون أو يُتابُ عليهم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ إلى آخر الآية [التوبة:١١٧]. وقوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ إلى: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾ [التوبة:١١٨]. يعني: إن استقاموا١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٥‏/‏٢٧١-٢٧٢ واللفظ له، وابن جرير ١١‏/‏٦٥١-٦٥٢، ٦٥٩، ٦٦٢-٦٦٣، ٦٦٧، ٦٦٩ مفرقًا، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٢ (١٠٣٠٣)، ٦‏/‏١٨٧٤-١٨٧٥ (١٠٣٠٧)، ٦‏/‏١٨٧٦ (١٠٣٠٧) مفرقًا، وابن مردويه -كما في تخريج أحاديث الكشاف ٢‏/‏٩٨-، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٣
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥٤-٦٥٥ من مرسل الضحاك.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: إنّ رسول الله ﷺ غزا غزوة تبوك، فتخلَّف أبو لبابة ورجلان معه عن النبيِّ ﷺ، ثم إنّ أبا لُبابة ورجلين معه تَفكَّروا، ونَدِموا، وأيقَنوا بالهَلَكَة، وقالوا: نحن في الظِّلِّ والطمأنينة مع النساء، ورسول الله ﷺ والمؤمنون معه في الجهاد، واللهِ، لنُوثِقَنَّ أنفسَنا بالسَّواري فلا نُطلِقُها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يُطلِقُنا ويَعذِرُنا. فانطلق أبو لُبابة، فأَوْثَق نفسَه ورجلان معه بسواري المسجد، وبقي ثلاثةٌ لم يُوثِقوا أنفسَهم، فرجع رسولُ الله ﷺ مِن غزوته، وكان طريقُه في المسجد، فمَرَّ عليهم، فقال: «مَن هؤلاء الموثِقون أنفسهم بالسَّواري؟». فقال رجل: هذا أبو لُبابة وأصحابٌ له تَخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ، فعاهَدوا الله ألّا يُطلِقون أنفسَهم حتى تكون أنت الذي تُطْلِقهم وتَرْضى عنهم، وقد اعترفوا بذنوبهم. فقال رسول الله ﷺ: «واللهِ، لا أُطلِقُهم حتى أُومَرَ بإطلاقهم، ولا أعْذِرُهم حتى يكون الله يَعْذِرُهم وقد تَخَلَّفوا ورَغِبوا عن المسلمين بأنفسهم وجهادهم». فأنزل الله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ الآية، و«عسى» من الله واجب. فلمّا نزلتِ الآيةُ أطلقهم رسولُ الله ﷺ وعَذَرهم، فانطلق أبو لُبابة وأصحابُه بأموالهم، فأتوا بها رسولَ الله ﷺ، فقالوا: خُذ مِن أموالنا، فتصدَّق بها عنّا، وصَلِّ علينا. يقولون: استغفر لنا، وطَهِّرنا. فقال: «لا آخذ منها شيئًا حتى أُومَرَ به». فأنزل الله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ الآية. قال: وبقي الثلاثةُ الذين خالفوا أبا لُبابة ولم يتوبوا، ولم يُذكروا بشيء، ولم ينزل عُذرُهم، وضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَت، وهم الذين قال الله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ الآية [التوبة:١٠٦]. فجعل الناس يقولون: هلَكوا إذا لم ينزِل لهم عُذْرٌ. وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم. فصاروا مُرجَئِين لأمر الله حتى نزلت: ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ إلى قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ [التوبة:١١٧-١١٨]. يعني: المُرْجَئين لأمر الله، نزلت عليهم التوبة، فعُمُّوا بها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥٢-٦٥٣، ٦٦٠، ٦٦٩، ٦٧٠ مفرقًا، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٢-١٨٧٣ (١٠٣٠٥)، من طريق العوفي، عن ابن عباس. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾، قال: هُم مِن الأعراب١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥٧، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٣، من طريق العوفي، عن ابن عباس. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن عطية(٤/٣٩٦) قول ابن عباس ثم قال معلّقا:«فهي آية ترج على هذا».
٦
عن جابر بن عبد الله، قال: كان مِمَّن تخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ستة: أبو لُبابة، وأوس بن خِذام، وثعلبة بن وديعة، وكعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أُمَيَّة، فجاء أبو لُبابة، وأوس، وثعلبة، فربَطوا أنفسهم بالسواري، وجاءوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله، خذ؛ هذا الذي حَبَسَنا عنك. فقال رسول الله ﷺ: «لا أحُلُّهم حتى يكون قتال». فنزل القرآن: ﴿خلطوا عملًا صالحًا وءاخر سيئًا﴾ الآية. وكان مِمَّن خُلِّف عن التوبة وأُرجِئ كعبُ بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أُمَيَّة، فأُرْجِئوا أربعين يومًا، فخرَجوا، وضرَبوا فَساطيطَهم، واعتزلَهم نساؤهم، ولم يتولَّهم المسلمون ولم يتبرَّءوا منهم، فنزل فيهم: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ إلى قوله: ﴿التواب الرحيم﴾. فبعثت أمُّ سلمة إلى كَعْب فبَشَّرَته١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة ١‏/‏٣١٢-٣١٣ (٩٩٨)، وابن عساكر في تاريخه ٥٠‏/‏١٩٥-١٩٦ (١٠٦٤٨). قال السيوطي: «بسند قوي».
٧
عن سعيد بن المسيب: أنّ بني قُرَيْظَة كانوا حلفاء لأبي لُبابة، فاطَّلَعوا إليه وهو يَدعُوهم إلى حكم رسولِ الله ﷺ، فقالوا: يا أبا لُبابة، أتأمُرُنا أن ننزِل. فأشار بيده إلى حَلْقِه أنّه الذَّبْح، فأُخبِر عنه رسول الله ﷺ بذلك، فقال له رسولُ الله ﷺ: «أحَسِبْتَ أنّ الله غفل عن يدِك حين تُشِيرُ إليهم بها إلى حلقك». فلَبِث حينًا ورسولُ الله ﷺ عاتِبٌ عليه، ثم غزا رسولُ الله ﷺ تبوكًا، وهي غزوة العُسْرَة، فتَخلَّف عنه أبو لُبابة فيمَن تَخلَّف، فلمّا قَفَل رسولُ الله ﷺ منها جاءه أبو لُبابة يُسَلِّمُ عليه، فأعرَض عنه رسولُ الله ﷺ، ففزع أبو لُبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أُمِّ سلمة سبعًا، بين يوم وليلة في حرٍّ شديد، لا يأكل فيهنَّ، ولا يشرب قطرةً، وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أُفارِق الدنيا أو يتوب الله عليَّ. فلم يزل كذلك حتى ما يُسمِعَ الصوتَ مِن الجَهْد، ورسول الله ﷺ ينظر إليه بُكرةً وعشيةً، ثم تاب الله عليه، فنُودِي: إنّ الله قد تاب عليك. فأرسل إليه رسولُ الله ﷺ لِيُطلِقَ عنه رباطه، فأبى أن يطلقه أحدٌ إلا رسول الله ﷺ، فجاءه رسول الله ﷺ فأطلقه عنه بيده، فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إنِّي أهجُرُ دار قومي التي أصبت فيها الذَّنبَ، وأنتقل إليك فأُساكِنُك، وإنِّي أختَلِعُ من مالي صدقةً إلى الله ورسوله ﷺ. فقال: «يُجْزِئُ عنك الثُلُثُ». فهجر أبو لبابة دار قومه، وساكَن رسولَ الله ﷺ، وتصدَّق بثُلُث ماله، ثم تاب فلم يُرَ منه في الإسلام بعد ذلك إلّا خيرٌ حتى فارقَ الدُّنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٥‏/‏٢٧٠-٢٧١ من مرسل سعيد بن المسيب.
٨
عن سعيد [بن جبير] -من طريق جعفر- قال: الذين ربطوا أنفسهم بالسَّوارِي هلال، وأبو لُبابة، وكَرْدَمٌ، ومِرْداسٌ، وأبو قيس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥٣.
٩
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿اعترفوا بذنوبهم﴾، قال: هو أبو لبابة إذ قال لقُرَيْظَة ما قال، وأشار إلى حلقِه بأنّ محمدًا يذبحُكم إن نَزَلْتُم على حُكْمِه١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٧٤، وأخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥٦، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٣، والبيهقي في الدلائل ٥‏/‏٢٧١. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
١٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث-: ربط أبو لبابة نفسَه إلى سارية، فقال: لا أُحِلُّ نفسي حتى يُحِلّني اللهُ ورسوله. قال: فحلَّه النبيُّ ﷺ، وفيه أُنزِلت هذه الآية: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥٦، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٣ بنحوه.
١١
قال الحسن البصري، في قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ الآية: هُم نفر مِن المؤمنين كان عَرَضَ في هِمَمِهم شيءٌ، ولم يعزموا على ذلك، ثم تابوا من بعد ذلك، وأَتَوا رسولَ الله ﷺ، فاعترفوا بذنوبهم١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٢٢٩-.
١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله تعالى: ﴿خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا﴾، قال: هم نَفَرٌ مِمَّن تخلَّف عن غزوة تبوك، منهم أبو لُبابة، ومنهم جَدُّ بن قيس، ثم تِيب عليهم. قال قتادة: وليسوا بالثلاثة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٨٦.
١٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وءاخرون اعترفوا بذنوبهم﴾، قال: ذُكِر لنا: أنّهم كانوا سبعة رَهْط تخلَّفوا عن غزوة تبوك؛ منهم أربعة خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا؛ جَدُّ بن قيس، وأبو لُبابة، وجُذام، وأوس، كلُّهم مِن الأنصار تِيبَ عليهم، وهم الذين قيل فيهم: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥٤، وابن أبي حاتم ١٨٧٣. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَد ابنُ عطية (٤/٣٩٧) مستندًا لدلالة التاريخ ما جاء في قول قتادة مِن أنّه عدَّ جَدَّ بن قيس منهم، فقال: «وذكر قتادة فيهم الجد بن قيس، وهو فيما أعلم وهْمٌ؛ لأن الجدَّ لم تُروَ له توبة».
١٤
قال محمد ابن شهاب الزهري -من طريق مَعْمَر-: كان أبو لُبابة مِمَّن تخلَّف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فرَبَط نفسه بسارية، فقال: واللهِ، لا أحُلُّ نفسي منها، ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتوب الله عَلَيَّ. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعامًا ولا شرابًا، حتى خَرَّ مغشيًّا عليه. قال: ثم تاب الله عليه، ثم قيل له: قد تِيب عليك يا أبا لُبابة. فقال: واللهِ، لا أحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو يَحُلُّني. قال: فجاء النبيُّ ﷺ فَحَلَّه بيده، ثم قال أبو لُبابة: يا رسول الله، إنّ مِن توبتي أن أهجُر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنبَ، وأن أنخلِعَ من مالي كلِّه صدقةً إلى الله وإلى رسوله. قال: «يُجْزِيك -يا أبا لُبابة- الثُّلُث»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٥‏/‏٤٠٥-٤٠٦ (٩٧٤٥)، وفي تفسيره ٢‏/‏١٦٣، وابن جرير ١١‏/‏٦٥٧ مرسلًا.
١٥
عن زيد بن أسلم -من طريق يعقوب- في قوله: ﴿وءاخرون اعترفوا بذنوبهم﴾، قال: هم الثمانية الذين ربَطوا أنفسهم بالسواري، منهم كَرْدم، ومِرْداس، وأبو لُبابة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥٤، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٢.

تفسير

٨ أقوال
١
عن مالك بن دينار، قال: سألتُ الحسنَ البصريَّ عن قول الله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا﴾. فقال: يا مالك، تابوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٤. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿خلطوا عملًا صالحًا﴾ قال: غَزوهم مع رسول الله ﷺ، ﴿وءاخر سيئًا﴾ قال: تخلُّفهم عنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٤.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ يعني: غزوتهم قبل ذلك، ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ يعني: تخلفهم بغير إذْن١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٩٣-١٩٤.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قوله: ﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾: و«عسى» مِن الله واجِبٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥١-٦٥٢، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٤.
٥
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٦٥٤-٦٥٥ مرسلًا.
٦
عن أبي مالك غَزْوان الغِفارِيِّ، وإسماعيل السُّدِّيِّ، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٤.
٧
عن مالك بن دينار، قال: سألتُ الحسنَ البصري عن قول الله: ﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾. [قال]: و«عسى» مِن الله واجبة١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٤. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِتَخَلُّفهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. قال مقاتل: العسى من الله واجب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٩٤.

آثار متعلقة بالآية

٦ أقوال
١
عن أبي موسى، أنّ رسول الله ﷺ قال: «رأيتُ رِجالًا تُقرَضُ جلودُهم بمقاريض من نار، قلتُ: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يَتَزيَّنون إلى ما لا يَحِلُّ لهم. ورأيت جُبًّا خبيثَ الريح وفيه صياح، قلت: ما هذا؟ قال: هُنَّ نساءٌ يَتَزَيَّنَّ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُنَّ. ورأيت قومًا اغتسلوا من ماء الحياة، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه الخطيب في تاريخه ٢‏/‏٢٨٧ (٢٩٢)، وابن عساكر في تاريخه ٥١‏/‏٢١٥-٢١٦، كلاهما في ترجمة محمد بن إبراهيم الحلواني قاضي بلخ. إسناده ضعيف؛ فيه محمد بن إسماعيل بن عياش، قال أبو داود: «لم يكن بذاك». وعابوا عليه أنه حدّث عن أبيه بغير سماع. ينظر: ميزان الاعتدال ٣‏/‏٤٨١ (٧٢٢٥)، وتقريب التهذيب (٤٧٢٦).
٢
عن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله ﷺ مِمَّن يُكثِرُ أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟». وإنّه قال لنا ذات غداة: «إنّه أتانى الليلة آتِيان، فقالا لي: انطلِقْ. فانطَلقتُ معهما، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فأتينا على رجل مُضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فَيَثلَغُ رأسَه، فيَتَدَهْدَهُ الحجرُ هاهنا، فيَتْبَع الحجرَ فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يَصِحَّ رأسُه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى، قلت لهما: سبحان الله، ما هذان؟ قالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا فأتينا على رجل مُسْتَلْقٍ لِقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكَلُّوبٍ١ مِن حديد، وإذا هو يأتي أحد شِقَّي وجهِه فَيُشَرْشِرُ شِدقَه إلى قفاه، ومَنخِرَه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحوَّلُ إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعَل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يَصِحَّ ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيَفْعَل مثل ما فعَل المرة الأولى، قلت: سبحان الله، ما هذان؟ قالا لى: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا فأتينا على مثل التَّنُّور، فإذا فيه لَغَط وأصوات، فاطَّلَعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عُراة، فإذا هم يأتيهم لَهَب مِن أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللَّهَبُ ضَوْضَوْا٢، قلت: ما هؤلاء؟ فقالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شاطئ النهر رجل عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابِح يسبح ما يسبح، ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيَفْغَرُ له فاه فيُلقِمُه حجرًا، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلمّا رجع فَغَر له فاه فألقمه حجرًا، قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا، فأتينا على رجل كريه المَرْآة كأَكْرَهِ ما أنت راءٍ، وإذا هو عنده نار يَحُشُّها٣ ويسعى حولها، قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا فأتينا على روضة مُعتِمَةٍ، فيها من كل نَوْر الرَّبيع، وإذا بين ظَهْرَيِ الروضةِ رجلٌ طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل مِن أكثر ولدان رأيتهم قط، قالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا، فانتهينا إلى روضة عظيمةٍ لم أرَ روضةَ قطُّ أعظمَ منها ولا أحسن. قالا لي: ارْقَ فيها. فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَب ولَبِنِ فضة، فأتينا بابًا، فاسْتَفْتَحْنا ففُتح لنا، فدخلناها، فتَلَقّانا فيها رجال شَطْرٌ مِن خَلْقِهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطرٌ كأقبح ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فقَعُوا في ذلك النهر. فإذا نهر مُعتَرِضٌ يجري كأنّ ماءه المَحْض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلُك. فسما بصرى صُعُدًا، فإذا قصر مثل الرَّبابة البيضاء، قالا لى: هذا منزلك. قلت لهما: بارك الله فيكما، ذَراني فأدخله. قالا: أمّا الآن فلا، وأنت داخله. قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قالا لي: أمّا الرجل الأول الذي أتيتُ عليه يُثلَغُ رأسُه بالحجر فإنّه الرجل يأخذ القرآنَ فيَرفُضُه، وينام عن الصلاة المكتوبة، يُفعَلُ به إلى يوم القيامة، وأَمّا الرجلُ الذي أتيتُ عليه يُشَرشَرُ شِدقُه إلى قفاه، ومَنخِرُه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنّه الرجل يَغدو من بيته فيَكذِب الكذبة تبلغ الآفاق، فيُصنَعُ به إلى يوم القيامة، وأَمّا الرجال والنساء العُراة الذين في مثل التَّنُّور فإنّهم الزُّناة والزواني، وأَمّا الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويُلقَمُ الحجارة فإنّه آكل الربا، وأَمّا الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يَحُشُّها فإنّه مالِكٌ خازن النار، وأَمّا الرجل الطويل الذي في الرَّوضة فإنّه إبراهيم ﷺ، وأَمّا الوِلدان الذين حوله فكلُّ مولودٍ مات على الفِطْرة، وأَمّا القوم الذين كانوا شَطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنّهم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا تجاوز الله عنهم، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل»٤
التخريج
  1. ١الكَلُّوب -بالتشديد-: حديدة مُعْوَجَّة الرأس. النهاية (كلب).
  2. ٢ضوضوا: ضجوا واستغاثوا. النهاية (ضوا).
  3. ٣يحشها: يوقدها. النهاية (حشش).
  4. ٤أخرجه البخاري ٢‏/‏١٠٠ (١٣٨٦)، ٤‏/‏١٤٠ (٣٣٥٤)، ٦‏/‏٦٩ (٤٦٧٤)، ٩‏/‏٤٤ (٧٠٤٧)، وأخرجه مسلم ٤‏/‏١٧٨١ (٢٢٧٥) مقتصرًا على السؤال عن الرؤيا.
٣
عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله، حدِّثنا ما رأيتَ ليلةَ أُسْرِي بِك؟ قال: «رأيتُ أُمَّتي ضَرْبَيْن؛ ضرب عليهم ثياب أشدُّ بَياضًا مِن القِرطاس، وضرب عليهم ثياب رُمْدٌ١. فقلتُ: يا جبريل، مَن هؤلاء؟ قال: أمّا أصحاب الثياب الرُّمْد فإنّهم خلطوا عملًا صالِحًا وآخر سيِّئًا»٢
التخريج
  1. ١رُمْدٌ: أي غُبْر فيها كُدورة كلون الرَّماد. النهاية (رمد).
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٤ (١٠٣٠١). إسناده ضعيف جدًّا؛ فيه أبو هارون العبدي، واسمه: عمارة بن جُوَين، قال ابن حجر في التقريب (٤٨٤٠): «متروك، ومنهم من كذبه».
٤
عن ابن شَوْذَب، قال: قال الأحنف بن قيس: عَرَضت نفسي على القرآن، فلم أجدني بآية أشبه مِنِّي بهذه الآية: ﴿وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وءاخر سيئًا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٧٤.
٥
عن أبي عثمان النهدي -من طريق حجّاج- قال: ما في القرآن آيةٌ أرْجى عندي لهذه الأُمَّة من قوله: ﴿وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وءاخر سيئًا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏٥٤٨، وابن أبي الدنيا في التوبة (٤٥)، وابن جرير ١١‏/‏٦٥٨، والبيهقي في شعب الإيمان (٧١٦٥). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٦
عن مُطَرِّف [بن عبد الله بن الشِّخِّير] -من طريق ثابت- قال: إنِّي لَأسْتَلْقي من الليل على فراشي، وأتَدَبَّر القرآن، فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة؛ ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات:١٧]، ﴿يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، ﴿أمن هو قانت ءاناء الليل ساجدًا وقائمًا﴾ [الزمر:٩]، فلا أُراني منهم. فأعرض نفسي على هذه الآية: ﴿ما سلككم في سقر* قالوا لم نَكُ من المصلين﴾ إلى قوله: ﴿نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر:٤٢-٤٦] فأرى القوم مُكَذِّبين، فلا أُراني منهم. فأمُرُّ بهذه الآية: ﴿وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وءاخر سيئًا﴾ فأرجو أن أكون أنا وأنتم -يا إخوتاه- منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي (٧١٦٦). وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
التفسير بالمأثور لسورة التوبة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠٢ من سورة التوبة

٢٤ وقفةً في هذه الآية

  • {وءاخرون اعترفوا بذنوبهم} أقل الأحوال أن تقول:نعم أذنبت!ما بعد هذا إلا الهلكة،،

    — وليد العاصمي

  • "خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " إذا لم تستطع أن تتخلص وتتطهر من السيئات فاخلطها وكاثرها بالحسنات

    — علي الفيفي

  • "خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم" نحن لا نسامح من مزج حبه الكبير..بجفاء يسير! لكن الله أرحم بعباده من عباده

    — علي الفيفي

  • ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم ) إذا فعلت المعصية أكثر من الطاعات لـ تكون سبب في تكفير الخطئيات

    — عايض المطيري

  • خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِم دعونا نضع عملا صالحا في صناديق جرائمنا ربما نصير بها مخلطين فيتوب الله علينا

    — عبدالله بلقاسم

  • ‏﴿ وآخرون "اعترفوا" بذنوبهم......عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ عسى" من الله تعني التوكيد، اعترف بذنوبك....ليغفرها الله لك.

    — نايف الفيصل

  • (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) الاعتراف بالذنب آخر مقامات العبد المؤمن ، وما بعدها إلا المكابرة.

    — وليد العاصمي

  • ﴿ وآخرون "اعترفوا" بذنوبهم......عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ " عسى" من الله تعني التوكيد، اعترف بذنوبك....ليغفرها الله لك.

    — نايف الفيصل

  • إذا ضاق صدرك من ذنبك ... أو أصابك القنوط ... فتدبر هذه الآية : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم.

    — نايف الفيصل

  • ﴿ وآخرون "اعترفوا" بذنوبهم......"عسى" الله أن يتوب عليهم ﴾ عسى" من الله= تعني التوكيد اعترف بذنوبك..ليغفرها الله لك.

    — نايف الفيصل

  • سئل أبو عثمان النهدي -وهو تابعي كبير-: أي آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال: ما في القرآن آية أرجى عندي -لهذه الأمة- من قوله: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

    — جلال الدين السيوطي

  • هل ضاق صدرك من ذنوبك؟ هل قنطك الشيطان من رحمة ربك؟ تدبر هذه الآية: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) فمن الذي ما أساء قط؟ إنما يأتي الخوف عندما ينهمك العبد في ذنوبه دون ندم على ما مضى منه، فهذا على خطر عظيم.. فبشرى للنادمين!

    — تفسير السعدي

و١٢ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٠٢ من سورة التوبة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٠٢ من سورة التوبة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(102) And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.[502] Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
[502]- This refers to their having previously taken part in jihād but having abstained on the occasion of Tabūk.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال