لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن
عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ فيه قولان : أحدهما : أنهم قوم من المنافقين تابوا من نفاقهم وأخلصوا وحجة هذا القول أن قوله تعالى وآخرون عطف على قوله وممن حولكم من الأعراب منافقون والعطف موهم ويعضده ما نقله الطبري. عن ابن عباس أنه قال : هم الأعراب. والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين إنها نزلت في جماعة من المسلمين من أهل المدينة تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ثم ندموا على ذلك.
واختلف المفسرون في عددهم فروي عن ابن عباس أنهم كانوا عشرة منهم أبو لبابة وروي أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم كانوا ثمانية أحدهم أبو لبابة وثقال وقال قتادة والضحاك : كانوا سبعة أحدهم أبو لبابة. وقيل : كانوا ثلاثة : أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، وذلك أنهم كانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ثم ندموا بعد ذلك وتابوا وقالوا أنكون في الظلال ومع النساء ورسول الله ﷺ وأصحابه في الجهاد واللأواء ؟ فلما رجع رسول الله ﷺ من سفره وقرب من المدينة قالوا : والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنا ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع النبي ﷺ مرَّ بهم فرآهم فقال :«من هؤلاء » ؟ فقالوا : هؤلاء الذين تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم فقال رسول الله ﷺ :«وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم »، ورغبوا عني وتخلفوا عن الغزوة مع المسلمين. فأنزل الله عز وجل هذه الآية فأرسل رسول الله ﷺ إليهم فأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك خذها فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال رسول الله ﷺ :«ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً » فأنزل الله : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم الآية. وقال قوم : نزلت هذه الآية في أبي لبابة خاصة واختلفوا في ذنبه الذي تاب منه فقال مجاهد : نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريظة : إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى حلقه فندم على ذلك وربط نفسه بسارية. وقال : والله لا أحل نفسي ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه، فأنزل الله هذه الآية فقيل له قد تيب عليك فقال : والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني فجاء رسول الله ﷺ فحله بيده فقال أبو لبابة : يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال يجزيك الثلث يا أبا لبابة. قالوا جميعاً فأخذ رسول الله ﷺ ثلث أموالهم وترك لهم الثلثين لأن الله سبحانه وتعالى قال : خذ من أموالهم ولم يقل خذ أموالهم. لأن لفظة «من » تقتضي التبعيض. وقال الحسن وقتادة : وهؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلفوا وسيأتي خبرهم.
أما تفسير الآية : فقوله تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم قال أهل المعاني : الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء ومعناه أنهم أقروا بذنبهم وفيه دقيقة وهي أنهم لم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم من المنافقين ولكن اعترفوا على أنفسهم بذنوبهم وندموا على ما فعلوا.
فإن قلت : الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا ؟
قلت : مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة فإذا اقترن الاعتراف بالندم على الماضي من الذنب والعزم على تركه في المستقبل يكون ذلك الاعتراف والندم توبة.
وقوله سبحانه وتعالى :﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾ قيل : أراد بالعمل الصالح إقرارهم بالذنب وتوبتهم منه والعمل السيئ هو تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ. وقيل : العمل الصالح هو خروجهم مع رسول الله ﷺ إلى سائر الغزوات والسيئ هو تخلفهم عنه في غزوة تبوك. وقيل : إن العمل الصالح يعم جميع أعمال البر والطاعة والسيئ ما كان ضده فعلى هذا تكون الآية في حق جميع المسلمين والحمل على العموم أولى وإن كان السبب مخصوصاً بمن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك.
وروى الطبري عن أبي عثمان قال ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم.
فإن قلت قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيئ مخلوطاً فما المخلوط به.
قلت : إن الخلط عبارة عن الجمع المطلق فأما قولك خلطته فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد من الخليطين بالآخر ويتغير به عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن فتنوب الواو عن الباء فيكون معنى الآية على هذا خلطوا عملاً صالحاً بآخر ذكره غالب المفسرين وأنكره الإمام فخر الدين الرازي. وقال : اللائق بهذا الموضع الجمع المطلق لأن العمل الصالح والعمل السيئ إذا حصلا معاً بقي كل واحد منهما على حاله كما هو مذهبنا فإن عندنا القول بالإحباط باطل فالطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب فقوله سبحانه وتعالى خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر فليس إلا الجمع المطلق. وقال الواحدي : العرب تقول خالطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن كما تقول جمعت زيداً وعمراً. والواو في الآية أحسن من الباء لأنه أريد معنى الجمع لا حقيقة الخلط. ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسيئ كما يختلط الماء باللبن لكن قد يجمع بينهما وقوله سبحانه وتعالى :﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين : عسى من الله واجب والدليل عليه قوله سبحانه وتعالى : فعسى الله أن يأتي بالفتح وقد فعل ذلك. وقال أهل المعاني : لفظة عسى هنا تفيد الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الاتكال والإهمال.
وقيل : إن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بل كل ما يفعله على سبيل التفضل والتطول والإحسان فذكر لفظة عسى التي هي للترجي والطمع حتى يكون العبد بين الترجي والإشفاق ولكن هو إلى نيل ما يرجوه منه أقرب لأنه ختم الآية بقوله ﴿إن الله غفور رحيم﴾ وهذا يفيد إنجاز الوعد.
واختلف المفسرون في عددهم فروي عن ابن عباس أنهم كانوا عشرة منهم أبو لبابة وروي أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم كانوا ثمانية أحدهم أبو لبابة وثقال وقال قتادة والضحاك : كانوا سبعة أحدهم أبو لبابة. وقيل : كانوا ثلاثة : أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، وذلك أنهم كانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ثم ندموا بعد ذلك وتابوا وقالوا أنكون في الظلال ومع النساء ورسول الله ﷺ وأصحابه في الجهاد واللأواء ؟ فلما رجع رسول الله ﷺ من سفره وقرب من المدينة قالوا : والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنا ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع النبي ﷺ مرَّ بهم فرآهم فقال :«من هؤلاء » ؟ فقالوا : هؤلاء الذين تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم فقال رسول الله ﷺ :«وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم »، ورغبوا عني وتخلفوا عن الغزوة مع المسلمين. فأنزل الله عز وجل هذه الآية فأرسل رسول الله ﷺ إليهم فأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك خذها فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال رسول الله ﷺ :«ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً » فأنزل الله : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم الآية. وقال قوم : نزلت هذه الآية في أبي لبابة خاصة واختلفوا في ذنبه الذي تاب منه فقال مجاهد : نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريظة : إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى حلقه فندم على ذلك وربط نفسه بسارية. وقال : والله لا أحل نفسي ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه، فأنزل الله هذه الآية فقيل له قد تيب عليك فقال : والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني فجاء رسول الله ﷺ فحله بيده فقال أبو لبابة : يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال يجزيك الثلث يا أبا لبابة. قالوا جميعاً فأخذ رسول الله ﷺ ثلث أموالهم وترك لهم الثلثين لأن الله سبحانه وتعالى قال : خذ من أموالهم ولم يقل خذ أموالهم. لأن لفظة «من » تقتضي التبعيض. وقال الحسن وقتادة : وهؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلفوا وسيأتي خبرهم.
أما تفسير الآية : فقوله تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم قال أهل المعاني : الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء ومعناه أنهم أقروا بذنبهم وفيه دقيقة وهي أنهم لم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم من المنافقين ولكن اعترفوا على أنفسهم بذنوبهم وندموا على ما فعلوا.
فإن قلت : الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا ؟
قلت : مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة فإذا اقترن الاعتراف بالندم على الماضي من الذنب والعزم على تركه في المستقبل يكون ذلك الاعتراف والندم توبة.
وقوله سبحانه وتعالى :﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾ قيل : أراد بالعمل الصالح إقرارهم بالذنب وتوبتهم منه والعمل السيئ هو تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ. وقيل : العمل الصالح هو خروجهم مع رسول الله ﷺ إلى سائر الغزوات والسيئ هو تخلفهم عنه في غزوة تبوك. وقيل : إن العمل الصالح يعم جميع أعمال البر والطاعة والسيئ ما كان ضده فعلى هذا تكون الآية في حق جميع المسلمين والحمل على العموم أولى وإن كان السبب مخصوصاً بمن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك.
وروى الطبري عن أبي عثمان قال ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم.
فإن قلت قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيئ مخلوطاً فما المخلوط به.
قلت : إن الخلط عبارة عن الجمع المطلق فأما قولك خلطته فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد من الخليطين بالآخر ويتغير به عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن فتنوب الواو عن الباء فيكون معنى الآية على هذا خلطوا عملاً صالحاً بآخر ذكره غالب المفسرين وأنكره الإمام فخر الدين الرازي. وقال : اللائق بهذا الموضع الجمع المطلق لأن العمل الصالح والعمل السيئ إذا حصلا معاً بقي كل واحد منهما على حاله كما هو مذهبنا فإن عندنا القول بالإحباط باطل فالطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب فقوله سبحانه وتعالى خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر فليس إلا الجمع المطلق. وقال الواحدي : العرب تقول خالطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن كما تقول جمعت زيداً وعمراً. والواو في الآية أحسن من الباء لأنه أريد معنى الجمع لا حقيقة الخلط. ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسيئ كما يختلط الماء باللبن لكن قد يجمع بينهما وقوله سبحانه وتعالى :﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين : عسى من الله واجب والدليل عليه قوله سبحانه وتعالى : فعسى الله أن يأتي بالفتح وقد فعل ذلك. وقال أهل المعاني : لفظة عسى هنا تفيد الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الاتكال والإهمال.
وقيل : إن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بل كل ما يفعله على سبيل التفضل والتطول والإحسان فذكر لفظة عسى التي هي للترجي والطمع حتى يكون العبد بين الترجي والإشفاق ولكن هو إلى نيل ما يرجوه منه أقرب لأنه ختم الآية بقوله ﴿إن الله غفور رحيم﴾ وهذا يفيد إنجاز الوعد.