لم يذكر ابنُ جرير (١٦‏/‏٤٤٥) عن السلف في تفسير الآية غير قول ابن عباس، وقول قتادة من طريق معمر. واستدل به على قوله في تأويل الآية: «يقول -تعالى ذكره-: قل، يا محمد: يا ربِّ، افصل بيني وبين مَن كذبني من مشركي قومي، وكفر بك، وعبد غيرك، بإحلال عذابك، ونقمتك بهم. وذلك هو الحق الذي أمر الله تعالى ذكره نبيَّه أن يسأل ربه الحكم به، وهو نظير قوله -جل ثناؤه-: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾ [الأعراف:٨٩]...». ثم ذكر قولًا لم ينسبه لأحد، فقال: «وقد زعم بعضُهم أن معنى قوله: ﴿رب احكم بالحق﴾: قل: رب، احكم بحكمك الحق. ثم حذف»الحكم«الذي»الحق«نعت له، وأقيم»الحق«مقامه». ثم علّق عليه بقوله: «ولذلك وجْهٌ، غير أن الذي قلناه أوضح وأشبه بما قاله أهل التأويل، فلذلك اخترناه»

أفادت الآثار اختلاف السلف في المراد بقوله: ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾ على قولين: الأول: أنّ الطالب: هو الآلهة. والمطلوب: هو الذباب. الثاني: أن الطالب: هو السائل من بني آدم الآلهة. والمطلوب: هو الأصنام المَدْعُوَّة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٦٣٦) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعَلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلت: هذا القول أولى بتأويل ذلك لأنّ ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب؛ فأن يكون ذلك خبرًا عما هو به مُتَّصل أشبه مِن أن يكون خبرًا عما هو عنه منقطع». وبنحوه قال ابنُ كثير (٥‏/‏٤٥٤). وأمّا ابنُ القيم (٢‏/‏٢٢٢) فقد رجّح العموم في الآية، فقال: «والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع، فضعُفَ العابدُ والمعبود: المستلِبُ والمستلَبُ». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢٧٤) القولين، وبيّن أن الآية تحتمل وجهًا ثالثًا، فقال: «ويحتمل أن يريد: ضَعُفَ الطّالِبُ وهو الذباب في استلابه ما على الأصنام، وضعف الأصنام في ألا مَنَعَة لهم»

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٣٩٢ بتصرف) في قوله: ﴿تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ قولين، فقال: «واختلف الناس في تقلب القلوب والأبصار، كيف هو؟ فقالت فرقة: يرى الناسُ الحقائقَ عيانًا، فتتقلب قلوب الشاكِّين ومعتقدي الضلال عن معتقداتها إلى اعتقاد الحق على وجهه، وكذلك الأبصار. وقالت فرقة: هو تقلُّبٌ على جمر جهنم». ثم علّق عليهما قائلًا: «ومقصد الآية هو وصف هول يوم القيامة، فأمّا القول الأول فليس يقتضي هولًا، وأما الثاني فليس التقلب في جمر جهنم في يوم القيامة، وإنما هو بعده». ثم رجّح مستندًا إلى لغة العرب أنّ ""معنى الآية: أنّ ذلك اليوم لشدة هوله ومطلعه القلوب والأبصار فيه مضطربة قلقة متقلبة مِن طمعٍ في النجاة إلى طمع، ومِن حذرِ هلاك إلى حذر، ومِن نظرٍ في هول إلى النظر في الآخر، والعربُ تستعمل هذا المعنى في الحروب ونحوها، ومنه قول الشاعر:بل كان قلبك في جناحي طائر""

اختُلِف في سبب تفقد سليمان للهدهد وسؤاله عنه؛ فقال قوم: تفقده ليستخبره عن بُعد الماء في الوادي الذي نزل به في مسيره. وقال آخرون: لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقال غيرهم: إنما طلبه لأن الطَّير كانت تُظِلُّهم من الشمس، فأخلَّ الهدهد بمكانه، فطلعت الشمس عليهم من الخلل. وذكر ابنُ جرير (١٨‏/‏٣٢) القولين الأولين، ورجح اندراجهما في العموم دون القطع بأحدهما؛ لعدم وجود الدليل القاطع، فقال: «والله أعلم بأي ذلك كان؛ إذ لم يأتنا بأي ذلك كان تنزيل، ولا خبر عن رسول الله ﷺ؛ فالصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله أخبر عن سليمان أنه تفقد الطير؛ إمّا للنوبة التي كانت عليها وأخلت بها، وإما لحاجة كانت إليها عن بعد الماء». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٥٢٨) في الآية أقوالًا أخرى، منها قوله: «قالت فرقة: ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والتهمم بكل جزء منها». ثم علَّق بقوله: «وظاهر الآية أنه تفقد جميع الطير»

قال ابن عطية (٧‏/‏٤٩-٥٠): «وقوله:﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ عبارة تصلح للجواهر، أي قدر حبة، وتصلح للأعمال، أي ما زنته على جهة المماثلة قدر حبة، فظاهر الآية أنه أراد شيئًا من الأشياء خفيًا قدر حبة، ويؤيد ذلك ما روي من أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تقع في مثل البحر، أيعلمها الله؟ فراجعه لقمان بهذه الآية. وذكر كثير من المفسرين أنه أراد الأعمال المعاصي والطاعات، ويؤيد ذلك قوله: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أي: لا تفوت، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف. فيضاف ذلك إلى تبيين قدرة الله تعالى، وفي القول الآخر ليس ترجية ولا تخويف. ومما يؤيد قول من قال: هي من الجواهر قراءة عبد الكريم الجزري»فتكِنّ«بكسر الكاف وشد النون من الكِنّ الذي هو الشيء المغطى، وقرأ جمهور القراء»إن تك«بالتاء من فوق، »مثقال«بالنصب على خبر»كان«، واسمها مضمر تقديره: مسألتك، على ما روي، أو المعصية أو الطاعة على القول الثاني»

قال ابنُ عطية (٧‏/‏١٣٠) بتصرف: «تأول غير ابن زيد قوله:(أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) أن الإشارة إلى عائشة وحفصة ومن في عصمته ممن تزوجها بمهر، وأن ملك اليمين بعدُ حلال له، وأن الله تعالى أباح له مع المذكورات بنات عمه وعماته وخاله وخالاته ممن هاجرن معه، والواهبات خاصة له، فيجيء الأمر -على هذا التأويل- أضيق على النبي ﷺ، ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما:»كان رسول الله ﷺ يتزوج في أيّ الناس شاء، وكان ذلك يشق على نسائه، فلما نزلت هذه الآية، وحرّم عليه الناس إلا مَن سمّى سُرَّ نساؤه بذلك«؛ لأن ملك اليمين إنما تعلّقه في النادر من الأمر، وبنات العم والعمات والخال والخالات يسير، ومن يمكن أن يتزوج منهن محصور عند نسائه، لا سيما وقد قيد ذلك بشرط الهجرة، وكذا الواهبة من النساء قليل، فلذلك سُرَّ أزواج النبي ﷺ بانحصار الأمر»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٦٤٨) عدة احتمالات في الفاعل في قوله: ﴿زادهم هدى﴾: الأول: أن يكون الفاعل الله تعالى. وعلّق عليه بقوله: «والزيادة في هذا المعنى تكون إما بزيادة التفهيم والأدلة، وإما بورود الشرائع والنواهي والأخبار فيزيد الاهتداء لتزيد علم ذلك كله والإيمان به وذلك بفضل الله تعالى». الثاني: أن يكون الفاعل قول المنافقين واضطرابهم في الآية التي قبلها. وعلّق عليه قائلًا: «لأن ذلك مما يتعجّب المؤمن منه ويحمد الله على إيمانه، ويتزيّد بصيرة في دينه، فكأنه قال: المهتدون والمؤمنون زادهم فعل هؤلاء المنافقين هدى، أي: كانت الزيادة بسببه، فأسند الفعل إليه». الثالث: أن يكون الفاعل النبي محمد ﷺ، وذلك على قول مَن جعل الآية في قوم من النصارى. ثم علّق عليه قائلًا: «وقوله على هذا القول: ﴿اهتدوا﴾ يريد في إيمانهم بعيسى عليه السلام ثم زادهم محمد هدًى حين آمنوا به». ثم رجّح القول الأول بقوله: «وأقواها أن الفاعل الله تعالى». ولم يذكر مستندًا

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٠٧) أنّ الجمهور على أنّ المعنى: مواظبون قائمون لا يَملُّون في وقت من الأوقات فيتركونها. ثم علَّق بقوله: «وهذا في المكتوب، وأما النافلة فالدوام عليها الإكثار منها بحسب الطاقة، وقد قال ﷺ: «أحبّ العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه»». وذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏٣٩٥) أنّ السلف فسَّروا الدائم على الصلاة بالمُحافِظ على أوقاتها، وبالدائم على أفعالها بالإقبال عليها. ثم علَّق بقوله: «والآية تعمّ هذا وهذا، فإنه قال: ﴿على صلاتهم دائمون﴾، والدائم على الفعل هو المُديم له الذي يفعله دائمًا، فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرقة، هو أن يَفعله كلّ يوم بحيث لا يَفعله تارة ويتركه أخرى، وسُمّي ذلك دوامًا عليه، فالدوام على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دوامًا وأن تتناول الآية ذلك، وذلك يدل على وجوب إدامة أفعالها؛ لأن الله عز وجل ذمّ عموم الإنسان، واستثنى المُداوِم على هذه الصفة، فتاركُ إدامة أفعالها يكون مذمومًا من الشارع، والشارع لا يذمّ إلا على ترْك واجب أو فِعْل محرم»

زاد ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩٨-٥٩٩) في معنى الآية أقوالًا أخرى، وعلَّق على بعضها، فقال: «وقيل: الضريع: العِشْرِقُ. وقال النبي ﷺ: «الضريع شوك في النار». وقال بعض اللغويين: الضريع يَبِسُ العَرْفَج إذا تحطّم. وقال آخرون: هو رَطْبُ العَرْفج. وقال الزَّجّاج: هو نَبْتٌ كالعَوْسج. وقال بعض المفسرين: الضّريع نبتٌ في البحر أخضر منتن مُجَوَّف مستطيل له نَوْر فيه كبير... وكلّ مَن ذَكر شيئًا مما قدمناه فإنما يعني أنّ ذلك من نار ولا بُدّ، وكلّ ما في النار فهو نار. وقال قوم: ضَرِيع وادٍ في جهنم. وقال جماعة من المتأولين: الضّريعُ طعام أهل النار. ولم يُرِد أن يخصص شيئًا مما ذُكِر، قال بعض اللغويين: وهذا مما لا تعرفه العرب. وقيل: الضّريع: الجلدة التي على العظم تحت اللحم». ثم علَّق بقوله: «ولا أعرف مَن تأوَّل الآية بهذا، وأهل هذه الأقاويل يقولون: الزّقوم لطائفة، والضّريع لطائفة، والغِسْلين لطائفة»

سورة النور — الآية ٦

عن أنس، قال: لَأولُ لعانٍ كان في الإسلام أنّ شريك بن سَحْماء قذفه هلالُ بن أمية بامرأته، فرفعته إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «أربعة شهود، وإلا فحَدٌّ في ظهرك». فقال: يا رسول الله، إنّ الله ليعلم أنِّي لصادق، ولَيُنزِلَنَّ الله ما يُبَرِّىء به ظهري مِن الجلد. فأنزل الله آية اللعان: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ إلى آخر الآية. فدعاه النبيُّ ﷺ، فقال: «اشهد بالله أنّك لَمِن الصادقين فيما رميتها به مِن الزِّنا». فشهد بذلك أربعَ شهادات بالله، ثم قال له في الخامسة: «ولعنة الله عليك إن كنت مِن الكاذبين فيما رميتها به مِن الزنا». ففعل، ثم دعاها رسول الله ﷺ، فقال: «قُومي، فاشهدي بالله أنّه لمن الكاذبين فيما رماك به مِن الزنا». فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: «وغضب الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به مِن الزنا». فقالت، فلما كان في الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائرَ اليوم. فمَضَت على القول، ففَرَّق رسولُ الله ﷺ بينهما، وقال: «انظروا؛ فإن جاءت به جَعْدًا، حَمْشَ الساقين؛ فهو لشريك بن سَحْماء، وإن جاءت به أبيض، سبطًا، قَضِيء العينين؛ فهو لهلال بن أمية». فجاءت به آدم، جعدًا، حمش الساقين، فقال رسول الله ﷺ: «لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن»