ساق ابنُ عطية (٨/٢٣٦) هذه الأقوال، ونقل قولين آخرين: الأول: أن المعنى: كُنْ أوّل داخل في المسجد، وآخر خارج منه. ونسبه لعلي بن أبي طالب. الثاني: كونوا في أول صف في القتال. ونسبه لابن مسعود. ثم وجهه بقوله: «وهذا كله على جهة المثال». وذكر أنّه استُدل بهذه الآية على أن أول أوقات الصلوات أفضل؛ لأنه يقتضي المسارعة والمسابقة
ذكر ابنُ عطية (٨/٢٩٤) أنّ قوله تعالى: ﴿فلما جاءهم بالبينات﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد: عيسى عليه السلام، وتكون الآية وما بعدها تمثيلًا بأولئك لهؤلاء المعاصرين لمحمد ﷺ. الثاني: أن يكون التمثيل قد فَرغ عند قوله: ﴿أحْمَدُ﴾، ثم خرج إلى ذِكر أحمد لَمّا تطرق ذِكْرُه، فقال مخاطبة للمؤمنين: فلما جاء أحمد هؤلاء الكفار قالوا: هذا سحر مبين
اختُلف في معنى: ﴿وضُحاها﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: الضّحى: النهار كلّه. الثاني: ضَوؤها. الثالث: إشراقها. الرابع: حرّها. وعلَّق ابنُ عطية (٨/٦٢٧) على القول الرابع بقوله: «كقوله تعالى: ﴿ولا تَضْحى﴾ [طه:١١٩]». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٤٣٥) -مستندًا إلى دلالة اللغة، والعقل- القول الأول، وهو قول قتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ ضوء الشمس الظاهرة هو النهار كلّه»
اختلف المفسرون في الحال التي يُلزَم فيها الشاهدان باليمين في هذه الآية عند وقوع الريبة في شهادتهما على قولين: الأول: أن ذلك إذا شهدا على الميت أنه أوصى بما يخالف أحكام الإسلام من وصية بماله كله أو تفضيل لبعض ورثته على بعض. وهو قول عبد الله بن عباس من طريق عطية العوفي، وقول السدي. والثاني: أنّ ذلك إذا ادعيا أنّ الميت أوصى لهما ببعض المال. وهو قول يحيى بن يعمر. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٨٦-٩٤) مستندًا إلى السنة، وأقوال السلف، والدلالة العقلية أنّ اليمين يلزمهما إذا اتهمهما أهل الميت بالخيانة فيما دَفع إليهما الميت من ماله، أو بغير ذلك مما لا تبرأ ذمتهما منه إلا باليمين. وانتَقَد القولين الأولين، فقال: «وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة لأنّا لا نعلم من أحكام الإسلام حكمًا يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرًا لذلك، ولا صحَّ بخبر عن الرسول ﷺ، ولا بإجماع من الأمة، لأنّ استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى، فيكون أصلا مسلَّمًا. والمقول إذا خرج من أن يكون أصلًا أو نظيرًا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة كان واضحًا فساده، وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا فالقول بأنّ الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادَّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مُدَّعِيا لو ادَّعى في مال ميتٍ وصية، أنّ القول قول ورثة المدَّعى في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مُدَّعِي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدَّعِي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نقل الأيمان عنهم إلى أولياء الميت إذا عثر على أن الشهود استحقوا إثمًا في أيمانهم، فمعلوم بذلك فساد قول من قال: ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله، على أنّ ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنّ رسول الله ﷺ قضى به حين نزلت هذه الآية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم». ثم نقل الأحاديث الواردة في قصة تميم الداري وعدي بن بدّاء. وذكر ابنُ عطية (٣/٢٨٧) أن قوله تعالى: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ثم قال: «ومتى لم يقع ارتياب ولا اختلاف فلا يمين، أما أنه يظهر من حكم أبي موسى تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها وإن لم يرتب، وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهما دون بعض وتقع مع ذلك اليمين عنده، وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا بأن يكون الارتياب في خيانة أو تعدٍّ بوجه من وجوه التعدي، فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكِر، لا على أنه تكميل للشهادة»
اختُلف في معنى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: يريدون أن يُغيِّروا وعْد الله لأهل الحُدَيبية بِجَعْل غنائم خَيْبَر لهم. الثاني: أنّ الله تعالى وعَد نبيَّه ﷺ بالحُدَيبية أن يفتح عليه خَيْبَر، ونهاه عن أن يسير معه أحد من المتخلِّفين، فأراد المخَلَّفون أنْ يغيِّروا كلام الله الذي أمر به نبيَّه ﷺ. الثالث: يريدون أن يبدِّلوا كلام الله، أي: كتاب الله، كانوا يُبطِّئون المسلمين عن الجهاد ويأمرونهم أن يفرُّوا. الرابع: عُنِيَ بالآية: إرادتهم الخروج مع نبيِّ الله ﷺ في غَزْوِه، وقد قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ [التوبة:٨٣]. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٦٤) القول الأول، وهو قول مجاهد، ومقسم، وقتادة، وجويبر. وانتقد (٢١/٢٦٣) القول الرابع، وهو قول ابن زيد، مستندًا إلى أحوال النزول، والدلالة العقلية، فقال: «وهذا الذي قاله ابن زيد قولٌ لا وجْه له؛ لأن قول الله عز وجل: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ إنما نزل على رسول الله ﷺ مُنصَرَفَه مِن تبوك، وعُنِيَ به الذين تخلَّفوا عنه حين توجَّه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله ﷺ أنّ تبوك كانت بعد فتح خَيْبَر، وبعد فتح مكة أيضًا، فكيف يجوز أن يكون الأمرُ على ما وصفنا معنِيًّا بقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، وهو خبرٌ عن المتخلِّفين عن المسير مع رسول الله ﷺ -إذ شخَص معتمرًا يريد البيت، فصدَّه المشركون عن البيت- الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أُوحِي إلى رسول الله ﷺ قوله: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾». وانتقده ابنُ عطية (٧/٦٧٥) -مستندًا إلى أحوال النزول- قائلًا: «وهذا قول ضعيف؛ لأنّ هذه الآية نزلتْ في رجوع رسول الله ﷺ من تبوك، وهذا في آخر عمره ﷺ، وآية هذه السورة نزلت سنة الحُدَيبية، وأيضًا فقد غزت جُهَينة ومُزَيْنَة بعد هذه المدة مع رسول الله ﷺ، وقد فضَّلهم رسول الله ﷺ -بعد ذلك- على تميم وغطفان وغيرهم مِن العرب، الحديث المشهور، فأخبره الله تعالى أن يقول لهم في هذه الغزوة إلى خَيْبَر: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾، وخصَّ الله تعالى بها أهل الحُدَيبية». ونحوه قال ابنُ كثير (١٣/١٠٢)
اختُلِف في معنى قوله: ﴿إن ارتبتم﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ معنى ذلك: إن ارتبتم بالدم الذي يظهر منها لِكِبَرِها، أمن الحيض هو، أم من الاستحاضة. وهذا قول مجاهد، والزُّهريّ، وابن زيد. والثاني: أنّ معنى ذلك: إن ارتبتم بحكمهنّ، فلم تدروا ما الحكم في عدتهنّ. وهذا قول أُبَيّ. والثالث: أنّ معنى ذلك: إن ارتبتم بالدم الذي يظهر منها، أمن الحيض هو، أم من الاستحاضة؟ من كِبَرٍ كان ذلك أم من علّة؟ وهذا قول عكرمة، وقتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٣/٥٢-٥٣) القولَ الثانيَ استنادًا إلى ظاهر اللفظ، والدلالة العقلية، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصحة قول مَن قال: عني بذلك: إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهنَّ. وذلك أن معنى ذلك لو كان كما قاله مَن قال: إن ارتبتم بدمائهن فلم تدروا أدم حيض، أو استحاضة؟ لقيل: إن ارتبتن. لأنهن إذا أشكل الدم عليهنّ فهنّ المرتابات بدماء أنفسهنّ لا غيرهنّ، وفي قوله: ﴿إن ارتبتم﴾ وخطابه الرجال بذلك دون النساء الدليل الواضح على صحة ما قلنا من أنّ معناه: إن ارتبتم أيها الرجال بالحكم فيهنّ. وأخرى: وهو أنه -جلّ ثناؤه- قال: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ واليائسة من المَحِيض هي التي لا ترجو مَحيضًا للكِبَر، ومحال أن يقال: ﴿واللائي يئسن﴾، ثم يقال: ارتبتم بيأسهن. لأن اليأس: هو انقطاع الرجاء، والمرتاب بيأسها مرجوّ لها، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد، فإذا كان الصواب مِن القول في ذلك ما قلنا، فبيِّن أن تأويل الآية: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ بالحكم فيهنّ، وفي عِددهن، فلم تدروا ما هو، فإنّ حكم عِددهنّ إذا طُلقن، وهنّ ممن دخل بهن أزواجهنّ فعِدّتهنّ ثلاثة أشهر». ومالَ إلى هذا القول ابنُ كثير (١٤/٣٥ بتصرف)، فقال: «هو اختيار ابن جرير، وهو أظهر في المعنى، واحتجّ عليه بما رواه عن... أبيّ بن كعب». وقال ابنُ عطية (٨/٣٣١-٣٣٢): «اليائسات من المحيض على مراتب: فيائسة هو أول يأسها، فهذه ترفع إلى السنة، ويبقيها الاحتياط على حكم مَن ليست بيائسة؛ لأنّا لا ندري لعلّ الدم يعود. ويائسة قد انقطع عنها الدم؛ لأنها طَعنت في السن، ثم طُلّقت، وقد مرّت عادتها بانقطاع الدم، إلا أنها مما يُخاف أن تَحمل نادرًا، فهذه التي في الآية على أحد التأويلين في قوله: ﴿إن ارتبتم﴾، وهو قول مَن يجعل الارتياب بأمر الحمل، وهو الأظهر. ويائسة قد هَرمتْ حتى تتيقن أنها لا تحمل، فهذه ليست في الآية؛ لأنها لا يُرتاب بحمْلها، لكنها في حكم الأشهر الثلاثة إجماعًا فيما علمتَ، وهي في الآية على تأويل مَن يرى قوله: ﴿إن ارتبتم﴾ معناه في حكم اليائسات»
اختُلِف في المراد بـ«الذين ظلموا» في قوله تعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، وهل الآية ثابتة، أم منسوخة؟ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المراد بهم: الذين لم يؤدُّوا الجزية مِن أهل الكتاب، وحاربوا المسلمين، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب مِن اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن، إلا المحاربين الذين لم يؤدُّوا الجزية، فأولئك ينبغي جدالهم بالسيف حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية. وهذا قول مجاهد. والثاني: أنّ المراد بهم: المقيمون على كفرهم مِن أهل الكتاب، والمعنى: ولا تجادلوا مَن آمن مِن أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن ذلك مَن بقي على كفره مِن أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليهم. والآية على هذا محكمة غير منسوخة. وهذا قول ابن زيد. والثالث: أنّ المراد بهم: مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن المجادلة بالحسنى مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، ثم نُسِخَ ذلك بآية القتال والجزية. وهذا قول قتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨/٤٢٠-٤٢١) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثانيَ استنادًا إلى الدلالة العقلية، وقال: «إنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لأن الله -تعالى ذِكْرُه- أذِن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن بقوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، فمعلوم -إذ كان قد أذن لهم في جدالهم- أنّ الذين لم يُؤذَن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن غيرُ الذين أذن لهم بذلك فيهم، وأنهم غير المؤمنين؛ لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحقّ؛ لأنه إذا جاء بغير الحق فقد صار في معنى الظَلَمة في الذي خالف فيه الحقّ، فإذ كان ذلك كذلك تبيَّن أن لا معنى لقول مَن قال: عنى بقوله: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ أهل الإيمان منهم». ورجَّحَ ابنُ عطية (٦/٦٥١) القولَ الثالثَ استنادًا إلى أحوال النُّزول، فقال: «الذي يَتَوَجَّه في معنى الآية إنما يتضح في معرفة الحال في وقت نزول الآية، وذلك أن السورة مكية من بعد الآيات العشر الأول، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية، ولا غير ذلك، وكانت اليهود بمكة وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدين وتكذيب، فأمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم بالمحاجّة إلا بالحسنى، دعاء إلى الله تعالى وملاينة، ثم استثنى مَن ظلم منهم المؤمنين إما بفعل، وإما بقول، وإما بإذاية محمد ﷺ، وإما بإعلان كُفْر فاحش كقول بعضهم: عزير ابن الله، ونحو هذا، فإن هذه الصفة استثني لأهل الإسلام معارضتها بالخروج معها عن التي هي أحسن، ثم نسخ هذا بَعْدُ بآية القتال والجزية». وانتَقَدَ ابنُ جرير (١٨/٤٢١) القول بالنسخ؛ لعدم ورود دليل به، فقال: «لا معنى لقول مَن قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال. وزعم أنها منسوخة؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل». ونحا ابنُ تيمية (٥/١١٠-١١٢) منحى ابن جرير في اختياره قول مجاهد، وانتقاده القولَ بالنسخ
اختُلف في قوله: ﴿وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون﴾ على أقوال: الأول: إلا ليُقِرّوا ويُذعنوا بالعبودية طوعًا أو كرهًا. الثاني: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي. الثالث: إلا ليعرفوني. الرابع: الآية خاصة في أهل الإيمان، والمعنى: وما خلقت الطائعين من الجن والإنس إلا لعبادتي. وقد ذكر ابنُ عطية (٨/٨٢) القول الأول، وعلّق عليه، فقال: «قال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي، وليُقِرّوا لي بالعبودية، فعبّر عن ذلك بقوله: ﴿ليعبدون﴾ إذ العبادة هي مضمون الأمر». وعلّق على القول الرابع بقوله: «ويؤيد هذا التأويل أن ابن عباس روى عن النبي ﷺ أنه قرأ: (وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي)». وعلّق ابنُ تيمية (٦/١١٦) على القولين الأول والثالث، فقال: «فعلى هذه الأقوال أن جميع الإنس والجن عبدوه وعرفوه ووحّدوه وأقرُّوا له بالعبودية طوعًا وكرهًا». ولم يذكر ابنُ جرير غير القولين الأولين، ثم رجّح (٢١/٥٥٥) القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس، وهو: ما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتنا، والتذلل لأمرنا. فإن قال قائل: فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره؟ قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم؛ لأن قضاءه جارٍ عليهم، لا يقدرون من الامتناع منه إذا نزل بهم، وإنما خالفه مَن كفر به في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه». وأورد ابنُ تيمية (٦/١١٧) توجيه ابن جرير لترجيحه، ونسَبه للثعلبي، ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، وظاهر القرآن، والسياق، فقال: «وهذا المعنى -وإن كان في نفسه صحيحًا، وقد نازعت القدرية في بعضه- فليس هو المراد بالآية، فإن جميع المخلوقات -حتى البهائم والجمادات- بهذه المنزلة. وأيضًا فالعبادة المذكورة في عامة المواضع في القرآن لا يراد بها هذا المعنى. وأيضًا فإن قوله: ﴿ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ دليل على أنه خلقهم ليعبدوه، لا ليرزقوا ويُطعموا، بل هو المُطعم الرازق، وإطعامه لهم ورزقه إياهم هو من جملة تدبيرهم وتصريفهم، الذي قد جعله أهل هذا القول عبادةً له، فتكون العبادة التي خُلقوا لها كونهم مرزوقين مُدبَّرين، وهذا باطل. وأيضًا فقوله: ﴿ليعبدون﴾ يقتضي فعلًا يفعلونه هم، وكونه يربّيهم ويخلقهم ليس فيه إلا فِعله فقط، ليس في ذلك فعل لهم». وانتقد كذلك القول الرابع، فقال: «ويلي هذا القول في الضعف قول مَن يقول: إن الآية خاصة فإنه هذه أقوال ضعيفة». وذكر ابنُ عطية في الآية احتمالًا آخر، فقال: «وتحتمل الآية أن يكون المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا مُعدّين ليعبدون». وعلّق عليه بقوله: «وكأن الآية تعديد نعمة، أي: خلقت لهم حواس وعقولًا وأجسامًا منقادة نحو العبادة، وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرْث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يُحارب به أصلًا، فالمعنى: أن الإعداد في خلْق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسب صرف نفسه عن ذلك، ويؤيد هذا المنزع قول النبي ﷺ: «اعملوا فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلق له». وقوله: «كلّ مولود يولد على الفطرة»»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ الشُّرّابَ كانوا يُضرَبون على عهد رسول الله ﷺ بالأيدي والنِّعال والعِصِيِّ، حتى تُوفِّي رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: لو فَرَضنا لهم حَدًّا. فتَوَخّى نحوَ ما كانوا يُضرَبون في عهد رسول الله ﷺ، فكان أبو بكر يجلِدُهم أربعين حتى تُوفِّيَ، ثم كان عمر من بعده فجلَدهم كذلك أربعين، حتى أُتِى برجل من المهاجرين الأوَّلين وقد شَرِب، فأمَر به أن يُجلَدَ، فقال: لِم تَجلِدُني؟ بيني وبينك كتاب الله. قال: وفي أيِّ كتاب الله تجِدُ ألّا أجلدَك؟ فقال: إنّ الله يقول في كتابه: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾. فأنا مِن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وأحسنوا، شهِدتُ مع رسول الله ﷺ بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد. فقال عمر: ألا تَرُدُّون عليه؟ فقال ابن عباس: هؤلاء الآياتُ نزَلت عُذرًا للماضين، وحُجَّةً على الباقين؛ عذرًا للماضين لأنهم لَقُوا الله قبلَ أن حرَّم عليهم الخمر، وحجةً على الباقين لأنّ الله يقول: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ حتى بلَغ الآية الأخرى. فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا؛ فإنّ الله نهى أن يُشرَبَ الخمر. فقال عمر: فماذا تَرَون؟ فقال عليُّ بن أبي طالب: نَرى أنّه إذا شرِب سَكِر، وإذا سَكِر هَذى، وإذا هَذى افترى، وعلى المفُتَرِي ثمانون جلدة. فأمَر عمر فجُلِد ثمانين
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزبير- قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس جلوسًا ببابه، لم يُؤذَن لأحد منهم، قال: فأُذِن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن فأُذِن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أُضحِكُ النبيَّ ﷺ. فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها، فَوَجَأْتُ عنقها. فضحك رسول الله ﷺ، وقال: «هُنَّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة». فقام أبو بكر إلى عائشة يجأُ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأُ عنقها، كلاهما يقول: تسألْنَ رسول الله ﷺ ما ليس عنده. فقلن: واللهِ، لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده. ثم اعتزلهن شهرًا -أو تسعًا وعشرين- ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ حتى بلغ: ﴿للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾. قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليكِ أمرًا أُحِبُّ أن لا تَعْجَلي فيه حتى تستشيري أبويك». قالت: وما هو، يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك -يا رسول الله- أستشير أبوي؟! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأةً من نسائك بالذي قلت. قال: «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إنّ الله لم يبعثني مُعَنِّتًا، ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا»