سورة هود — الآية ٨١

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: لَمّا قال لوط: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ بسط حينئذٍ جبريلُ عليه السلام جناحيه، ففقأ أعينَهم، وخرجوا يدوسُ بعضُهم في أدبار بعض عميانًا، يقولون: النَّجاءَ النَّجاءَ؛ فإنّ في بيت لوط أسْحَرَ قومٍ في الأرض. فذلك قوله: ﴿ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم﴾ [القمر:٣٧]. وقالوا للوط: ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها﴾، واتبع أدبار أهلك، يقول: سر بهم، ﴿وامضوا حيث تؤمرون﴾ [الحجر:٦٥]، فأخرجهم الله إلى الشام، وقال لوط: أهلِكُوهم الساعة. فقالوا: إنا لم نؤمر إلا بالصبح، أليس الصبح بقريب؟ فلمّا أن كان السَّحَر خرج لوطٌ وأهلُه مَعَه امرأتُه، فذلك قوله: ﴿إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ [القمر:٣٤]

سورة التكاثر — الآية ٨

عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: «ما أخرجكما مِن بيوتكما هذه الساعة؟». قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: «والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، فقوموا». فقاما معه، فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأتْه المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا. فقال النبيُّ ﷺ: «أين فلان؟». قالت: انطلق يَسْتَعْذِب لنا الماء. إذ جاء الأنصاريُّ، فنظر إلى النبيِّ ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مِنِّي. فانطلَق، فجاء بعذْقٍ فيه بُسْرٌ وتمر، فقال: كُلوا من هذا. وأخذ المُدْيَة، فقال له رسول الله ﷺ: «إياك والحلوب». فذبح لهم، فأكلوا مِن الشاة ومِن ذلك العِذْق، وشربوا، فلما شبعوا ورَوُوا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: «والذي نفسي بيده، لتُسألن عن هذا النعيم يوم القيامة»

اختلف القرّاء في قراءة قوله تعالى: ﴿وفَرَضْناها﴾؛ فقرأها بعضهم بتشديد الراء، على معنى: وفصَّلناها ونزَّلنا فيها فرائضَ مختلفةً. وذكر ابنُ جرير (١٧‏/‏١٣٧) أنّ لهذه القراءة معنًى آخر تحتمله، وهو: «وفَرَّضْناها عليكم، وعلى مَن بعدَكم مِن الناس إلى قيام الساعة». وقرأها بعضهم بتخفيف الراء، على معنى: أوجَبْنا ما فيها من الأحكام عليكم، وألزمناكموه، وبيَّنا ذلك لكم. وبيَّنَ ابنُ جرير (١٧‏/‏١٣٨) أنّ كلتا القراءتين صواب؛ لشهرتهما، وقراءة القراء بهما، فقال: «الصواب مِن القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماءٌ مِن القرأة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن الله قد فصّلها، وأنزل فيها ضُروبًا من الأحكام، وأمر فيها ونهى، وفرض على عباده فيها فرائض، ففيها المعنيان كلاهما: التفريض، والفرض، فلذلك قلنا: بأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب»

اختُلف في المراد بقوله: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ على قولين: الأول: تُجعل أرواحهم في قبورهم في أجواف طير سُود، وتُعرض على النار كل يوم مرتين إلى أن تقوم الساعة. الثاني: يُعرضون في قبورهم على منازلهم في النار تعذيبًا لهم غُدوًّا وعشيًّا. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٣٣٩) عدم القطع بأحدهما مع إمكان جوازهما، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله أخبر أنّ آل فرعون يُعرَضون على النار غُدوًّا وعشيًّا. وجائز أن يكون ذلك العرْض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهُزيْل بن شُرحْبيل ومَن قال مثل قوله، وأن يكون كما قال قتادة، ولا خبر يوجب الحُجَّة بأن ذلك المعني به؛ فلا قول في ذلك إلا ما دل عليه ظاهر القرآن، وهم أنهم يعرضون على النار غُدوًّا وعشيًّا»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ على أقوال: الأول: أن المعنى: ولقد علمت الجنة إنهم لمُشْهَدون الحساب. والثاني: أن المعنى: ولقد علمت الجنة أنّ قائلي هذا القول سيحضرون العذاب في النار. وعلَّقَ ابنُ عطية (٧‏/‏٣١٥) على القولين، فقال: «مَن جعل ﴿الجنة﴾: الشياطين؛ جعل العلامة في ﴿عَلِمَت﴾ لها، والضمير في ﴿إنهم﴾ عائد عليهم، أي: جعلوا الشياطين بنسب من الله، والشياطين تعلم ضد ذلك مِن أنها ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه. ومَن جعل ﴿الجنة﴾: الملائكة؛ جعل الضمير في ﴿إنهم﴾ للقائلين هذه المقالة، أي: علمت الملائكة أن هؤلاء الكفرة سيحضرون ثواب الله وعقابه. وقد يتداخل هذان القولان». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٦٤٦) القولَ الثانيَ -وهو قول السديّ- استنادًا إلى نظائرها في السورة، فقال: «أولى القولين في ذلك بالصواب قول مَن قال: إنهم لمحضرون العذاب. لأن سائر الآيات التي ذكر فيها الإحضار في هذه السورة إنما عني به: الإحضار في العذاب، فكذلك في هذا الموضع». وظاهر كلام ابن كثير (١٢‏/‏٦٢) أنه ذهب إلى هذا أيضًا

سورة آل عمران — الآية ٢١

عن أبي عُبَيْدَة بن الجَرّاح، قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ النّاس أشدُّ عذابًا يوم القيامة؟ قال: «رجلٌ قتَل نبيًّا، أو رجلًا أمَر بالمُنكَرِ ونَهى عن المعروف». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس﴾ إلى قوله: ﴿وما لهم من ناصرين﴾. ثُمَّ قال رسول الله ﷺ: «يا أبا عُبَيْدَةَ، قَتَلَتْ بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيًّا أوَّلَ النهارِ في ساعة واحدة، فقام مائةٌ وسبعون رجلًا مِن عباد بني إسرائيل، فأمروا مَن قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر؛ فقُتِلوا جميعًا مِن آخر النهار مِن ذلك اليوم، فهم الذين ذَكَرَ اللهُ»

سورة النساء — الآية ١١٠

عن أبي الدرداء، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس وجلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع؛ ترك نعليه في مجلسه، أو بعض ما يكون عليه، وأنه قام فترك نعليه، فأخذت رَكْوَةً من ماء، فاتبعته، فمضى ساعة، ثم رجع ولم يقض حاجته، فقال: «إنه أتاني آتٍ من ربي، فقال: إنه ﴿من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾. فأردت أن أُبَشِّر أصحابي». قال أبو الدرداء: وكانَتْ قد شَقَّت على الناس التي قبلها: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾. فقلت: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق، ثم استغفر ربه، غفر الله له؟ قال: «نعم». قلت الثانية، قال: «نعم». قلت الثالثة، قال: «نعم، على رغم أنف عويمر»

سورة البقرة — الآية ١٠٢

عن عبد الله بن عمر -من طريق سعيد بن جبير- أنّه كان يقول: أطَلَعت الحمراء بعد؟ فإذا رآها قال: لا مرحبًا. ثم قال: إن مَلَكَين من الملائكة -هاروت وماروت- سألا الله أن يَهْبِطا إلى الأرض، فأُهْبِطا إلى الأرض، فكانا يقضيان بين الناس، فإذا أمسيا تكلما بكلمات، فعرجا بها إلى السماء، فقيَّض الله لهما امرأةَ من أحسن الناس، وأُلْقِيَت عليهما الشهوة، فجعلا يُؤَخِّرانها، وألقيت في أنفسهما، فلم يزالا يفعلان حتى وعدتهما ميعادًا، فأتتهما للميعاد، فقالت: عَلِّماني الكلمةَ التي تَعْرُجان بها. فعَلَّماها الكلمة، فتَكَلَّمت بها، فعَرَجَت إلى السماء، فمُسِخَتْ، فجُعِلَتْ كما ترون، فلَمّا أمْسَيا تكلما بالكلمة، فلم يَعْرُجا، فبُعِث إليهما: إن شئتما فعذاب الآخرة، وإن شئتما فعذاب الدنيا إلى أن تقوم الساعة. فنظر أحدهما لصاحبه، فقال أحدهما لصاحبه: بل نختار عذاب الدنيا ألف ألف ضعف، فهما يعذبان إلى يوم القيامة

قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ نزلت في المُستهزئين مِن قريش، وذلك أنّ النبي ﷺ قرأ بمكة: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ فلما قرأ: ﴿أفَرَأَيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه في وسَنه، فقال: تلك الغَرانيق العُلا، عندها الشفاعة تُرتجى. فقال أبو جهل بن هشام، وشيبة وعُتبة ابنا ربيعة، وأُميّة بن خلف، والعاص بن وائل، والمستهزؤون من قريش عشيًّا في دبُر الكعبة: لا تفارقنا يا محمد إلا على أحد الأمرين؛ ندخل معك في بعض دينك ونعبد إلهك، وتدخل معنا في بعض ديننا وتعبد آلهتنا، أو تتبرأ من آلهتنا ونتبرأ من إلهك. فأنزل الله عز وجل فيهم تلك الساعة: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، فأتاهم النبيُّ ﷺ بعدُ، فقال: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [السورة]، ثم انصرف عنهم، فقال بعضهم: تبرّأ هذا منكم فشتموه وآذوه

اختلف المفسرون في البطشة الكبرى بحسب اختلافهم السالف ذكره في وقت الدُّخان والمراد منه، فالقائلون بأنه مضى وأنه ما نزل بكفار قريش من القحط والجوع فسّروا البطشة الكبرى بيوم بدر، والقائلون بأنه دُخان يكون قبل قيام الساعة فسّروا البطشة الكبرى بأنها يوم القيامة. هذا حاصل ما قرره ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٨). وبنحوه ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٤٠) فقال: «وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فسّر ذلك ابن مسعود بيوم بدر. وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدُّخان بما تقدم، ورُوي أيضًا عن ابن عباس [وجماعة] من رواية العوفي، عنه، وعن أُبي بن كعب وجماعة، وهو محتمل». ثم رجَّح أنّ البطشة الكبرى: يوم القيامة، وأنّ القول بأنها يوم بدر داخل تحت مدلول البطشة، فقال: «والظاهر أنّ ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضًا»