قال ابن كثير (١١‏/‏١٨٣): «أما الصلاة من الملائكة فبمعنى: الدعاء للناس، والاستغفار». وبنحوه ابنُ جرير (١٩‏/‏١٢٣)، وابنُ عطية (٧‏/‏١٢٦)

ذكر ابنُ جرير (٣‏/‏٦٢٤) أنّ هذا القول الذي قاله الربيع، وأبي بن كعب، وابن زيد نظير قول ابن عباس من طريق عكرمة، إلا أنّ الوقت الذي كان فيه الناس أمة واحدة مخالفٌ الوقتَ الذي وقَّته ابنُ عباس

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٤٢) نحو هذا القول عن سعيد بن جُبَير، وعن ابن زيد، ووجّهه، فقال: «قال ابن جُبَير وابن زيد: هي لفظة حبشية، نشأ الرجل: إذا قام من الليل، فـ﴿ناشِئَةَ﴾ على هذا جمع ناشئ، أي: قائم»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٢٥) قول ابن مسعود، ومثله عن ابن عباس، ثم علّق بقوله: «و﴿غَرْقًا﴾ على هذا القول إما أن يكون مصدرًا بمعنى الإغراق والمبالغة في الفعل، وإما أن يكون كما قال علي، وابن عباس: تغرق نفوس الكفرة في نار جهنم»

وجَّه ابنُ جرير (٦‏/‏٤٩٢) قولَ مَن قال بخلود مَن تعدّى حدودَ الله في قسمةِ المواريثِ مستندًا إلى سبب النزول، وأقوال السلف، فقال: «إن قال قائل: أوَمُخَلَّدٌ في النارِ مَن عصى اللهَ ورسولَه في قسمة المواريث؟ قيل: نعم، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكًّا في أنّ الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين، أو علم ذلك فحادَّ اللهَ ورسوله في أمرهما، على ما ذكر ابنُ عباس مِن قول مَن قال حين نزل على رسول الله ﷺ قولُ الله -تبارك وتعالى-: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ إلى تمام الآيتين: أيُوَرَّث مَن لا يركب الفرسَ، ولا يُقاتِل العدوَّ، ولا يحوزُ الغنيمة نصفَ المال أو جميع المال؟! استنكارًا منهم قسمةَ الله ما قسم لصغارِ ولد الميت ونسائِه وإناث ولده. فمَن خالف قسمةَ الله ما قَسَمَ مِن ميراث أهل الميراث بينهم على ما قسمه في كتابه، وخالف حكمه في ذلك وحكم رسوله؛ استنكارًا منه حكمهما، كما استنكره الذين ذكر أمرَهم ابنُ عباس مِمَّن كان بين أظهُر أصحاب رسول الله ﷺ من المنافقين الذين فيهم نزلت وفي أشكالهم هذه الآية؛ فهو مِن أهل الخلود في النار؛ لأنه باستنكاره حُكْمَ الله في تلك يصير باللهِ كافرًا، ومِن ملة الإسلام خارجًا». وقال ابنُ تيمية (٢‏/‏٢١١): «هي -والله أعلم- فيمَن جَحَدَ الفرائضَ، واسْتَخَفَّ بها، على أنّه لم يذكر أنّ العذاب أُعِدَّ له». وقال: «فهنا قيَّدَ المعصية بتعدِّي حدودِه، فلم يذكرها مُطْلَقةً»

اختُلِف في معنى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: لنُسْكِنَنَّهم في الدنيا مَسْكَنًا يَرضَونَه صالحًا، وهو المدينة. الثاني: لنَرْزُقَنَّهم في الدنيا رِزقًا حسنًا. ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٢٢٥) مستندًا إلى لغة العرب والنظائر القول الأول، وهو قول الشعبي، وقتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن التَّبَوُّءَ في كلام العرب: الحلول بالمكان والنزول به، ومنه قول الله تعالى: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس:٩٣]». ونقل ابنُ عطية (٥‏/‏٣٥٧ بتصرف) عن فرقة: أن الحسنة هنا: لسان الصدق الباقي عليهم في غابر الدهر. ثم وجَّهه قائلًا: «وفي قوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ على هذا التأويل في لسان الصدق تجوُّز كثير، واستعارة بعيدة». ونقل عن فرقة أخرى: «أن الحسنة عامة في كل أمر مستحسن يناله ابن آدم». ثم علَّق عليه بقوله: «وتخِفُّ الاستعارة المذكورة على هذا التأويل، وفي هذا القول يدخل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يعطي المال وقت القسمة للرجل من المهاجرين، ويقول له: خذ ما وعدك الله في الدنيا، ولأجر الآخرة أكبر. ثم يتلو هذه الآية. ويدخل في هذا القول: النصر على العدو، وفتح البلاد، وكل أمل بَلَغَه المهاجرون». وعلَّق ابنُ كثير (٨‏/‏٣١٣) على القولين الأول والثاني بقوله: «ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم، فعوَّضهم الله خيرًا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع، فإنهم مكَّن الله لهم في البلاد، وحكَّمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكامًا، وكل منهم للمتقين إمامًا»

اختلف السلف في قوله: ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ على قولين: الأول: أنه السفن. الثاني: أنه الإبل. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٤٦-٤٤٧) مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية القول الأول، فقال: «وأشبه القولين بتأويل ذلك قولُ مَن قال: عني بذلك: السفن، وذلك لدلالة قوله: ﴿وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم﴾ [يس:٤٣]، على أن ذلك كذلك، وذلك أنّ الغرق معلوم أن لا يكون إلا في الماء، ولا غرق في البر». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٢٥٠-٢٥١) في معنى: ﴿حملنا ذريتهم﴾ وفي معنى: ﴿من مثله﴾ احتمالين، فقال: «وأمّا معنى الآية فيحتمل تأويلين: أحدهما قاله ابن عباس وجماعة، وهو أن يريد بالذريات المحمولين: أصحاب نوح في السفينة، ويريد بقوله: ﴿مِن مِثْلِهِ﴾: السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة، وإيّاها أراد الله تعالى بقوله: ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، والتأويل الثاني قاله مجاهد والسُدِّيّ، وروي عن ابن عباس أيضًا، هو أن يريد بقوله: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: السفن الموجودة في بني آدم إلى يوم القيامة، ويريد بقوله: ﴿وخَلَقْنا لَهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾: الإبل وسائر ما يركب، فتكون المماثلة في أنه مركوب مُبَلِّغٌ إلى الأقطار فقط، ويعود قوله: ﴿وإن نشأ نغرقهم﴾ على السفن الموجودة في الناس، وأما من خلط القولين فجعل الذرية في الفلك في قوم نوح في سفينة، وجعل ﴿من مثله﴾ في الإبل؛ فإن هذا نظرٌ فاسد يقطع به قوله تعالى: ﴿وإن نشأ نغرقهم﴾. فتأمله»

سورة الأنبياء — الآية ٣٠

عن عبد الله بن عمر -من طريق عبد الله بن دينار- أنّ رجلًا أتاه، فسأله عن: ﴿السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما﴾. قال: اذهب إلى ذلك الشيخ، فاسأله، ثم تعال فأخبرني ما قال. فذهب إلى ابن عباس، فسأله، قال: نعم، كانت السماء رَتْقًا لا تُمْطِر، وكانت الأرض رَتْقاء لا تُنبِت، فلمّا خلق اللهُ للأرض أهلًا فَتَقَ هذه بالمطر، وفَتَقَ هذه بالنبات. فرجع الرجلُ إلى ابن عمر، فأخبره، فقال ابن عمر: الآن علمتُ أنّ ابن عباس قد أُوتِي في القرآن عِلْمًا، صدق ابنُ عباس، هكذا كانت

بيَّن ابن جرير (١٠‏/‏٦٧) أنّ قول ابن عباس غير بعيد من الحق، غير أنه انتَقَده مستندًا إلى مخالفته السنة بأنّ «الصحيح من الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا سيُكَلِّمه ربُّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه تُرْجُمان، فيقول له: أتَذْكُر يوم فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا؟ حتى يُذَكِّرَه ما فعل في الدنيا». والتسليم لخبر رسول الله ﷺ أوْلى من التسليم لغيره». ووجَّه ابن عطية (٣‏/‏٥١٤) قول ابن عباس، فقال: «يُشبِه أن يكون الكلام هنا استعارةً؛ إذ كل شيء فيه مُقَيَّد»

بيّن ابنُ جرير (١٤‏/‏٢٨٦-٢٨٧) أن قوله: ﴿مما يعرشون﴾ معناه: ما يبنون من السقوف. وذكر قول ابن زيد، ولم يعلق عليه. ورجّح ابنُ عطية (٥‏/‏٣٧٩-٣٨٠) أن عَرَشَ معناه: هيَّأ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من اتفاق الأغصان والخشب وترتيب ظلالها، ومنه العريش الذي صُنع لرسول الله ﷺ يوم بدر، ومن هذا هي لفظة العرش«. ثم ذكر ابن عطية قول ابن زيد، وقول ابن جرير أن يعرشون معناه: ما يبنون من السقوف. وانتقدهما، فقال:»وهذا منهما تفسير غير متقن"". ولم يذكر مستندًا