عن سعد بن هشام، قال: قلتُ لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ، قالتْ: ألستَ تقرأ هذه السورة: ﴿يا أيُّها المزمل﴾؟ قلتُ: بلى. قالتْ: فإنّ الله قد افترض قيامَ الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حَولًا حتى انتَفختْ أقدامُهم، وأَمسَك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا من بعد فريضة
عن إبراهيم التيميّ، في قوله: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ الآية، قال: إذا عمل الرجلُ الذّنبَ نُكِت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذّنب بعد ذلك فيُنكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسودّ قلبه، فإذا ارتاح العبد قال: يُيسّر له عمل صالح فيذهب من السواد بعضه، ثم يُيسّر له عمل صالح أيضًا فيذهب من السواد بعضه، ثم يُيسّر له أيضًا عمل صالح فيذهب مِن السواد بعضه، ثم كذلك حتى يذهب السواد كلّه
عن عبد الله بن الزُّبير -من طريق عامر- قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تُعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلتَ ما فعلتَ أعتقتَ رجالًا جُلْدًا يمنعونك ويقومون دونك. فقال: يا أبتِ، إنما أريد وجه الله. فنزلت هذه الآيات فيه: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قوله: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾
ذكر ابنُ جرير (٢/٣٦٢) أنّ للإذن في كلام العرب أوجهًا: منها: الأمر على غير وجه الإلزام. ومنها: التخلية بين المأذون له والمخلّى بينه وبينه. ومنها: العلم بالشيء. وذَهَبَ إلى أنّ المراد بالإذن في الآية: العلم بالشيء، ثم قال: «كأنه قال -جل ثناؤه-: وما هم بضارين بالذي تعلموا من الملكين من أحد إلا بعلم الله، يعني: بالذي سبق له في علم الله أنه يضره»، مُستدلًّا بأثر سفيان، ولم يُورِد غيرَه
رجَّحَ ابن جرير (٢/٤٥٩) في معنى ﴿تولوا﴾ أن يكون: تولون نحوه وإليه؛ استنادًا لإجماع الحجة على ذلك، قال: «أما قوله: ﴿تولوا﴾ فإن الذي هو أولى بتأويله أن يكون: تولون نحوه وإليه، كما يقول القائل: وليته وجهي ووليته إليه. بمعنى: قابلته وواجهته، وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لإجماع الحجة على أن ذلك تأويله، وشذوذ من تأوله بمعنى: تولون عنه فتستدبرونه، ففي الذي تتوجهون إليه وجه الله، بمعنى: قبلة الله»
قال ابنُ جرير (٣/١٣٩): «معنى الكلام: أوصوا لهم، فمَن بدّل ما أوصيتم به لهم بعد ما سَمعكم توصون لَهم، فإنما إثم ما فعل من ذلك عليه دونكم». وقال ابنُ عطية (١/٤٣٢): «الضمير في ﴿بدله﴾ عائد على الإيصاء وأمر الميت، وكذلك في ﴿سمعه﴾، ويحتمل أن يعود الذي في ﴿سمعه﴾ على أمر الله تعالى في هذه الآية، والقول الأول أسبق للناظر». وقال ابنُ كثير (١/١٧١): «ويدخل في ذلك الكتمانُ لها بطريق الأَوْلى»
ذكر ابنُ عطية (١/٤٦٦-٤٦٧) قَوْلَيْن في قوله: ﴿والحرمات قصاص﴾. الأول: أنه مقطوع مما قبله، وهو ابتداء أمْرٍ كان في أول الإسلام أنَّ من انتهك حُرْمَتَك نِلْتَ منه مثل ما اعتدى عليك به، ثم نُسِخ ذلك بالقتال. الثاني: أن ما تناول من الآية التعدِّي بين أمة محمد والجنايات ونحوها لم ينسخ، وجائز لمن تُعُدِّيَ عليه في مال أو جرح أن يَتَعَدّى بمثل ما تُعُدِّي عليه به إذا خَفِيَ ذلك له، وليس بينه وبين الله في ذلك شيء، ونسبه للشافعي وغيره
بَيَّن ابنُ جرير (٤/٦٠) أنّ تأويل الآية على هذا القول يكون معناه: «﴿فإنّ الله غفور﴾ لكم فيما اجترمتم بفيئكم إليهنَّ مِن الحنث في اليمين التي حلفتم عليهن بالله أن لا تَغْشُوهُنَّ، ﴿رحيم﴾ بكم في تخفيفه عنكم كفّارة أيمانكم التي حلفتم عليهنَّ ثم حَنثتم فيها». وعلَّق ابنُ عطية (١/٥٥٥)على هذا القول بقوله: «وهذا مُتَرَكِّب على أنّ لغو اليمين ما حلف في معصية، وترك وطء الزوجة معصية»
وجَّهَ ابنُ عطية (٢/٦٧) قولَ ابن عباس هذا، فقال: «هذا إنما أراد به هذه الربوة المذكورة في كتاب الله؛ لأن قوله: ﴿أصابها وابل﴾ إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جارٍ، ولم يُرِدِ ابنُ عباس أنّ جنس الرُّبا لا يجري فيها ماء؛ لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين، والمعروف في كلام العرب: أن الربوة ما ارتفع عما جاوره، سواء جرى فيها ماء، أو لم يجرِ»
قال ابن عطية (٢/٢٥١) معلّقًا على قول مقاتل: «و﴿تشهدون﴾ على هذا يكون بمعنى: تحضرون وتُعايِنُون». ثم قال مُرَجِّحًا: «والتأويل الأول أقوى؛ لأنه رُوي أن أهل الكتاب كانوا قبل ظهور محمد ﷺ يخبرون بصفة النبي الخارج وحاله، فلما ظهر كفروا به حسدًا، فإخبارهم المتقدم لظهوره هو الشهادة التي وقفوا عليها». ثم ذكر قولًا آخر عن مكيٍّ أنّه قال: «إن هذه الآيات عُني بها: قريظة، والنضير، وبنو قينقاع، ونصارى نجران»