الجامع لأحكام القرآن
السابعة: قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} اختلف المتأولون في عود الضمير من قوله: "وإنها"، فقيل: على الصلاة وإذا كان ذلك كانت الصلاة أصعب على النفس ومكابدتها أشد فلذلك قال {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} وقيل عليهما، ولكنه كنى عن الأغلب وهو الصلاة، كقوله {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا وقيل إن الصبر لما كان داخلا في الصلاة أعاد عليها كما قال: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
قال الحرالي : لأن نبيهم المعهود الآمر لهم إنما هو موسى عليه الصلاة والسلام , ومن بعده إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام إنما هم أنبياء بمنزلة الساسة والقادة لهم كالعلماء في هذه الأمة منفذون وعالمون بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل فكما قص في صدر السورة حالهم مع موسى عليه الصلاة والسلام قص في خواتيمها حالهم من بعد موسى بتعتبر هذه الأمة من ذلك حالها مع نبيها صلى الله عليه
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب , فلا نبي بعده ينسخ شريعته , وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مقرراً لشريعته مجدداً لما درس منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة والسلام , ولما كان الشخص لا يبين فضله إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أكثر من عليه وسلم من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يجادلون النبي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام , فتارة يقولون : هو الله , وتارة يقولون : هو ابن الله , وتارة يقولون , هو ثالث ثلاثة , وكان بعضهم عالماً بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وبأن أحمد الذي وتعالى بالقيومية التي فارق بها كل من يدعي فيه الإلهية مشيراً بذلك إلى الرد على من جادل في عيسى عليه الصلاة سبحانه وتعالى لا يتقيد بشيء : {في الأرض ولا في السماء} أي ولا هم يقدرون على أن يدعوا في عيسى عليه الصلاة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من محبة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن محداً صلى الله عليه وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصداً لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم عليه الصلاة لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم , وكتابهم إنما نزل على نبيهم , ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم عليه الصلاة لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين لأمر مذكور في كتابهم , والنصارة ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى عليه الصلاة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كانت الصلاة أعظم دعائم الدين , ولناهية عن الفحشاء والمنكر , نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهاراً لفضلها فقال تعالى : {والمقيمين الصلاة} أي بفعلها بجميع حدودها , ويجوز على بُعد أن يكون المقتضي أي بعظمتنا الباهرة بوعد لا خلف فيه {أجراً عظيماً} ولما كانت هذه الأوصاف منطبقة على الأنبياء عليهم الصلاة الوحي , قال تعالى إبطالاً لشبهتهم القالئلة : لو كان نبياً أتى بكتابه جملة من السماء كما أتى موسى عليه الصلاة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
كلاماً طويلاً فهيا كلها لمن يتأملها كثير مما هو ظاهر في ذلك , بل صريح , وفي قصة نوح وإبراهيم عليهما الصلاة إبراهيم عليه السلام في البقرة , ويأتي إن شاء الله تعالى في ذكر الأحبار في الأعراف وفي قصة نوح عليه الصلاة والسلام في سورة هود - والله الموفق , وقد ابتدأ سبحانه في هذه الآية بنوح عليه الصلاة والسلام أول أولي القدم بحيث لا يعلم مقداره على الحقيقة إلا الله تعالى , ثم ثنى بثانيهم في الوجود وهو إبراهيم عليه الصلاة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الموكل , ويفعل ما يعجز عنه الموكل , وكان الله تعالى لا يعجزه شيء , ولا يحتاج إلى شيء , وكان عيسى عليه الصلاة بعض الأموات , ويأتي بخوارق العادات {أن} أي من أن {يكون عبداً لله} أي الملك الأعظم الذي عيسى عليه الصلاة خلقاً منه في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى ولا ما يجانس عنصر البشر , فكانوا لذلك أعجب خلقاً من آدم عليه الصلاة القدس , فهم أجدر بعلم المغيبات وإظهار الكرامات , وجبرئيل الذي هو أحدهم كان سبباً في حياة عيسى عليه الصلاة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المدة , ثم انجرَّ في أثناء هذه القصة الجليلة إنابة امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف عليه الصلاة : 111] فقد انفردت هذه القصة بنفسها ولم تناسب ما ذكر من قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} - إلى قوله {آمنا} [ النور : 55] وكانت قصة يوسف عليه الصلاة يجب أن يتقدم ويعقب بهذه القصة من حيث عاقبة الصبر والحض عليه - كما مر , فأخرت إلى عقب سورة هود عليه الصلاة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
75 ولما أخبر تعالى عن دخولهم إلى البلد , أخبرعن دخولهم لحاجتهم إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فقاتل : { ولما دخلوا} أي بنوه عليه الصلاة والسلام {على يوسف} في هذه القدمة الثانية {آوى إليه أخاه} شقيقه بنيامين جهزهم} أي أعجل جهاز وأحسنه {بجهازهم} ويؤيده {فلما جاء أمرنا} [هود : 66و82] في قصتي صالح ولوط عليهما الصلاة والسلام - كما مضى في سورة هود عليه الصلاة والسلام {جعل} أي بنفسه أو بمن أمره {السقاية} التي له.