عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء بن السائب، عن مجاهد- قال: كان سليمان بن داود عليه السلام إذا أراد سفرًا قَعَد على سريره، ووُضِعت الكراسي يمينًا وشمالًا، فيُؤذَن للإنس عليه، ثم أذن للجن عليه بعد الإنس، ثم أذن للشياطين بعد الجن، ثم أرسل إلى الطير فتُظِلّهم، ثم أمر الريح فحملتهم وهو على سريره، والناس على الكراسي، والطير تظلهم، والريح تسير بهم، غدوها شهر ورواحها شهر، رخاء حيث أراد، ليس بالعاصف ولا باللين، وسطًا بين ذلك. وكان سليمان يختار مِن كل طير طيرًا، فيجعله رأسَ تلك الطير، فإذا أراد أن يُسائل تلك الطير عن شيء سأل رأسها. فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة، فسأل: كم بُعْد الماء ههنا؟ فسأل الإنس، فقالوا: لا ندري. فسأل الشياطين، فقالوا: لا ندري. فغضب سليمان، وقال: لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء ههنا؟ فقالت له الشياطين: يا رسول الله، لا تغضب، فإن يكُ شيءٌ يعلم فالهدهد يعلمه. فقال سليمان: عليَّ بالهدهد. فلم يوجد، فغضب سليمان، فقال: ﴿لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين﴾. يقول: بعذر مبين، غاب عن مسيري هذا! قال: ومرَّ الهدهد على قصر بلقيس، فرأى لها بستانًا خلف قصرها، فمال إلى الخضرة، فوقع فيه، فإذا هو بهدهد في البستان، فقال له هدهد سليمان: أين أنت عن سليمان؟ وما تصنع ههنا؟ فقال له هدهد بلقيس: ومَن سليمان؟ فقال: بعث الله رجلًا يُقال له: سليمان، رسولًا، وسخر له الجن والإنس والريح والطير. فقال له هدهد بلقيس: أي شيء تقول؟! قال: أقول لك ما تسمع. قال: إنّ هذا لَعجب! وأعجب من ذلك أنّ كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة، وأوتيت مِن كل شيء، ولها عرش عظيم، جعلوا الشكر لله أن يسجدوا للشمس مِن دون الله. قال: وذكر لهدهد سليمان، فنهض عنه، فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير، فقالوا: توعدك رسولُ الله. وأخبروه بما قال، وكان عذاب سليمان للطير أن ينتفه، ثم يشمسه، فلا يطير أبدًا، ويصير مع هوام الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسلٌ أبدًا، قال الهدهد: وما استثنى نبيُّ الله؟ قالوا: بلى؛ قال: أو ليأتيني بعذر مبين. فلما أتى سليمان قال: وما غيبتك عن مسيري هذا؟ فاعتلَّ له بشيء، وأخبره عن بلقيس وقومها ما أخبره الهدهد، فقال سليمان: بل اعتللت، ﴿سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم﴾. وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى بلقيس، ألا تعلوا علَيَّ، وأتوني مسلمين. فلما ألقى الهدهدُ الكتاب إليها ألقي في رُوعها أنّه كتاب كريم، وأنه من سليمان، وألا تعلوا عليَّ، وأتوني مسلمين. قالوا: نحن أولو قوة. قالت: إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وإني مرسلة إليهم بهدية. فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال؟! ارجع إليهم. فلما رجع إليها رسلها خرجت فزعة، فأقبل معها ألف قَيْل، مع كل قَيْل مائة ألف. قال: وكان سليمان رجلًا مَهيبًا، لا يُبْتَدَأُ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يومئذ، فجلس على سريره، فرأى رَهَجًا قريبًا منه، قال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس، يا رسول الله. قال: وقد نزلت مِنّا بهذا المكان؟ قال ابن عباس: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومَن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة. قال: فأقبل على جنوده، فقال: ﴿أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين﴾؟ -قال: وبين سليمان وبين عرشها حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين- قال عفريت من الجن: ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾. قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما تجلس الأمراء ثم يقوم، قال سليمان: أريد أعجلَ مِن ذلك. قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به ﴿قبل أن يرتد إليك طرفك﴾. فنظر إليه سليمان، فلما قطع كلامه ردَّ سليمان بصره، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان من تحت كرسيٍّ كان يضع عليه رجله ثم يصعد إلى السرير، فلما رأى سليمان عرشها مستقرًّا عنده قال: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر﴾ إذ أتاني به قبل أن يرتد إليَّ طرفي، ﴿أم أكفر﴾ إذ جعل مَن هو تحت يدي أقدر على المجيء مني. ثم ﴿قال نكروا لها عرشها﴾. ﴿فلما جاءت﴾ تقدمت إلى سليمان، قيل لها: ﴿أهكذا عرشك﴾؟ قالت: ﴿كأنه هو﴾. ثم قالت: لقد تركته في حصوني، وتركت الجنود محيطين به، فكيف جيء بهذا؟! ثم قالت: يا سليمان، إني أريد أن أسألك عن شيء، فأخبرني به. قال: سلي. قالت: أخبِرني عن ماء رواء لا مِن الأرض ولا مِن السماء. قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه يسأل الإنس عنه، فإن كان عند الإنس منه علم وإلا سأل الجن، فإن لم يكن عند الجن علم سأل الشياطين، فقالت له الشياطين: ما أهون هذا، يا رسول الله، مُر بالخيل فتجري، ثم لتملأ الآنيةَ مِن عرقها. فقال لها سليمان: عرق الخيل. قالت: صدقت. قالت: فأخبِرني عن لون الرب. قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره، فخرَّ ساجدًا، فقامت عنه، وتفرقت عنه جنوده، وجاءه الرسول، فقال: يا سليمان، يقول لك ربُّك: ما شأنك؟ قال: يا رب، أنت أعلم بما قالت. قال: فإنّ الله يأمرك أن تعود إلى سريرك، فتقعد عليه، وترسل إليها وإلى مَن حضرها مِن جنودها، وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروك فيدخلوا عليك، فتسألها وتسألهم عما سألَتْك عنه. قال: ففعل سليمانُ ذلك، فلما دخلوا عليه جميعًا قال لها: عمَّ سألتيني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء. قال: قلت لك: عرق الخيل. قالت: صدقت. قال: وعن أي شيء سألتيني؟ قالت: ما سألتك عن شيء إلا عن هذا. قال لها سليمان: فلأيِّ شيء خررتُ عن سريري؟ قالت: كان ذلك لشيء لا أدري ما هو. فسأل جنودها، فقالوا مثل قولها، فسأل جنوده من الإنس والجن والطير وكل شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألتْكَ -يا رسول الله- عن شيءٍ إلا عن ماء رواء. قال: وقد كان. قال له الرسول: يقول الله لك: ارجع، عد إلى مكانك، فإني قد كفيتكم. فقال سليمان للشياطين: ابنوا لي صرحًا تدخل عليَّ فيه بلقيس. فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض، فقالوا: سليمان رسول الله، قد سخر الله [له] ما سخر، وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلامًا، فلا ننفكُّ له من العبودية أبدًا. قال: وكانت امرأة شعراء الساقين، فقالت الشياطين: ابنوا له بنيانًا يرى ذلك منها فلا يتزوجها. فبنوا له صرحًا مِن قوارير، فجعلوا له طَوابِيق من قوارير كأنه الماء، وجعلوا من باطن الطَّوابِيق كل شيء يكون مِن الدواب في البحر، من السمك وغيره، ثم أطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصرح. فألقي كرسيٌّ في أقصى الصرح، فلما دخله أتى الكرسي، فصعد عليه، ثم قال: أدخِلوا عَلَيَّ بلقيس. فقيل لها: ﴿ادخلي الصرح﴾. فلما ذهبت تدخله، فرأت صورة السمك، وما يكون في الماء من الدواب؛ ﴿حسبته لجة وكشفت عن ساقيها﴾ لتدخل، وكان شعر ساقها ملتويًا على ساقيها، فلما رآه سليمانُ ناداها، وصرف وجهه عنها: ﴿إنه صرح ممرد من قوارير﴾. فألقت ثوبها، وقالت: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾. فدعا سليمانُ الإنس، فقال: ما أقبح هذا؟! ما يُذْهِب هذا؟ قالوا: يا رسول الله، المواسي. فقال: الموسى تقطع ساقي المرأة. ثم دعا الشياطين، فقال مثل ذلك، فتلكؤوا عليه، ثم جعلوا له النورة. قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رُؤِيَت فيه النورة. قال: واستنكحها سليمان عليه السلام
اختُلِف في تأويل ﴿ينكح﴾ في هذه الآية على قولين: أولهما: أنّه الزواج. ثم هم بعد ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: أنها نزلت في بعض مَن استأذن رسول الله ﷺ في نكاح نسوة كنّ معروفات بالزنا مِن أهل الشرك، فأنزل الله تحريمهن على المؤمنين. فهو عامٌّ مرادٌ به الخصوص. والثاني: أنها مخصوصة في الزاني المحدود لا يتزوج إلا زانية محدودة، ولا يتزوج غير محدودة ولا عفيفة، والزانية المحدودة لا يتزوجها إلا زان محدود، ولا يتزوجها غير محدود ولا عفيف. والثالث: أنّ هذا قد كان حكم الله في كلِّ زان وزانية، حتى نسخه الله عز وجل، فأحلّ نكاح كلّ مسلمة، وإنكاح كلّ مسلم. ومعنى النكاح في هذا القول: الزواج. وثانيها: أنّه الجماع. ومعناها: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك. ومقصدها تشنيع وتبشيع أمر الزنا وأنّه شأنُ هؤلاء ومن خُلُقِهم. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧/١٦٠-١٦١) القولَ الثاني، وانتَقَدَ ما سواه استنادًا إلى أقوال السلف، ودلالة العقل، وزمن التنزيل، فقال: «أولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قولُ مَن قال: عني بالنكاح في هذا الموضع: الوطء، وأنّ الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات؛ وذلك لقيام الحجة على أنّ الزانية من المسلمات حرام على كلّ مشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كلّ مشركة مِن عبدة الأوثان. فمعلوم إذا كان ذلك كذلك أنه لم يُعنَ بالآية: أنّ الزاني مِن المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات، ولا ينكح إلا زانية أو مشركة. وإذ كان ذلك كذلك فبيّنٌ أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنا، أو بمشركة تستحله». وكذا اختاره ابنُ عطية (٦/٣٣٦)، وقال: «اتصال هذا المعنى بما قبلُ حسنٌ بليغ». ومثله ابنُ كثير (١٠/١٦٥). وانتَقَدَ ابنُ عطية (٦/٣٣٨) الأقوال الأخرى بقوله: «وذِكْرُ الإشراك في الآية يُضْعِفُ هذه المناحي». واختار ابنُ تيمية (٤/٤٨٨-٤٨٩) وكذا ابنُ القيم (٢/٢٣٣-٢٣٤) القول الأول، وأنّ المراد: الزواج، وانتقد ابنُ تيمية (٤/٤٨٦-٤٨٧، ٥٧٠-٥٧١ بتصرف) القول الثاني مستندًا إلى زمن النزول، ودلائل العقل، فقال: «١- ليس في القرآن لفظ نكاح إلا ولا بُدَّ أن يراد به العقد، وإن دخل فيه الوطء أيضًا، فأمّا أن يراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد في كتاب الله قط. ٢- أن سبب نزول الآية إنما هو استفتاء النبي ﷺ في التَّزَوُّج بزانية، فكيف يكون سبب النزول خارجًا من اللفظ؟! ٣- أنّ الزاني قد يستكره امرأة فيطؤها؛ فيكون زانيًا ولا تكون زانية، وكذلك المرأة قد تزني بنائم ومُكْرَه -على أحد القولين- ولا يكون زانيًا. ٤- أنّ تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت بمكة، وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه. ٥- قال: ﴿لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾، فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك؛ فإنه زان، وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية فلا حاجة إلى التقسيم. ٦- أنه قد قال قبل ذلك: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك؟!». وقال ابنُ القيم: «وجهها -والله أعلم- أنّ المتزوج أُمِرَ أن يتزوج المحصنة العفيفة، وإنّما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط، كما ذكر ذلك سبحانه في سورتي النساء والمائدة، والحكم المعلَّق على الشرط ينتفي عند انتفائه، والإباحة قد عُلِّقَت على شرط الإحصان، فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به، فالمتزوج إمّا أن يلتزم حكم الله وشرعه الذي شرعه على لسان رسوله، أو لا يلتزمه، فإن لم يلتزمه فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا مَن هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرّم عليه لم يصح النكاح فيكون زانيًا، فظهر معنى قوله: ﴿لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾، وتبين غاية البيان، وكذلك حكم المرأة. وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه فهو موجب الفطرة ومقتضى العقل؛ فإنّ الله سبحانه حَرَّم على عبده أن يكون قرنانًا دَيُّوثًا زوجَ بَغِيٍّ، فإنّ الله تعالى فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه، ولهذا إذا بالغوا في سبِّ الرجل قالوا: زوج قحبة. فحرَّم الله على المسلم أن يكون كذلك، فظهرت حكمة التحريم، وبان معنى الآية». وانتَقَدَ ابنُ القيم (٢/٢٣٤ بتصرف) مَن خصّصَ بسبب النزول بلا تعميم، فقال: «هذا فاسد؛ فإنّ هذه الصورة المُعَيَّنة وإن كانت سبب النزول فالقرآن لا يقتصر به على محالِّ أسبابه، ولو كان كذلك لبطل الاستدلالُ به على غيرها». وقال (٢/٢٣٣) عن القول الثاني: «هذا فاسد؛ فإنه لا فائدة فيه، ويُصان كلام الله تعالى عن حمله على مثل ذلك؛ فإنه من المعلوم أنّ الزاني لا يزنى إلا بزانية، فأيُّ فائدة في الإخبار بذلك؟! ولَمّا رأى الجمهورُ فسادَ هذا التأويل أعرضوا عنه»
اختلف في المعنيِّ بـ«العلامات» في هذه الآية على أقوال: الأول: معالم الطرق بالنهار. الثاني: عُنِيَ بها النجوم. الثالث: عُنِيَ بها الجبال. وبيَّن ابنُ جرير (١٤/١٩٤) مستندًا إلى العموم أن «أوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله -تعالى ذِكْره- عدَّد على عباده من نعمه إنعامه عليهم بما جعل لهم من العلامات التي يهتدون بها في مسالكهم وطرقهم التي يسيرونها، ولم يَخْصُص بذلك بعض العلامات دون بعضٍ، فكلُّ علامةٍ استدل بها الناس على طُرُقِهم وفِجاج سُبُلِهم فداخلٌ في قوله: ﴿وعَلاماتٍ﴾، والطُّرُقُ المسبولة الموطوءة علامةٌ للناحية المقصودة، والجبال علاماتٌ يُهتَدى بهنَّ إلى قَصْدِ السبيل، وكذلك النجوم بالليل». ثم رجَّح القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «غير أن الذي هو أوْلى بتأويل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار، إذ كان الله قد فَصَل منها أدلة الليل بقوله: ﴿وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، وإذ كان ذلك أشبه وأولى بتأويل الآية فالواجب أن يكون القول في ذلك ما قاله ابن عباسٍ في الخبر الذي رُوِّيناه عن عطية عنه، وهو أن العلامات معالم الطُّرُقِ وأماراتها التي يُهتَدى بها إلى المستقيم منها نهارًا، وأن يكون النَّجْمُ الذي يُهتَدى به ليلًا هو الجَدْيُ والفَرْقدان؛ لأن بها اهتداء السفر دون غيرها من النجوم». وفرَّق ابنُ عطية (٥/٣٣٩ بتصرف) في المعنى بين تعلُّق اللفظة بما قبلها وبين عدم تعلُّقها، ففي حال تعلُّقها بما قبلها فالأظهر عنده -مستندًا إلى الدلالة العقلية- أن المعنى: «﴿وعلامات﴾ أي: عبرة وإعلامًا في كل سلوك، فقد يُهتَدى بالجبال والأنهار والسبل». وفي حال عدم تعلُّقها بما قبلها «فالصواب أن اللفظة تعمُّ هذا وغيره، وذلك أن كل ما دلَّ على شيءٍ أو علم به فهو علامة، وأحسن الأقوال المذكورة قول ابن عباس رضي الله عنهما لأنه عموم بالمعنى». وذكر ابنُ تيمية (النبوات ٢/٧٥٧) أن النجوم، والجبال، والطرق، وأعلام الطرق: كلها آيات، وأعلام، وعلامات على ما هو لازم لها في العادة، وذكر قولًا ولم ينسبه: أن العلامات هي النجوم. ثم رجَّح (٤/١٥٥-١٥٦) القول الأول مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية، والدلالة اللغوية قائلًا: «وقول الأكثرين أصحّ؛ فإنّ العلامات كلّها يهتدى بها، ولأنّه قد قال: ﴿وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ وأَنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وعَلاماتٍ﴾ وهذا كلّه ممّا ألقاه في الأرض، وهو منصوب بـ»ألقى«، أو بفعل من جنسه كما قال بعضهم، أي: وجعل في الأرض أنهارًا؛ لأن الإلقاء من جنس الجعل». وعلَّق (٤/١٥٦) على القول الثالث بأن العلامات: هي الجبال. بقوله: «وهي أيضًا مما يُستدلّ به، ولهذا سمّاها الله أعلامًا في قوله: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأَعْلام * فَبأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن:٢٤-٢٥] أي: كالجبال، والأعلام جمع عَلَم، والعَلَم: ما يُعلَّم به كالعلامة... فالجبال أعلامٌ، وهي علاماتٌ لمن في البر والبحر يُستدلّ بها على ما يُقاربها من الأمكنة؛ فإنّه يلزم من وجودها وجوده، وهي لا تزال دالّة ما دامت موجودة، ومدلولها موجودًا، وهي أثبت من غيرها؛ فقد يكون عندها قرية وسكّان فيكون علَمًا عليهم، ثم قد تخرب القرية ويذهب السكّان؛ فتزول الدلالة لزوال الملزوم». ونقل ابنُ عطية (٥/٣٣٩) عن أبيه: «أنه سمع بعض أهل العلم بالمشرق يقول: إن في بحر الهند الذي يجرى فيه من اليمن إلى الهند حيتانًا طوالًا رقاقًا كالحيّات في ألوانها وحركتها والتوائها، وأنها تسمى العلامات، وذلك أنها علامة الوصول إلى بلاد الهند، وأمارة النجاة والانتهاء إلى الهند لطول ذلك البحر وصعوبته، وأن بعض الناس قال: إنها التي أراد الله تعالى في هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: قال أبي رضي الله عنه: وأنا ممن شاهد تلك العلامات في البحر المذكور وعاينها، فحدثني منهم عدد كثير»
وجَّه ابنُ عطية (١/٥٤٦) ما ورد عن ابن عمر، فقال بعدما ذكر قولَ من يُبِيح إتيانَ المرأة في الدُّبُر: «روي ذلك عن عبد الله بن عمر، ورُويَ عنه خلافُه وتكفيرُ مَن فَعَلَه، وهذا هو اللائق به». وبَيَّنَ ابنُ تيمية (١/٥١٤ بتصرف) أنّ ما نقله نافع عن ابن عمر اختلفت أنظارُ الناس فيه، فقال: «فمِن الناس من يقول: غَلِط نافعٌ على ابن عمر، أو لم يَفْهَم مرادَه، وكان مراده: أنها نزلت في إتيان النساء من جهة الدُّبُرِ في القبل؛ فإنّ الآية نزلت في ذلك باتفاق العلماء، وكانت اليهود تنهى عن ذلك، وتقول: إذا أتى الرجل المرأة في قُبُلِها من دُبُرِها جاء الولد أحول. فأنزل الله هذه الآية. وكان سالم بن عبد الله بن عمر يقول: كذب العَبْدُ على أبي. وهذا مما يُقَوِّي غلطَ نافع على ابن عمر؛ فإنّ الكذب كانوا يطلقونه بإزاء الخطأ. ومن الناس من يقول: ابن عمر هو الذي غلط في فهم الآية. والله أعلم أي ذلك كان؛ لكن نُقِل عن ابن عمر أنه قال: أو يفعل هذا مسلم؟!». وأمّا ابنُ كثير (١/٥٩٧) فذكر قولَ ابن عمر لما سُئِل عن تحميض الجواري: وهل يفعل ذلك أحدٌ من المسلمين؟! ، ثم قال: «وهذا إسناد صحيح، ونصٌّ صريحٌ منه بتحريم ذلك، فكلُّ ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم». يقول ابنُ عطية (١/٥٤٦-٥٤٧ بتصرف) بعد توجيهه السابق لما ورد عن ابن عمر: «وقد ورد عن رسول ﷺ... أنه قال: «إتيان النساء في أدبارهن حرام»... وهذا هو الحقُّ المُتَّبَع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زَلَّةِ عالم بعد أن تَصِحَّ عنه». وقال ابن تيمية (١/٥١٥) أيضا: «لكن بكُلِّ حال معنى الآية هو ما فسرها به الصحابة والتابعون، وسببُ النزول يدلُّ على ذلك؛ فإنّ الله قال في كتابه: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾. وقد ثبت في الصحيح: أنّ اليهود كانوا يقولون إذا أتى الرجل امرأته في قُبُلها من دُبُرها: جاء الولدُ أحول. فسأل المسلمون عن ذلك النبيَّ ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، والحرثُ: موضع الزرع، والولدُ إنّما يزرع في الفَرْجِ لا في الدُّبُر، ﴿فأتوا حرثكم﴾ وهو موضع الولد ﴿أنى شئتم﴾ أي: مِن أين شئتم؛ من قُبُلِها، ومن دُبُرِها، وعن يمينها، وعن شمالها. فالله تعالى سَمّى النساء حرثًا؛ وإنما رَخَّص في إتيان الحروث، والحرث إنما يكون في الفرج. وقد جاء في غير أثر: أنّ الوطءَ في الدُّبُرِ هو اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرى. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنّه قال: «إنّ الله لا يستحيي من الحق؛ لا تأتوا النساء في حُشُوشِهِنَّ». والحُشُّ هو: الدُّبُر، وهو موضع القَذَر. والله سبحانه حَرَّم إتيان الحائض مع أنّ النجاسة عارضة في فرجها، فكيف بالموضع الذي تكون فيه النجاسة المُغَلَّظة؟!». وذكَر ابنُ القيِّم (١/١٧٦) أن من نَسَب إلى بعض السلف جواز وطء الزوجة في دُبُرها، فقد غَلِط عليه
اختُلِف في المأمور بإيفاد الحكمين في الآية، وفي المقدار الذي ينظر فيه الحكمان، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ المأمور بذلك هو السلطان الذي يُرْفَع إليه أمرُ الزوجين، فيُشْكل عليه أمرهما، فيبعث الحكمين لينظرا في كلِّ شيء، ويحملان على الظالم، ويمضيان ما رأياه من بقاء أو فِراق. والثاني: أنّ المأمور بذلك هو السلطان الذي يُرْفَع إليه أمرُ الزوجين فيُشْكل عليه أمرهما، فيبعث الحكمين؛ لينظرا في الإصلاح، وليس لهما التفريق بين الزوجين. والثالث: أنّ الذي يبعث الحكمين هما الزوجان بتوكيل منهما للنظر بينهما، وليس للحكمين أن يعملا شيئًا في أمر الزوجين إلا ما وكَّلاهما به. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٧٢٦) استنادًا إلى الإجماع، والعموم، والدلالة العقلية إلى أنّ الآية تحتمل القولين: الثاني، والثالث. وانتَقَد (٦/٧٢٨) مَن قال بصِحَّةِ تفريقِ الحكميَن بينهما إن رأيا ذلك، مستندًا إلى دلالة القرآن على عدم جواز ذلك إلا برضا الزوج، وعدم جواز الحكم بأخذ مال المرأةِ إلا برضاها، ولا دليل على خلاف ذلك من أصلٍ أو قياسٍ. وذَهَبَ ابنُ القيم (١/٢٧٥) إلى الأول. وانتَقَدَ غيرَه من الأقوال استنادًا إلى ظاهر الآية، واللغة، والدلالة العقلية، فقال: «والعجبُ كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان. والله تعالى قد نصبهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين لقال: فليبعث وكيلًا مِن أهله، ولتبعث وكيلًا من أهلها. وأيضًا فلو كانا وكيلين لم يختصّا بأن يكونا من الأهل. وأيضًا فإنه جعل الحكم إليهما، فقال: ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾، والوكيلان لا إرادة لهما، إنما يتصرفان بإرادة موكليهما. وأيضًا فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام، وليس للوكيل شيء من ذلك. وأيضًا فإنّ الحكم أبلغ من حاكم؛ لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت، ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض، فكيف بما هو أبلغ منه؟! وأيضًا فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين، وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما؟! وهذا يُحْوِج إلى تقدير الآية هكذا: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ فمروهما أن يوكلا وكيلين: وكيلًا من أهله ووكيلًا من أهلها، ومعلوم بُعْدُ لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير، وأنها لا تدل عليه بوجه، بل هي دالة على خلافه، وهذا بحمد الله واضح. وبعث عثمان بن عفان عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقيل لهما: إن رأيتما أن تفرقا فرقتما. وصحَّ عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين: عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فهذا عثمان، وعليٌّ، وابن عباس، ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وإنما يُعرَف الخلاف بين التابعين فمَن بعدهم»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المعنيِّ بقوله تعالى: ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ على أقوال: الأول: كان قائل ذلك رجلًا من اليهود، فمِن قائل: اسمه مالك بن الصيف. وهو قول سعيد بن جبير، وعكرمة. ومِن قائل: اسمه فِنْحاص. وهو قول السدي. الثاني: جماعة من اليهود سألوا النبي ﷺ آيات مثل آيات موسى. وهو قول قتادة، ومحمد القرظي، وابن عباس. الثالث: مشركو قريش، وأنهم قالوا: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾. وهو قول مجاهد. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩/٣٩٧-٣٩٨) مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية القول الثالث، وذلك أنّ سياق الآيات في الإخبار عن كفار قريش، ولم يَجْرِ لليهود قبل هذا ذكرٌ، إضافةً إلى أن المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود، ولم يُعرَف عنهم إنكار إنزال الكتب من السماء. ثم وجَّه القول الأول والثاني، فقال: «ولكنِّي أظنُّ أنّ الذين تأوَّلوا ذلك خبرًا عن اليهود؛ وجدوا قوله: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا وعُلِّمْتُم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾، فوجَّهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرءوه على وجه الخطاب لهم: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾، فجعلوا ابتداء الآية خبرًا عنهم، إذ كانت خاتمتها خطابًا لهم عندهم». ووافقه ابنُ كثير (٦/١١٠-١١١) وزاد مستند أحوال النزول؛ وذلك أنّ الآية مكية، والعرب قاطبة كانوا يُبعِدون إرسال رسولٍ من البشر، واستدل بقوله تعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢]، وبقوله تعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء:٩٤]. وعلَّق ابنُ عطية (٣/٤١٥) بقوله: «مَن قال: إنّ المراد: كفار العرب. فيجيء الاحتجاج عليهم بقوله: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ احتجاجًا بأمر مشهور منقول بكافة قوم لم تكن العرب مكذبة لهم. ومن قال: إن المراد: بنو إسرائيل. فيجيء الاحتجاج عليهم مستقيمًا؛ لأنهم يلتزمون صحة نزول الكتاب على موسى». ثم عقَّب ابنُ جرير (٩/٣٩٨) على القراءة، فقال: «والأصوب من القراءة في قوله: ‹يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا› أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى: أنّ اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا، ويكون الخطاب بقوله: ﴿قل من أنزل الكتاب﴾ لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد -إن شاء الله- في تأويل ذلك، وكذلك كان يقرأ»
اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال قوم: المراد: تشبيه واعظ الكافرين وداعيهم والكافرين الموعوظين بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل، فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفقه ما يقول. وقال آخرون: المعنى: ومَثَل الذين كفروا في اتِّباعهم آلهتَهم، وعبادتهم إياها؛ كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه شيئًا إلا دَوِيًّا غير مفيد، يعني بذلك: الصدى الذي يستجيب من الجبال. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣/٥٠بتصرف) مُسْتَنِدًا لأحوال النُّزول، والسياق القولَ الأول دون الثاني الذي قاله ابن زيد، فقال: «وإنما اخترنا هذا التأويل لأنّ هذه الآية نزلت في اليهود، وإيّاهم عنى الله -تعالى ذِكْرُه- بها، ولم تكن اليهودُ أهلَ أوثانٍ يعبدونها، ولا أهل أصنام يُعَظِّمُونها، ويَرْجُون نفعَها أو دفعَ ضُرِّها. فإن قال قائل: وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟ قيل: دليلُنا على ذلك ما قبلها من الآيات وما بعدها، فإنّهم هم المَعْنِيُّون به، فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم أحقّ وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم، حتى تأتي الأدلة واضحة بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم». وكذا رَجَّحه ابنُ كثير (٢/١٤٧) مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الأصنام لا تسمع شيئًا، ولا تَعْقِلُه، ولا تُبْصِرُه، ولا بَطْشَ لها، ولا حياة فيها». ووجَّهه ابنُ جرير (٣/٤٧-٤٨ بتصرف)، فقال: ""ومعنى قائلي هذا القول في تأويلهم ما تأوّلوا: ومَثَلُ وعْظِ الذين كفروا وواعظِهم كمَثَل نَعْق النّاعق بغنمه ونعيقه به، فأضيف المَثَل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام على ذلك، كما يُقال: إذا لقيت فلانًا فعظِّمه تعظيمَ السلطان، يُراد به: كما تُعَظِّم السلطان، وقد يحتمل أن يكون المعنى على هذا التأويل الذي تأوّله هؤلاء: ومَثَلُ الذين كفروا في قلّة فهمهم عن الله وعن رسوله كمثل المنعوق به من البهائم الذي لا يفقه من الأمر والنهي غير الصوت، وذلك أنّه لو قيل له: اعْتَلِف أو رِدِ الماء. لم يدر ما يُقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله، فكذلك الكافر مَثَلُه في قِلَّة فهمه لِما يُؤْمَر به ويُنْهى عنه بسوء تدبره إياه وقِلَّة نظره وفكره فيه مَثَلُ هذا المنعوق به فيما أُمِر به ونُهِي عنه. فيكون المعنى للمنعوق به، والكلامُ خارجٌ على الناعق، كما قال نابغة بني ذبيان:وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي... على وعل في ذي المطارة عاقلوالمعنى: حتى ما تزيد مخافة الوعل على مخافتي"". وبنحوه قال ابنُ القيم (١/١٦٣)
اخْتُلِف في تفسير قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾؛ فقال قوم: ﴿غير باغ﴾ غير خارج على الأمة بسيفه. وقال آخرون: بل تأويل ذلك: فمن اضطر غير باغ في أكله شهوة، ولا عادٍ فوق ما لا بُدَّ له منه. وقال غيرهم: غير باغٍ الحرام في أكله، ولا مُعْتَدٍ الذي أبيح له منه. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٦٢-٦٣بتصرف) القولَ الأخير الذي قال به قتادة، والحسن، وعكرمة، ومجاهد من طريق جابر، والربيع، وابن زيد. وانتَقَدَ القولَ الأوَّلَ الذي قاله مجاهد، وسعيد، مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وذلك أنّ الله لم يُرَخِّص لأحد في قتل نفسه بحال، فالواجب على قُطّاع الطريق التَّوْبَةُ من معاصي الله، لا قتل أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إلى إثمهما إثمًا». وبيَّن ابنُ جرير (٣/٦٢) أنّ تفسير السدي -وهو القول الثاني- لقوله: ﴿غير باغ﴾ مُوافِقٌ لِما رَجَّح، وأمّا تفسيره ﴿عاد﴾ بالشَّبَع فقد بيّن أنه بعض معاني الاعتداء، ثم قال: «ولم يُخَصِّص اللهُ من معاني الاعتداء في أكله معنًى؛ فيُقال: عنى به بعض معانيه. فإذا كان ذلك كذلك فالصواب من القول ما قلنا مِن أنّه الاعتداء في كل معانيه المحرمة». ورَجَّح ابنُ تيمية (١/٤٠٤-٤٠٥) أيضًا القول الأخير، مُسْتَنِدًا إلى أحوال النُّزول، والدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله أنزل هذا في السور المكيّة -الأنعام، والنحل-، وفي المدنية؛ لِيُبَيِّن ما يَحِلُّ وما يَحْرُم من الأكل، والضرورة لا تختصّ بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرّم مُخْتَصًّا بقطع الطريق والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبي ﷺ إمامٌ يُخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا، والبُغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولًا مسافرين؛ بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنِّعال والجريد، فكيف يجوز أن تُفَسَّر الآيةُ بما لا يَخْتَصَّ بالسفر، وليس فيها كلُّ سَفَرٍ محرم؟! فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مُطابِقًا للسفر المحرم، فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه. وأيضًا فقوله: ﴿غير باغ﴾ حال من ﴿اضطر﴾، فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فلا إثم عليه﴾، ومعلوم أنّ الإثم إنما يُنفى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه؛ فمعنى الآية: فمن اضْطُرَّ فأكلَ غير باغ ولا عاد. وهذا يُبَيِّن أنّ المقصود أنّه لا يبغي في أكله، ولا يتَعَدّى»
رجَّحَ ابنُ جرير (٨/٣٩-٤٠ بتصرف) مستندًا إلى الإجماع ودلالة العقل قولَ ابن زيد هذا، وما ماثله من قول ابن عباس، وقتادة، والسدي، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصِّحَّة قَوْلُ مَن قال: نَسَخَ الله من هذه الآية قولَه: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾؛ لإجماع الجميع على أنّ الله قد أحَلَّ قتال أهل الشِّرْك في الأشهر الحُرُم وغيرِها مِن شهور السَّنة كُلِّها، وكذلك أجمعوا على أنّ المشرك لو قَلَّد عُنُقَه أو ذراعَيْه لِحاءَ جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانًا مِن القتل إذا لم يكن تَقَدَّمَ له عَقْدُ ذِمَّةٍ من المسلمين أو أمانٌ. وأمّا قوله: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ فإنه مُحْتَمَلُ ظاهرِه: ولا تُحِلُّوا حُرْمَةَ آمِّينَ البيتَ الحرامَ مِن أهلِ الشِّرْكِ والإسلام؛ لِعُمُومِ جميع مَن أمَّ البيتَ. وإذا احْتَمَلَ ذلك -فكان أهلُ الشِّركِ داخلين في جُمْلَتهم- فلا شكَّ أنّ قوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسِخٌ له؛ لأنّه غيْرُ جائِزٍ اجْتِماعُ الأَمْرِ بِقَتْلِهِم وتَرْكِ قَتْلِهِم في حال واحدة ووَقْت واحد. وفي إجماع الجميع على أنّ حُكْمَ الله في أهل الحرب مِنَ المشركين قتْلُهُم، أمُّوا البيتَ الحرامَ أو البيتَ المُقَدَّسَ في أشهر الحُرُم وغيرِها، ما يُعْلَمُ أنّ المنعَ مِن قتلهم إذا أمُّوا البيتَ الحرامَ منسوخٌ، ومُحْتمِلٌ أيضًا: ولا آمِّين البيت الحرام من أهل الشِّركِ، وأكثر أهل التَّأويل على ذلك. وإن كان عُنِيَ بذلك المشركون مِن أهل الحرب، فهو أيضًا لا شَكَّ منسوخٌ. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان لا اختلاف في ذلك بينهم ظاهر، وكان ما كان مُسْتَفِيضًا فيهم ظاهرَ الحُجَّةِ؛ فالواجبُ -وإنِ احتمل ذلك معنى غير الذي قالوا- التَّسليمُ لِما استفاض بصحته نقلهم». وذَهَبَ إلى النسخ أيضًا ابنُ عطية (٣/٨٩) مستندًا إلى زمن النزول والدلائل العقلية، فقال: «فكُلُّ ما في هذه الآية مما يُتَصَوَّر في مسلم حاجٍّ فهو مُحْكَم، وكل ما كان منها في الكفار فهو منسوخ». ثم قال: «وهذه الآية اسْتِئْلافٌ مِن الله تعالى للعَرَب، ولُطْفٌ بهم؛ لِتَنبَسِط النفوس، ويَتَداخل الناس، ويَرِدُون الموسم فيسمعون القرآن، ويدخل الإيمان في قلوبهم، وتقوم عندهم الحجة كالذي كان. وهذه الآية نزلت عام الفتح، ونسخ الله تعالى ذلك كله بعد عام سنة تسع إذ حج أبو بكر، ونودي الناس بسورة براءة»
اختُلِف في معنى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ في هذه الآية من جهتين: الأولى: اختُلِف في مرجع الضمير في ﴿لَهُ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّها ترجع إلى الله تعالى. الثاني: أنها ترجع إلى النبي ﷺ. الثالث: أنها ترجع إلى الملِك مِن ملوك الدنيا. والثانية: اختلف في معنى: «المعقبات» على قولين: الأول: الملائكة التي تتعقب على العبد لحفظه وحفظ أعماله. الثاني: الحرس الذي يتعاقب على الأمير. ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٤٦١-٤٦٢) مستندًا إلى اللغة، وإلى دلالة السياق أن «الهاء في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ مِن ذِكْر»مَن«التي في قوله: ﴿ومَن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾، وأنّ المعقِّبات من بين يديه ومِن خلفه، هي حَرَسُه وجَلاوِزَتُه». وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب لأنّ قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ أقرب إلى قوله: ﴿ومَن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ منه إلى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾، فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذِكْرِه، وأن يكون المعنيُّ بذلك هذا، مع دلالة قول الله: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ على أنّهم المعنيُّون بذلك، وذلك أنّه -جلَّ ثناؤه- ذَكَر قومًا أهل معصيةٍ له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومَنَعَةٍ تمنعهم من أهل طاعته، أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أنّ الله -تعالى ذِكْره- إذا أراد بهم سوءًا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم». وذكر ابنُ عطية (٥/١٨٤-١٨٥) أنه على القول بعود الضمير على اسم الله تعالى المتقدم ذكره تكون «المعقِّبات»: الملائكة الحفظة على العباد أعمالهم، والحفظة لهم أيضًا. وعلى القول بعود الضمير على المذكور في قوله: ﴿ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن﴾ وكذا باقي الضمائر التي في الآية، تكون «المعقِّبات»: حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، والآية على هذا في الرؤساء الكافرين. وذكر ابنُ عطية قولًا رابعًا في عود الضمير «في ﴿لَهُ﴾ للعبد المؤمن، على معنى: جعل الله له». وبيَّن أن هذا القول إنّما يصِحُّ على القول بكون «المعقبات» هي الملائكة، ثم رجَّحه مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وهذا التأويل عندي أقوى؛ لأنّ غرض الآية إنّما هو التنبيه على قدرة الله تعالى، فذكر استواء مَن هو مُستَخْف ومَن هو سارِبٌ وأنّ له معَقِّبات مِن الله تحفظه في كل حال، ثم ذكر أن الله لا يُغيِّر هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يُغيِّر ما بنفسه»