اختُلف في المراد بالزكاة على أقوال: الأول: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهّرهم، وتزكّي أبدانهم، ولا يوحِّدونه. الثاني: النفقة في الطاعات. الثالث: زكاة المال. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٣٨٠) -مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وكونه الأشهر في معنى الزكاة- القولَ الأخير الذي قاله الحسن، وقتادة، والسُّدّيّ، ومجاهد، والربيع، فقال: «وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن في قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ دليلًا على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عُنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ مرادًا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله؛ لم يكن لقوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ معنى؛ لأنه معلوم أنّ مَن لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ قولَه: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ ما ينبئ عن أنّ الزكاة في هذا الموضع معنيٌّ بها زكاة الأموال». ورجَّح ابنُ عطية (٧‏/‏٤٦٤) القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعكرمة مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «ويرجِّح هذا التأويل أنّ الآية من أوَّل المكيّ، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيرهما من الشرك والمعاصي». ورجَّح ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٥٦) -مستندًا إلى النظائر- أن الآية تتناول كل ما يتزكّى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة، كقوله: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات:١٨]، وقوله: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى:١٤]. وانتقد ابنُ كثير (١٢‏/‏٢١٩) القول الأخير مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، على ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٥٦)، ثم وجَّهه بقوله: «اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصلُ الزكاة الصدقة كان مأمورًا به في ابتداء البعثة، كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١]، فأما الزكاة ذات النُّصب والمقادير فإنما بُيّن أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعًا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبًا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله على رسوله ﷺ الصلوات الخمس، وفصّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئًا فشيئًا»

اختُلف في معنى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ على أقوال: الأول: إخبارٌ من الله نبيَّه عليه الصلاة والسلام بقوله: سنُقرِئُك فلا تنسى إلا ما شئتُ أنا فأُنسيك. الثاني: سنعلِّمك القرآن، ونجمعه في قلبك فلا تنساه أبدًا، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ الآية [القيامة:١٦-١٧]، والاستثناء في هذا الموضع على النسيان، والمعنى: فلا تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه ولا تَذْكُره، وذلك هو ما نسخه الله من القرآن، فرَفَع حُكْمَه وتلاوتَه. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩٢) القول الأول بقوله: على نحو قوله ﷺ: «إني لأنسى، وأُنَسّى لأَسُنَّ». ووجَّه (٨‏/‏٥٩١) القول الثاني بقوله: «وفي هذا التأويل آية للنبي ﷺ في أنه أُمِّيٌّ، وحفظ الله تعالى عليه الوحي، وأمَّنه من نسيانه». ونقل ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣١٦ بتصرف) قولين آخرين: أحدهما: أنّ «معنى النسيان في هذا الموضع: التَّرْك، وأنّ معنى الكلام: سنقرئك، يا محمد، فلا تَتْرُكُ العمل بشيءٍ منه، إلا ما شاء الله أن تَتْرُكَ العمل به، مما ننسَخُه». والآخر: أنّ «بعض أهل العربية كان يقول في ذلك: لم يشأ اللهُ أن تَنسى شيئًا، وهو كقوله: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّمَواتُ والأَرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٨] ولا يشاء. قال: وأنتَ قائلٌ في الكلام: لأُعطينَّك كلّ ما سألتَ إلا ما شئتُ، وإلا أنْ أشاءَ أنْ أمنعَك. والنِّيَّةُ أن لا تمنعه، ولا تشاءَ شيئًا. قال: وعلى هذا مجاري الأيمان، يُستَثنى فيها، ونيَّة الحالف التَّمام». ثم رجَّح القول الثاني مستندًا إلى الأظهر لغة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ ذلك أظهرُ معانيه». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩١) عن آخرين: أنّ هذه الآية «وعدٌ بإقراء الشرع والسور، وأَمْرٌ بأن لا ينسى، على معنى التثبيت والتأكيد، وقد علم تعالى أنّ تَرْك النسيان ليس في قدرته، فهو نهيٌ عن إغفال التعاهد». ونقل (٨‏/‏٥٩٢) عن بعض المتأولين أنّ معنى الاستثناء: «إلا ما شاءَ اللَّهُ أن يغلبك النسيان عليه، ثم يذكِّرك به بعد». ثم وجَّهه بقوله: «ومن هذا قول النبي -عليه الصلاة والسلام- حين سمع قراءة عبّاد بن بشر: «رحمه الله تعالى، لقد أذْكرني كذا وكذا آيةً في سورة كذا». ثم علَّق بقوله:»ونسيان النبي ﷺ ممتنعٌ فيما أُمِر بتبليغه؛ إذ هو معصوم، فإذا بلَّغه ووُعِيَ عنه فالنسيان جائزٌ، على أن يتذكر بعد ذلك، أو على أن يسنّ، أو على النسخ""

سورة النساء — الآية ٩٧

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في الآية، قال: لَمّا بُعِث النبي ﷺ وظهر ونبع الإيمان نبع النفاق معه، فأتى إلى رسول الله ﷺ رجالٌ، فقالوا: يا رسول الله، لولا أنّا نخاف هؤلاء القوم يعذبون ويفعلون ويفعلون لأسلمنا، ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فكانوا يقولون ذلك له، فلما كان يوم بدر قام المشركون، فقالوا: لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره، واستبحنا ماله. فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبي ﷺ معهم، فقُتِلت طائفة منهم، وأُسِرت طائفة. قال: فأما الذين قُتِلوا فهم الذين قال الله: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ الآية كلها. ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ وتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم؟ ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾. قال: ثم عذر الله أهل الصدق، فقال: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا﴾ يتوجهون له، لو خرجوا لهلكوا. قال: ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾ إقامتهم بين ظهري المشركين. وقال الذين أُسروا: يا رسول الله، إنّك تعلم أنّا كُنّا نأتيك فنشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأنّ هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفًا. فقال الله: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم﴾ [الأنفال:٧٠] صنيعكم الذي صنعتم؛ خروجكم مع المشركين على النبي ﷺ، ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل﴾: خرجوا مع المشركين؛ ﴿فأمكن منهم﴾ [الأنفال:٧١]

علَّقَ ابن جرير (١‏/‏٤٤٨-٤٤٩) على قول ابن زيد قائلًا: «الإماتةُ الأولى عنده إعادةُ الله -جل ثناؤه- عبادَه في أصلاب آبائهم، بعد ما أخذهم من صُلْب آدم، وأنّ الإحياء الآخر هو نفخُ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم، وأن الإماتة الثانية هي قبض أرواحهم للعود إلى التراب، والمصير في البرزخ إلى يوم البعث، وأنّ الإحياء الثالث هو نفخ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة». ثم انتقده لمخالفتِه ظاهرَ الآيةِ بقوله: «وهذا تأويلٌ إذا تَدَبَّره المتدبر وجده خلافًا لظاهر قول الله الذي زعم مُفَسِّرُه أن الذي وصفنا من قوله تفسيره، وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- أخبر في كتابه عن الذين أخبر عنهم من خلقه أنّهم قالوا: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾، وزعم ابن زيد في تفسيره أنّ الله أحياهم ثلاث إحياءات، وأماتهم ثلاث إماتات... وليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين -أعني قوله: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا﴾ الآية، وقوله: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾- في شيء؛ لأن أحدًا لم يدَّعِ أن الله أمات من ذَرَأ يومئذ غيرَ الإماتة التي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث». وعلَّقَ ابنُ كثير (١‏/‏٣٣٢) على قول ابن زيد بقوله: «وهذا غريب». وزاد ابن عطية (بتصرف ١‏/‏١٦٠، ١٦١) أقوالًا أخرى في معنى الآية، فقال: «وقال آخرون: كنتم أمواتًا بكون آدم من طين ميتًا قبل أن يحيى، ثم نفخ فيه الروح فأحياكم بحياة آدم، ثم يميتكم الموت المعهود، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة... كنتم أمواتًا في الأرحام قبل نفخ الروح، ثم أحياكم بالإخراج إلى الدنيا، ثم كما تقدم... وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: وكنتم أمواتًا بالخمول، فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم»

رجَّحَ ابنُ جرير (٨‏/‏١٠٦ بتصرف) أنّ المقصود بـ﴿الجوارح﴾: كلُّ ما صاد من الطير والسِّباع، وإنّ صَيْد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم، مُسْتَنِدًا إلى عموم الآية، ودلالة السُّنَّة، فقال: «أوْلى القولين بتأويل الآية قول مَن قال: كلُّ ما صاد من الطير والسِّباع فمِن الجوارح، وإنّ صَيْدَ جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم؛ لأنّ الله -جَلَّ ثَناؤُه- عَمَّ بقوله: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ كُلَّ جارِحَة، ولم يُخَصِّصْ منها شيئًا، فكلُّ جارِحة كانت بالصِّفَة التي وصف الله من كلِّ طائِر وسَبُع فحلالٌ أكْلُ صيدِها. وقد رُوِي عن النبي ﷺ بنحو ما قلنا في ذلك خبرٌ، مَعَ ما في الآية مِن الدَّلالة التي ذَكَرْنا على صِحَّة ما قُلْنا في ذلك، وهو ما حدَّثنا به هَنّاد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن مُجالِد، عن الشعبي، عن عَدِيِّ بن حاتِم، قال: سألْت رسول الله عن صيد البازِيّ، فقال: «ما أمْسَكَ عليك فكُلْ». فأباح ﷺ صَيْد البازيّ، وجَعَلَه مِن الجوارح. فقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ صفة للقانِص، وإن صادَ بغير الكلاب في بعض أحيانه، وهو نظير قول القائل يُخاطِب قومًا: أُحِلَّ لكم الطَّيِّبات، وما عَلَّمْتُم من الجوارح مُكَلِّبِين مُؤَمِّنِين؛ فمعلوم أنّه إنّما عَنى قائل ذلك إخْبار القوم أنّ الله -جَلَّ ذِكْرُه- أحَلَّ لهم في حال كونهم أهل إيمانٍ الطَّيِّباتِ، وصَيْدَ الجوارح التي أعْلَمَهُم أنّه لا يحلُّ لهم منه إلّا ما صادوه بها، فكذلك قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتِ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، لذلك نظيره في أنّ التَّكْلِيب لِلْقانِصِ بالكلاب كان صيدُه أو بغيرها، لا أنّه إعلام من الله -عَزَّ ذِكْرُه- أنّه لا يَحِلُّ من الصيد إلا ما صادَتْه الكلابُ»

وجّه ابنُ عطية (٣‏/‏٢٠٥) هذه القراءة، فقال: ""وذلك على أنّ المراد: عبدة الطاغوت، وحذفت الهاء تخفيفًا، ومثله قول الراجز:قام ولاها فسقوها صرخداأراد: ولاتها. فحذف تخفيفًا"". وقال ابنُ كثير (٥‏/‏٢٧٤ بتصرف) موجِّهًا معنى الآية على هذه القراءة: «المعنى على هذه القراءة: وجعل منهم من عبد الطاغوت». وعند ابن جرير نحوه (٨‏/‏٥٤١). وقد رجّح ابنُ جرير (٨‏/‏٥٤٤-٥٤٥ بتصرف) هذه القراءة مستندًا إلى بعض القراءات، قال: «وأَوْلى هذه القراءات بالصواب قراءة من قرأ ذلك: ﴿وعبد الطاغوت﴾، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومَن عبد الطاغوت؛ لأنه ذكر أن ذلك في قراءة أُبَيّ بن كعب وابن مسعود: (وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدُوا الطّاغُوتَ)، بمعنى: والذين عبدوا الطاغوت. ففي ذلك دليل واضح على صحة المعنى الذي ذكرنا من أنّه مراد به: ومن عبد الطاغوت». ثم بين معنى الآية على هذا الترجيح، فقال: «فتأويل الآية: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله؛ مَن لعنه، وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير، ومَن عبد الطاغوت». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (٦‏/‏٥٠٤-٥٠٥) هذا الذي ذهب إليه ابنُ جرير مُرَجِّحًا أنّ قوله تعالى: ﴿وعبد الطاغوت﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿لعن﴾، وأنه فعل ماضٍ، وليس داخلًا في خبر «جعل»، مستندًا إلى الدلالة العقلية، قال: «قوله: ﴿وعبد الطاغوت﴾ ليس المراد: وجعل منهم من عبد الطاغوت، كما ظنه بعض الناس، فإن اللفظ لا يدل على ذلك، والمعنى لا يناسبه، فإنّ المراد ذمهم على ذلك، والإخبار بأن الله جعل فيهم القردة والخنازير، فإن ذلك عقوبة منه لهم على ذنوبهم، وذلك خزي لهم، فعابهم بلعنة الله، وعقوبتهم بالشرك الذي هم فيه، وهو عبادة الطاغوت»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المعنيِّ بـ﴿هَؤُلاءِ﴾، والمعنيِّ بالقوم الموكَّلين بها على أقوال: الأول: فإن يكفر بها كفار قريش، فقد وكَّلنا بها الأنصار. وهو قول قتادة من طريق أبي هلال، والضحاك، والسدي، وابن جريج، وابن عباس. الثاني: فإن يكفر بها أهل مكة، فقد وكَّلنا بها الملائكة. وهو قول أبي رجاء العطاردي. الثالث: فإن يكفر بها كفار قريش، فقد وكَّلنا بها الأنبياء الذين ذُكِروا في الآيات السابقة. وهو قول قتادة من طريق معمر. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٣٩٠) مستندًا إلى السياق القول الثالث، وقال معلِّلًا: «وذلك أنّ الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذُكِر، فما بينها بأن يكون خبرًا عنهم أوْلى وأحقُّ من أن يكون خبرًا عن غيرهم». واختار ابنُ القيم (١‏/‏٣٥٤-٣٥٥) الجمع بين هذه الأقوال كلها عدا القول بكون القوم الموكلين بها هم الملائكة، مستندًا إلى زمن النزول، فقال: «السورة مكية، والإشارة بقوله: ﴿هَؤُلاءِ﴾ إلى مَن كفر به من قومه أصلًا، ومَن عداهم تبعًا، فيدخل فيها كلُّ مَن كفر بما جاء به من هذه الأمة، والقوم الموكَّلون بها هم الأنبياء أصلًا، والمؤمنون بهم تبعًا، فيدخل كل مَن قام بحفظها، والذبِّ عنها، والدعوة إليها، وهذا ينتظم في الأقوال التي قيلت في الآية». وانتقد مستندًا إلى السياق، ونظائر القرآن قولَ من قال: إنهم الملائكة، فقال: «وأما قول من قال: إنهم الملائكة، فضعيف جدًّا لا يدل عليه السياق، وتأباه لفظة ﴿قَوْمًا﴾؛ إذ الغالب في القرآن، بل المطرد تخصيص القوم ببني آدم دون الملائكة، وأما قول إبراهيم لهم: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فإنّما قاله لَمّا ظنهم من الإنس»

قال ابن عطية (٤‏/‏١٥٩-١٦٠): «قال بعض المتأولين: هذه الآية مخاطبة للمؤمنين الحاضرين يوم بدر، قال الله لهم: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾، وهو الحكم بينكم وبين الكافرين، فقد جاءكم وقد حكم الله لكم، ﴿وإن تنتهوا﴾ عَمّا فعلتم من الكلام في أمر الغنائم، وما شجر بينكم فيها، وعن تفاخركم بأفعالكم من قتل وغيره؛ فهو خير لكم، ﴿وإن تعودوا﴾ لهذه الأفعال ﴿نعُد﴾ لتوبيخكم، ثم أعلمهم أن الفئة -وهي الجماعة- لا تغني -وإن كثرت- إلا بنصر الله تعالى ومعونته، ثم آنسهم بقوله وإيجابه أنه مع المؤمنين. وقال أكثر المتأولين: هذه الآية مخاطبة للكفار أهل مكة، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يدعو أبدًا في محافل قريش، ويقول: اللهم أقطعنا للرَّحِم، وآتانا بما لا يعرف؛ فأهلكه، واجعله المغلوب. يريد محمدًا ﷺ وإياهم، ورُوِي أن قريشًا لما عزموا على الخروج إلى حماية العِير تعلقوا بأستار الكعبة واستفتحوا، وروي أن أبا جهل قال صبيحة يوم بدر: اللهم انصر أحب الفئتين إليك، وأظهر خير الدينين عندك، اللهم أقطعنا للرحم فأَحِنْه الغداة. ونحو هذا، فقال لهم الله: إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم، أي: كما ترونه عليكم لا لكم. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا توبيخ، ثم قال لهم: ﴿وإن تنتهوا﴾ عن كفركم وغيكم ﴿فهو خير لكم﴾، ثم أخبرهم أنهم إن عادوا للاستفتاح عاد بمثل الوقعة يوم بدر عليهم، ثم أعلمهم أن فئتهم لا تغني شيئًا وإن كانت كثيرة، ثم أعلمهم أنه مع المؤمنين. وقالت فرقة من المتأولين: قوله: ﴿وإن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ هي مخاطبة للمؤمنين، وسائر الآية مخاطبة للمشركين، كأنه قال: وأنتم الكفار إن تنتهوا فهو خير لكم»

بشرى الآخرة: الجنَّة، قولًا واحدًا. واختُلِف في بُشرى الدنيا على قولين: أولها: أنّها الرؤية الصالحة يراها الرجل المسلم أو تُرى له. وثانيها: أنها بشارة يُبَشَّر بها المؤمن في الدنيا عند الموت. وزاد ابنُ تيمية (٣‏/‏٤٨٩) قولًا ثالثًا، وهو أنّ بشرى الدنيا: ثناء الناس عليه. وزاد ابنُ عطية (٤‏/‏٤٩٩) قولًا رابعًا، وهو أنّ بشرى الدنيا: ما في القرآن مِن الآيات المبشرات. وقال: «ويقْوى ذلك بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾». ثم علَّقَ قائلًا: «وإن كان ذلك كله يعارضه قول النبي ﷺ: «هي الرؤيا». إلا إن قلنا: إنّ النبي ﷺ أعطى مثالًا مِن البشرى، وهي تعم جميع الناس». وذَهَبَ ابنُ جرير (١٢‏/‏٢٢٥) إلى عموم لفظ البشرى؛ لدلالة القرآن، والسنّة، وعدم المُخصّص، فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر أنّ لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومِن البشارة في الحياة الدنيا: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له. ومنها: بشرى الملائكة إيّاه عند خروج نَفْسِه برحمة الله، كما روي عن النبي ﷺ: «أن الملائكة التي تحضره عند خروج نفسه، تقول لنفسه: اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه». ومنها: بشرى الله إيّاه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الثواب الجزيل، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ الآية [البقرة:٢٥]، وكل هذه المعاني من بشرى الله إيّاه في الحياة الدنيا بشَّره بها، ولم يخصُص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمَّه -جل ثناؤه- أنّ لهم البشرى في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة فالجنة»

اختُلِف في المخاطَب بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ على قولين: الأول: المخاطب الكفار، والمعنى: فقد كذبوكم أيها الكافرون مَن زعمتم أنهم أضلوكم. الثاني: المخاطَب المؤمنون، والمعنى: قد كذبكم أيها المؤمنون الكفار فيما تقولون من التوحيد والشرع. وعلَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٤٢٦) على القول الأول بقوله: «وفي هذا الإخبار خِزْيٌ وتوبيخ». ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٢٠) مستندًا إلى السياق القول الأول، وهو قول مجاهد، فقال: «وهو أن يكون خبرًا عن الذين كذبوا الكافرين في زعمهم أنهم دعَوهم إلى الضلالة وأمروهم بها، على ما قاله مجاهد من القول الذي ذكرناه عنه أشبه وأولى؛ لأنه في سياق الخبر عنهم». ووجَّه قول ابن زيد -وهو القول الثاني- قائلًا: «فوجَّه ابن زيد تأويل قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ إلى: فقد كذبكم -أيها المؤمنون- المكذبون بما جاءهم به محمدٌ من عند الله بما تقولون من الحق». ثم ذكر (١٧‏/‏٤٢٢) قراءة ابن مسعود: (فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ صَرْفًا)، وعلَّق صحة تأويل ابن زيد على صحة هذه القراءة، فقال بعد أن ذكر قراءة ابن مسعود: «فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة صحَّ التأويل الذي تأوَّله ابن زيد في قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ﴾، ويصير قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ خبرًا عن المشركين أنهم كذبوا المؤمنين». ثم بيَّن معنى: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ على هذه القراءة، فقال: «ويكون تأويل قوله حينئذٍ: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾: فما يستطيع -يا محمد- هؤلاء الكفار لك صرفًا عن الحق الذي هداك الله له، ولا نصرَ أنفسهم مما بهم من البلاء الذي هم فيه بتكذيبهم إياك»