محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٩٧ من سورة النساء في ١١٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٩٧ من سورة النساء

١١٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِيَ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلََئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً * إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلََئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ : إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ يعني : مكسبي أنفسهم غضب الله وسخطه. وقد بينا معنى الظلم فيما مضى قبل. ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ يقول : قالت الملائكة لهم : فيم كنتم، في أيّ شيء كنتم من دينكم. ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْض﴾ يعني : قال الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم : كنا مستضعفين في الأرض، يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوّتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله واتباع رسوله ﷺ، معذرةٌ ضعيفة وحجةٌ واهية.
﴿قَالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ يقول : فتخرجوا من أرضكم ودوركم، وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله ﷺ إلى الأرض التي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله، فتوحدوا الله فيها وتعبدوه، وتتبعوا نبيه ؟ يقول الله جلّ ثناؤه :﴿فأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ﴾ : أي فهؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، مأواهم جهنم، يقول : مصيرهم في الآخرة جهنم، وهي مسكنهم.
﴿وَساءَتْ مَصيرا﴾ يعني : وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى. ثم استثنى جلّ ثناؤه المستضعفين الذين استضعفهم المشركون من الرجال والنساء والولدان، وهم العجزة عن الهجرة بالعسرة وقلة الحيلة وسوء البصر والمعرفة بالطريق من أرضهم أرض الشرك إلى أرض الإسلام من القوم الذين أخبر جلّ ثناؤه أن مأواهم جهنم أن تكون جهنم مأواهم، للعذر الذي هم فيه، على ما بينه تعالى ذكره. ونصب المستضعفين على الاستثناء من الهاء والميم اللتين في قوله :﴿فأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ﴾، يقول الله جلّ ثناؤه :
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ يعني : هؤلاء المستضعفين، يقول : لعلّ الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون، فيتفضل عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة، إذ لم يتركوها اختيارا ولا إيثارا منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه عن النقلة عنها. ﴿وكانَ اللّهُ عَفُوّا غَفُورا﴾ يقول : ولم يزل الله عفوّا، يعني ذا صفح بفضله عن ذنوب عباده بتركه العقوبة عليها، غفورا ساترا عليهم ذنوبهم بعفوه لهم عنها. وذكر أن هاتين الآيتين والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله وبرسوله، وتخلفوا عن الهجرة مع رسول الله ﷺ حين هاجر، وعُرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله قبول معذرتهم التي اعتذروا بها، التي بينها في قوله خبرا عنهم :﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ﴾.
ذكر الأخبار الواردة بصحة ما ذكرنا من نزول الآية في الذين ذكرنا أنها نزلت فيهم :
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال : حدثنا ابن فضيل، قال : حدثنا أشعث، عن عكرمة :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسهِمْ﴾ قال : كان ناس من أهل مكة أسلموا، فمن مات منهم بها هلك، قال الله :﴿فأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَساءَتْ مَصيرا إلاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجالِ وَالنّسَاء وَالوِلْدانِ﴾ إلى قوله :﴿عَفُوّا غَفُورا﴾ قال ابن عباس : فأنا منهم وأمي منهم، قال عكرمة : وكان العباس منهم.
حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم. فنزلت :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾. . . الاَية، قال : فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الاَية، وأنه لا عذر لهم. قال : فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم :﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا باللّهِ فإذَا أُوذِيَ فِي اللّهِ﴾. . . إلى آخر الاَية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كلّ خير، ثم نزلت فيهم :﴿ثُمّ إن رَبّكَ للّذِينَ هاجَروا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمّ جاهَدُوا وَصَبُروا إنّ رَبّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكتبوا إليهم بذلك : إن الله قد جعل لكم مخرجا. فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقُتل من قتل.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني حيوة أو ابن لهيعة، الشكّ من يونس عن أبي الأسود، أنه سمع مولى لابن عباس يقول عن ابن عباس : إن ناسا مسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على النبيّ ﷺ، فيأتي السهم يُرْمَى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله فيهم :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسهِمْ﴾، حتى بلغ :﴿فَتُهاجِرُوا فِيهَا﴾.
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال : أخبرنا حيوة، قال : أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسديّ، قال : قُطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبتُ فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فنهاني عن ذلك أشدّ النهي. ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناسا مسلمين كانوا مع المشركين¹ ثم ذكر مثل حديث يونس عن ابن وهب.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسهِمْ﴾ هم قوم تخلفوا بعد النبيّ ﷺ وتركوا أن يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبيّ ﷺ ضربت الملائكة وجهه ودُبُره.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾. . . إلى قوله :﴿وَساءَتْ مَصيرا﴾ قال : نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن زمعة بن الأسود وقيس بن الوليد بن المغيرة وأبي العاص بن منبه بن الحجاج وعليّ بن أمية بن خلف. قال : لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وغير قريش من رسول الله ﷺ وأصحابه، وأن يطلبوا ما نِيلَ منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبان كارهين كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفارا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم. قال ابن جريج وقال مجاهد : نزلت هذه الاَية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء من كفار قريش. قال ابن جريج وقال عكرمة : لما نزل القرآن في هؤلاء النفر، إلى قوله :﴿وَساءَتْ مَصيرا إلاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجالِ وَالنّساءِ وَالوِلْدَانِ﴾ قال : يعني : الشيخ الكبير، والعجوز والجواري والصغار والغلمان.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسهِمْ﴾. . . إلى قوله :﴿وَساءَتْ مَصيرا﴾ قال : لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال : رسول الله ﷺ للعباس :«افْدِ نفسكَ وابنَ أخيكَ ! » قال : يا رسول الله ألم نصلّ قبلتك، ونشهد شهادتك ؟ قال :«يا عَبّاسُ أنّكُمْ خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ »، ثم تلا هذه الاَية :﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فأولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَساءَتْ مَصيرا﴾ فيوم نزلت هذه الاَية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر، إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، حيلة في المال، والسبيل : الطريق. قال ابن عباس : كنت أنا منهم من الولدان.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال : سمعت عكرمة يقول : كان ناس بمكة قد شهدوا أن لا إله إلا الله، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم معهم، فقتلوا، فنزلت :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسهِمْ﴾. . . إلى قوله :﴿أُولَئِكَ عَسَى اللّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وكانَ اللّهُ عَفُوّا غَفُورا﴾ فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة. قال : فخرج ناس من المسلمين حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون فأدركوهم، فمنهم من أعطى الفتنة، فأنزل الله فيهم :﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُوْلُ آمَنّا باللّهِ فإذَا أُوذِيَ فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ﴾. فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين بمكة، وأنزل الله في أولئك الذين أعطوا الفتنة :﴿ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَروا مِنْ بَعْد ما فُتِنُوا ثّم جاهَدُوا﴾. . . إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال ابن عيينة : أخبرني محمد بن إسحاق في قوله ﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ قال : هم خمسة فتية من قريش : عليّ بن أمية، وأبو قيس بن الفاكه، وزمعة بن الأسود، وأبو العاص بن منبه، ونسيت الخامس.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسهِمْ﴾. . . الاَية، حْدّثنا أن هذه الاَية أنزلت في أناس تكلموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدوّ الله أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم. وقوله ﴿إلاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجالِ وَالنّساءِ وَالوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حيلَةٌ وَلا يَهْتَدُونَ سَبيلاً﴾ أناس من أهل مكة عذرهم الله، فاستثناهم فقال :﴿أولَئِكَ عَسَى الله أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وكانَ اللّهُ عَفُوّا غَفُورا﴾ قال : وكان ابن عباس يقول : كنت أنا وأمي من الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿إنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسهِمْ﴾. . . الاَية، قال : أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله ع
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"إن الذين توفَّاهم الملائكة"، إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة (١) ="ظالمي أنفسهم"، يعني: مكسبي أنفسهم غضبَ الله وسخطه.
* * *
وقد بينا معنى"الظلم" فيما مضى قبل. (٢)
* * *
="قالوا فيم كنتم"، يقول: قالت الملائكة لهم:"فيم كنتم"، في أيِّ شيء كنتم من دينكم="قالوا كنا مستضعفين في الأرض"، يعني: قال الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم:"كنا مستضعفين في الأرض"، يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، معذرةٌ ضعيفةٌ وحُجَّة واهية="قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها"، يقول: فتخرجوا من أرضكم ودوركم، (٣) وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، إلى الأرض التي
(١) انظر تفسير"التوفي" فيما سلف ٦: ٤٥٥ / ٨: ٧٣.
(٢) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة في الأجزاء السالفة.
(٣) انظر تفسير"الهجرة" فيما سلف ٤: ٣١٧، ٣١٨ / ٧: ٤٩٠.
يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله، فتوحِّدوا الله فيها وتعبدوه، وتتبعوا نبيَّه؟ = يقول الله جل ثناؤه:"فأولئك مأواهم جهنم"، أي: فهؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم= الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم="مأواهم جهنم"، يقول: مصيرهم في الآخرة جهنم، وهي مسكنهم (١) ="وساءت مصيرًا"، يعني: وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها (٢) ="مصيرًا" ومسكنًا ومأوى. (٣)
ثم استثنى جل ثناؤه المستضعفين الذين استضعفهم المشركون="من الرجال والنساء والولدان"، وهم العجزة عن الهجرة= بالعُسْرة، وقلّة الحيلة، وسوء البصر والمعرفة بالطريق= من أرضهم أرضِ الشرك إلى أرض الإسلام، من القوم الذين أخبر جل ثناؤه أن مأواهم جهنم: أن تكون جهنم مأواهم، للعذر الذي هم فيه، على ما بينه تعالى ذكره. (٤)
* * *
ونصب"المستضعفين" على الاستثناء من"الهاء" و"الميم" اللتين في قوله:"فأولئك مأواهم جهنم". (٥)
* * *
يقول الله جل ثناؤه:"فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم"، يعني: هؤلاء المستضعفين، يقول: لعل الله أن يعفو عنهم، للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون، فيفضل عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة، (٦) إذ لم يتركوها اختيارًا ولا إيثارًا
(١) انظر تفسير"المأوى" فيما سلف ٧: ٢٧٩، ٤٩٤.
(٢) انظر تفسير"ساء" فيما سلف ٨: ١٣٨، ٣٥٨.
(٣) انظر تفسير"المصير" فيما سلف ٣: ٥٦ / ٦: ١٢٨، ٣١٧ / ٧: ٣٦٦.
(٤) سياق هذه الجملة: "ثم استثنى الله المستضعفين... وهم العجزة عن الهجرة... من أرضهم... ، من القوم... أن تكون جهنم مأواهم"، كثر فيها تعلق حروف الجر بما سلف، فخشيت أن يتعب القارئ!!
(٥) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٨٤. هذا، وقد خالف أبو جعفر نهجه هذا، وأخر الكلام في قوله: "إن الذين توفاهم الملائكة" إلى آخر تفسير الآية ص:...
(٦) في المطبوعة: "فيتفضل"، وأثبت ما في المخطوطة.
منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه عن النّقلة عنها (١) ="وكان الله عفوًّا غفورًا" يقول: ولم يزل الله"عفوًّا" يعني: ذا صفح بفضله عن ذنوب عباده، بتركه العقوبة عليها="غفورًا"، ساترًا عليهم ذنوبهم بعفوه لهم عنها. (٢)
* * *
وذكر أن هاتين الآيتين والتي بعدهما، نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله وبرسوله، وتخلَّفوا عن الهجرة مع رسول الله ﷺ حين هاجر، وعُرِض بعضهم على الفتنة فافْتُتِن، (٣) وشهد مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله قبول معذرتهم التي اعتذروا بها، التي بينها في قوله خبرًا عنهم:"قالوا كنا مستضعفين في الأرض".
* * *
ذكر الأخبار الواردة بصحة ما ذكرنا: من نزول الآية في الذين ذكرنا أنها نزلت فيهم.
١٠٢٥٩- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن فضيل قال، حدثنا أشعث، عن عكرمة:"إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم"، قال: كان ناس من أهل مكة أسلموا، فمن مات منهم بها هلك، قال الله:"فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان" إلى قوله:"عفوًّا غفورًا= قال ابن عباس: فأنا منهم: وأمّي منهم= قال عكرمة: وكان العباس منهم.
١٠٢٦٠- حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم
(١) في المخطوطة: "ولكن العجز"، والذي في المطبوعة أجود.
(٢) انظر تفسير"عفو" و"غفور" في فهارس اللغة من الأجزاء السالفة.
(٣) "الفتنة"، التعذيب الشديد الذي ابتلي به المؤمنون.
المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون:"كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا"! فاستغفروا لهم، فنزلت:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم" الآية، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، لا عذر لهم. (١) قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ) [سورة العنكبوت: ١٠]، إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: (إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، [سورة النحل: ١١٠]، فكتبوا إليهم بذلك:"إن الله قد جعل لكم مخرجًا"، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقُتِل من قتل. (٢)
١٠٢٦١- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني حيوة= أو: ابن لهيعة، الشك من يونس=، عن أبي الأسود: أنه سمع مولَى لابن عباس يقول عن ابن عباس: إن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سَوَاد المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي السهم يرمى به، فيصيب أحدَهم
(١) في المطبوعة: "وأنه لا عذر لهم"، بزيادة"وأنه"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في تفسير ابن كثير.
(٢) الأثر: ١٠٢٦٠ -"أحمد بن منصور بن سيار بن المعارك الرمادي"، شيخ الطبري، ثقة. مترجم في التهذيب.
و"أبو أحمد الزبيري" سلف مرارًا عديدة.
و"محمد بن شريك المكي" أبو عمارة قال أحمد وابن معين: "ثقة". مترجم في التهذيب. وهذا الأثر خرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٥٢ من تفسير ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور الرمادي، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٠٥، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه. وهو في السنن الكبرى ٩: ١٤، من طريق سعدان بن نصر، عن سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، بغير هذا اللفظ.
وقوله: "فأعطوهم الفتنة" هكذا جاء في جميع المراجع، إلا تفسير ابن كثير، فإن فيه: "فأعطوهم التقية"، وهو خطأ، والصواب ما في التفسير والمراجع. ومعناها: كفروا بعد إسلامهم. وانظر التعليق على الأثر الآتي رقم: ١٠٢٦٦.
فيقتله، أو يُضرب فيقتل، فأنزل الله فيهم:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" حتى بلغ"فتهاجروا فيها".
١٠٢٦٢- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال، أخبرنا حيوة قال، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي قال: قُطع على أهل المدينة بَعْث إلى اليمن، فاكتُتِبْتُ فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس. فنهاني عن ذلك أشدَّ النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين= ثم ذكر مثل حديث يونس، عن ابن وهب. (١)
١٠٢٦٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي
(١) الأثران: ١٠٢٦١، ١٠٢٦٢ - رواه البخاري (الفتح ٨: ١٩٧، ١٩٨) بالإسناد الثاني: ١٠٢٦٢، "عن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة وغيره، قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن، أبو الأسود". ورواه البيهقي في السنن ٩: ١٢ من طريق"محمد بن مسلمة الواسطي، عن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة ورجل قالا، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي" وقال: "رواه البخاري في الصحيح".
والظاهر أن الرجل المبهم في إسناد البخاري والبيهقي هو"ابن لهيعة" كما جاء في الإسناد الأول. هذا وقد نقل الحافظ في الفتح (٨: ١٩٨) أن الطبراني قال: "لم يروه عن أبي الأسود إلا الليث وأين لهيعة"، فقال الحافظ ابن حجر: "ورواية البخاري من طريق حيوة، ترد عليه. ورواية ابن لهيعة أخرجها ابن أبي حاتم أيضًا".
"أبو عبد الرحمن المقرئ" هو"عبد الله بن يزيد العدوي" مضى برقم: ٣١٨، ٥٤٥١، ٦٧٤٣.
و"أبو الأسود" هو: "محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي" وهو: "يتيم عروة"، مضى برقم: ٢٨٩١.
قوله: "قطع على أهل المدينة بعث"، قال الحافظ ابن حجر: "أي: جيش، والمعنى: أنهم ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام. وكان ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة" وأما "اكتتبت" فهي بالبناء للمجهول.
هذا، وقد كان في المطبوعة بحذف"إلى اليمن"، وهي ثابتة في المخطوطة لا شك فيها، ولكنها غير موجودة في سائر روايات الخبر. وهي دالة على أن الحافظ قد أخطأ في اجتهاده، إذ زعم أن الجيش خرج لقتال أهل الشأم. وكأنه استخرج ذلك استنباطًا ليبرئ عكرمة مما نسب إليه من رأي الخوارج. قال في الفتح (٨: ١٩٨) :"وفي هذه القصة دلالة على براءة عكرمة مما ينسب إليه من رأي الخوارج، لأنه بالغ في النهي عن قتال المسلمين وتكفير سواد من يقاتلهم". وهذا موضع يحتاج إلى فضل تحقيق. كتبه محمود محمد شاكر.
قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم"، هم قوم تخلَّفوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وتركوا أن يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي ﷺ ضربت الملائكة وجهه ودُبُره.
١٠٢٦٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم"، إلى قوله:"وساءت مصيرًا"، قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن مُنبّه بن الحجاج وعلي بن أمية بن خلف. (١) قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعِيرِ قريش من رسول الله ﷺ وأصحابه، وأنْ يطلبوا ما نِيل منهم يوم نَخْلة، (٢) خرجوا معهم شباب كارهين، (٣)
(١) هكذا جاءت أسماؤهم في المخطوطة والمطبوعة، والدر المنثور ٢: ٢٩٥، واتفاقهم جميعًا جعلني أتحرج في إثبات ما أعرفه صوابًا. وهؤلاء الذين قتلوا ببدر معروفة أسماؤهم في السير، وهذا صوابها من سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٥، وإمتاع الأسماع ١: ٢٠.
"أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة"
"أبو قيس بن الوليد بن المغيرة"
"العاص بن منبِّه بن الحجاج"
وأكبر ظني أن هذا خطأ من النساخ، لا خطأ في الرواية، وانظر الأثر الآتي رقم ١٠٢٦٦.
(٢) "يوم نخلة"، يعني سرية عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي إلى بطن نخلة بين مكة والطائف، سار إليها عبد الله وأصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش، فيها عمرو بن الحضرمي، فقتلوا عمرًا، واستأسر من استأسر من المشركين. فأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة. فلما قدموا عليه قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام". انظر سيرة ابن هشام ٢: ٢٥٢-٢٥٦، وإمتاع الأسماع ١: ٥٥-٥٨.
(٣) في المطبوعة، والدر المنثور ٢: ٢٠٥، ٢٠٦: "بشبان كارهين"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.
كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم= قال ابن جريج، وقال مجاهد: نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء من كفار قريش= قال ابن جريج، وقال عكرمة: لما نزل القرآن في هؤلاء النفر إلى قوله:"وساءت مصيرًا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان"، قال: يعني الشيخَ الكبيرَ والعجوزَ والجواري الصغار والغلمان.
١٠٢٦٥- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" إلى قوله:"وساءت مصيرًا"، قال: لما أسر العباس وعقيل ونَوْفل، (١) قال رسول الله ﷺ للعباس: افد نفسك وابني أخيك. (٢) قال: يا رسول الله، ألم نصَلِّ قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: يا عباس، إنكم خاصمتم فَخُصِمتم! (٣) ثم تلا هذه الآية:"ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا"، فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر، فهو كافر حتى يهاجر، إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا حيلةً في المال، و"السبيل" الطريق. قال ابن عباس: كنت أنا منهم، من الوِلدان.
١٠٢٦٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول: كان ناس بمكة قد شهدوا أن لا إله إلا الله، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم معهم، فقتلوا، فنزلت فيهم:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" إلى قوله:"أولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًّا غفورًا"، فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة
(١) يعني: العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
(٢) كان في المطبوعة والمخطوطة: "وابن أخيك" بالإفراد، وكأن الصواب بالتثنية كما أثبتها، وإفراد"أخيك" مع أنهما ابني أخويه أبي طالب والحارث، صواب أيضًا.
(٣) "خصم" بالبناء للمجهول: أي غلب في الخصام، وهو الجدال والاحتجاج.
إلى المسلمين الذين بمكة. قال: فخرج ناسٌ من المسلمين، حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون، فأدركوهم، فمنهم من أعطى الفتنة، (١) فأنزل الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) [سورة العنكبوت: ١٠]، فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين بمكة، وأنزل الله في أولئك الذين أعطوا الفتنة: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا) إلى (غَفُورٌ رَحِيمٌ) [سورة النحل: ١١٠] (٢)
= قال ابن عيينة: أخبرني محمد بن إسحاق في قوله:"إن الذين توفاهم الملائكة"، قال: هم خمسة فتية من قريش: علي بن أمية، وأبو قيس بن الفاكه، وزمعة ابن الأسود، وأبو العاص بن منبه، ونسيت الخامس. (٣)
١٠٢٦٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" الآية، حُدِّثنا أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلّموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدوِّ الله أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبلَ منهم. وقوله:"إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا"، أناسٌ من أهل مكة عذَرهم الله فاستثناهم، فقال:"أولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًّا غفورًا"= قال: وكان ابن عباس يقول: كنتُ أنا وأمي من الذين
(١) "أعطوا الفتنة"، أي: كفروا بعد إسلامهم. وانظر التعليق على الأثر السالف رقم: ١٠٢٦٠.
(٢) انظر الأثر السالف رقم: ١٠٢٦٠.
(٣) انظر الأثر السالف رقم: ١٠٢٦٤، وجاء هنا"أبو قيس بن الفاكه"، على الصواب، وانظر التعليق على الأثر السالف. ولكن جاء أيضًا هنا: "أبو العاص بن منبه"، والصواب: "العاص بن منبه" كما أسلفت في التعليق على الأثر السالف. وأما خامسهم في رواية ابن إسحاق، فهو أبو قيس بن الوليد كما سلف. وخبر ابن إسحاق هو في سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٤، ٢٩٥.
لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
١٠٢٦٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" الآية، قال: هم أناس من المنافقين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يومئذ فيمن أصيب، فأنزل الله فيهم هذه الآية.
١٠٢٦٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألته= يعني ابن زيد= عن قول الله:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" فقرأ حتى بلغ:"إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان"، فقال: لما بعث النبي ﷺ وظَهر، ونَبَعَ الإيمان، نَبَع النّفاق معه. (١) فأتَى إلى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: يا رسول الله، لولا أنّا نخاف هؤلاء القوم يُعَذبوننا، ويفعلون ويفعلون، لأسلمنا، ولكنّا نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فكانوا يقولون ذلك له. فلما كان يوم بدر، قام المشركون فقالوا: لا يتخلَّفُ عنا أحد إلا هَدَمنا داره واستبحنا ماله! فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبيّ ﷺ معهم، فقتلت طائفة منهم وأُسرت طائفة. قال: فأما الذين قتلوا، فهم الذين قال الله فيهم:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم"، الآية كلها="ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها"، وتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم="أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا". قال: ثم عذَر الله أهلَ الصدق فقال:"إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدانِ لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلا"، يتوجَّهون له، لو خرجوا لهلكوا="فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم"، إقامَتهم بين ظَهْري المشركين. وقال الذين أسروا: يا رسول الله، إنك
(١) "نبع"، من قوله: "نبع الماء"، إذا جرى وتفجر من بطن الأرض.
تعلم أنا كنا نأتيك فنشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأن هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفًا! فقال الله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)، صنيعكم الذي صنعتم بخروجكم مع المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم= (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) خرجوا مع المشركين= (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة الأنفال: ٧٠، ٧١].
١٠٢٧٠- حدثني محمد بن خالد بن خداش قال، حدثني أبي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قال: كنت أنا وأمي ممن عَذَر الله:"إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا". (١)
١٠٢٧١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:"إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان"، قال ابن عباس: أنا من المستضعفين.
١٠٢٧٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم"، قال: من قتل من ضُعفاء كفار قريش يوم بدر.
(١) الأثر: ١٠٢٧٠ -"محمد بن خالد بن خداش بن عجلان المهلبي". روى عن أبيه، قالوا: "وربما أغرب عن أبيه"، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب. وقد مضى ذكره في رقم: ٢٣٧٨.
وأبوه: "خالد بن خداش بن عجلان المهلبي". روى عن حماد بن زيد. وهو صدوق. مترجم في التهذيب.
وهذا الأثر رواه البخاري (الفتح ٨: ١٩٢) من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، ثم من طريق أبي النعمان، عن حماد بن زيد (الفتح ٨: ١٩٨)، والبيهقي في السنن ٩: ١٣.
١٠٢٧٣- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
١٠٢٧٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان. (١)
١٠٢٧٥- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن عبد الله - أو: إبراهيم بن عبد الله القرشي- عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دبر صلاة الظهر:"اللهم خَلّص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا". (٢)
١٠٢٧٦- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا"، قال: مؤمنون مستضعفون بمكة، فقال فيهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:
(١) الأثر: ١٠٢٧٤ -"عبيد الله بن أبي يزيد المكي"، سلف برقم: ٢٠، ٣٧٧٨ وكان في المطبوعة والمخطوطة"عبد الله"، وهو خطأ لا شك فيه.
والأثر رواه البخاري (الفتح ٨: ١٩٢) من طريق عبد الله بن محمد عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد. والبيهقي في السنن ٩: ١٣.
(٢) الأثر: ١٠٢٧٥ -"علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة التيمي". روى عن أنس وسعيد بن المسيب وغيرهم. روى عنه الحمادان والسفيانان وغيرهم. كان كثير الحديث، وفيه ضعف، ولا يحتج به. وقال أحمد: "ليس بشيء". مترجم في التهذيب.
و"عبد الله" هو"عبد الله بن إبراهيم بن قارظ الكناني" حليف بني زهرة، ويقال هو"إبراهيم بن عبد الله بن قارظ"، يروي عن أبي هريرة، مترجم في التهذيب. وذكر الاختلاف في اسمه. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عبيد الله" وهو خطأ. وفي تفسير ابن كثير"عبد الله القرشي"، ولم يذكر الاختلاف، مع أنه رواه عن ابن جرير.
وهذا الحديث ضعيف، ولكن قال ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٥٤: "ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه"، يعني ما رواه البخاري (الفتح ٨: ١٩٨).
هم بمنزلة هؤلاء الذين قتلوا ببدر ضعفاء مع كفار قريش. فأنزل الله فيهم:"لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا"، الآية.
١٠٢٧٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
* * *
وأما قوله:"لا يستطيعون حيلة"، فإن معناه كما:-
١٠٢٧٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة في قوله:"لا يستطيعون حيلة"، قال: نهوضًا إلى المدينة="ولا يهتدون سبيلا"، طريقًا إلى المدينة.
١٠٢٧٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا يهتدون سبيلا"، طريقًا إلى المدينة.
١٠٢٨٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٠٢٨١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"الحيلة"، المال= و"السبيل"، الطريق إلى المدينة. (١)
* * *
وأما قوله:"إن الذين توفاهم الملائكة"، ففيه وجهان: (٢)
أحدهما: أن يكون"توفاهم" في موضع نصب، بمعنى المضيِّ، لأن"فعل" منصوبة في كل حال. (٣)
(١) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف ١: ٤٩٧، وسائر فهارس اللغة في الأجزاء السابقة، مادة (سبل).
(٢) أخر الطبري على غير عادته هذا الفصل من كلامه عن موضعه، كما أسلفت في موضع آخر.
(٣) يعني بقوله"النصب"، الفتح. أي: أنه مبني على الفتح لأنه فعل ماض. وقوله: "فعل" أي الفعل الماضي.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال البخاري : حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حَيْوَة وغيره قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال : قطع على(١) أهل المدينة بعْثٌ، فاكتتبت فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ يأتي السهم فَيُرمى(٢) به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله [ عز وجل ](٣) ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ رواه الليث عن أبي الأسود(٤).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الرَّمَادِي، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري – حدثنا محمد بن شَرِيك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض(٥) قال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين(٦) وأكرهوا، فاستَغْفَروا لهم، فنزلت :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [ قَالُوا فِيمَ كُنْتُم﴾ إلى آخر ](٧) الآية، قال : فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية : لا عذر لهم. قال : فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه(٨) الآية :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية(٩) [البقرة: ٨].
وقال عكرمة : نزلت هذه الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإسلام بمكة، منهم : علي بن أمية بن خَلَف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبه(١٠) بن الحجاج، والحارث بن زَمْعة.
وقال الضحاك : نزلت في ناس(١١) من المنافقين، تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب فنزلت هذه(١٢) الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي : بترك الهجرة ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي : لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة ؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ﴾ أي : لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [ فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ](١٣).
وقال أبو داود : حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب(١٤) بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب : أما بعد، قال رسول الله ﷺ :" من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله " (١٥).
وقال السدي : لما أسر العباس وَعقِيل ونَوْفَل، قال رسول الله ﷺ للعباس :" افد نفسك وابن أخيك " قال : يا رسول الله، ألم نصل قبلتك، ونشهد شهادتك ؟ قال :" يا عباس، إنكم خاصمتم فخُصمتم ". ثم تلا عليه هذه الآية :﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [ فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ](١٦) رواه ابن أبي حاتم.
١ في أ: "من"..
٢ في د، ر أ: "يرمى"..
٣ زيادة من ر..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٩٦).
.

٥ في ر، أ: "بنبل"..
٦ في ر: "مسلمون"..
٧ زيادة من ر، أ..
٨ في أ: "فيهم"..
٩ ورواه الطبراني في تفسيره (٩/١٠٢) حدثنا أحمد بن منصور الرمادي به..
١٠ في د: "ابن منصور"..
١١ في د، ر: "أناس"..
١٢ في أ: "فهذه"..
١٣ زيادة من د، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
١٤ في ر، أ: "حبيب"..
١٥ سنن أبي داود برقم (٢٧٨٧)..
١٦ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أَيِ: الْجَنَّةَ وَالْجَزَاءَ الْجَزِيلَ. وَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ بَلْ هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِمَا فَضَّلَهُمْ بِهِ مِنَ الدَّرَجَاتِ، فِي غُرَفِ الجِنَان (١) الْعَالِيَاتِ، وَمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ وَالزَّلَّاتِ، وَحُلُولِ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَاتِ، إِحْسَانًا مِنْهُ وَتَكْرِيمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ (٣) فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ".
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فَلَهُ أَجْرُهُ دَرَجَةٌ " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الدَّرَجَةُ؟ فَقَالَ: " أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ بِعَتَبَةِ أُمُّكَ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ " (٤).
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَة وَغَيْرُهُ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى (٥) أَهْلِ الْمَدِينَةِ بعْثٌ، فَاكْتَتَبْتُ فِيهِ، فلقيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَّثِرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرمى (٦) بِهِ، فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ عُنُقُهُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (٧) ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ (٨).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِي، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -يعني الزبيري-حدثنا
(١) في أ: "الجنات".
(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٨٨٤)، وهو عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لا من حديث أبي سعيد الخدري برقم (٢٧٩٠).
(٣) في أ: "إنه".
(٤) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه كما في الدر المنثور (٢/٦٤٥).
(٥) في أ: "من".
(٦) في د، ر أ: "يرمى".
(٧) زيادة من ر.
(٨) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٦).
مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيك الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يَسْتَخِفُونَ بِالْإِسْلَامِ، فَأَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ بِفِعْلِ بَعْضٍ (١) قَالَ الْمُسْلِمُونَ: كَانَ أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ (٢) وَأُكْرِهُوا، فاستَغْفَروا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [قَالُوا فِيمَ كُنْتُم﴾ إِلَى آخَرِ] (٣) الْآيَةِ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: لَا عُذْرَ لَهُمْ. قَالَ: فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَعْطَوْهُمُ الْفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ (٤) الْآيَةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الْآيَةَ (٥) [الْبَقَرَةِ: ٨].
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شَبَابٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَف، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو الْعَاصِ بْنُ مُنَبِّهِ (٦) بْنِ الْحَجَّاجِ، وَالْحَارِثُ بْنُ زَمْعة.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ (٧) مِنَ الْمُنَافِقِينَ، تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة، وَخَرَجُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبُوا فِيمَنْ أُصِيبَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ (٨) الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَامَّةً فِي كُلِّ مَنْ أَقَامَ بَيْنَ ظَهَرَانَيِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إِقَامَةِ الدِّينِ، فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُرْتَكِبٌ حَرَامًا بِالْإِجْمَاعِ، وَبِنَصِّ هَذِهِ الْآيَةِ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: بِتَرْكِ الْهِجْرَةِ ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أَيْ: لِمَ مَكَثْتُمْ هَاهُنَا وَتَرَكْتُمُ الْهِجْرَةَ؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: لَا نَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْبَلَدِ، وَلَا الذَّهَابِ فِي الْأَرْضِ ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] (٩)﴾.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سمرة بن جندب، حدثني خبيب (١٠) بن سليمان، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بن جندب: أما بعد، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ " (١١).
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ وَعقِيل ونَوْفَل، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ: " افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيكَ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ، وَنَشْهَدْ شَهَادَتَكَ؟ قَالَ: " يَا عَبَّاسُ، إِنَّكُمْ خَاصَمْتُمْ فخُصمتم". ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] (١٢)﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَوْلُهُ: {إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ [مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (١٣)
(١) في ر، أ: "بنبل".
(٢) في ر: "مسلمون".
(٣) زيادة من ر، أ.
(٤) في أ: "فيهم".
(٥) ورواه الطبراني في تفسيره (٩/١٠٢) حدثنا أحمد بن منصور الرمادي به.
(٦) في د: "ابن منصور".
(٧) في د، ر: "أناس".
(٨) في أ: "فهذه".
(٩) زيادة من د، ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(١٠) في ر، أ: "حبيب".
(١١) سنن أبي داود برقم (٢٧٨٧).
(١٢) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(١٣) زيادة من د، ر، أ، وفي هـ: "إلى آخر الآية".
] } هَذَا عُذْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ فِي تَرْكِ الْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ قَدَرُوا مَا عَرَفُوا يَسْلُكُونَ الطَّرِيقَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي طَرِيقًا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: يَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ بِتَرْكِ (١) الْهِجْرَةِ، وَعَسَى مِنَ اللَّهِ مُوجِبَةٌ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ إِذْ قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ " اللَّهُمَّ نَج (٣) عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ (٤) سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ (٥) الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَج (٦) الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كسِنِيِّ يُوسُفَ". (٧)
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ الْمَقْرِيُّ (٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسَّيب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَهُ بَعْدَمَا سَلَّمَ، وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ الْقِبْلَةَ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ خَلِّصِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وسَلَمة بْنَ هِشَامٍ، وَضَعَفَةَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ" (٩).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (١٠) -أَوْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي دُبُرِ صَلَاةِ الظُّهْرِ: " اللَّهُمَّ خَلِّص الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَضَعَفَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ".
وَلِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَمَا تَقَدَّمَ (١١).
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا (١٢) ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوَلَدَانِ (١٣)
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قَالَ: كَانَتْ أُمِّي مِمَّنْ عَذَر اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (١٤).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ هذا تحريض على
(١) في د، أ: "بتركهم".
(٢) في ر: "عفوا غفورا" وهو خطأ.
(٣) في ر، أ: "أنج".
(٤) في ر، أ: "أنج".
(٥) في ر، أ: "أنج".
(٦) في ر، أ: "أنج".
(٧) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٨).
(٨) في ر: "المنقري".
(٩) وفي إسناده علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة ضعيف لا يحتج به، وقد اختلف عليه فيه، كما سيأتي في رواية الطبري.
(١٠) في ر، أ: "عبيد الله".
(١١) تفسير الطبري (٩/١١٠) وإسناده ضعيف.
(١٢) في أ: "أخبرنا".
(١٣) تفسير عبد الرزاق (١/١٦٦).
(١٤) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٧).
الْهِجْرَةِ، وَتَرْغِيبٌ فِي مُفَارَقَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ حَيْثُمَا ذَهَبَ وَجَدَ عَنْهُمْ مَنْدُوحَةً وَمَلْجَأً يَتَحَصَّنُ فِيهِ، وَ "الْمُرَاغَمُ" مَصْدَرٌ، تَقُولُ الْعَرَبُ: رَاغَمَ فُلَانُ قَوْمَهُ مُرَاغَمًا وَمُرَاغَمَةً، قَالَ نَابِغَةُ (١) بَنِي جَعْدَةَ (٢).
كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه... عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْربِ...
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "المراغَم": التَّحَوُّلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ. وَكَذَا رُوي عَنِ الضَّحَّاكِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، الثَّوْرِيِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ يَعْنِي: مُتَزَحْزَحًا عَمَّا يُكْرَهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ يَعْنِي: بُرُوجًا.
وَالظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّهُ (٣) التَّمَنُّعُ الَّذِي يُتَحصَّن بِهِ، وَيُرَاغَمُ بِهِ الْأَعْدَاءُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَسَعَةً﴾ يَعْنِي: الرِّزْقَ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: قَتَادَةُ، حَيْثُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ إِي، وَاللَّهِ، مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنِ الْقِلَّةِ إِلَى الْغِنَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بِنِيَّةِ الْهِجْرَةِ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنَ (٤) اللَّهِ ثَوَابُ مَنْ هَاجَرَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ، مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ (٥) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقّاص اللَّيْثِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: " إنما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" (٦).
وَهَذَا عَامٌّ فِي الْهِجْرَةِ وَفِي كُلِّ الْأَعْمَالِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٧) فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. ثُمَّ أَكْمَلَ بِذَلِكَ الْعَابِدِ الْمِائَةَ، ثُمَّ سَأَلَ عَالِمًا: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: وَمَنْ يَحُول بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ ثُمَّ أَرْشَدَهُ إِلَى أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ مِنْ بَلَدِهِ مُهَاجِرًا إِلَى الْبَلَدِ الْآخَرِ، أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ جَاءَ تَائِبًا. وَقَالَ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ. فَأُمِرُوا أَنَّ يَقِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا (٨) كَانَ أَقْرَبُ كَانَ (٩) مِنْهَا، فَأَمْرَ اللَّهُ هَذِهِ أَنْ يُقرب (١٠) مِنْ هَذِهِ، وَهَذِهِ أَنْ تَبْعُدَ (١١) فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا بِشِبْر، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهُ
(١) في أ: "نابغة في بني جعدة.
(٢) البيت في تفسير الطبري (١٠/١١٢) واللسان مادة (رغم).
(٣) في أ: "أن المراغم هو".
(٤) في أ: "عند".
(٥) في أ: "القطان".
(٦) صحيح البخاري برقم (١، ٥٤) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٧) وسنن أبي داود برقم (٢٢٠١) وسن الترمذي برقم (١٦٤٧)، وسنن النسائي (١/٥٩) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٢٧) ومسند أحمد (١/٢٥) ومسند الحميدي (١/١٦) ومسند الطيالسي (٢/٢٧) "منحة المعبود".
(٧) صحيح البخاري برقم (٣٤٧٠) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٦).
(٨) في د، ر: "أيها"، وفي أ: "أيهما".
(٩) في د، ر: "فهو".
(١٠) في د: "تقترب"، وفي ر: "تقرب".
(١١) في د: "تبتعد".
الْمَوْتُ نَاءَ بِصَدْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ (١) الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيك، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيك قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا (٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ-ثُمَّ قَالَ بِأَصَابِعِهِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ: الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ، فَجَمَعَهُنَّ وَقَالَ: وَأَيْنَ الْمُجَاهِدُونَ-؟ فخرَّ عَنْ دَابَّتِهِ فَمَاتَ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، أَوْ لَدَغَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أَوْ مَاتَ حَتْف أَنْفِهِ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ -وَاللَّهِ! إِنَّهَا لَكَلِمَةٌ مَا سَمِعْتُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-وَمَنْ قُتِلَ قَعْصًا (٣) فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الْمَآبَ (٤).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شَيْبَةَ الْحِزَامِيُّ (٥) حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْحِزَامِيُّ (٦) عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ قَالَ: هَاجَرَ خَالِدُ بْنُ حِزَام (٧) إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فِي الطَّرِيقِ فَمَاتَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قَالَ الزُّبَيْرُ: فَكُنْتُ أَتَوَقَّعُهُ وَأَنْتَظِرُ قُدُومَهُ وَأَنَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَمَا أَحْزَنَنِي شَيْءٌ حُزْنَ وَفَاتِهِ حِينَ بَلَغَنِي؛ لِأَنَّهُ قَلّ أَحَدٌ مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا مَعَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ، أَوْ ذَوِي رَحِمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَلَا أَرْجُو غَيْرَهُ.
وَهَذَا الْأَثَرُ غَرِيبٌ جِدًّا (٨) فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مَكِّيَّةٌ، وَنُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ مَدَنِيَّةٌ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ تَعُمُّ حُكْمَهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سَبَبَ النُّزُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (٩) بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْأَشْعَثِ (١٠) -هُوَ ابْنُ سَوَّار-عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فنزلت: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] (١١)﴾ (١٢).
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاء، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ بْنِ الْعِيصِ الزُّرَقِي، الَّذِي كَانَ مُصَابَ الْبَصَرِ، وَكَانَ بِمَكَّةَ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ فَقُلْتُ: إِنِّي لَغَنِيٌّ، وَإِنِّي لَذُو حِيلَةٍ، [قَالَ] (١٣) فَتَجَهَّزَ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ بالتَّنْعِيم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ [فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] (١٤)﴾
(١) في د: "البلد".
(٢) في أ: "مجاهدا".
(٣) في د: "نفسا"، وفي ر: "بعضا"، وفي أ: "بعض".
(٤) المسند (٤/٣٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٦٠: "فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
(٥) في أ: "الخزامي".
(٦) في أ: "الخزامي".
(٧) في أ: "ابن حرام".
(٨) ووجه غرابته أيضا كما قال ابن حجر: أن الذي نزلت فيه هذه الآية جندب بن ضمرة، وسيأتي حديثه عقب هذا.
(٩) في ر: "عبد الرحيم".
(١٠) في ر: "أشعث".
(١١) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(١٢) ورواه أبو يعلى في مسنده (٥/٨١) والطبراني في المعجم الكبير (١١/٢٧٢) من طريق أشعث بن سوار به. قال الهيثمي بعد أن عزاه لأبي يعلى وحده: "رجاله ثقات، لكن في إسناده أشعث بن سوار وهو ضعيف".
(١٣) زيادة من ر.
(١٤) تفسير ابن أبي حاتم (ق١٧٦) وقد روي هذا الأثر من طرق أخرى مرسلة، فرواه سعيد بن منصور في سننه برقم (٦٨٥) قال: أخبرنا هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ به مرسلا، ورواه الطبري في تفسيره (٩/١١٨) من طريق قيس بن الربيع عن سالم عن سعيد بن جبير به مرسلا.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾
هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم، ويقولون لهم :﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي : على أي حال كنتم ؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين ؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم.
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْض﴾ أي : ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة.
ولهذا قالت لهم الملائكة :﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وهذا استفهام تقرير، أي : قد تقرر عند كل أحد أن أرض الله واسعة، فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعًا وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله، كما قال تعالى :﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قال الله عن هؤلاء الذين لا عذر لهم :﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ وهذا كما تقدم، فيه ذكر بيان السبب الموجِب، فقد يترتب عليه مقتضاه، مع اجتماع شروطه وانتفاء موانعه، وقد يمنع من ذلك مانع.
وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر، وفي الآية دليل على أن كل مَن توفي فقد استكمل واستوفى ما قدر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك مأخوذ من لفظ " التوفي " فإنه يدل على ذلك، لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفيًا.
وفيه الإيمان بالملائكة ومدحهم، لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم على وجه التقرير والاستحسان منهم، وموافقته لمحله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٩٧ - ٩٩} ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم، ويقولون لهم: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم.
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْض﴾ أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك لأن الله وبخهم -[١٩٦]- وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة.
ولهذا قالت لهم الملائكة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وهذا استفهام تقرير، أي: قد تقرر عند كل أحد أن أرض الله واسعة، فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعًا وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله، كما قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قال الله عن هؤلاء الذين لا عذر لهم: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ وهذا كما تقدم، فيه ذكر بيان السبب الموجِب، فقد يترتب عليه مقتضاه، مع اجتماع شروطه وانتفاء موانعه، وقد يمنع من ذلك مانع.
وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر، وفي الآية دليل على أن كل مَن توفي فقد استكمل واستوفى ما قدر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك مأخوذ من لفظ "التوفي" فإنه يدل على ذلك، لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفيًا.
وفيه الإيمان بالملائكة ومدحهم، لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم على وجه التقرير والاستحسان منهم، وموافقته لمحله.
ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة، الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾.
فهؤلاء قال الله فيهم: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ و "عسى" ونحوها واجب وقوعها من الله تعالى بمقتضى كرمه وإحسانه، وفي الترجية بالثواب لمن عمل بعض الأعمال فائدة، وهو أنه قد لا يوفيه حق توفيته، ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرًا فلا يستحق ذلك الثواب. والله أعلم.
وفي الآية الكريمة دليل على أن من عجز عن المأمور من واجب وغيره فإنه معذور، كما قال تعالى في العاجزين عن الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ وقال في عموم الأوامر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده وانسدت عليه أبواب الحيل لقوله: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ وفي الآية تنبيه على أن الدليل في الحج والعمرة ونحوهما مما يحتاج إلى سفر من شروط الاستطاعة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
ظالمي أنفسهم
في تلك الحال وهم قوم اسلموا بمكة ثم خرجوا مع الكفار يوم بدر فقتلوا

إعراب الآية ٩٧ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

[النحل: ٨٧] وقرأ أبو رجاء ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم «١» بكسر السين وإسكان اللام، وقرأ أبو جعفر لَسْتَ مُؤْمِناً. فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ لم تنصرف لأنها جمع لا نظير له في الواحد. كَذلِكَ الكاف في موضع نصب.

[سورة النساء (٤) : آية ٩٥]

لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥)
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ هذه قراءة أهل الحرمين وزيد بن ثابت وغَيْرُ «٢» نصب على الاستثناء، وإن شئت على الحال من الْقاعِدُونَ أي لا يستوي القاعدون في حال صحتهم، والحديث يدل على معنى النصب، روى أبو بكر بن عياش وزهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء قال: كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: ادع لي زيدا وقل له يأتي بالكتف والدواة فقال له اكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، فقال ابن أمّ مكتوم: وأنا ضرير، فما برحنا حتى أنزل الله عزّ وجلّ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. وقرأ أهل الكوفة وأبو عمرو غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ قال الأخفش: هو نعت للقاعدين، وقرأ حيوة غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «٣» جعله نعتا للمؤمنين، ومحمد بن يزيد يقول هو بدل لأنه نكرة والأول معرفة. فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وقد قال بعد هذا:

[سورة النساء (٤) : آية ٩٦]

دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦)
دَرَجاتٍ فالجواب أن معنى «درجة» علوا أي أعلاهم ورفعتهم بالثناء والمدح والتقريظ، فهذا معنى درجة ودرجات يعني في الجنة. قال ابن محيرز سبعين درجة. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى منصوب بوعد، وكلّ قيل: يعنى به المجاهدون خاصة، وقيل: يعنى به المجاهدون وأولو الضرر، وقيل: يعنى به المجاهدون والقاعدون وأولو الضرر لأنهم كلهم مؤمنون وإن كان بعضهم أفضل من بعض. وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً نصب بفضّل وإن شئت كان مصدرا «درجات» بدل من أجر، ويجوز الرفع أي ذلك درجات.

[سورة النساء (٤) : آية ٩٧]

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧)
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ اسم إن والخبر فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ. وتَوَفَّاهُمُ فعل
(١) انظر مختصر ابن خالويه (٢٨).
(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٤٢ وقال: «أي: لا نؤمنك في نفسك».
(٣) انظر تيسير الداني ٨٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٩٧ من سورة النساء

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [٩٧].
نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا، وأظهروا الإِيمان وأسرُّوا النفاق؛ فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين فقُتِلوا، فضربت الملائكة وجوهَهم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، قال: أخبرنا أبو يحيى، قال: حدَّثنا سهل بن عثمان، قال: حدَّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سواد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ وتلاها إلى آخرها، قال:
كانوا قوماً من المسلمين بمكة، فخرجوا في قوم من المشركين في قتال، فقتلوا معهم. فنزلت هذه الآية.

القراءات في الآية ٩٧ من سورة النساء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ

بتخفيف التاء وإمالة الألف

خلاد عن حمزة إدريس عن خلف خلف عن حمزة الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي إسحاق عن خلف

بتخفيف التاء وتقليل الألف

ورش عن نافع

بتخفيف التاء وفتح الألف

ابن وردان عن أبي جعفر رويس عن يعقوب قالون عن نافع حفص عن عاصم روح عن يعقوب شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر ورش عن نافع

بتشديد التاء وفتح الألف

البزي عن ابن كثير

الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِى

مد المتصل 3 حركات وإدغام التاء في الظاء

السوسي عن أبي عمرو

مد المتصل 3 حركات وإظهار التاء مضمومة

ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير قالون عن نافع

مد المتصل 4 أو 5 حركات وإظهار التاء مضمومة

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم

مد المتصل 4 حركات وإظهار التاء مضمومة

الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

مد المتصل 6 حركات وإظهار التاء مضمومة

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٩٧ من سورة النساء

١٢ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية

١٢ قولًا
١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عمرو بن دينار- قال: كان ناس بمكة قد شهدوا أن لا إله إلا الله، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم معهم، فقُتِلوا؛ فنزلت: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿أولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا﴾. فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة. قال: فخرج ناس من المسلمين، حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون، فأدركوهم، فمنهم من أعطى الفتنة؛ فأنزل الله فيهم: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ [العنكبوت:١٠]. فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين بمكة، وأنزل الله في أولئك الذين أعطوا الفتنة: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا﴾ إلى ﴿غفور رحيم﴾ [النحل:١١٠]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٨٥.
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عمرو بن دينار- قال: كان ناس بمكة قد أقروا بالإسلام، فلما خرج الناس إلى بدر لم يبق أحد إلا أخرجوه، فقُتل أولئك الذين أقروا بالإسلام؛ فنزلت فيهم: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا﴾. ﴿حيلة﴾: نهوضًا إليها. و﴿سبيلًا﴾: طريقًا إلى المدينة. فكتب المسلمون الذين كانوا بالمدينة إلى مَن كان بمكة، فلما كتب إليهم خرج ناس مِمَّن أقروا بالإسلام، فأتبعهم المشركون، فأكرهوهم حتى أعطوهم الفتنة؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل:١٠٦]١
التخريج
  1. ١ذكره في الإيماء ٧‏/‏٤٧١ (٧١٦١) وقال: «روي موصولًا عن عكرمة، عن ابن عباس». وعزاه إلى جزء سعدان (٤٧). وقال محققه: «إسناده ضعيف لإرساله».
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: حُدِّثت: أنّ هذه الآية أنزلت في أناس تكلموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدو الله أبي جهل، فقُتِلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٨٦. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٤٠٠-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ يعني: ملك الموت وحده ﴿ظالمي أنفسهم﴾، وذلك أنّه كان نفر أسلموا بمكة مع النبي ﷺ، منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن عقبة بن ربيعة بن عبد شمس، وعمرو بن أمية بن سفيان بن أمية بن عبد شمس، والعلاء بن أمية بن خلف الجمحي. ثم إنهم أقاموا عن الهجرة، وخرجوا مع المشركين إلى قتال بدر، فلما رأوا قِلَّة المؤمنين شَكُّوا في النبي ﷺ، وقالوا: غَرَّ هؤلاء دينُهم، وكان بعضهم نافق بمكة...١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠١.
٥
عن محمد بن إسحاق -من طريق ابن عيينة- في قوله: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾، قال: هم خمسة فتية من قريش: علي بن أمية، وأبو قيس بن الفاكه، وزَمْعَة بن الأسود، وأبو العاصي بن مُنَبِّه. قال: ونسيت الخامس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٨٦، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
قال محمد بن إسحاق: كان الفتية الذين قتلوا مع قريش يوم بدر؛ فنزل فيهم القرآن فيما ذكر لنا: ﴿الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا﴾. وذلك أنهم كانوا أسلموا، ولَمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة، وفتنوهم، فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر، فأصيبوا به جميعًا، فهم فِتْيَة مُفْتَنُون، فمن بني أسد بن عبد العُزّى بن قصي: الحارث بن زَمْعَة، وعقيل بن الأسود بن المطلب بن أسد. ومن بني مخزوم: أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة. ومن بني جمح: علي بن أمية بن خلف. ومن بني سهم: العاص بن مُنَبِّه بن الحجاج١
التخريج
  1. ١سيرة ابن إسحاق ص٢٨٩-٢٩٠.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي الأسود، عن مولى ابن عباس- أنّ ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يُكَثِّرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ، فيأتي السهم يرمي به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل؛ فأنزل الله: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٤٨ (٤٥٩٦)، ٩‏/‏٥٢ (٧٠٨٥)، وابن جرير ٧‏/‏٣٨٢، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٥ (٥٨٦٢).
٨
عن عبد الله بن عباس، قال: كان قوم بمكة قد أسلموا، فلمّا هاجر رسول الله ﷺ كرهوا أن يهاجروا وخافوا؛ فأنزل الله: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿إلا المستضعفين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١١‏/‏٤٤٤ (١٢٢٦٠). قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٩ (١٠٩٤٧): «وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة وغيره، وضعفه جماعة».
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم وقُتِل بعض، فقال المسلمون: قد كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكْرِهوا، فاستغفروا لهم. فنزلت هذه الآية: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى آخر الآية. قال: فكتب إلى مَن بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، وأنه لا عذر لهم، فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة؛ فأنزلت فيهم هذه الآية: ﴿ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذي في الله﴾ [العنكبوت:١٠]. فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير؛ فنزلت فيهم: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [النحل:١١٠]. فكتبوا إليهم بذلك: أنّ الله قد جعل لكم مخرجًا فاخرجوا. فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، حتى نجا مَن نجا، وقُتِل مَن قُتِل١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار -كما في كشف الأستار ٣‏/‏٤٦ (٢٢٠٤)-، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٨‏/‏٤٥٠-٤٥١ (٣٣٧٧)، وابن جرير ٧‏/‏٣٨١، ١٤‏/‏٣٧٩، ١٨‏/‏٣٦٦ واللفظ له، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٦ (٥٨٦٣)، ٩‏/‏٣٠٣٧ (١٧١٧٠). قال البزار: «لا نعلم أحدًا يرويه عن عمرو إلا محمد بن شريك». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٩-١٠ (١٠٩٤٨): «روى البخاري بعضه، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن شريك، وهو ثقة». وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏٦٦٧: «وهو ثقة، وهو أبو عثمان المكي، وثقه جمع، ولذلك قال الحافظ في مختصر الزوائد: وفي البخاري بعضه، وإسناده صحيح».
١٠
عن عروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود- أنّه ذكر قصة بدر، وذكر الأسارى، وفداءهم، وما أنزله الله عز وجل في قَسْم الغنائم، ثم قال: وأنزل فيمن أصيب ممن يدعى بالإسلام مع العدو بيوم بدر، وفيمن أقام بمكة مِمَّن يُطِيق الخروج: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض﴾، وآيتين بعدها١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣‏/‏١١٩-١٢٠.
١١
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد- في الآية، قال: هم أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يوم بدر فيمن أصيب؛ فأنزل الله فيهم هذه الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٨٦-٣٨٧، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٦.
١٢
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم﴾ إلى قوله: ﴿وساءت مصيرا﴾، قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زَمْعَة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن مُنَبِّه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف. قال: لَمّا خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان ابن حرب وعير قريش من رسول الله ﷺ وأصحابه، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبان كارهين كانوا قد أسلموا، واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقُتِلوا ببدر كفارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٨٣-٣٨٤، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

تفسير

٨ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في الآية، قال: هم قوم تَخَلَّفوا بعد النبي ﷺ، وتركوا أن يخرجوا معه، فمَن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي ﷺ ضَرَبَت الملائكةُ وجهَه ودُبُرَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٨٣.
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أشعث- ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾، قال: كان ناس من أهل مكة أسلموا، فمَن مات منهم بها هلك، قال الله: ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء﴾ إلى قوله: ﴿عفوا غفورا﴾ [النساء: ٤٣]، قال ابن عباس: فأنا منهم وأُمِّي منهم. قال عكرمة: وكان العباس منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧/ ٣٨١.
٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: لَمّا أُسِر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله ﷺ للعباس: «افد نفسك، وابن أخيك». قال: يا رسول الله، ألم نُصَلِّ قبلتك، ونشهد شهادتك؟! قال: «يا عباس، إنكم خاصمتم فَخُصِمْتُمْ». ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾. فيوم نزلت هذه الآية كان مَن أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر، إلا المستضعفين الذين ﴿لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٨٤-٣٨٥، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَد ابنُ عطية (٢/٦٤١) قول السدي قائلًا: «وفي هذا الذي قاله السدي نظر». ثم بيَّن أن الذي «يجري مع الأصول أن مَن مات مِن أولئك بعد أن قبل الفتنة وارتدَّ فهو كافر، ومأواه جهنم على جهة الخلود، وهذا هو ظاهر أمر تلك الجماعة، وإن فرضنا فيهم مَن مات مؤمنًا وأُكرِه على الخروج، أو مات بمكة فإنما هو عاصٍ في ترك الهجرة، مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود، لكن لَمّا لم يتعين أحد أنه مات على الإيمان لم يسغ ذكرهم في الصحابة، ولم يُعْتَد بما كان عرف منهم قبل».
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ يعني: ملك الموت وحده ﴿ظالمي أنفسهم﴾، ... فلما قتل هؤلاء ببدر ﴿قالوا﴾ أي: قالت الملائكة لهم، وهو ملك الموت وحده: ﴿فيم كنتم﴾ يقول: في أي شيء كنتم؟ ﴿قالوا كنا مستضعفين في الأرض﴾ يعني: كنا مقهورين بأرض مكة، لا نُطيق أن نُظهِر الإيمان١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠١.
٥
عن سعيد بن جبير -من طريق إسماعيل بن أبي خالد- أنّه قال: في قول الله تعالى: ﴿قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، قالوا: إذا عُمِل فيها بالمعاصي فاخرجوا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع ١‏/‏٨٨ (١٩٧)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏١٠٤٧.
٦
عن سعيد بن جبير -من طريق ليث- ﴿ألم تكن أرض الله واسعة﴾، قال: الهرب١
التخريج
  1. ١أخرجه المروذي في أخبار الشيوخ وأخلاقهم ص١٠٩ (١٤٨).
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالوا﴾ أي: قالت الملائكة لهم: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة﴾ من الضيق، يعني: أرض الله المدينة؛ ﴿فتهاجروا فيها﴾ يعني: إليها. ثم انقطع الكلام، فقال عز وجل: ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾ يعني: وبئس المصير صاروا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٢.
٨
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في الآية، قال: لَمّا بُعِث النبي ﷺ وظهر ونبع الإيمان نبع النفاق معه، فأتى إلى رسول الله ﷺ رجالٌ، فقالوا: يا رسول الله، لولا أنّا نخاف هؤلاء القوم يعذبون ويفعلون ويفعلون لأسلمنا، ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فكانوا يقولون ذلك له، فلما كان يوم بدر قام المشركون، فقالوا: لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره، واستبحنا ماله. فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبي ﷺ معهم، فقُتِلت طائفة منهم، وأُسِرت طائفة. قال: فأما الذين قُتِلوا فهم الذين قال الله: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ الآية كلها. ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ وتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم؟ ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾. قال: ثم عذر الله أهل الصدق، فقال: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا﴾ يتوجهون له، لو خرجوا لهلكوا. قال: ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾ إقامتهم بين ظهري المشركين. وقال الذين أُسروا: يا رسول الله، إنّك تعلم أنّا كُنّا نأتيك فنشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأنّ هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفًا. فقال الله: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم﴾ [الأنفال:٧٠] صنيعكم الذي صنعتم؛ خروجكم مع المشركين على النبي ﷺ، ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل﴾: خرجوا مع المشركين؛ ﴿فأمكن منهم﴾ [الأنفال:٧١]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٣٨٧، ٣٨٨.
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٩٧ من سورة النساء

١١ وقفةً في هذه الآية

  • قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا" لا تكن وقودا لقضية لا تؤمن بها 

    — عبدالله بلقاسم

  • {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} أرض الله واسعة مليئة بالفرص والفرج والتغيير ! اخرج إلى الأرض الجديدة ..الأحلام تنتظرك.

    — عبدالله بلقاسم

  • تأمل ليس كل مبرر يصح الاحتجاج به (قالوا كنا مستضعفين في الأرض قال ألم تكن أرض الله واسعة..)

    — ابتسام الجابري

  • لم أجد -في نفسي- أقوى تأثيرًا لدفع الفرد المسلم على أن يكون مبادرًا وباذلًا كل ما يملك لأجل تحقيق أهدافه النبيلة، مثل هذه الآية الكريمة، وقد نزلت في تأنيب من لم يبادر بالهجرة وبقي في مكة خوفًا على أهله ومصالحه.

    — متدبر

  • ﴿ ألَم تكن أرض اللَّهِ واسعَة فتهاجِروا فيها﴾ أرض الله واسعة مليئة بالفرص والفرج والتغيير اخرج إلى الأرض الجديدة الأحلام تنتظرك.

    — عبدالله بلقاسم

  • مجالس في تدبر القرآن (تدبر الآية 97 سورة النساء)

    — خالد السبت

  • مسألة: قوله تعالى هنا: (ثم مأواهم جهنم) بثم. وفى غيره: ((ومأواهم جهنم)) بالواو؟ . جوابه: لما تقدم قوله تعالى: تقلبهم فى البلاد و (متاع قليل) والمراد في الدنيا، وجهنم إنما هي في الآخرة، فناسب: (ثم التي للتراخي. وأية الوعد: عطف جهنم على (سوء الحساب) وهما جميعا في الآخرة، فناسب العطف بالواو.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • * الفرق بين توفاهم وتتوفاهم: الحذف في عموم القرآن جائز من حيث اللغة للتخفيف ويكون في مقام الإيجاز أو للدلالة على أن الحدث أقلّ، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ) هؤلاء كانوا مستضعفين وظالمي أنفسهم صاروا أقل في العدد فقال توفاهم، أما في سورة النحل (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ) ظالمي أنفسهم فقط ولم يكونوا مستضعفين فلما كثر هؤلاء قال تتوفاهم، وهؤلاء المستضعفين في آية سورة النساء هم قسم من الظالمين فهم أقل، فالذين ظلموا أنفسهم أكثر من المستضعفين لأنهم عموم الظالمين. * عبّر الله تعالى عن وفاة الظالمين بقوله (تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ) وعدل عن التعبير بـ(يموتون) لما في هذه الصورة من مهابة الموقف والرهبة منه فقبض الملائكة وسيلة تبين شناعة فتنتهم عند الموت. * الفرق بين الضعفاء والمستضعفين: المستضعفين الذين يستضعفهم غيرهم، حاكم استضعفهم وأذلهم مثل بني إسرائيل استضعفهم فرعون، أما الضعيف فهو ضعيف بنفسه (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء).

    — مختصر لمسات بيانية

  • ( تتوفاهم الملائكة ) النحل : هذه في الكفار بوجه عام ألا ترى قبلها ( على الكافرين ) ، ففي العموم قال ( تتوفاهم ) بتاءين - ( توفاهم الملائكة ) النساء : نزلت في أناس تخلفوا في مكة ، ولم يهاجروا مع النبي عليه السلام ، في جماعة قليلة قال ( توفاهم ) بتاء واحدة ، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • برنامج لمسات بيانية سورة النساء آية 97

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعالى: (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كنَّا مستضعفين فِي الأرْضَ. .) الآية. إن قلتَ: هذا الجواب ليس مطابقاً للسؤال، بل المطابقُ له: كنَّا في كذا، أولم نكنْ في شيء؟ قلتُ: المرادُ بالسؤال توبيخُهم بأنهم لم يكونوا على الدِّين، حيثُ قدروا على الهجرة ولم يُهاجروا، فصار قول الملائكة " فيمَ كنتم " مجازاً عن قولهم: لمَ تركتُم الهجرة؟ فقالوا اعتذاراً عمَّا وُبِّخوا به " كُنَّا مستضعفين في الأرض ".

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

فتاوى متعلقة بالآية ٩٧ من سورة النساء

٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٩٧ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(97) Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves[212] - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.
[212]- By preferring to remain among the disbelievers, although they have the means to emigrate, in an environment where a Muslim is unable to practice his religion freely.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال