اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ](١) فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾
لما ذَكَر - [ تعالى ](٢) - ثواب من أقْدَم على الجِهَاد، أتْبَعَه بِعِقَاب من قَعَدَ عَنْهُ ورضي بالسُّكُون في دَارِ الحَرْبِ.
قوله :" توفَّاهم " يجوز أن يكون مَاضِِياً، وإنما لم تَلْحَق علامة التَّأنيث للفعل ؛ لأن التأنيث مَجَازِيّ ؛ ويدلُّ على كونه فعلاً مَاضِياً قِرَاءَةُ " تَوَفتهُم " (٣) بتاء التأنيث.
قال الفرَّاء : ويكون مثل قوله :﴿إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] فيكون إخْبَاراً عن حَالِ أقْوَام معيَّنين، انْقَرَضُوا ومضوا(٤) ويجوز أن يَكُون مُضَارعاً حُذِفَتْ إحدى التَّاءَيْن تَخفيفاً مِنْه، والأصل : تتوَفَّاهُم، وعلى هذا تكُون الآيةُ عامَّة في حقِّ كلِّ من كان بهذه الصِّفَة.
و " ظَالِمي " حالٌ من ضَمِير " تَوَفَّاهُم "، والإضافة(٥) غير محضة(٦) ؛ إذ الأصْل : ظَالِمين أنفُسِهم ؛ لأنه وإن أُضِيف إلى المَعرِفَةِ، إلا أنه نَكِرةٌ في الحَقِيقة ؛ لأن المَعْنَى على الانْفِصَال ؛ كأنه قيل : الظَّالِمِين أنْفُسهم، إلا أنَّهم لما حَذَفُوا [ النُّون ](٧) طلباً للخِفة، واسْم الفَاعِل سواء أُرِيد به الحَالُ أو الاستِقْبَال، فقد يكُون مفصُولاً في المَعْنَى وإن كان مَوْصُولاً في اللَّفْظِ ؛ فهو كقوله - تعالى - :﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، و﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] والتقدير : مُمْطِر لَنَا وبَالِغاً للكَعْبَةِ وثانِياً عِطْفه، والإضافة في هَذِهِ المَوَاضع لَفْظِيَّة لا مَعْنَوِيَّة.
وفي خبر " إنَّ " هذه ثلاثة أوْجُه :
أحدها : أنه مَحْذُوفٌ، تقديُره : إنَّ الذين توفَّاهُم الملائكةُ هَلَكُوا، ويكون قوله :" قالوا : فيم كنتم " مبيِّناً لتلك الجُمْلَةِ المَحْذُوفة.
الثاني : أنه ﴿فأولئك مأواهم جهنم﴾ ودخلت الفَاءُ زائدة في الخَبَر ؛ تشبيهاً للموصُول باسم الشَّرْط، ولم تمنع " إنَّ " من ذَلِك، والأخْفَش يَمْنَعُه، وعلى هذا فَيَكُون قوله :" قالوا : فيم كنتم " إمَّا صفةً ل " ظَالِمِي "، أو حالاً للملائكة، و " قد " مَعَه مقدَّرَةٌ عند مَنْ يشتَرِط ذلك، وعلى القول بالصِّفَة، فالعَائِد محذوف، أي : ظالمين أنْفُسَهم قَائِلاً لهم المَلاَئِكَة.
والثالث : أنه ﴿قالوا فيم كنتم﴾، ولا بد من تَقْدِيرِ العَائِد أيْضاً، أي : قالوا لَهُم كذا، و " فيم " خَبَرَ " كُنْتُم "، وهي " ما " الاستِفْهَامِيَّة حُذِفَت ألِفُها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك عند قوله :﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١]، والجُمْلَة من قوله :" فيم كنتم " في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ، و " في الأرض " متعلقٌ ب " مُسْتَضْعَفِين "، ولا يجوز أن يكُون " في الأرْضِ " هو الخَبَر، و " مُسْتَضْعَفِين " حالاً، كما يَجُوز ذلك في نَحْو :" كان زيدٌ قائَماً في الدَّارِ " لعدمِ الفَائدة في هذا الخَبَر.

فصل في معنى التَّوَفِّي


في هذا التَّوفِّي قولان :
الأول : قول الجُمْهُور، معناه تُقْبَض أرْوَاحهم عند الموْتِ.
فإن قيل : كيف الجَمْع بَيْنَه وبين قوله - تعالى - :﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا﴾
[الزمر: ٤٢]، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾
[البقرة: ٢٨] وبين قوله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].
فالجواب : خالق الموت هو الله - تعالى -، والمُفَوَّض إليه هذا العمل هو مَلك المَوْت وسَائِر الملائكة أعْوانه.
الثاني : توفَّاهم الملائِكة، يعني : يَحْشُرونهم إلى النَّارِ، قاله الحَسَن.

فصل


الظُّلْم قد يُراد به الكُفْر(٨) ؛ كقوله - تعالى - :﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقد يرادُ به المَعْصِيَة ؛ كقوله :﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وفي المراد بالظُّلْمِ هَهُنَا قَوْلان :
الأول : قال بَعْضُ المُفَسِّرين(٩) : نزلت في نَاسٍ من أهْلِ مَكَّة، تكلَّمُوا بالإسْلام ولم يُهَاجِرُوا منهم : قَيْس بن الفاكه(١٠) بن المُغيرَة، وقَيْس بن الوَليد وأشْبَاهُهُمَا، فلما خَرَج المُشْرِكُون إلى بَدْر، خرجوا مَعَهُم، فقاتَلُوا(١١) مع الكُفَّار وعلى هذا أراد بِظُلْمِهِم أنْفُسَهُم : إقامَتَهُم في دَارِ الكُفْرِ(١٢)، وقوله - تعالى - :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي : ملك المَوْتِ وأعْوَانِهِ، أو أراد مَلَك المَوْتِ وَحْدَه ؛ لقوله - تعالى - :﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] والعَرَبُ قد تُخَاطِب الوَاحِد بلَفْظ الجَمْع.
الثاني : أنها نَزَلَت في قَوْم من المُنَافِقِين، كانوا يُظْهِرُون الإيمان للمُؤمِنِين خوفاً، فإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِم، أظْهَرُوا لهم الكُفْر، ولا يُهَاجِرُون إلى المَدِينَةِ(١٣).
وقوله :﴿قالوا فيم كنتم﴾ من أمْرِ دينكُم، وقيل : فيم كُنْتُم من حَرْب أعْدَائه، وقيل : لما تركتم(١٤) الجِهَاد ورَضِيتُم بالسُّكُون دَارِ الكُفَّار(١٥) ؛ لأن الله - تعالى - لم يَكُن يَقْبَل الإسلام بعد هِجْرَةَ النَّبي(١٦) ﷺ إلا بالهِجْرَة، ثم نَسَخَ ذلك بَعْدَ فَتْحِ مكَّة بقوله " لا هِجْرَة بَعْدَ الفَتْح " وهؤلاء قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وضرَبَت الملائكةُ وجوهَهُم وأدْبَارَهُم، وقَالُوا لهم : فيم كُنْتُم ؟ [ " قالوا كُنَّا " ](١٧) أي : في ماذا كُنْتُم أو في أيِّ الفَرِيقَيِْن كنتم ؟ أفي المُسْلِمين أو في المُشْرِكِين ؟ سُؤال توبيخ وتَقْرِيع، فاعتذروا بالضَّعْف عن مُقَاوَمَة المُشْرِكِين، ﴿وقالوا كنا مستضعفين﴾ عَاجِزين(١٨)، " في الأرْضِ " يعني : أرْضَ مَكَّة.
فإن(١٩) قيل : كان حَقُّ الجَوَاب أن يَقُولوا : كنا في كَذَا وكذا، ولم نكُن في شَيْء.
فالجَواب : أن مَعْنَى " فِيمَ كُنْتُم " : التَّوْبِيخ، بأنهم لم يَكُونوا في شَيْءٍ من الدِّين، حَيْثُ قَدَرُوا على المُهَاجَرَة ولم يُهَاجِرُوا فقالوا : كُنَّا مستَضْعَفِين اعْتِذاراً عمَّا وُبَّخُوا بِه، واعتِلالاً بأنَّهم ما كَانُوا قادِرِينِ على المُهَاجَرة، ثم إنّ المَلاَئِكَة لم يَقْبَلُوا منهم هذا العُذْر ؛ بل ردُّوه عَلَيْهِم، فقالوا :﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ يعني أنكم كنتم قادرين على الخُرُوجِ من مَكَّة إلى بَعْضِ البِلاَدِ التي لا تُمْنَعُون فيها من إظْهَار دِينكُم، فبقيتم(٢٠) بين الكُفَّار لا للعجز عن مُفَارَقَتِهِم، بل مع القُدْرَة على المُفَارَقَة(٢١).

فصل


وقد ورد لَفْظُ الأرْض على ثَمَانِية أوْجُه :
الأول : الأرض المَعْرُوفة.
الثاني : أرْضُ المَدِينة، قال الله - تعالى - :﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾.
الثالث : أرض مَكَّة ؛ قال - تعالى - [ ﴿قَالُواْ ](٢٢) كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ أي : بمكَّة.
الرابع : أرْض مِصْر ؛ قال - تعالى - ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٣].
الخامس : أرض الجَنَّة ؛ قال تعالى ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾
[الزمر: ٧٤].
السادس : بُطُون النِّساء(٢٣) ؛ قال - تعالى - :﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] يعني : النساء(٢٤).
السابع : الرحمة ؛ قال - تعالى - :﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠]، وقوله - تعالى - :﴿يا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾
[العنكبوت: ٥٦] أي رحْمَتِي.
الثامن : القَلْب ؛ قال - تعالى - :﴿اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧]، أي : يحيى القُلُوب بعد قَسْوَتِها.
قوله :" فتُهاجِرُوا " مَنْصُوبٌ في جَوابِ الاسْتِفْهَام.
وقال أبو البَقَاء(٢٥) :" ألَمْ تَكُنْ " استِفْهام بمعنى التَّوْبِيخ، " فتُهَاجِرُوا " مَنْصُوبٌ على جواب الاستفهام ؛ لأنَّ النَّفْي صار إثْبَاتاً بالاستفهَام. انتهى.
قوله :" لأنَّ النَّفْي " إلى آخره لا يَظْهَر تَعْلِيلاً لقوله :" مَنْصُوبٌ على جواب الاستِفْهَام " ؛ لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه عِلّةً لقوله :" بمَعْنَى التَّوْبيخ "، و [ " ساءت " ] : قد تَقَدَّم القول في " سَاء "، وأنها تَجْرِي مَجْرى " بِئْس " فيُشْترط في فاعلها ما يُشْتَرَط في فَاعِلِ تيك، و " مصيراً " : تَمْيِِيز.
وكما بَيَّن عَدَم عُذْرِهِم، ذكر وعيدَهُم، فقال :" فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً " [ أي :](٢٦) بِئْس المَصِير إلى جَهَنَّم.
١ سقط في أ..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٤٨، والدر المصون ٢/٤١٨..
٤ في ب: وبادوا..
٥ في ب: تتوفاهم والآية..
٦ في أ: مختصة..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: الظلم هو الكفر..
٩ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٦٩..
١٠ في أ: الفاكهة..
١١ في ب: فقتلوا..
١٢ أخرجه الطبري (٩/١٠٥) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٦٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم..
١٣ تقدم..
١٤ في أ: تركوا..
١٥ في أ: الحرب..
١٦ في أ: الهجرة للنبي..
١٧ سقط في ب..
١٨ في أ: مهاجرين..
١٩ في أ: قال..
٢٠ في أ: ما قمتم..
٢١ في أ: الفائقة..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في ب: طول سيناء..
٢٤ في ب: طور سيناء..
٢٥ ينظر: الإملاء ١/١١٢..
٢٦ سقط في ب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى