جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿دَرَجَاتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ﴾ : فضائل منه ومنازل من منازل الكرامة.
واختلف أهل التأويل في معنى الدرجات التي قال جلّ ثناؤه ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ﴾. فقال بعضهم بما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَحَمَةً﴾ كان يقال : الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة.
وقال آخرون بما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سألت ابن زيد عن قول الله تعالى :﴿وَفَضّلَ اللّه المُجاهِدِينَ على القاعِدِينَ أجْرا عَظِيما دَرَجاتٍ مِنْه﴾ الدرجات : هي السبع التي ذكرها في سورة براءة :﴿ما كانَ لأهلِ المدينةِ ومَنْ حَوْلهمْ مِنَ الأعراب أنْ يتَخلّفُوا عنْ رسُولِ اللّهِ ولا يَرْغبُوا بأنفُسهِمْ عنْ نَفسِهِ ذلك بَأَنهمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمأٌ ولا نَصبٌ﴾ فقرأ حتى بلغ :﴿أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال هذه السبع الدرجات. قال : وكان أوّل شيء، فكانت درجة الجهاد مجملة، فكان الذي جاهد بماله له اسم في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفضيل أخرج منها، فلم يكن له منها إلا النفقة. فقرأ :﴿لا يُصيبُهُمْ ظَمأٌ وَلا نَصَبٌ﴾ وقال : ليس هذا لصاحب النفقة. ثم قرأ :﴿ولاَ يُنفِقُونَ نفقةً﴾ قال : وهذه نفقة القاعد.
وقال آخرون : عُني بذلك درجات الجنة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ بن الحسن الأزدي، قال : حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن هشام بن حسان، عن جبلة بن سُحيم، عن ابن محيريز في قوله :﴿فَضّلَ اللّه المُجاهِدينَ على القاعِدينَ﴾. . . إلى قوله :﴿دَرَجاتٍ﴾ قال : الدرجات : سبعون درجة، ما بين الدرجتين حُضْرُ الفرس الجواد المضمّر سبعين سنة.
وأولى التأويلات بتأويل قوله¹ ﴿دَرَجاتٍ مِنْه﴾ أن يكون معنيّا به درجات الجنة، كما قال ابن محيريز¹ لأن قوله تعالى ذكره :﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ﴾ ترجمة وبيان عن قوله :﴿أجْرا عَظِيما﴾، ومعلوم أن الأجر إنما هو الثواب والجزاء، وإذا كان ذلك كذلك، وكانت الدرجات والمغفرة والرحمة ترجمة عنه، كان معلوما أن لا وجه لقول من وجه معنى قوله :﴿دَرَجاتٍ مِنْه﴾ إلى الأعمال وزيادتها على أعمال القاعدين عن الجهاد كما قال قتادة وابن زيد. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الصحيح من تأويل ذلك ما ذكرنا، فبيّن أن معنى الكلام : وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين من غير أولي الضرر أجرا عظيما وثوابا جزيلاً، وهو درجات أعطاه موها في الآخرة من درجات الجنة، رفعهم بها على القاعدين بما أبلوا في ذات الله. ﴿وَمغفرةً﴾ يقول : وصفح لهم عن ذنوبهم، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها. ﴿ورحمةً﴾ يقول : ورأفة بهم. ﴿وكان اللّهُ غَفُورا رَحِيما﴾ يقول : ولم يزل الله غفورا لذنوب عباده المؤمنين، فيصفح لهم عن العقوبة عليها ﴿رَحِيما﴾ بهم، يتفضل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره ونهيه وركوبهم معاصيه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه:"درجات منه"، فضائل منه ومنازل من منازل الكرامة. (١)
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى"الدرجات" التي قال جل ثناؤه:"درجات منه".
فقال بعضهم بما:-
١٠٢٥٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"درجات منه ومغفرة ورحمة"، كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد دَرَجة.
* * *
وقال آخرون بما:-
١٠٢٥٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله تعالى:"وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا درجات منه"،"الدرجات" هي السبع التي ذكرها في"سورة براءة": (مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ) فقرأ حتى بلغ:
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك درجات الجنة.
ذكر من قال ذلك.
١٠٢٥٨- حدثنا علي بن الحسن الأزدي قال، حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن هشام بن حسان، عن جبلة بن سحيم. عن ابن محيريز في قوله:"فضل الله المجاهدين على القاعدين"، إلى قوله:"درجات"، قال: الدرجات سبعون درجة، ما بين الدرجتين حُضْرُ الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين سنة. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بتأويل قوله:"درجات منه"، أن يكون معنيًّا به درجات الجنة، كما قال ابن محيريز. لأن قوله تعالى ذكره:"درجات منه": ترجمة وبيان عن قوله:"أجرًا عظيمًا"، ومعلوم أن"الأجر"، إنما هو الثواب والجزاء. (٢)
و"الأشجعي"، هو: "عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي" مضت ترجمته برقم: ٨٦٢٢. و"سفيان"، هو الثوري.
و"هشام بن حسان القردوسي" مضى برقم ٢٨٢٧، ٧٢٨٧.
و"جبلة بن سحيم" مضى برقم: ٣٠٠٣.
و"ابن محيريز"، هو عبد الله بن محيريز، مضى برقم: ٨٧٢٠.
و"حضر الفرس" ارتفاعه في عدوه، "أحضر الفرس يحضر إحضارًا"، عدا عدوًا شديدًا.
و"الفرس المضمر"، وهو الذي أعد إعدادًا للسباق والركض.
(٢) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف ٨: ٥٤٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
* * *
="ومغفرة" يقول: وصفح لهم عن ذنوبهم، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها=
"ورحمة"، يقول: ورأفة بهم="وكان الله غفورًا رحيمًا"، يقول: ولم يزل الله غفورًا لذنوب عباده المؤمنين، يصفح لهم عن العقوبة عليها (١) ="رحيما" بهم، يتفضل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره ونهيه، وركوبهم معاصيه. (٢)
* * *
(٢) انظر تفسير"المغفرة"، و"الرحمة"، و"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.