غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿فتثبتوا﴾ من التثبت وكذلك في الحجرات : حمزة وعلي وخلف. والباقون ﴿فتبيّنوا﴾ من التبين ﴿السلم﴾ مقصوراً : أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل وسهل. الباقون بالألف. ﴿غير﴾ بالنصب : أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف. الباقون ﴿غير﴾ بالرفع ﴿الذين توفاهم﴾ مشددة التاء : البزي وابن فليح.
الوقوف :﴿إلاّ خطأ﴾ ج ﴿يصدقوا﴾ ط لابتداء حكم آخر. ﴿مؤمنة﴾ ط لذلك ﴿مؤمنة﴾ ج ﴿متتابعين﴾ ز لاحتمال كون ﴿توبة﴾ مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له. ﴿من الله﴾ ط ﴿حكيماً﴾ ه ﴿عظيماً﴾ ه ﴿مؤمناً﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً ﴿الدنيا﴾ ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء. ﴿كثيرة﴾ ط ﴿فتبينوا﴾ ط ﴿خبيراً﴾ ه ﴿وأنفسهم﴾ الأول ط ﴿درجة﴾ ط ﴿الحسنى﴾ ط ﴿عظيماً﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ورحمة﴾ ط ﴿رحيماً﴾ ه ﴿فيم كنتم﴾ ط ﴿في الأرض﴾ ط ﴿فتهاجروا فيها﴾ ط لتناهي الاستفهام بجوابه. ﴿جهنم﴾ ط ﴿مصيراً﴾ ه للاستثناء. ﴿سبيلاً﴾ ه لا ﴿عنهم﴾ ط ﴿غفوراً﴾ ه ﴿وسعة﴾ ط ﴿على الله﴾ ط ﴿رحيماً﴾ ه ﴿من الصلاة﴾ ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر ﴿كفروا﴾ ط ﴿مبيناً﴾ ه.
ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال :﴿إنّ الذين توفاهم﴾ وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا. عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية. ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة. قال الجمهور : معنى ﴿تتوفاهم﴾ تقبض أرواحهم عند الموت. ولا منافاة بينه وبين قوله :﴿الله يتوفّى الأنفس﴾[الزمر: ٤٢]﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾[السجدة: ١١] لأنه تعالى هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه. وعن الحسن :﴿توفاهم الملائكة﴾ أي يحشرونهم إلى النار.
أما قوله :﴿ظالمي أنفسهم﴾ فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً. والظلم قد يراد به الشرك ﴿إنّ الشرك لظلم عظيم﴾[لقمان: ١٣] فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة. وقد يراد به المعصية ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾[فاطر: ٣٢] فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار الإسلام حين كانت الهجرة فريضة. وفي خبر " إنّ " وجوه : الأول ﴿قالوا فيم كنتم﴾ والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم. الثاني ﴿فأولئك﴾ فيكون ﴿قالوا﴾ حالاً من الملائكة بتقدير " قد ". الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا. ثم فسر الهلاك بقوله :﴿قالوا فيم كنتم﴾ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم ؟ والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم :﴿كنا مستضعفين﴾ اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء.
ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين :﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلاّ أن يكون قتل خطأ ؛ وذلك أن الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكاً. وكان قتله خطأ لأنه ما كان مقصوداً بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل النفس الكافرة. ﴿من قتل مؤمناً﴾ أي قلباً مؤمناً :﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ وهي رقبة السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾ يعني يسلم العاقلة - وهو الله تعالى - دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف الحميدة الروحانية من جمال كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقاً ربانية إلاّ أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية ﴿فإن كان﴾ القتيل بالتجلي ﴿من قوم عدوّ لكم﴾ أي من صفات النفس ﴿وهو مؤمن﴾ أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات :﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولادية لأهل القتيل. ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً وترك المحاربة مع القلب وأوصافه ﴿فدية مسلمة﴾ على عاقلة الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى :﴿إلاّ ما رحم ربي﴾[يوسف: ٥٣] وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن رقة الكونين. ﴿فمن لم يجد﴾ رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله :﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ أي فعليه الإمساك وعن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقباً قلبه لا يدخله شيئاً من الدنيا والآخرة مراعياً وقته. فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى.
قال قائلهم :
﴿توبة من الله﴾ جذبة منه. ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً﴾ أي النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر ﴿فجزاؤه جهنم﴾ وهي سفل عالم الطبيعة. ﴿إذا ضربتم في سبيل الله﴾ بقدم السلوك حتى صار الإيمان إيقاناً والإيقان إحساناً والإحسان عياناً والعيان عيناً والعين شهوداً والشهود شاهداً والشاهد مشهوداً وهذا مقام الشيخوخة ﴿فتبينوا﴾ عن حال المريد في الرد والقبول. ﴿ولا تقولوا﴾ له ﴿لست مؤمناً﴾ صادقاً ولا تنفروه بالتشديدات والتصرف في النفس والمال ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾ أي تهتمون أجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه. ﴿كذلك كنتم﴾ ضعفاء في الصدق والطلب محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة ﴿فمنّ الله عليكم﴾ بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم. ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها ﴿فيم كنتم﴾ في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون ؟ أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي ؟ ﴿مستضعفين﴾ عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى ﴿ألم تكن أرض الله﴾ أي أرض القلب ﴿واسعة﴾ فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية ﴿لا يستطيعون حيلة﴾ في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ﴿ولا يهتدون سبيلاً﴾ إلى صاحب ولاية وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص، وهم السابقون بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر. ﴿ومن يهاجر﴾ عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية ﴿يجد﴾ في أرض الإنسانية ﴿مراغماً﴾ متحوّلاً ومنازل مثل القلب والروح والسر ﴿وسعة﴾ في تلك العوالم من رحمة الله :﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾[الأعراف: ١٥٦] " لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " فافهم يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجل وأكبر.
الوقوف :﴿إلاّ خطأ﴾ ج ﴿يصدقوا﴾ ط لابتداء حكم آخر. ﴿مؤمنة﴾ ط لذلك ﴿مؤمنة﴾ ج ﴿متتابعين﴾ ز لاحتمال كون ﴿توبة﴾ مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له. ﴿من الله﴾ ط ﴿حكيماً﴾ ه ﴿عظيماً﴾ ه ﴿مؤمناً﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً ﴿الدنيا﴾ ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء. ﴿كثيرة﴾ ط ﴿فتبينوا﴾ ط ﴿خبيراً﴾ ه ﴿وأنفسهم﴾ الأول ط ﴿درجة﴾ ط ﴿الحسنى﴾ ط ﴿عظيماً﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ورحمة﴾ ط ﴿رحيماً﴾ ه ﴿فيم كنتم﴾ ط ﴿في الأرض﴾ ط ﴿فتهاجروا فيها﴾ ط لتناهي الاستفهام بجوابه. ﴿جهنم﴾ ط ﴿مصيراً﴾ ه للاستثناء. ﴿سبيلاً﴾ ه لا ﴿عنهم﴾ ط ﴿غفوراً﴾ ه ﴿وسعة﴾ ط ﴿على الله﴾ ط ﴿رحيماً﴾ ه ﴿من الصلاة﴾ ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر ﴿كفروا﴾ ط ﴿مبيناً﴾ ه.
ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال :﴿إنّ الذين توفاهم﴾ وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا. عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية. ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة. قال الجمهور : معنى ﴿تتوفاهم﴾ تقبض أرواحهم عند الموت. ولا منافاة بينه وبين قوله :﴿الله يتوفّى الأنفس﴾[الزمر: ٤٢]﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾[السجدة: ١١] لأنه تعالى هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه. وعن الحسن :﴿توفاهم الملائكة﴾ أي يحشرونهم إلى النار.
أما قوله :﴿ظالمي أنفسهم﴾ فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً. والظلم قد يراد به الشرك ﴿إنّ الشرك لظلم عظيم﴾[لقمان: ١٣] فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة. وقد يراد به المعصية ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾[فاطر: ٣٢] فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار الإسلام حين كانت الهجرة فريضة. وفي خبر " إنّ " وجوه : الأول ﴿قالوا فيم كنتم﴾ والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم. الثاني ﴿فأولئك﴾ فيكون ﴿قالوا﴾ حالاً من الملائكة بتقدير " قد ". الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا. ثم فسر الهلاك بقوله :﴿قالوا فيم كنتم﴾ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم ؟ والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم :﴿كنا مستضعفين﴾ اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء.
ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين :﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.
قال قائلهم :
| لقد صام طرفي عن شهود سواكم | وحق له لما اعتراه نواكم |
| يعيد قوم حين يبدو هلالهم | ويبدو هلال الصب حين يراكم |