زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ في سبب نزولها ثلاثة أقوال :
أحدها : أن أناسا كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فلما خرج النبي ﷺ إلى بدر لم تدع قريش أحدا إلا أخرجوه معهم، فقتل أولئك الذين أقروا بالإسلام، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال قتادة : نزلت في أناس تكلموا بالإسلام فخرجوا مع أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، واعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم.
والثاني : أن قوما نافقوا يوم بدر، وارتابوا، وقالوا : غر هؤلاء دينهم وأقاموا مع المشركين حتى قتلوا : فنزلت فيهم هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثالث : أنها نزلت في قوم تخلفوا عن رسول الله ﷺ، ولم يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي، ضربت الملائكة وجهه ودبره، رواه العوفي عن ابن عباس. وفي " التوفي " قولان :
أحدهما : أنه قبض الأرواح بالموت، قاله ابن عباس، ومقاتل.
والثاني : الحشر إلى النار، قاله الحسن. قال مقاتل : والمراد بالملائكة ملك الموت وحده.
وقال في موضع آخر : ملك الموت وأعوانه، وهم ستة ثلاثة، يَلون أرواح المؤمنين، وثلاثة يلْون أرواح الكفار. قال الزجاج :﴿ظالمي أنفسهم﴾ نصب على الحال، والمعنى : تتوفاهم في حال ظلمهم أنفسهم، والأصل. ظالمين، لأن النون حذفت استخفافا. فأما ظلمهم لأنفسهم، فيحتمل على ما ذكر في قصتهم أربعة أقوال :
أحدها : أنه ترك الهجرة.
والثاني : رجوعهم إلى الكفر.
والثالث : الشك بعد اليقين.
والرابع : إعانة المشركين.
قوله تعالى :﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ قال الزجاج : هو سؤال توبيخ، والمعنى : كنتم في المشركين أو في المسلمين.
قوله تعالى :﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأْرْضِ﴾ قال مقاتل : كنا مقهورين في أرض مكة، لا نستطيع أن نذكر الإيمان، قالت الملائكة :﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً﴾ يعني المدينة ﴿فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ يعني : إليها. وقول الملائكة لهم يدل على أنهم كانوا يستطيعون الهجرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى