البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض﴾ روى البخاري عن ابن عباس : أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله ﷺ، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم، أو يضرب فيقتل، فنزلت.
وقيل : قوم من أهل مكة أسلموا، فلما هاجر الرسول أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة، فلما كان يوم بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فقتلوا ببدر فنزلت.
قال عكرمة : نزلت في خمسة قتلوا يوم بدر : قيس بن النائحة بن المغيرة، والحرث بن زمعة بن الأسود بن أسد، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاصي بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف.
وقال النقاش : في أناس سواهم أسلموا ثم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا : غر هؤلاء دينهم.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي : أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد، أتبعه بعقاب من قعد عن الجهاد وسكن في بلاد الكفر.
قال ابن عباس ومقاتل : التوفي هنا قبض الأرواح.
وقال الحسن : الحشر إلى النار.
والملائكة هنا قيل : ملك الموت، وهو من باب إطلاق الجمع على الواحدة تفخيماً له وتعظيماً لشأنه، لقوله تعالى :﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾ هذا قول الجمهور.
وقيل : المراد ملك الموت وأعوانه وهم : ستة، ثلاثة لأرواح المؤمنين، وثلاثة لأرواح الكافرين.
ويشهد لهذا ﴿توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ وظلمهم أنفسهم بترك الهجرة، وقعودهم مع قومهم حين رجعوا للقتال، أو برجوعهم إلى الكفر، أو بشكهم، أو بإعانة المشركين، أقوال أربعة : وتوفاهم : ماض لقراءة من قرأ توفتهم، ولم يلحق تاء التأنيث للفصل، ولكون تأنيث الملائكة مجازاً أو مضارع، وأصله تتوفاهم.
وقرأ ابراهيم : توفاهم بضم التاء مضارع وفيت، والمعنى : أنّ الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها، أي : يمكنهم من استيفائها فيستوفونها.
والضمير في قالوا للملائكة، والجملة خبر إنّ، والرابط ضمير محذوف دل عليه المعنى، التقدير : قالوا : قالوا لهم فيم كنتم ؟ وهذا الاستفهام معناه التوبيخ والتقريع.
والمعنى : في أي شيء كنتم من أمر دينكم ؟ وقيل : من أحوال الدنيا، وجوابهم للملائكة اعتذار عن تخلفهم عن الهجرة، وإقامتهم بدار الكفر، وهو اعتذار غير صحيح.
قال الزمخشري :( فإن قلت ) : كيف صح وقوع قوله : كنا مستضعفين في الأرض، جواباً عن قولهم : فيم كنتم ؟ وكان حق الجواب أن يقولوا : كنا في كذا، ولم يكن في شيء ؟ ( قلت ) : معنى فيم كنتم، التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على الهجرة ولم يهاجروا، فقالوا : كنا مستضعفين اعتذاراً مما وبخوا به، واعتلالاً بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء انتهى كلامه.
والذي يظهر أنّ قولهم : كنا مستضعفين في الأرض جواب لقوله : فيم كنتم على المعنى، لا على اللفظ.
لأن معنى : فيم كنتم في أي حال مانعة من الهجرة كنتم، قالوا : كنا مستضعفين أي في حالة استضعاف في الأرض بحيث لا نقدر على الهجرة، وهو جواب كذب، والأرض هنا أرض مكة.
﴿قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ هذا تبكيت من الملائكة لهم، وردّ لما اعتذروا به.
أي لستم مستضعفين، بل كانت لكم القدرة على الخروج إلى بعض الأقطار فتهاجروا حتى تلحقوا بالمهاجرين، كما فعل الذين هاجروا إلى الحبشة، ثم لحقوا بعد بالمؤمنين بالمدينة.
ومعنى فتهاجروا فيها أي : في قطر من أقطارها، بحيث تأمنون على دينكم.
وقيل : أرض الله أي المدينة.
واسعة آمنة لكم من العدوّ فتخرجوا إليها.
وهل هؤلاء الذين توفتهم الملائكة مسلمون خرجوا مع المشركين في قتال فقتلوا ؟ أو منافقون، أو مشركون ؟ ثلاثة أقوال.
الثالث قاله الحسن.
قال ابن عطية : قول الملائكة لهم بعد توفي أرواحهم يدل على أنهم مسلمون، ولو كانوا كفاراً لم يقل لهم شيء من ذلك، وإنما لم يذكروا في الصحابة لشدة ما واقعوه، ولعدم تعين أحد منهم بالإيمان، واحتمال ردته.
انتهى ملخصاً.
وقال السدّي : يوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر كافراً حتى يهاجر، إلا من لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً انتهى.
قال ابن عطية : والذي تقتضيه الأصول أنّ من ارتد من أولئك كافر ومأواه جهنم على جهة الخلود، ومن كان مؤمناً فمات بمكة ولم يهاجر، أو أخرج كرهاً فقتل، عاص مأواه جهنم دون خلود.
ولا حجة للمعتزلة في هذه الآية على التكفير بالمعاصي.
وفي الآية دليل على أنَّ من لا يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يحب، وجبت عليه الهجرة.
وروي في الحديث « من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد ﷺ ».
﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً﴾ الفاء للعطف، عطفت جملة على جملة.
وقيل : فأولئك خبر إنْ، ودخلت الفاء في خبر إنّ تشبيهاً لاسمها باسم الشرط، وقالوا : فيم كنتم حال من الملائكة، أو صفة لظالمي أنفسهم أي : ظالمين أنفسهم قائلاً لهم الملائكة : فيم كنتم ؟ وقيل : خبر إنّ محذوف تقديره : هلكوا، ثم فسر الهلاك بقوله : قالوا فيم كنتم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من البلاغة والبديع.
منها الاستعارة في قوله : إذا ضربتم في سبيل الله، استعار الضرب للسعي في قتال الأعداء، والسبيل لدينه، وفي : لا يستوي عبَّر به وهو حقيقة في المكان عن التساوي في المنزلة والفضيلة وفي : درجة حقيقتها في المكان فعبر به عن المعنى الذي القتضى التفضيل، وفي : يدركه استعار الإدراك الذي هو صفة من فيه حياة لحلول الموت، وفي : فقد وقع استعار الوقوع الذي هو من صفات الإجرام لثبوت الأجر.
والتكرار في : اسم الله تعالى، وفي : فتبينوا، وفي : فضل الله المجاهدين على القاعدين.
والتجنيس المماثل في : مغفرة وغفوراً.
والمغاير في : أن يعفو عنهم وعفواً، وفي : يهاجر ومهاجراً.
وإطلاق الجمع على الواحد في : توفاهم الملائكة على قول من قال أنه ملك الموت وحده.
والاستفهام المراد منه التوبيخ في : فيم كنتم، وفي : ألم تكن.
والإشارة في كذلك وفي : فأولئك.
والسؤال والجواب في : فيم كنتم وما بعدها.
والحذف في عدة مواضع.
وقيل : قوم من أهل مكة أسلموا، فلما هاجر الرسول أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة، فلما كان يوم بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فقتلوا ببدر فنزلت.
قال عكرمة : نزلت في خمسة قتلوا يوم بدر : قيس بن النائحة بن المغيرة، والحرث بن زمعة بن الأسود بن أسد، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاصي بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف.
وقال النقاش : في أناس سواهم أسلموا ثم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا : غر هؤلاء دينهم.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي : أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد، أتبعه بعقاب من قعد عن الجهاد وسكن في بلاد الكفر.
قال ابن عباس ومقاتل : التوفي هنا قبض الأرواح.
وقال الحسن : الحشر إلى النار.
والملائكة هنا قيل : ملك الموت، وهو من باب إطلاق الجمع على الواحدة تفخيماً له وتعظيماً لشأنه، لقوله تعالى :﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾ هذا قول الجمهور.
وقيل : المراد ملك الموت وأعوانه وهم : ستة، ثلاثة لأرواح المؤمنين، وثلاثة لأرواح الكافرين.
ويشهد لهذا ﴿توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ وظلمهم أنفسهم بترك الهجرة، وقعودهم مع قومهم حين رجعوا للقتال، أو برجوعهم إلى الكفر، أو بشكهم، أو بإعانة المشركين، أقوال أربعة : وتوفاهم : ماض لقراءة من قرأ توفتهم، ولم يلحق تاء التأنيث للفصل، ولكون تأنيث الملائكة مجازاً أو مضارع، وأصله تتوفاهم.
وقرأ ابراهيم : توفاهم بضم التاء مضارع وفيت، والمعنى : أنّ الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها، أي : يمكنهم من استيفائها فيستوفونها.
والضمير في قالوا للملائكة، والجملة خبر إنّ، والرابط ضمير محذوف دل عليه المعنى، التقدير : قالوا : قالوا لهم فيم كنتم ؟ وهذا الاستفهام معناه التوبيخ والتقريع.
والمعنى : في أي شيء كنتم من أمر دينكم ؟ وقيل : من أحوال الدنيا، وجوابهم للملائكة اعتذار عن تخلفهم عن الهجرة، وإقامتهم بدار الكفر، وهو اعتذار غير صحيح.
قال الزمخشري :( فإن قلت ) : كيف صح وقوع قوله : كنا مستضعفين في الأرض، جواباً عن قولهم : فيم كنتم ؟ وكان حق الجواب أن يقولوا : كنا في كذا، ولم يكن في شيء ؟ ( قلت ) : معنى فيم كنتم، التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على الهجرة ولم يهاجروا، فقالوا : كنا مستضعفين اعتذاراً مما وبخوا به، واعتلالاً بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء انتهى كلامه.
والذي يظهر أنّ قولهم : كنا مستضعفين في الأرض جواب لقوله : فيم كنتم على المعنى، لا على اللفظ.
لأن معنى : فيم كنتم في أي حال مانعة من الهجرة كنتم، قالوا : كنا مستضعفين أي في حالة استضعاف في الأرض بحيث لا نقدر على الهجرة، وهو جواب كذب، والأرض هنا أرض مكة.
﴿قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ هذا تبكيت من الملائكة لهم، وردّ لما اعتذروا به.
أي لستم مستضعفين، بل كانت لكم القدرة على الخروج إلى بعض الأقطار فتهاجروا حتى تلحقوا بالمهاجرين، كما فعل الذين هاجروا إلى الحبشة، ثم لحقوا بعد بالمؤمنين بالمدينة.
ومعنى فتهاجروا فيها أي : في قطر من أقطارها، بحيث تأمنون على دينكم.
وقيل : أرض الله أي المدينة.
واسعة آمنة لكم من العدوّ فتخرجوا إليها.
وهل هؤلاء الذين توفتهم الملائكة مسلمون خرجوا مع المشركين في قتال فقتلوا ؟ أو منافقون، أو مشركون ؟ ثلاثة أقوال.
الثالث قاله الحسن.
قال ابن عطية : قول الملائكة لهم بعد توفي أرواحهم يدل على أنهم مسلمون، ولو كانوا كفاراً لم يقل لهم شيء من ذلك، وإنما لم يذكروا في الصحابة لشدة ما واقعوه، ولعدم تعين أحد منهم بالإيمان، واحتمال ردته.
انتهى ملخصاً.
وقال السدّي : يوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر كافراً حتى يهاجر، إلا من لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً انتهى.
قال ابن عطية : والذي تقتضيه الأصول أنّ من ارتد من أولئك كافر ومأواه جهنم على جهة الخلود، ومن كان مؤمناً فمات بمكة ولم يهاجر، أو أخرج كرهاً فقتل، عاص مأواه جهنم دون خلود.
ولا حجة للمعتزلة في هذه الآية على التكفير بالمعاصي.
وفي الآية دليل على أنَّ من لا يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يحب، وجبت عليه الهجرة.
وروي في الحديث « من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد ﷺ ».
﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً﴾ الفاء للعطف، عطفت جملة على جملة.
وقيل : فأولئك خبر إنْ، ودخلت الفاء في خبر إنّ تشبيهاً لاسمها باسم الشرط، وقالوا : فيم كنتم حال من الملائكة، أو صفة لظالمي أنفسهم أي : ظالمين أنفسهم قائلاً لهم الملائكة : فيم كنتم ؟ وقيل : خبر إنّ محذوف تقديره : هلكوا، ثم فسر الهلاك بقوله : قالوا فيم كنتم.
منها الاستعارة في قوله : إذا ضربتم في سبيل الله، استعار الضرب للسعي في قتال الأعداء، والسبيل لدينه، وفي : لا يستوي عبَّر به وهو حقيقة في المكان عن التساوي في المنزلة والفضيلة وفي : درجة حقيقتها في المكان فعبر به عن المعنى الذي القتضى التفضيل، وفي : يدركه استعار الإدراك الذي هو صفة من فيه حياة لحلول الموت، وفي : فقد وقع استعار الوقوع الذي هو من صفات الإجرام لثبوت الأجر.
والتكرار في : اسم الله تعالى، وفي : فتبينوا، وفي : فضل الله المجاهدين على القاعدين.
والتجنيس المماثل في : مغفرة وغفوراً.
والمغاير في : أن يعفو عنهم وعفواً، وفي : يهاجر ومهاجراً.
وإطلاق الجمع على الواحد في : توفاهم الملائكة على قول من قال أنه ملك الموت وحده.
والاستفهام المراد منه التوبيخ في : فيم كنتم، وفي : ألم تكن.
والإشارة في كذلك وفي : فأولئك.
والسؤال والجواب في : فيم كنتم وما بعدها.
والحذف في عدة مواضع.