عن عبدالرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبي، عن سعيد بن جبير، أخبره قال: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ أم القرآن؛ وقرأتها على سعيد كما قرأتها عليك: ثم قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ الآية السابعة، قال عبد الله بن عباس: قد أخرجها الله لكم، فما أخرجها لأحد قبلكم. قال عبد الرزاق: قرأها علينا عبد الملك ابن جريج ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية، ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ آية، ﴿الرحمن الرحيم﴾ آية، ﴿مالك يوم الدين﴾ آية، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ آية، ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ آية، ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ إلى آخرها. (ز) تفسير السورة
عن عبد الله بن عمر، قال: وقَف رسولُ الله ﷺ بالعَقَبة، فقال: «إنّ النسيءَ من الشيطان زيادةٌ في الكفر، يُضَلُّ به الذين كفروا، يُحِلُّونه عامًا، ويُحَرِّمونه عامًا». فكانوا يُحرِّمون المحرَّم عامًا ويَسْتَحِلُّون صَفَرَ، ويُحَرِّمون صفرَ عامًا ويَسْتَحِلُّون المُحَرَّم، وهو النَّسِيء[[أخرجه أبو يعلى -كما في إتحاف الخيرة المهرة ٦/٣٠٧ (٥٩٠٨)-، وابن أبي حاتم ٦/١٧٩٤ (١٠٠١٩) واللفظ له. وهو جزء من الحديث المتقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ عن ابن عمر في خطبة الرسول ﷺ في حِجة الوداع بمنًى، وتقدم تخريجه هناك.]]
قال ابنُ جرير (٢/٦٢٦-٦٢٧): «وأما الوسط فإنه في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه، أي: متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه». ثم ذكر مستنده من اللغة، وأقوال أهل التأويل، ثم علّق (٢/٦٢٧) على تفسير الوسط بالعدل كما ورد عن السلف فقال: «وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم». وإلى نحو قول ابن جرير في معنى الوسط ذهب ابنُ عطية (١/٣٦٧) أيضًا مستندًا إلى السنة، وإلى تظاهر عبارة المفسرين، حيث قال: «ووَسَطًا معناه: عدولًا، روي ذلك عن رسول الله ﷺ، وتظاهرت به عبارة المفسرين»
ذكر ابنُ جرير (٥/٤٠٧) في تفسير الكلمة ثلاثة أقوال، أحدها: أنّ المراد بها: رسالةٌ من الله، وخَبَرٌ مِن عنده. ولم ينسبه لأحد. وثانيها: أنّ الكلمة التي قالها الله هي:كن. وثالثها: أنّ الكلمة هي اسم لعيسى سمّاه الله به كما سمّى سائرَ الخلائق بما شاء من الأسماء. ورَجَّح ابنُ جرير القولَ الأول مُسْتنِدًا إلى اللغة، فقال: «ولذلك قال عز وجل: ﴿اسمه المسيح﴾. فذكَّر، ولم يقل: اسمها. فيؤنث، والكلمة مؤنثة؛ لأنّ الكلمة غير مقصود بها قصد الاسم الذي هو بمعنى فلان، وإنما هي بمعنى: البشارة، فذُكّرت كنايتُها كما تُذَكّر كناية الذُّرِّيَّة، والدابَّة، والألقاب»
ذكر ابنُ عطية (٤/٥٨٢) في قوله: ﴿ولا تكن مع الكافرين﴾ احتمالين، فقال: «وقوله: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ يحتمل أن يكون نهيًا محضًا مع علمه أنّه كافر، ويحتمل أن يكون خفي عليه كفرَه فناداه ألا يبقى -وهو مؤمن- مع الكفرة فيهلك بهلاكهم». ثم رجح الأول بقوله: «والأول أبين». وذكر ابنُ عطية (٤/٥٨٧) في تفسير قوله: ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾ أنّ «هذه الآية تقتضي أن نوحًا عليه السلام ظن أنّ ابنه مؤمن». ثم علَّق بقوله: «وذلك أشد الاحتمالين». وظاهر ذلك التعارض مع ما هنا
أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿طوى﴾ على أربعة أقوال: الأول: أنّ معناه: إنّك بالوادي المقدس طويتَه، أي: الذي طواه موسى مشيًا بقدميه. الثاني: أنّ ﴿طوى﴾ معناه: مرتين، فيكون المعنى، إما: بالوادي المقدس مرتين، أو: ناداه مرتين بالواد المقدس. الثالث: أنه أمرٌ من الله لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. الرابع: أنه اسم للوادي. وقد رجّح ابن جرير (١٦/٣٠) القول الرابع بقوله: «وهو عندي اسم الوادي» مستندًا إلى أقوال السلف. وكذا رجّحه ابنُ كثير (٩/٣١٧) مستندًا إلى ظاهر القرآن بقوله عنه: «والأول أصحَّ؛ لقوله: ﴿إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى﴾ [النازعات: ١٦]»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿أشحة عليكم﴾ على أقوال: الأول: أشحة عليكم في الغنيمة. الثاني: أشحة عليكم بالخير. الثالث: أشحة عليكم بالنفقة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩/٥٢) العمومَ، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشح، ولم يخصص وصفهم مِن معاني الشح بمعنًى دون معنًى، فهم كما وصفهم الله به أشحة على المؤمنين بالغنيمة والخير والنفقة في سبيل الله، على أهل مسكنة المسلمين». وبنحوه ابنُ عطية (٧/١٠٢)، حيث ذكر هذه الأقوال، ثم قال معلّقًا: «والصواب تعميم الشح، وأن يكون بكل ما فيه للمؤمنين منفعة»
أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾ على قولين: الأول: أن ذلك شيطان. الثاني: أن ذلك ولد لسليمان مات. وقد رجّح ابنُ عطية (٧/٣٤٨) القول الأول؛ لأنه الأظهر معنىً بقوله: «وهذا أصح الأقوال، وأبينها معنى». وذكر ابنُ عطية القول الثاني، وقولًا أن ذلك كان شق الولد الذي وُلِد له حين أقسم ليطوفن على نسائه ولم يستثن في قسمه. وقولًا أن ذلك كان مرضًا كالإغماء أصاب سليمان حتى صار على كرسيه كأنه بلا روح. وانتقد مستندًا لدلالة الآية الثلاثة بقوله: «وهذا كله غير متصل بمعنى هذه الآية»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٨) قول عبد الرحمن بن زيد، وقول محمد بن كعب، وابن عباس، ثم علّق قائلًا: ""وهذا الوحيُ على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحيَ إلهام، ويحتمل أن يكون وحيًا برسول من الملائكة، وقد قال الشاعر:أوحى لها القرار فاستقرّتِ وشدّها بالراسيات الثُّبَّتِ"". وذكر ابنُ كثير (٨/٤٦١) تفسير مَن فسّر ﴿أوحى لها﴾ بأوحى إليها، ثم علّق قائلًا: «والظاهر أنّ هذا مُضمَّن بمعنى: أذِن لها». وزاد ابنُ عطية (٨/٦٦٨) في معنى الآية قولًا آخر، فقال: وقال بعض المتأولين: ﴿أوْحى لَها﴾ معناه: أوْحى إلى ملائكته المقربين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال""
علَّق ابنُ كثير (٤/٢٦٥) على هذا الحديث بقوله: «لفظ الترمذي، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده. ورواه ابن حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة، به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن إسماعيل -يعني الصائغ -حدثنا الحسن بن أحمد ابن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة. فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به. ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إسرائيل. وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري هذا الحديث في كتابه المستدرك، عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه، وفيه الشعر. ثم قال: وهذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه»