اختُلِف في السُّخرية المنهيّ عنها في هذه الآية على قولين: الأول: أنها استهزاء الغني بالفقير لفقره. والثاني: أنها استهزاء المسلم بمن أعلن فسقه. وذهب ابنُ جرير (٢١/٣٦٦) إلى أنّ المراد جميع معاني السخرية استنادًا إلى دلالة العموم، فقال: «الصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله عمَّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميعَ معاني السخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركِبَه، ولا لغير ذلك». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/١٥)
ذكر ابنُ عطية (٨/٥٨) أن قوله تعالى: ﴿واستمع﴾ بمنزلة: «وانتظر». وذلك أن محمدًا ﷺ لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء؛ لأن كل مَن فيه يستمع، وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار، وقيل لمحمد ﷺ: تحسَّس وتسمّع هذا اليوم وارتقبه؛ فإن فيه تبيين صحة ما قلته. وهذا كما تقول لمن تعده بورود فتح: استمع كذا وكذا، أي: كن منتظرًا له مستمعًا. ثم علَّق بقوله: «وعلى هذا فنصب ﴿يوم﴾ إنما هو على المفعول الصريح»
قال ابنُ جرير (٢٢/٢٥٢): «وقوله: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ يقول -تعالى ذِكْرُه-: هل ثواب خَوف مقام الله عز وجل لِمَن خافه فأحسن في الدنيا عمله، وأطاع ربّه، إلا أن يُحسن إليه في الآخرة ربُّه، بأن يجازيه على إحسانه ذلك في الدنيا ما وصف في هذه الآيات من قوله: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ إلى قوله: ﴿كأنهن الياقوت والمرجان﴾، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم بالعبارة عنه». وذكر على ذلك آثار السلف
رجَّح ابنُ كثير (١٣/٤٤٤ بتصرف) -مستندًا للسياق- أنّ أثر خَوْلَة بنت ثَعْلَبة «هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر -الوارد في الآثار المتعلقة بالآيات- فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أُمِر بما أنزل الله في هذه السورة من العتق، أو الصيام، أو الإطعام. وظاهر السياق أنّ قصة سلمة كانت بعد قصة أوْس بن الصّامت وزوجته خُوَيلَة بنت ثَعْلَبة، كما دلّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل»
ساق ابنُ كثير (١٤/١٤٥-١٤٦) هذا القول، ثم قال: «ولا مانع مِن حمْل الآية على ظاهرها، وهو أنه دعا لكلّ مَن دخل منزله وهو مؤمن». ثم ساق حديث النبي ﷺ: «لا تَصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». وذكر ابنُ عطية (٨/٤٢٣) أنّ ابن عباس قال: بيته: شريعته ودينه. ثم علَّق بقوله: «استعار لها بيتًا، كما يقال: قُبّة الإسلام وفُسطاط الدين». ثم نقل أنه قيل: أراد سفينته. وقيل: أراد داره
اختُلف في معنى: ﴿إذا تَرَدّى﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: إذا سقط في جهنم فهوى. الثاني: إذا مات. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٤٧٥) القول الأول مستندًا إلى الأغلب لغة، وهو قول ابن عباس، وأبي صالح، وقتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن ذلك هو المعروف من التَّردِّي، فأما إذا أريد معنى الموت فإنه يقال: رَدِي فلانٌ، وقلَّما يُقال: تردّى». وزاد ابنُ عطية (٨/٦٣٥) عن قوم أن المعنى: «تردّى بأكفانه من الرداء». واستشهد ببيتٍ من الشعر
عن عبد الله بن مسعود، قال: جاء ابنا مُلَيْكَة، وهما من الأنصار، فقالا: يا رسول الله، إنّ أُمَّنا كانت تحفظ على البَعْل، وتُكْرِم الضيفَ، وقد وأَدَتْ في الجاهلية، فأين أُمُّنا؟ فقال: «أُمُّكما في النار». فقاما وقد شقَّ ذلك عليهما، فدعاهما رسولُ الله ﷺ، فرجعا، فقال: «ألا إنّ أُمِّي مع أُمِّكما». فقال منافقٌ مِن الناس: أوَما يُغني هذا عن أُمِّه إلا ما يُغني ابنا مُلَيْكَة عن أُمِّهِما ونحن نَطَأُ عَقِبَيْه؟! فقال شابٌّ مِن الأنصار: لم أر رجلًا كان أكثر سؤالًا لرسول الله ﷺ منه: يا رسول الله، وأين أبواك؟ فقال رسول الله ﷺ: «ما سألتُهما ربِّي فيطيعَني فيهما -وفى لفظ: فيطمِعَني فيهما-، وإنِّي لَقائِم يومئذ المقام المحمود». فقال المنافق للشابِّ الأنصاريِّ: سلْهُ: وما المقام المحمود؟ قال: يا رسول الله، وما المقام المحمود؟ قال: «ذاك يوم ينزِل اللهُ فيه على كُرْسِيِّه، يَئِطُّ به كما يَئِطُّ الرَّحلُ الجديد مِن تَضايُقِه، وهو كَسِعَة ما بين السماء والأرض، ويُجاء بكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا، فيكون أول مَن يُكْسى إبراهيم، يقول الله: اكْسُوا خليلى. فيُؤْتى بِرَيْطَتَيْن بيضاوين مِن رِياط الجَنَّة، ثم أُكسى على أثره، فأقوم عن يمين اللهِ مقامًا يغبطُني فيه الأوَّلون والآخِرون، ويُشَقُّ لي نهرٌ مِن الكوثر إلى حوضي». قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قطّ، لَقلَّما جرى نهرٌ قطُّ إلا في حالةٍ أو رَضْراضٍ! فسَلْه: فيمَ يجري النهر. قال: «في حالة مِن المِسْك ورَضراضٍ». قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط، واللهِ، لقلَّما جرى نهر قط إلا كان له نبات، فسله: هل لذلك النهر نبات؟ فقال الأنصارى: يا رسول الله، هل لذلك النهر نبات؟ قال: «نعم». قال: ما هو؟ قال: «قُضْبان الذَّهَب». قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط، واللهِ، ما نبتت قضيب إلا كان له ثمر، فسله: هل لتلك القضبان ثمار؟ فسأل الأنصاريُّ، قال: يا رسول الله، هل لتلك القضبان ثمار؟ قال: «نعم، اللؤلؤ، والجوهر». فقال المنافق: لم أسمع كاليوم قط، فسله عن شراب الحوض؟ فقال الأنصاري: يا رسول الله، ما شراب الحوض؟ قال: «أشدُّ بياضًا مِن اللَّبَن، وأَحْلى مِن العسل، مَن سقاه الله مِنه شَرْبَةً لم يَظْمَأ بعدَها، ومَن حَرَمَهُ لم يَرْوَ بعدها»
رجَّحَ ابن كثير (٢/٤٠-٤١ بتصرف) قولَ أبي العالية، والربيع، وقتادة، والسُّدِّيِّ بأنّ القائلين ذلك هم مشركو العرب، مُستندًا إلى النظائر، فقال: «ويؤيد هذا القول وأنّ القائلين ذلك هم مشركو العرب قولُه تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ [الأنعام:١٢٣]، وقولُه تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا* أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ [الإسراء:٩٠-٩٣]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعُتُوِّهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال مَن قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾ [النساء:١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة:٥٥]». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٢/٤٧٥) هذا القولَ بأنّه لا برهان على صحته، فقال: «وأمّا الزّاعم أنّ الله عنى بقوله: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ العرب؛ فإنّه قائل قولًا لا خبر بصحته، ولا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب، والقولُ إذا صار إلى ذلك كان واضحًا خطؤُه؛ لأنه ادَّعى ما لا برهان على صحته، وادِّعاء مثل ذلك لن يَتَعَذَّر على أحد»
قال ابنُ جرير (١٩/٤٤٧): «قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين﴾ يقول -تعالى ذكره-: وإذا قيل لهؤلاء المشركين بالله، المكذبين رسوله محمدًا ﷺ: احذروا ما مضى بين أيديكم مِن نقم الله ومثلاته بِمَن حلَّ ذلك به مِن الأمم قبلكم أن يحل مثله بكم، بشرككم وتكذيبكم رسوله ﴿وما خلفكم﴾ يقول: وما بعد هلاككم مما أنتم لاقوه إن هلكتم على كفركم الذي أنتم عليه». واستدل بقول قتادة. وذكر ابنُ جرير قول مجاهد، ثم وجّهه (١٩/٤٤٩) بقوله: «وهذا القول قريب المعنى مِن القول الذي قلنا؛ لأن معناه: اتقوا عقوبة ما بين أيديكم من ذنوبكم، وما خلفكم مما تعملون من الذنوب، ولم تعملوه بعد، فذلك بعد تخويف لهم العقاب على كفرهم». وذكر ابنُ عطية (٧/٢٥١-٢٥٢) نحو قول مجاهد، وعزاه للحسن، ووجّهه على النحو الذي وجهه عليه ابن جرير. وذكر ابنُ عطية (٤/٤٥٥) قول مقاتل وقول قتادة في معناه، ورجّحهما بقوله: «هذا هو النظر». ولم يذكر مستندًا. ثم ذكر قولًا عن مجاهد أنه قال: «﴿ما بين أيديهم﴾ هو الآخرة، و﴿ما خلفهم﴾ عذاب الأمم». ثم علّق عليه قائلًا: «فجعل الترتيب كأنهم يسيرون مِن شيء إلى شيء، ولم يعتبر وجود الأشياء في الزمن». ثم انتقده مستندًا إلى النظائر بقوله: «وهذا النظر يكسره عليه قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ [المائدة:٤٦]، وإنما المطرد أن يقاس ما بين اليد والخلف بما يسوقه الزمن، فتأمله»
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق مَعْمَر، عمَّن سمعه- يقول: مَكَثَ النبيُّ ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، منها أربع أو خمس يدعو إلى الإسلام سِرًّا وهو خائف، حتى بعث الله على الرجال الذين أنزل فيهم: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾، ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾. والعضين بلسان قريش: السِّحر، فأمر بعدواتهم، فقال: ﴿فاصدع بما تُؤمر وأعرض عن المشركين﴾. ثم أُمِر بالخروج إلى المدينة، فقَدِم في ثمان ليال خَلَوْن مِن شهر ربيع الأول، ثم كانت وقعة بدر، ففيهم أنزل الله: ﴿وإذ يَعدكم الله إحدى الطآئفتين أنها لكم﴾ [الأنفال:٥]. وفيهم نزلت: ﴿سيهزم الجمع﴾ [القمر:٤٥]. وفيهم نزلت: ﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب﴾ [المؤمنون:٦٤]. وفيهم نزلت: ﴿ليقطع طرفًا من الذين كفروا﴾ [آل عمران:١٢٧]. وفيهم نزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران:١٢٨]. أراد اللهُ القومَ، وأراد رسول الله ﷺ العيرَ، وفيهم نزلت: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرًا﴾ الآية [إبراهيم:٢٨]. وفيهم نزلت: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾ الآية [البقرة:٢٤٣]. وفيهم نزلت: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ [آل عمران:١٣]: في شأن العير، ﴿والركب أسفل منكم﴾ [الأنفال:٤٢]: أخذوا أسفل الوادي، هذا كلُّه في أهل بدر، وكانت قبل بدر بشهرين سَرِيَّة، يوم قتل ابن الحضرمي، ثم كانت أحدٌ، ثم يوم الأحزاب بعد أُحد بسنتين، ثم كانت الحديبية، وهو يوم الشجرة، فصالحهم النبيُّ ﷺ يومئذ على أن يعتمِرَ في عام قابِل في هذا الشهر، ففيها أنزلت: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ [البقرة:١٤٩]. فشهر العام الأول بشهر العام الثاني، فكانت: ﴿والحرمات قصاص﴾. ثم كان الفتح بعد العمرة، ففيها نزلت: ﴿حتى إذا فتحنا عليهم بابًا ذا عذاب شديد﴾ الآية [المؤمنون:٧٧]. وذلك أنّ النبيَّ ﷺ غزاهم ولم يكونوا أعدُّوا له أُهْبَةَ القتال، ولقد قُتِل من قريش يومئذ أربعة رهط، من حلفائهم من بني بكر خمسين أو زيادة، وفيهم نزلت لما دخلوا في دين الله: ﴿وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار﴾ [المؤمنون:٧٨]. ثُمَّ خرج إلى حُنَين بعد عشرين ليلة، ثم إلى الطائف، ثم إلى المدينة، ثم أمَّر أبا بكر على الحج، ولما رجع أبو بكر من الحج غزا رسولُ الله ﷺ تبوكًا، ثم حج رسول الله ﷺ العام المقبل، ثم ودَّع الناس، ثم رجع فتُوفي في ليلتين خلتا مِن شهر ربيع