انتَقَدَ ابن تيمية (١‏/‏٣٠٠) قراءةَ (نَنساها)؛ لعدم ورودها، ولعدم جواز معناها، فقال: «لم يقرأ أحد (نَنساها)، فمن ظنَّ أنّ معنى ‹نَنسَأْها› بمعنى ننساها؛ فهو جاهل بالعربية والتفسير، قال موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه:٥٢]، والنسيان مضاف إلى العبد كما في قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى* إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦، ٧]، ولهذا قرأها بعض الصحابة: (أوْ تَنساها)، أي: تنساها يا محمد، وهذا واضح لا يخفى إلا على جاهل لا يفرق بين ‹نَنسَأْها› بالهمز وبين (نَنساها) بلا همز»

علَّق ابنُ كثير (٤‏/‏٢٧٦-٢٧٧) على قول الضحاك بقوله: «وهذا التفسير شبيه بقوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [النجم:١٩-٢٣]، وقال تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ [الزخرف:١٩]، وقال تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون. سبحان الله عما يصفون﴾ [الصافات:١٥٨-١٥٩]»

ذكر ابنُ كثير ٥/ ١٨٨ (ت: سلامة) هذه المسألة ثم علَّق عليها فقال: «فإن قيل: فما بال فتى موسى ذُكر في أول القصة ثم لم يُذكر بعد ذلك؟ فالجواب: أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبَع، وقد صُرِّح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى، عليهما السلام». ثم انتقد الأثر السابق مستندًا لمخالفته السنة فقال: «وهذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره»، فذكر الأثر ثم عقَّب عليه بقوله: «إسناد ضعيف، والحسن متروك، وأبوه غير معروف»

تشير هذه القراءة إلى أن هزيمة المشركين كانت باقتتال علي وعمرو بن عبد ود، كما روي في بعض الآثار. وقد انتقد ابنُ تيمية (٥‏/‏٢١٨) هذا، ورجّح أن هزيمة المشركين لم تكن باقتتال، فقال: «قوله: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ يبين أن المؤمنين لم يقاتلوا فيها، وأن المشركين ما ردهم الله بقتال، وهذا هو المعلوم المتواتر عند أهل العلم بالحديث والتفسير والمغازي والسير والتاريخ؛ فكيف يقال بأنه باقتتال علي وعمرو بن عبد ود وقتله له انهزم المشركون؟!». وأورد ابنُ تيمية في هذا المعنى حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وحكم عليه بالوضع

سورة التوبة — الآية ٧٢

عن الحسن البصري، قال: سألتُ عمرانَ بنَ حصين وأبا هريرةَ عن تفسير: ﴿ومَساكِنَ طَيِبَةً فِي جَنّاتِ عَدنٍ﴾. قالا: على الخبيرِ سقطتَ، سألْنا عنها رسول الله ﷺ، فقال: «قصرٌ مِن لؤلؤةٍ في الجنَّة، في ذلك القصرِ سبعون دارًا مِن ياقوتة حمراءَ، في كلِّ دارٍ سبعون بيتًا من زُمُرُّدَةٍ خضراء، في كُلِّ بيتٍ سبعون سريرًا، على كلِّ سريرٍ سبعون فراشًا مِن كُلِّ لونٍ، على كلِّ فراشٍ امرأةٌ مِن الحورِ العينِ، في كلِّ بيتٍ سبعون مائدةً، في كلِّ مائدةٍ سبعون لونًا مِن كلِّ طعامٍ، في كلِّ بيتٍ سبعون وصيفًا ووصيفةً، فيُعطى المؤمنُ مِن القوةِ في كُلِّ غداةٍ ما يأتي على ذلك كلِّه»

سورة الإسراء — الآية ٩٠

تفسير محمد بن السائب الكلبي، في قوله: ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾، قال: بلغنا -والله أعلم-: أنّ عبد الله بن أبي أمية المخزومي هو الذي قال ذلك حين اجتمع الرَّهْطُ من قريش بفناء الكعبة، فسألوا نبيَّ الله أن يبعث لهم بعض أمواتهم، ويسخر لهم الريح، أو يسير لهم جبال مكة، فلم يفعل شيئًا مما أرادوا، فقال عبد الله بن أبي أمية عند ذلك: أما تستطيع -يا محمد- أن تفعل بقومك بعض ما سألوك، فوالذي يحلِف به عبد الله بن أبي أمية، لا أؤمن لك -أي: لا أصدقك- أبدًا حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا

انتَقَدَ ابنُ كثير (٣‏/‏٨-٩) مستندًا إلى القرآن كونَ قولِ مجاهد تفسيرًا لهذه الآية بقوله: «وهذا إنّما هو في تفسير قوله: ﴿كتابًا متشابهًا مثاني﴾ [الزمر:٢٣]، هناك ذكروا: أنّ المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين؛ كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار ثم حال الفجار ونحو ذلك، فأمّا هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المُحْكَم». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٢‏/‏٢٩)، وزاد فقال: «كذلك قوله: ﴿فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ لو أريد بالمتشابه تصديق بعضه بعضًا لكان اتِّباع ذلك غير محذور، وليس في كونه يُصَدِّق بعضه بعضًا ما يمنع ابتغاء تأويله»

نقل ابنُ جرير (٧‏/‏١٧٥) خلافًا بين السلف في تفسير قوله: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ على قولين: الأول: أنّه أمر باتِّباع سُنَّةِ النبي. الثاني: أنّه أمرٌ بطاعة النبي في حياته. وقد رَجَّح ابنُ جرير العمومَ في الآية، وأنّ ذلك: «أمرٌ مِن الله بطاعة رسوله ﷺ في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتِّباع سُنَّتِه؛ وذلك أنّ الله عمَّ بالأمر بطاعته، ولم يُخَصِّص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يَخُصَّ ذلك ما يجب التسليم له». وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٥٨٨) عن ابن زيد قولًا آخر، فقال: «وقال ابن زيد: معنى الآية: وأطيعوا الرسول». وعلَّق عليه قائلًا: «يريد: وسنته بعد موته»

علَّق ابنُ كثير (٧‏/‏٥١) على قول ابن عباس قائلًا: «وهذا تفسير حسن جدًّا». وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏١٦٥-١٦٦) قول ابن عباس وقول الزبير، ثم علّق قائلًا: «فيجيء قوله: ﴿لا تصيبن﴾ على هذا التأويل صفة لـ﴿فتنة﴾، فكان الواجب إذا قدَّرنا ذلك أن يكون اللفظ: لا تصيب». ثم ذكر ابنُ عطية في معنى الآية قولًا آخر، فقال: «والتأويل الآخر في الآية هو أن يكون قوله: ﴿واتقوا فتنة﴾ خطابًا عامًّا لجميع المؤمنين مستقلًّا بنفسه، تم الكلام عنده ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة، وأُخرج النهي على جهة المخاطبة للفتنة فهو نهي محول»

اختُلِف في تفسير قوله: ﴿كانوا من آياتنا عجبا﴾؛ فقال قوم: المعنى: قد كان في آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وقال آخرون: بل المعنى: إنّ الذي آتيتك من العلم والحكمة أفضل منه. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏١٥٧) مستندًا إلى أحوال النزول القولَ الأول الذي قاله مجاهد، وقتادة، وابن إسحاق، فقال: «لأن الله عز وجل أنزل قصة أصحاب الكهف على نبيه احتجاجًا بها على المشركين من قومه... إذ سألوه عنها اختبارًا منهم له بالجواب عنها صِدْقه، فكان تقريعهم بتكذيبهم بما هو أوكد عليهم في الحجة مما سألوا عنهم، وزعموا أنهم يؤمنون عند الإجابة عنه؛ أشبهَ من الخبر عما أنعم الله على رسوله من النعم»