اختلف في تفسير «المُهل» على ثلاثة أقوال: الأول: ما أذيب وانماع. والثاني: الدم والقيح الأسود. والثالث: ما انتهى حرُّه. ورأى ابنُ جرير (١٥/٢٥٠) تقارب الأقوال بدلالة العقل، فقال: «وهذه الأقوال وإن اختلفت بها ألفاظ قائليها فمتقاربات المعنى، وذلك أنّ كل ما أذيب من رصاص أو ذهب أو فضة فقد انتهى حرُّه، وأن ما أُوقدت عليه من ذلك النار حتى صار كدُرْدِيِّ الزيت فقد انتهى أيضًا حرُّه». وبنحوه ابنُ كثير (٩/١٣٣)، فقال: «وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإنّ المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود مُنتِن غليظ حارٌّ؛ ولهذا قال: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾، أي: مِن حرِّه»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وأقرب رحما﴾ على قولين: أحدهما: أقرب بِرًّا بوالديه من الغلام المقتول. كما في قول قتادة. وثانيهما: أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول. كما في قول عطية العوفي. وقد رجّح ابنُ جرير (١٥/٣٦١) القول الأول، فقال: «وإنّما معنى ذلك: وأقرب من المقتول أن يرحم والديه فيبرهما، كما قال قتادة». ثم استدرك على القول الثاني لخروجه عمّا قاله أهل التأويل من السلف، فقال: «وقد يتوجه الكلام إلى أن يكون معناه: وأقرب أن يرحَما به. غير أنه لا قائل مِن أهل تأويل تأوله كذلك، فإذ لم يكن قال به قائل فالصواب فيه ما قلنا لِما بَيَّنّا»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ذي الذكر﴾ على قولين: الأول: ذي الشرف. الثاني: ذي التذكير، ذكركم الله به. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/٩) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله أتبع ذلك قوله: ﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾، فكان معلومًا بذلك أنّه إنما أخبر عن القرآن أنّه أنزله ذِكرًا لعباده ذَكَّرهم به، وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق». وذكر ابنُ كثير (١٢/٧١) القولين، وعلّق عليهما بقوله: «ولا منافاة بين القولين؛ فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار». وزاد ابنُ عطية (٧/٣٢٠) قولًا ثالثًا، فقال: «وقالت فرقة: معناه: ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ على أقوال: الأول: أنّ المراد بذلك: يوم القيامة. الثاني: مدة بقاء الدنيا. الثالث: الحساب. وساق ابنُ عطية (٨/٤٠٢-٤٠٣) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «والعامل في قوله تعالى: ﴿يوم﴾ -على قول مَن قال: إنه يوم القيامة- قوله: ﴿دافع﴾، وعلى سائر الأقوال: ﴿تعرج﴾». وذكر ابنُ كثير (١٤/١٢٧) أنّ القول الأول وردت فيه أحاديث، وساق الحديث الوارد عن أبي سعيد في تفسير الآية، والوارد عن أبي هريرة في الآثار المتعلقة بالآية. وذكر قولًا آخر وهو أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة. ونسبه لمحمد بن كعب، وعلَّق عليه بقوله: «وهو قول غريب جدًّا»
اختُلِف في قراءة قوله: ﴿قبلا﴾؛ فقرأته قرأة أهل المدينة: ‹قِبَلًا› بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: معاينة، من قول القائل: لقيته قبلًا، أي: معاينة ومجاهرة. وقرأته قرأة الكوفيين والبصريين: ﴿قُبُلا﴾ بضم القاف والباء. وللقراءة الثانية ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون القُبُل جمع قَبيل، كالرُّغف التي هي جمع رغيف، ويكون القبل: الضمناء والكفلاء، وتأويل الكلام: وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله. والوجه الآخر: أن يكون القبل بمعنى المقابلة والمواجهة، من قول القائل: أتيتك قُبُلا لا دبرًا، إذا أتاه من قِبَل وجهه، ومنه قوله تعالى: ﴿قُدَّ من قُبُل﴾ [يوسف:٢٦]، وقراءة ابن عمر: (لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) أي: لاستقبالها ومواجهتها في الزمن. والوجه الثالث: أن يكون معناه: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلة قبيلة، صنفًا صنفًا، وجماعة جماعة. فيكون القبل حينئذ جمع قبيل، الذي هو جمع قبيلة، فيكون القبل جمع الجمع. ينظر: تفسير ابن جرير (٩/٤٩٤-٤٩٥)، وتفسير ابن عطية (٣/٣٤٢-٣٤٣). ورجَّح ابنُ جرير (٩/٤٩٦ بتصرف) قراءة الضم مستندًا إلى لغة العرب، فقال: «وأَوْلى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا... لِما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجه التي بينّا من المعاني، وأن معنى القِبَل داخل فيه، وغير داخل في القِبَل معاني القُبُل»
عن ابن سابط، أنّ النبي ﷺ قال: «دُحِيَت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت، فهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. وكان النبيُّ إذا هلك قومُه، ونجا هو والصالحون؛ أتاها هو ومن معه، فيعبدون الله بها حَتّى يموتوا فيها، وإنّ قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح بين زمزم وبين الركن والمقام»[[أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧٤/٩٠ مختصرًا، وابن جرير ١/٤٧٦ واللفظ له، وابن أبي حاتم ١/٧٦ (٣١٧) مختصرًا. قال ابن كثير في تفسيره ١/٢١٧: «وهذا مرسل، وفي سنده ضعف».]][[c=١٣٦]]
علّق ابن عطية (٢/٤٥٩) بقوله: «قد قال بعض الناس: إنّ قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ حيث وقع إنما هو مكِّيٌّ؛ فيشبه أن يكون صدر هذه السورة مكيًّا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدنيٌّ وإن نزل في مكة، أو في سفر من أسفار النبي ﷺ. وقال النحاس: هذه السورة مكية. قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف أنّ فيها ما نزل بالمدينة، وفي البخاري: آخر آية نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء:١٧٦] ذكرها في تفسير سورة براءة من رواية البراء بن عازب، وفي البخاري عن عائشة أنّها قالت: ما نزلت سورةُ النساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ. تعني: قد بنى بها»
ساق ابنُ جرير (١١/٣٤٨-٣٤٩) آثار النسخ الواردة في هذه الآية بعد تفسيره للآية التالية لها، وهي قول الله تعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثم أبلغه مأمنه﴾، وذكر من ذلك قولَ ابن زيد السابق، واستفادَ منه ابن جرير (١١/٣٤٩) أنّ الآية ليست بمنسوخةٍ، وهو اختياره؛ لعدم الدليل، ولا تعارض بين النصَّيْن. وقد حكى ابنُ عطية (٤/٢٦١، ٢٦٣) اختلافًا في النسخ في كلتا الآيتين. ولم يحكِ ابنُ كثير (٧/١٥٠) النسخَ إلا في هذه الآية، دون التالية لها، ودون إشارة لأثر ابن زيد
انتقد ابنُ جرير (١٦/٤٩٥-٤٩٦) مستندًا إلى مخالفة السنة وأقوال السلف قولَ عبد الله بن السري، ومقاتل، ويحيى بن سلام في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ولَهُمْ مَقامِعُ﴾، فقال مستدلًّا بحديث أبي هريرة: «والخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرنا يدُلُّ على خلاف ما قال هذا القائل، وذلك أنّه ﷺ أخبر أن الحميم إذا صُبَّ على رءوسهم نَفَذَ الجُمْجُمة حتى يَخْلُص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد ثقبتْ رءوسهم قبل صَبِّ الحميم عليها لم يكن لقوله ﷺ: «إنّ الحميم يَنفُذُ الجمجمة» معنًى، ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ على أقوال: الأول: أقِم الصلاة حين تذكرها. الثاني: أقم الصلاة لتذكرني بها. الثالث: أقم الصلاة لأذكرك بها. فعلى القول الأول تكون اللام وقتية، وعلى القولين الآخرين تكون اللام سببية كما ذكرَ ابنُ عطية (٦/٨٣)، وابنُ القيم (٢/١٧٩). وقد رجّح ابن جرير (١٦/٣٣ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية القول الثاني، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ مَن قال: معناه: أقم الصلاة لتذكرني فيها؛ لأن ذلك أظهر معنييه، وفي قوله: ﴿لذكري﴾ دلالة بينة على صحة ذلك». وبنحوه ابنُ القيم (٢/١٧٩)، وبيّن أن هذا القول يستلزم القولين الآخرين. وقوّى ابنُ كثير (٩/٣١٧-٣١٨ بتصرف) القول الأول بقوله: «ويشهد لهذا القول ما رواه الإمام أحمد... عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾». وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»». واستدرك ابن جرير مستندًا لظاهر لفظ الآية على هذا القول، فقال: «ولو كان معناه: حين تذكرها؛ لكان التنزيل: أقم الصلاة لذكركها». وكذا استدرك ابنُ القيم مستندًا إلى اللغة... وذكر أن تفسير الآية به فيه نظر؛ «لأن اللام الوقتية يليها أسماء المكان والظروف، والذِّكْرُ مصدر، إلا أن يقدر زمان محذوف: أي عند وقت ذكري، وهذا محتمل»