جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾
قال أبو جعفر : زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة أن تأويل قوله : وَإذْ قَالَ رَبكَ وقال ربك، وأن «إذ » من الحروف الزوائد، وأن معناها الحذف. واعتلّ لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يعفر :
فإذَا وَذَلِكَ لامَهاهَ لِذِكْرِهِ وَالدّهْرُ يُعْقِبُ صَالِحا بِفَسادِ
ثم قال : ومعناها : وذلك لامهاه لذكره. وببيت عبد مناف بن ربع الهذلي :
| حَتّى إذَا أسْلَكُوهُمْ في قُتائِدَةٍ | شَلاّ كمَا تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشّرُدَا |
قال أبو جعفر : والأمر في ذلك بخلاف ما قال وذلك أن «إذ » حرف يأتي بمعنى الجزاء، ويدل على مجهول من الوقت، وغير جائز إبطال حرف كان دليلاً على معنى في الكلام. إذ سواء قيلُ قائلٍ هو بمعنى التطوّل، وهو في الكلام دليل على معنى مفهوم. وقيلُ آخر في جميع الكلام الذي نطق به دليلاً على ما أريد به وهو بمعنى التطول. وليس لمدّعي الذي وصفنا قوله في بيت الأسود بن يعفر، أن «إذا » بمعنى التطوّل وجه مفهوم بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذي أراده الأسود بن يعفر من قوله :
فإذَا وَذَلِكَ لامَهَاهَ لِذِكْرِهِ
وذلك أنه أراد بقوله : فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا. وأشار بقوله ذلك إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه لامهاه لذكره، يعني لا طعم له ولا فضل، لإعقاب الدهر صالح ذلك بفساد. وكذلك معنى قول عبد مناف بن ربع :
حتّى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ شَلاّ
لو أسقط منه «إذا » بطل معنى الكلام لأن معناه : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلاّ. فدل قوله :«أسلكوهم شلاّ » على معنى المحذوف، فاستغنى عن ذكره بدلالة «إذا » عليه، فحذف. كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل العرب في نظائر ذلك، وكما قال النمر بن تولب :
| فإنّ المَنِيّةَ مَنْ يَخْشَهَا | فَسَوْفَ تُصَادِفُه أيْنما |
فَإِذَا وَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ ضُرُّهُ. . . فِي يَوْم أسألُ نَائِلا أو أنْكَدُ
نظير ما ذكرنا من المعنى في بيت الأسود بن يعفر. وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه : وَإذْ قالَ رَبّكَ للْمَلاَئِكَة لو أبطلت «إذ » وحذفت من الكلام، لاستحال عن معناه الذي هو به وفيه «إذ ».
فإن قال قائل : فما معنى ذلك ؟ وما الجالب ل«إذْ »، إذ لم يكن في الكلام قبله ما يعطف به عليه ؟ قيل له : قد ذكرنا فيما مضى أن الله جل ثناؤه خاطب الذين خاطبهم بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وكُنْتُمْ أمْوَاتا فأحْياكُمْ بهذه الآيات والتي بعدها موبخهم مقبحا إليهم سوء فعالهم ومقامهم على ضلالهم مع النعم التي أنعمها عليهم وعلى أسلافهم، ومذكرهم بتعديد نعمه عليهم وعلى أسلافهم بأسه أن يسلكوا سبيل من هلك من أسلافهم في معصية الله، فيسلك بهم سبيلهم في عقوبته ومعرّفهم ما كان منه من تعطفه على التائب منهم استعتابا منه لهم. فكان مما عدد من نعمه عليهم، أنه خلق لهم ما في الأرض جميعا، وسخر لهم ما في السموات من شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من منافعها التي جعلها لهم ولسائر بني آدم معهم منافع، فكان في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ باللّهِ وكُنْتُمْ أمْواتا فأحْياكُمْ ثُمّ يُمِيتُكُمْ ثُمّ يُحْيِيكُمْ ثُمّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ معنى : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، إذ خلقتكم ولم تكونوا شيئا، وخلقت لكم ما في الأرض جميعا، وسوّيت لكم ما في السماء. ثم عطف بقوله : وَإذْ قالَ رَبكَ للمَلائِكَةِ على المعنى المقتضَى بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ إذ كان مقتضيا ما وصفت من قوله : اذكروا نعمتي إذْ فعلت بكم وفعلت، واذكروا فعلى بأبيكم آدم، إذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.
فإن قال قائل : فهل لذلك من نظير في كلام العرب نعلم به صحة ما قلت ؟ قيل : نعم، أكثر من أن يحصى، من ذلك قول الشاعر :
أجِدّكَ لَنْ تَرَى بثعلبات وَلا بَيْدَانَ ناجيَةً ذَمُولاَ
وَلا مُتَدَارِكٍ وَالشّمْسُ طِفْلٌ ببَعْضِ نَوَاشغِ الوَادي حُمُولا
فقال : ولا متدارك، ولم يتقدمه فعل بلفظه يعطف عليه، ولا حرف معرّب إعرابه فيردّ «متدارك » عليه في إعرابه. ولكنه لما تقدمه فعل مجحود ب«لن » يدل على المعنى المطلوب في الكلام وعلى المحذوف، استغنى بدلالة ما ظهر منه عن إظهار ما حذف، وعاملَ الكلامَ في المعنى والإعراب معاملته أن لو كان ما هو محذوف منه ظاهرا. لأن قوله :
أجِدّكَ لَنْ تَرَى بِثُعَيْلبَاتٍ
بمعنى : أجدك لست براءٍ، فردّ «متداركا » على موضع «ترى » كأن «لست » والباء موجودتان في الكلام، فكذلك قوله : وَإذْ قَالَ رَبكَ لما سلف قبله تذكير الله المخاطبين به ما سلف قِبَلهم وقِبَل آبائهم من أياديه وآلائه، وكان قوله : وَإذْ قَالَ رَبّكَ للمَلائِكَةِ مع ما بعده من النعم التي عدّدها عليهم ونبههم على مواقعها، ردّ إذ على موضع : وكُنتم أمواتا فأحياكم لأن معنى ذلك : اذكروا هذه من نعمي، وهذه التي قلت فيها للملائكة. فلما كانت الأولى مقتضية «إذ » عطف ب«إذْ » على موضعها في الأولى كما وصفنا من قول الشاعر في «ولا متدارك ».
القول في تأويل قوله تعالى : للْمَلائِكَةِ.
قال أبو جعفر : والملائكة جمع ملك، غير أن واحدهم بغير الهمز أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم مَلَك من الملائكة، فيحذفون الهمز منه، ويحرّكون اللام التي كانت مسكنة لو همز الاسم. وإنما يحركونها بالفتح، لأنهم ينقلون حركة الهمزة التي فيه بسقوطها إلى الحرف الساكن قبلها، فإذا جمعوا واحدهم ردّوا الجمع إلى الأصل وهمزوا، فقالوا : ملائكة. وقد تفعل العرب نحو ذلك كثيرا في كلامها، فتترك الهمز في الكلمة التي هي مهموزة فيجري كلامهم بترك همزها في حال، وبهمزها في أخرى، كقولهم : رأيت فلانا، فجرى كلامهم بهمز رأيت، ثم قالوا : نرى وترى ويرى، فجرى كلامهم في يفعل ونظائرها بترك الهمز، حتى صار الهمز معها شاذّا مع كون الهمز فيها أصلاً. فكذلك ذلك في مَلَك وملائكة، جرى كلامهم بترك الهمز من واحدهم، وبالهمز في جميعهم. وربما جاء الواحد مهموزا كما قال الشاعر :
فَلَسْتَ لإنسي وَلَكِنْ لمألاكٍ تَحَدّرَ مِنْ جَوّ السمّاءِ يَصُوبُ
وقد يقال في واحدهم : مألك، فيكون ذلك مثل قولهم : جبذ وجذب، وشأمل وشمأل، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة. غير أن الذي يجب إذا سمي واحدهم مألك، أن يجمع إذ جمع على ذلك : مآلك، ولست أحفظ جمعهم كذلك سماعا، ولكنهم قد يجمعون ملائك وملائكة، كما يجمع أشعث : أشاعث وأشاعثة، ومسمع : مسامع ومسامعة. قال أمية بن أبي الصلت في جمعهم كذلك :
وَفِيها مِنْ عِبادِ اللّهِ قَوْمٌ مَلائِكُ ذلّلُوا وَهُمُ صِعابُ
وأصل الملأك : الرسالة، كما قال عديّ بن زيد العبادي :
| أبْلِغِ النّعْمَانَ عَنّي مَلأكا | أنّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وَانْتِظارِي |
| وَغُلامٍ أرْسَلَتْهُ أمّهُ | بَألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سألْ |
| ألِكْنِي يا عُيَيْنَ إلَيْكَ قَوْلاً | سَتُهْدِيهِ الرّوَاةُ إلَيْكَ عَنّي |
| ألِكْنِي إلَيْها عَمْرَكَ اللّهُ يا فَتَى | بِآيَةِ ما جاءَتْ إلَيْنَا تَهادِيا |
القول في تأويل قوله تعالى : إِنّي جاعِلٌ في الأرْضِ.
اختلف أهل التأويل في قوله : إنّي جاعِلٌ، فقال بعضهم : إني فاعل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم بن الحسن، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك عن الحسن، وأبي بكر، يعني الهذلي عن الحسن وقتادة، قالوا : قال الله للملائكة : إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قال لهم : إني فاعل.
وقال آخرون : إني خالق. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن المنجاب بن الحارث قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، قال : كل شيء في القرآن «جعل » فهو خلق.
قال أبو جعفر : والصواب في تأويل قوله : إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَة أي مستخلف في الأرض خليفة ومصير فيها خلفا، وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة. وقيل إن الأرض التي ذكرها الله في هذه الآية هي مكة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عطاء، عن ابن سابط أن النبي ﷺ قال :«دُحِيَتْ الأرْضُ مِنْ مَكّةَ. وكانت الملائكة تطوف بالبيت، فهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله : إني جاعل في الأرْضِ خَلِيفَةً، وكان النبي إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون أتى هو ومن معه فعبدوا الله بها حتى يموتوا، فإن قبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام ».
القول في تأويل قوله تعالى : خَلِيفَةً.
والخليفة الفعيلة، من قولك : خلف فلان فلانا في هذا الأمر إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال جل ثناؤه : ثُمّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يعني بذلك : أنه أبدلكم في الأرض منهم فجعلكم خلفاء بعدهم ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم : خليفة، لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفا، يقال منه : خلف الخليفة يخلُف خلافة وخليفا، وكان ابن إسحاق يقول بما :
حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً يقول : ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلقا ليس منكم. وليس الذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها، وإن كان الله جل ثناؤه إنما أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة يسكنها، ولكن معناها ما وصفت قبل.
فإن قال لنا قائل : فما الذي كان في الأرض قبل بني آدم لها عامرا فكان بنو آدم بدلاً منه وفيها منه خلفا ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في ذلك.
فحدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : أوّل من سكن الأرض الجنّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجب
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾
قال أبو جعفر: زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة (١) : أن تأويل قوله:"وإذ قال ربك"، وقال ربك؛ وأن"إذ" من الحروف الزوائد، وأن معناها الحذف. واعتلّ لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يَعْفُر:
| فَإِذَا وَذَلِكَ لامَهَاهَ لِذِكْرهِ | وَالدَّهْرُ يُعْقِب صَالِحًا بِفَسَادِ (٢) |
(٢) المفضليات، القصيدة رقم: ٤٤، وليس البيت في رواية ابن الأنباري شارح المفضليات. وقوله"لامهاه"، يقال: ليس لعيشنا مهه (بفتحتين) ومهاه: أي ليس له حسن أو نضارة. وقد زعموا أن الواو في قوله"فإذا وذلك.. " زائدة مقحمة، كأنه قال: فإذا ذلك... ، وقد قال الطبري في تفسير قوله تعالى: "حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" ج ٢٤ ص ٢٤: "واختلف أهل العربية في موضع جواب"إذا" التي في قوله: (حتى إذا جاءوها)، فقال بعض نحويي البصرة، يقال إن قوله: (وقال لهم خزنتها) في معنى: قال لهم. كأنه يلغى الواو. وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة، كما قال الشاعر:
| فَإِذَا وَذَلِكَ يَا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ | إِلا تَوَهُّمَ حَالِمٍ بِخَيَالِ |
| فَإِذَا وَذَلِكَ لَيْسَ إِلا حِينَهُ | وَإِذَا مَضَى شَيْءٌ كَأَنْ لَمْ يُفْعَلِ |
وقال ابن الشجري في أماليه ١: ٣٥٨: "قيل في الآية إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشيء، لأن زيادة الواو لم تثبت في شيء من الكلام الفصيح". والذي ذهب إليه ابن الشجري هو الصواب، ولكل شاهد مما استشهدوا به وجه في البيان، ليس هذا موضع تفصيله. وكفى برد الطبري في هذا الموضع ما زعمه أبو عبيدة من زيادة"إذ" كما سيأتي: "وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام" إلى آخر ما قال. وهو من سديد الفهم. وشرحه للبيت بعد، يدل على أنه لا يرى زيادة الواو، وذلك قوله في شرحه: "فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا".
| حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ | شَلا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا (١) |
قال أبو جعفر: والأمر في ذلك بخلاف ما قال: وذلك أن"إذ" حرف يأتي بمعنى الجزاء، ويدل على مجهول من الوقت. وغيرُ جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام. إذْ سواءٌ قيلُ قائل: هو بمعنى التطوُّل، وهو في الكلام دليل على معنى مفهوم - وقيلُ آخرَ، في جميع الكلام الذي نطق به دليلا على ما أريد به: وهو بمعنى التطوُّل (٢).
(٢) في المخطوطة: "هو بمعنى التطول في الكلام". وهو خطأ. والتطول، في اصطلاح الطبري وغيره: الزيادة في الكلام بمعنى الإلغاء، كما مضى آنفًا في ص ١٤٠ من بولاق، وأراد الطبري أن ينفي ما لج فيه بعض النحاة من ادعاء اللغو والزيادة في الكلام، فهو يقول: إذا كان للحرف أو الكلمة معنى مفهوم في الكلام، ثم ادعيت أنه زيادة ملغاة، فجائز لغيرك أن يدعي أن جملة كاملة مفهومة المعنى، أو كلامًا كاملا مفهوم المعنى - إنما هي زيادة ملغاة أيضًا. وبذلك يبطل كل معنى لكل كلام، إذ يجوز لمدع أن يبطل منه ما يشاء بما يهوى من الجرأة والادعاء. وهذا تأييد لمذهبنا الذي ارتضيناه في التعليق السالف.
فَإِذَا وذلك لامَهَاهَ لِذِكْرِه
وذلك أنه أراد بقوله: فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا. وأشار بقوله"ذلك" إلى ما تقدم وصْفه من عيشه الذي كان فيه -"لامهاه لذكره" يعني لا طعمَ له ولا فضلَ، لإعقاب الدهر صَالح ذلك بفساد. وكذلك معنى قول عبد مناف بن رِبْعٍ:
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ... شَلا.................
لو أسقط منه"إذا" بطل معنى الكلام، لأن معناه: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلا فدل قوله."أسلكوهم شلا" على معنى المحذوف، فاستغنى عن ذكره بدلالة"إذا" عليه، فحذف. كما دَلّ - ما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا (٢) - على ما تفعل العربُ في نظائر ذلك. وكما قال النمر بن تَوْلَب:
| فَإِنَّ الْمَنِيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا | فَسَوْفَ تُصَادِفُه أَيْنَما (٣) |
(٢) في المطبوعة: "كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل... "، وفي المخطوطة: "كما قال. قد ذكرنا فيما مضى.. "، وكلاهما خطأ، الأول من تغيير المصححين، والثاني تصحيف في"قال"، فهي"دل"، والنقطة السوداء، بياض كان في الأصل المنقول عنه، أو"ما" ضاعت ألفها وبقيت"م" مطموسة، فظنها ظان علامة فصل.
هذا وقد أشار الطبري إلى ما مضى في كتابه هذا ص: ١١٤، ص: ٣٢٧ فانظره.
(٣) من قصيدة محكمة في مختارات ابن الشجري ١: ١٦، والخزانة ٤: ٤٣٨، وشرح شواهد المغني: ٦٥، وبعده:
| وإنْ تتخطّاكَ أسْبابُها | فإن قُصَاراكَ أنْ تهرمَا |
ومن ذلك قول الآخر:
| فَإِذَا وَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ ضُرُّهُ | فِي يَوْم أسألُ نَائِلا أو أنْكَدُ (١) |
فإن قال لنا قائل: فما معنى ذلك؟ وما الجالب لـ "إذ"، إذ لم يكن في الكلام قبله ما يُعطف به عليه (٣) ؟
قيل له: قد ذكرنا فيما مضى (٤) : أنّ الله جل ثناؤه خاطب الذين خاطبهم بقوله:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم"، بهذه الآيات والتي بعدها، مُوَبِّخهم مقبحًا إليهم سوءَ فعالهم ومقامهم على ضلالهم، مع النعم التي أنعمها عليهم وعلى أسلافهم؛ ومذكِّرَهم -بتعديد نعمه عليهم وعلى أسلافهم- بأسَه، أن يسلكوا سبيل من هلك من أسلافهم في معصيته (٥)، فيسلك بهم سبيلهم في عقوبته; ومعرِّفهم ما كان منه من تعطّفه على التائب منهم استعتابًا منه لهم. فكان مما عدّد من نعمه عليهم أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا، وسخّر لهم ما في السموات من شمسها
وهو خطأ عريق. وفي المطبوعة: "أسل نائلا"، وهي أقرب إلى الصواب. الضر: سوء الحال من فقر أو شدة أو بلاء أو حزن. والنائل: ما تناله وتصيبه من معروف إنسان. ونكده ما سأله: قلل له العطاء، أو لم يعطه البتة، يقول القائل:
| وأعْطِ ما أعطيتَهُ طَيِّبًا | لا خيرَ في المنكودِ والنَّاكِدِ |
(٣) في المطبوعة: "فإن قال قائل"، بحذف: "لنا".
(٤) انظر ما سلف في ص: ٤٢٤ وما بعدها.
(٥) في المطبوعة: "من أسلافهم في معصية الله"، وفي المخطوطة: "سلافهم" مضبوطة بالقلم بضم السين وتشديد اللام، وفي المواضع السالفة: "أسلاف". والأسلاف والسلاف جمع سلف وسالف: وهم آباؤنا الذين مضوا وتقدمونا إلى لقائه سبحانه.
فإن قال قائل: فهل لذلك من نظير في كلام العرب نعلم به صحة ما قلت؟ قيل: نعم، أكثرُ من أن يحصى، من ذلك قول الشاعر:
أجِدَّك لَنْ تَرَى بثعلبات... وَلا بَيْدَانَ نَاجِيةَ ذَمُولا (٢) وَلا مُتَدَاركٍ وَالشَّمْسُ طِفْلٌ... بِبَعْضِ نَوَاشغ الوَادي حُمُولا (٣)
فقال:"ولا متداركٍ"، ولم يتقدمه فعلٌ بلفظ يعطفه عليه (٤)، ولا حرف
(٢) هو للمرار بن سعيد الفقعسي، معاني القرآن للفراء ١: ١٧١، مجالس ثعلب: ١٥٩، اللسان (بيد) (طفل) (نشغ)، ومعجم البلدان (ثعيلبات). وثعيلبات وبيدان موضعان. والناجية: الناقة السريعة، من النجاء: وهو سرعة السير. والذمول: الناقة التي تسير سيرًا سريعًا لينًا ذملت ذميلا وذملانًا.
(٣) يروى"ولا متلافيًا" بالنصب. وتدارك القوم (متعديًا)، بمعنى أدركهم، أو حاول اللحاق بهم. وتلافاه: تداركه أيضًا. والشمس طفل: يعني هنا: عند شروقها -لا عند غروبها- أخذت من الطفل الصغير. ونواشغ الوادي جمع ناشغة: وهي مجرى الماء إلى الوادي. الحمول: هي الهوادج التي فيها النساء تحملها الإبل. وسميت الإبل وما عليها حمولا، لأنهم يحملون عليها الهوادج للرحلة. يقول: لن تدركهم، فقد بكروا بالرحيل.
(٤) في المطبوعة: "يعطف عليه". وفي المخطوطة"يعطف به"، وقوله"به" ملصقة إلصاقًا في الفاء من "يعطف".
أجدّك لن تَرَى بثعلبات
بمعنى:"أجدّك لستَ بِرَاءٍ"، فردّ "متداركًا" على موضع"ترى"، كأنْ "لست" و"الباء" موجودتان في الكلام. فكذلك قوله:"وإذ قالَ رَبُّك"، لمّا سلف قبله تذكير الله المخاطبين به ما سلف قِبَلهم وقِبَل آبائهم من أياديه وآلائه، وكانَ قوله: "وإذ قال ربك للملائكة" مع ما بعده من النعم التي عدّدها عليهم ونبّههم على مواقعها - رَدّ "إذْ" على موضع" وكنتم أمواتًا فأحياكم". لأن معنى ذلك: اذكروا هذه من نعمي، وهذه التي قلت فيها للملائكة. فلما كانت الأولى مقتضية"إذ"، عطف بـ "إذ" على موضعها في الأولى (٣)، كما وصفنا من قول الشاعر في"ولا متدارك".
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾
قال أبو جعفر: والملائكة جمع مَلأكٍ (٤)، غيرَ أن أحدَهم (٥)، بغير الهمزة أكثرُ وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: مَلَك من
(٢) في المخطوطة: "إذ لو كان ما هو محذوف منه ظاهر"، وهو خطأ.
(٣) في المطبوعة: "عطف"وإذ" على موضعها في الأولى"، وليس بشيء.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "جمع ملك"، وظاهر كلام الطبري يدل على صواب ما أثبتناه.
(٥) في المطبوعة: "غير أن واحدهم"، وهما سواء.
وقد تفعل العرب نحو ذلك كثيرا في كلامها، فتترك الهمز في الكلمة التي هي مهموزة، فيجري كلامهم بترك همزها في حال، وبهمزها في أخرى، كقولهم:"رأيت فلانا" فجرى كلامهم بهمز"رأيت" ثم قالوا:"نرى وترى ويرى"، فجرى كلامهم في"يفعل" ونظائرها بترك الهمز، حتى صارَ الهمز معها شاذًّا، مع كون الهمز فيها أصلا. فكذلك ذلك في"ملك وملائكة"، جرى كلامهم بترك الهمز من واحدهم، وبالهمز في جميعهم. وربما جاء الواحد مهموزًا، كما قال الشاعر:
| فلَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلأَكٍ | تَحَدَّرَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (١) |
"مألك" أن يجمع إذا جمع على ذلك"مآلك"، ولست أحفظ جمعَهم كذلك سماعًا، ولكنهم قد يجمعون: ملائك وملائكة، كما يجمع أشعث: أشاعث وأشاعثة، ومِسْمع: مَسامع ومَسامِعة، قال أميّة بن أبي الصّلت في جمعهم كذلك:
| وَفِيهِمَا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَوْمٌ | مَلائِك ذُلِّلوا وهُمُ صِعَابُ (٢) |
(٢) ديوانه: ١٩. "ذللوا" من الذل (بكسر الذال) وذلله: راضه حتى يذل ويلين ويطيع.
| أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلأَكًا | إِنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي (١) |
| وَغُلامٍ أَرْسَلَتْه أُمُّه | بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ (٥) |
| أَلِكْنِي يَا عُيَيْنَ إِلَيْكَ قَوْلا | سَأَهْدِيه، إِلَيْكَ إِلَيْكَ عَنِّي (٦) |
| لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شرِقٌ | كُنْت كالغَصَّانِ بالماء اعتصارِي |
(٣) كلام الطبري يشعر بأنه أراد وزن"مفعل" بفتح العين، فهي مألك، بفتح اللام، والأشهر الأفصح: والمألك والمألكة (بفتح الميم وضم اللام فيهما).
(٤) في المطبوعة: "لبيد بن أبي ربيعة"، وهو خطأ.
(٥) ديوانه القصيدة رقم: ٣٧، البيت: ١٦، وقوله"وغلام" مجرور بواو"رب". أرسلت الغلام أمه تلتمس من معروف لبيد، فأعطاها ما سألت.
(٦) في المطبوعة: "ستهديه الرواة إليك.. "، وأثبتنا نص المخطوطة، والديوان: ٨٥ وغيرهما. ويضبطونه"سأهديك" بضم الهمزة، من الهدية، أي سأهديه إليك، ولست أرتضيه، والشعر يختل بذلك معناه. وإنما هو عندي بفتح الهمزة، من"هديته الطريق" إذا عرفته الطريق وبينته له. ومنه أخذوا قولهم: هاداني فلان الشعر وهاديته: أي هاجاني وهاجيته. وقوله: "إليك إليك" أي خذها، كما قال القطامي: إذا التَّيَّازُ ذُو الْعَضَلاتِ قُلْنَا:... إِلَيْكَ إِلَيْكَ! ضَاقَ بِهَا ذِرَاعَا
وقوله: "عني" أي مني، كما في قولهم: "عنك جاء هذا" أي منك، أو من قبلك. وكذلك هو في قوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده)، أي من عباده، وقوله تعالى: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا)، أي نتقبل منهم. وليس قول النابغة من قولهم"إليك عني"، أي كف وأمسك - في شيء. والشعر الذي يليه دال على ذلك، والبيت الذي يلي هذا فيه الكلمة المنصوبة بقوله"إليك إليك":
| قَوَافِيَ كَالسِّلامِ إِذَا اسْتَمَرَّتْ | فَلَيْسَ يرُدّ مَذْهَبَهَا التَّظَنِّي |
وقوله: "عيين" يعني عيينة بن حصن الفزاري، وكان أعان بني عبس على بني أسد حلفاء بني ذبيان" رهط النابغة.
| أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتًى | بِآيَةِ ما جاءتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا (١) |
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ﴾
اختلف أهل التأويل في قوله:"إني جاعل"، فقال بعضهم: إني فاعل.
* ذكر من قال ذلك:
٥٩٧- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن، وأبي بكر -يعني الهذلي- عن الحسن، وقتادة، قالوا: قال الله تعالى ذكره لملائكته:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة" (٢) قال لهم: إني فاعل (٣).
(٢) في المطبوعة: "قال الله للملائكة إني.. ". وهو موافق لما نقله ابن كثير.
(٣) الأثر: ٥٩٧- نقله ابن كثير ١: ١٢٧ عن الطبري. ووقع في إسناده هناك سقط، والظاهر أنه خطأ مطبعي. وذكره السيوطي ١: ٤٤ مختصرًا. وسيأتي مرة أخرى: ٦١١ مطولا، بهذا الإسناد نصًّا. وهو هنا بإسنادين بل ثلاثة: رواه الحجاج -وهو ابن المنهال- عن جرير ابن حازم، وعن المبارك -وهو ابن فضالة- ثم رواه عن أبي بكر الهذلي، ثلاثتهم عن الحسن البصري، والإسنادان الأولان جيدان، والثالث ضعيف، بضعف أبي بكر الهذلي، ضعفه ابن المديني جدًّا، وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وترجمه البخاري في الكبير ٢/٢/١٩٩ باسم"سلمى أبو بكر الهذلي البصري"، وقال: "ليس بالحافظ عندهم. قال عمرو بن علي: عدلت عن أبي بكر الهذلي عمدًا". وكذلك ترجمه ابن أبي حاتم ٢/١/ ٣١٣ - ٣١٤، وأبان عن ضعفه. و"سلمى": بضم السين وسكون اللام مع إمالة الألف المقصورة.
* ذكر من قال ذلك:
٥٩٨- حُدِّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، قال: كل شيء في القرآن"جَعَل"، فهو خلق (١).
قال أبو جعفر: والصواب في تأويل قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة": أي مستخلف في الأرض خليفةً، ومُصَيِّر فيها خَلَفًا (٢). وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة.
وقيل: إن الأرض التي ذكرها الله في هذه الآية هي"مكة".
* ذكر من قال ذلك:
٥٩٩- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن ابن سابط: أن النبي ﷺ قال: دُحِيت الأرضُ من مكة، وكانت الملائكة تطوفُ بالبيت، فهي أوّل من طاف به، وهي"الأرضُ" التي قال الله:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"، وكان النبيّ إذا هلك قومه، ونجا هو والصالحون، أتاها هو ومن معه فعبدوا الله بها حتى يموتوا. فإنّ قَبر نُوحٍ وهودٍ وصَالحٍ وشعَيْب، بين زَمزَم والرُّكن والمَقَام (٣).
* * *
(٢) في المخطوطة: "خلقًا"، بالقاف.
(٣) الحديث: ٥٩٩- نقل ابن كثير في التفسير ١: ١٢٧ معناه من تفسير ابن أبي حاتم: "حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن ابن سابط"، فذكره مرفوعا بنحوه مختصرًا. وقال ابن كثير: "وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مدرج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم - فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك". أما إرساله: فإن"عبد الرحمن بن سابط": تابعي، وهو ثقة، ولكنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، بل لم يدرك كبار الصحابة، كعمر وسعد ومعاذ وغيرهم. ويقال إنه"عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط". واختلف في ذلك جدًّا، فلذلك ترجمه الحافظ لأبيه في الموضعين: "سابط"، أو"عبد الله بن سابط"، وفي الإصابة ٣: ٥١ - ٥٢، ٤: ٧٣. ونقله السيوطي ١: ٤٦، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن عساكر، مطولا كرواية الطبري، ونقله الشوكاني ١: ٥٠ مختصرًا، كرواية ابن أبي حاتم، ونقل تعليل ابن كثير إياه.
وفي المطبوعة"أتى هو ومن معه". وفي المخطوطة"فيعبدوا الله بها".
القول في تأويل قوله: ﴿خَلِيفَةً﴾
والخليفة الفعيلة من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده. كما قال جل ثناؤه (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [سورة يونس: ١٤] يعني بذلك أنه أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاء بعدهم. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة، لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلَفًا. يقال منه: خلف الخليفة، يخلُف خِلافة وخليفي (١).
وكان ابن إسحاق يقول بما:
٦٠٠- حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إني جاعل في الأرض خليفة"، يقول: ساكنًا وعامرًا يسكنها ويعمُرها خلَفًا، ليس منكم (٢).
وليس الذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها - وإن كان الله جل
(٢) الأثر: ٦٠٠- في ابن كثير ١: ١٢٧ وفي المطبوعة هنا، وفي: ٦١٥"خلقا ليس منكم" بالقاف، وهو خطأ، والصواب في ابن كثير ١: ١٢٧. وقوله"خلفًا": أي بدلا ممن مضى، وهو سكان الأرض قبل أبينا آدم عليه السلام، كما يأتي في الخبر التام: ٦١٥. وقوله: "ليس منكم"، كلام مستأنف، أي ليس منكم أيتها الملائكة. أما المخطوطة ففيها: "ليس خلفًا منكم" وهو خطأ محض.
فإن قال قائل: فما الذي كان في الأرض قبل بني آدم لها عامرًا، فكان بنو آدم منه بدلا (١) وفيها منه خلَفًا؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك.
٦٠١- فحدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أول من سكن الأرضَ الجنُّ فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضًا. فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال:"إني جاعل في الأرض خليفة" (٢).
فعلى هذا القول:"إني جاعل في الأرض خليفة"، من الجن، يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها.
٦٠٢- وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة"، الآية، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم
(٢) الخبر: ٦٠١- في ابن كثير ١: ١٢٧. وقد روى الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦١ خبرًا يشبهه في بعض المعنى ويخالفه في اللفظ قال: "أخبرنا عبد الله بن موسى الصيدلاني، حدثنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس:... " وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وأما إسناد الطبري هنا فضعيف، كما بينا فيما سبق: ١٣٧.
وقال آخرون في تأويل قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة"، أي خلفًا يخلف بعضهم بعضًا، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله. وهذا قول حكي عن الحسن البصري.
ونظيرٌ له ما:-
٦٠٣- حدثني به محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط في قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" قال: يعنون به بني آدم صلى الله عليه وسلم.
٦٠٤- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال الله تعالى ذكره للملائكة: إني أريد أنْ أخلق في الأرض خلقًا وأجعلَ فيها خليفةً. وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق (٢).
وهذا القول يحتمل ما حكي عن الحسن، ويحتمل أن يكون أراد ابنُ زيد أنَّ الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفةً له يحكم فيها بين خلقه بحكمه، نظيرَ ما:-
٦٠٥- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي
(٢) الأثران: ٦٠٣، ٦٠٤ - في ابن كثير ١: ١٢٨.
وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها، فمن غير خلفائه، ومن غير آدم ومن قام مقامه في عباد الله -لأنهما أخبرَا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته- إذ سألوه: ما ذاك الخليفة؟ =: إنه خليفة يكون له ذُرّية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. فأضاف الإفساد وسفك الدماء بغير حقها إلى ذُرّية خليفته دونه، وأخرج منه خليفته.
وهذا التأويل، وإن كان مخالفًا في معنى الخليفة ما حكي عن الحسن من وجه، فموافق له من وجه. فأما موافقته إياه، فصرْفُ متأوِّليه إضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها إلى غير الخليفة. وأما مخالفته إياه، فإضافتهما الخلافة إلى آدم (٢) بمعنى استخلاف الله إياه فيها. وإضافة الحسن الخلافةَ إلى ولده، بمعنى خلافة بعضهم بعضًا، وقيام قرن منهم مقام قرن قبلهم، وإضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء إلى الخليفة.
والذي دعا المتأوِّلين قولَه:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة" -في التأويل الذي ذُكر عن الحسن- إلى ما قالوا في ذلك، أنهم قالوا إن الملائكة إنما قالت لربها- إذ قال لهم ربهم:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"-:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، إخبارًا منها بذلك عن الخليفة الذي أخبرَ الله جل ثناؤه أنه
(٢) في المطبوعة: "فإضافتهم"، والصواب ما في المخطوطة، ويعني بهما ابن مسعود وابن عباس كما مضى آنفًا.
وأغفل قائلو هذه المقالة، ومتأوّلو الآية هذا التأويل، سبيلَ التأويل. وذلك أنّ الملائكة إذ قال لها ربها:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"، لم تُضف الإفساد وسفك الدماء في جَوابها ربَّها إلى خليفته في أرضه، بل قالت:"أتجعل فيها من يُفسد فيها"؟ وغير مُنْكَر أن يكون ربُّها أعلمها أنه يكون لخليفتِه ذلك ذرّيةٌ يكون منهم الإفساد وسفك الدماء، فقالت: يا ربنا"أتجعل فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء". كما قال ابن مسعود وابن عباس، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل (٢).
* * *
(٢) في الأصل المخطوط بعد هذا الموضع ما نصه: -
[بلغتُ من أوّله بقراءتي على القاضي أبي الحسن الخصيب ابن عبد الله الخصيبيّ، عن أبي محمد الفَرْغانيّ، عن أبي جعفر الطبري. وسمع معي أخي علي بن أحمد بن عيسى، ونصر بن الحسن الطبري. وسمع أبو الفتح أحمد بن عمر الجهاري، من موضع سماعه.
وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعمئة]
* * *
"تذكرة" تبين لي مما راجعته من كلام الطبري، أن استدلال الطبري بهذه الآثار التي يرويها بأسانيدها، لا يراد به إلا تحقيق معنى لفظ، أو بيان سياق عبارة. فهو قد ساق هنا الآثار التي رواها بإسنادها ليدل على معنى"الخليفة"، و"الخلافة"، وكيف اختلف المفسرون من الأولين في معنى"الخليفة". وجعل استدلاله بهذه الآثار، كاستدلال المستدل بالشعر على معنى لفظ في كتاب الله. وهذا بين في الفقرة التالية للأثر رقم: ٦٠٥، إذ ذكر ما روي عن ابن مسعود وابن عباس، وما روي عن الحسن في بيان معنى"الخليفة"، واستظهر ما يدل عليه كلام كل منهم. ومن أجل هذا الاستدلال، لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه. ودليل ذلك أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر: ٤٦٥ عن ابن مسعود وابن عباس، فيما مضى ص: ٣٥٣"فإن كان ذلك صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مرتابًا.. "، فهو مع ارتيابه في هذا الإسناد، قد ساق الأثر للدلالة على معنى اللفظ وحده، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس -إن صح عنهما- أو ما فهمه الرواة الأقدمون من معناه. وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال. ومثله أيضًا ما يسوقه من الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها، أو في كونها من الإسرائيليات، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آي التنزيل الكريم، بل يسوق الطويل الطويل، لبيان معنى لفظ، أو سياق حادثة، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به الحجة في الدين، ولا في التفسير التام لآي كتاب الله.
فاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون، لم يكن إلا استظهارًا للمعاني التي تدل عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يستظهر بالشعر على معانيها. فهو إذن استدلال يكاد يكون لغويًّا. ولما لم يكن مستنكرًا أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله، ما صحت لغته؛ فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي لا يرتضيها أهل الحديث، والتي لا تقوم بها الحجة في الدين، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن، وكيف فهمه الأوائل - سواء كانوا من الصحابة أو من دونهم.
وأرجو أن تكون هذه تذكرة تنفع قارئ كتاب الطبري، إذا ما انتهى إلى شيء مما عده أهل علم الحديث من الغريب والمنكر. ولم يقصر أخي السيد أحمد شاكر في بيان درجة رجال الطبري عند أهل العلم بالرجال، وفي هذا مقنع لمن أراد أن يعرف علم الأقدمين على وجهه، والحمد لله أولا وآخرًا.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه خبرا عن ملائكته: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل (١) : وكيف قالت الملائكة لربها إذ أخبرها أنه جاعل في الأرض خليفة:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، ولم يكن آدمُ بعد مخلوقًا ولا ذُرّيته، فيعلموا ما يفعلونَ عيانًا؟ أعلمتِ الغيبَ فقالت ذلك، أم قالت ما قالت من ذلك ظنًّا؟ فذلك شهادة منها بالظنّ وقولٌ بما لا تعلم. وذلك ليس من صفتها. أمْ ما وجه قيلها ذلك لربها؟ (٢)
(٢) في المطبوعة: "فما وجه".
٦٠٦- حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حَيٍّ من أحياء الملائكة يقال لهم"الحِنّ"، خُلقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة (١) قال: وكان اسمه الحارث، قال: وكان خازنًا من خُزَّان الجنة. قال: وخُلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحيّ. قال: وخلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار - وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت. قال: وخُلق الإنسان من طين. فأوّل من سكن الأرضَ الجنُّ. فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة -وهم هذا الحي الذين يقال لهم الحِن (٢) - فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. فلما فعل إبليس ذلك اغترّ في نفسه. وقال:"قد صنعتُ شيئًا لم يصنعه أحد"! قال: فاطَّلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه. فقال الله للملائكة الذين معه:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة". فقالت الملائكة مجيبين له:"أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويَسفِك الدماء"، كما
| إن تكتُبُوا الزَّمْنى فإنّي لَزمِنْ | من ظاهر الداء وداءٍ مستكِنّْ |
| أبيتُ أهوِي في شياطينَ ترنّْ | مختلفٍ نجارُهُمْ جنٌّ وحِنّْ |
(٢) في المطبوعة في الموضعين"الجن" بالجيم، وهو خطأ، يدل عليه سياق هذا الأثر، فقد ميز ما بين إبليس، وبين الجن الذين ذكروا في القرآن. إبليس مخلوق من نار السموم، والآخرون خلقوا من مارج من نار. والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة. وهذا بين. وقد قال الجاحظ في الحيوان ٧: ١٧٧، وبعض الناس يقسم الجن على قسمين فيقول: هم جن وحن (بالحاء)، ويجعل التي بالحاء أضعفهما. وقال في ١: ٢٩١-٢٩٢، وبعض الناس يزعم أن الحن والجن صنفان مختلفان، وذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى باب بعض الملوك ليكتتب في الزمنى فقال في ذلك:
| إن تكتُبُوا الزَّمْنى فإنّي لَزمِنْ | من ظاهر الداء وداءٍ مستكِنّْ |
| أبيتُ أهوِي في شياطينَ ترنّْ | مختلفٍ نجارُهُمْ جنٌّ وحِنّْ |
قال أبو جعفر: وهذه الرواية عن ابن عباس، تُنبئ عن أن قول الله جل ثناؤه:"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة"، خطابٌ من الله جل ثناؤه لخاصٍّ من الملائكة دون الجميع، وأنّ الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصةً - الذين قاتلوا معه جنّ الأرض قبل خلق آدم - وأنّ الله إنما خصّهم بقيل ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً، ليعرِّفهم قصورَ علمهم وفضلَ كثير ممن هو أضعفُ خلقًا منهم من خلقه عليهم، وأنّ كرامته
(٢) في المطبوعة: "وآيسه الله... ".
(٣) في المطبوعة: "أنكم تعلمون أني أجعل في الأرض خليفة"، وقوله"لم أجعل.. " سقط"لم" من المخطوطة أيضًا. والصواب من الدر المنثور، والشوكاني، حيث يأتي تخريجه. وسيأتي على الصواب أيضًا في رقم: ٦٧١ ص: ٤٩٠، وهو مختصر من هذا الأثر.
(٤) الخبر: ٦٠٦ - خرجه السيوطي في الدر المنثور مفرقًا ١: ٤٤-٤٥، ٤٩، ٥٠. والشوكاني ١: ٥٢ بعضه مفرقًا. وروى الطبري قطعة منه، بهذا الإسناد، في تاريخه ١: ٤٢-٤٣.
وقد رُوي عن ابن عباس خلاف هذه الرواية، وهو ما:-
٦٠٧- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"لما فرَغ الله من خلق ما أحبّ، استوى على العرش، فجعل إبليس على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجنّ (٣) - وإنما سموا الجنّ لأنهم خزّان الجنة. وكان إبليس مع مُلكه خازنا، فوقع في صدره كبر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيّة لي - هكذا قال موسى بن هارون، وقد حدثني به غيره، وقال: لمزية لي على الملائكة (٤) - فلما وقع ذلك الكبر في نفسه،
(٢) هذا التعقيب على خبر ابن عباس، دليل على ما ذهبنا إليه في بيان طريقة الطبري في الاستدلال بالأخبار والآثار انظر ص: ٤٥٣-٤٥٤. فهو لم يروه لاعتماد صحته، بل رواه لبيان أن قول الله سبحانه: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"، إنما هو خطاب فيه لفظ العموم"الملائكة"، ويراد به الخصوص لبعض الملائكة، كما هو معروف في لسان العرب. وأن قول هؤلاء الملائكة: "أتجعل فيها من يفسد فيها... "، لم يكن عن علم عرفوه من علم الغيب، بل كان ظنًّا ظنوه. وسيأتي بعد ما يوضح مذهب الطبري في الاستدلال، كما سأشير إليه في موضعه.
(٣) في المخطوطة: "الحن" بالحاء، وتفسيرها التالي يدل على أنها بالجيم. وانظر ما كتبناه آنفًا في ص: ٤٥٥ التعليق: ١.
(٤) غيره، الذي أبهمه الطبري هنا، بينه في التاريخ ١: ٤٣، قال: "وحدثني به أحمد بن أبي خيثمة، عن عمرو بن حماد".
قال أبو جعفر: فهذا الخبر أوّله مخالف معناه معنى الرواية التي رويت عن ابن عباس من رواية الضحاك التي قد قدمنا ذكرها قبل، وموافقٌ معنى آخره معناها. وذلك أنه ذكر في أوّله أن الملائكة سألت ربها: ما ذاك الخليفة؟ حين قال لها: إني جاعلٌ في الأرض خليفة. فأجابها أنه تكون له ذُرّية يُفسدون في الأرض وَيتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. فقالت الملائكة حينئذ: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ فكان قولُ الملائكة ما قالت من ذلك لرَبِّها، بعد إعلام الله إياها أنّ ذلك كائن من ذُرّية الخليفة الذي يجعله في الأرض. فذلك معنى خلاف أوله معنى خبر الضحاك الذي ذكرناه.
وأما موافقته إياه في آخره، فهو قولهم في تأويل قوله:"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين": أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، وأن الملائكة قالت إذ قال لها ربها ذلك، تبرِّيًا من علم الغيب -:"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم".
وهذا إذا تدبّره ذو الفهم، علم أن أوّله يفسد آخرَه، وأن آخره يُبطل معنى أوّله. وذلك أن الله جل ثناؤه إن كان أخبر الملائكة أن ذرّية الخليفة الذي يجعله في الأرض تفسد فيها وتسفك الدماء، فقالت الملائكة لربها:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"؛ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء، بمثل الذي أخبرها عنهم ربُّها، فيجوزَ أن يقالَ لها فيما طوي عنها من العلوم: إن كنتم صادقين فيما علمتم بخبر الله إياكم أنه كائن من الأمور فأخبرتم به، فأخبرونا بالذي قد طوى الله عنكم علمه، كما قد أخبرتمونا بالذي قد أطلعكم الله عليه - بل ذلك خُلفٌ من التأويل، ودعوَى على
(٢) الصمد هنا: هو الذي لا جوف له، والمصمد والمصمت واحد. وانظر ما سلف ص: ٤٥٦ تعليق: ١.
(٣) في المطبوعة: "أبى واستكبر"، وهو تحريف.
(٤) الخبر: ٦٠٧- روى الطبري قطعة منه في تاريخه ١٠: ٤١-٤٢، بهذا الإسناد. وقطعة أخرى أيضًا ١: ٤٣. وثالثة ١: ٤٥-٤٦. ورابعة ١: ٤٧. وخامسة ١: ٤٧-٤٨. وسادسة ١: ٥٠. وبعضه عن السيوطي ١: ٤٥-٤٧، والشوكاني ١: ٥٠. وقد مضى تعليل هذا الإسناد، في: ١٦٨، ورأى الطبري نفسه فيه: ٤٥٢، وأنه فيه مرتاب. وقد ساقه ابن كثير بطوله ١: ١٣٧-١٣٨، ثم قال: "فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة. فلعل بعضها مدرج، ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه، بهذا الإسناد بعينه، أشياء، ويقول: على شرط البخاري! ".
ومما يدل على ما ذكرنا من توجيه خبر الملائكة عن إفساد ذرية الخليفة وسفكها الدماء على العموم، ما:-
٦٠٨- حدثنا به أحمد بن إسحاق الأهوازي (٣) قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط، قوله:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، قال: يعنون الناس (٤).
وقال آخرون في ذلك بما:-
٦٠٩- حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة قوله:"وإذ قال ربُّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً"، فاستشار الملائكة في خلق آدمَ، فقالوا:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" - وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض -"ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون" فكان في علم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياءُ ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة. قال: وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالقٌ خلقًا أكرم عليه منَّا ولا أعلم منَّا؟ فابتلوا بخلق آدم -وكل خلق مُبْتَلًى- كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله: (اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (٥) [سورة فصلت: ١١].
وهذا الخبر عن قتادة يدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت من قولها:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، على غير يقين علمٍ تقدم منها بأن ذلك كائن، ولكن على الرأي منها والظنّ، وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من
(٢) وهذا أيضًا دليل واضح على أن استدلال الطبري بالأخبار والآثار، ليس معناه أنه ارتضاها، بل معناه أنه أتى بها ليستدل على سياق تفسير الآية مرة، وعلى بيان فساد الأخبار أنفسها مرة أخرى. وقد أخطأ كثير ممن نقل عن الطبري في فهم مراده، وتحامل عليه آخرون لم يعرفوا مذهبه في هذا التفسير.
(٣) في المطبوعة. "ابن أحمد بن إسحاق الأهوازي"، وزيادة"ابن" خطأ.
(٤) الأثر: ٦٠٨- لم أجده.
(٥) الأثر: ٦٠٩- في ابن كثير ١: ١٢٩، وبعضه في الدر المنثور مفرقًا ١: ٤٥، ٤٦، ٥٠.
وقد رُوي عن قتادةَ خلافُ هذا التأويل، وهو ما:-
٦١٠- حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"أتجعل فيها من يُفسد فيها" قال: كان الله أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك قوله:"أتجعل فيها من يفسد فيها" (١).
وبمثل قول قتادة قال جماعة من أهل التأويل، منهم الحسن البصري:
٦١١- حدثنا القاسم: قال حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن -وأبي بكر، عن الحسن وقتادة- قالا قال الله لملائكته:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة" - قال لهم: إني فاعلٌ - فعرضُوا برأيهم، فعلّمهم علمًا وطوَى عنهم علمًا علمه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذي علمهم:"أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء" - وقد كانت الملائكة علمتْ من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء -"ونحن نسبّح بحمدك ونُقدس لكَ. قال إني أعلم ما لا تعلمون". فلما أخذ في خلق آدم، هَمست الملائكة فيما بينها، فقالوا: ليخلق رَبنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقًا إلا كنا أعلمَ منه وأكرمَ عليه منه. فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرَهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضّله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرًا منه فنحن أعلمُ منه، لأنا كنا قَبله، وخُلقت الأمم قبله. فلما أعجبوا بعملهم ابتلوا، فـ "علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسمَاء هؤلاء إن كنتم صادقين" أني لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قال: ففزع القومُ إلى التوبة -وإليها يفزع كل مؤمن- فقالوا:"سبحانك لا علم لنا إلا
٦١٢- وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله:"إني جاعل في الأرض خليفةً" الآية، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجنّ يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة. قال: فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماءُ، وكان الفسادُ في الأرض. فمن ثمّ قالوا:"أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" الآية (٢).
٦١٣-[حدثنا محمد بن جرير، قال] : حدثت عن عمار بن الحسن، قال: أخبرنا عبد الله بن أَبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله-:"ثم عَرَضهم
(٢) الأثر: ٦١٢- مضى صدره برقم: ٦٠٢، وأشرنا إلى هذا هناك.
وقال ابن زيد بما:-
٦١٤- حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد: لما خلق الله النارَ ذعرت منها الملائكة ذعرًا شديدًا، وقالوا: ربنا لم خلقت هذه النار؟ ولأي شيء خلقتها؟ قال: لمن عصاني من خلقي. قال: ولم يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، إنما خُلق آدم بعد ذلك، وقرأ قول الله: (هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) [سورة الإنسان: ١]. قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ليت ذلك الحين (٢). ثم قال: قالت الملائكة: يا رب، أويأتي علينا دهرٌ نعصيك فيه! -لا يرَوْن له خلقًا غيرهم- قال: لا إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا
(٢) كلمة عمر رضي الله عنه: "ليت ذلك الحين"، يعني ليت الإنسان بقي شيئًا غير مذكور، طينًا لازبًا. يقولها من مخافة عذابه ربه يوم القيامة. وفي الدر المنثور ٦: ٢٩٧: "أخرج ابن المبارك، وأبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب: أنه سمع رجلا يقرأ: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا)، فقال عمر: ليتها تمت". فهذا في معنى كلمة عمر هنا.
وقال ابن إسحاق بما:-
٦١٥- حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق قال: لما أراد الله أن يخلق آدم بقدرته ليبتليه ويبتلي به، لعلمه بما في ملائكته وجميع خلقه -وكان أوّل بلاء ابتُليت به الملائكةُ مما لها فيه ما تحبّ وما تكره، للبلاء والتمحيص لما فيهم مما لم يعلموا، وأحاط به علم الله منهم- جمع الملائكة من سكان السموات والأرض، ثم قال:"إني جاعل في الأرض خليفة"- ساكنًا وعامرًا ليسكنها ويعمرُها - خَلَفًا، ليس منكم (٢). ثم أخبرهم بعلمه فيهم، فقال: يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ويعملون بالمعاصي. فقالوا جميعًا:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"
(٢) في المطبوعة: "عامر وساكن يسكنها ويعمرها خلقًا ليس منكم"، وانظر ما مضى، رقم: ٦٠٠، وانظر تخريجه بعد.
قال: فلما فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبى إلا المعصية، أوقع عليه اللعنة وأخرجه من الجنة. ثم أقبل على آدم، وقد علمه الأسماء كلها، فقال:"يا آدم
وقال ابن جُريج بما:-
٦١٦- حدثنا به القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: إنما تكلموا بما أعلمهم أنه كائن من خلق آدم، فقالوا:"أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"؟ وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" لأن الله أذن لها في السؤال عن ذلك، بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بني آدم. فسألته الملائكة، فقالت -على التعجب منها-: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم: إني أعلم ما لا تعلمون، يعني: أن ذلك كائن منهم -وإن لم تعلموه أنتم- ومن بعض من ترونه لي طائعًا. يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه (٢).
وقال بعض أهل العربية: قول الملائكة:"أتجعل فيها من يفسد فيها" على غير وجه الإنكار منهم على ربّهم، وإنما سألوه ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون. وقال: قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يُعصَى الله، لأن الجن قد كانت أمرتْ قبل ذلك فعصتْ.
وقال بعضهم: ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا:"يا رب خبرنا"، مسألةَ استخبار منهم لله، لا على وجه مسألة التوبيخ.
قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه، مخبرًا عن ملائكته قيلها له:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس
(٢) الأثر: ٦١٦- لم أجده في مكان.
وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلكَ فسألته على
وأما وصفُ الملائكة مَن وصفت -في استخبارها ربَّها عنه- بالفساد في الأرض وسفك الدماء، فغير مستحيلٍ فيه ما رُوي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السُّدّيّ، ووافقهما عليه قتادة - من التأويل: وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعلٌ في الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا، فقالوا: "أتجعل فيها من يفسد فيها"، على ما وصفت من الاستخبار.
فإن قال لنا قائل: وما وجه استخبارها، والأمر على ما وصفتَ، من أنها قد أخبرت أنّ ذلك كائن؟
قيل: وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك. وهل ذلك منهم؟ ومسألتهم ربَّهم أن يجعلهم الخلفاءَ في الأرض حتى لا يعصوه. وغيرُ فاسد أيضًا ما رواه الضحاك عن ابن عباس، وتابعه عليه الربيع بن أنس، من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض -قبل آدم- من الجنّ، فقالت لربها:"أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون"؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم، لا على وجه الإيجاب أنّ ذلك كائن كذلك، فيكون ذلك منها إخبارًا عما لم تطلع عليه من علم الغيب. وغيرُ خطأ أيضًا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيلُ الملائكة ما قالت من ذلك، على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلقٌ يعصي خالقه.
وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس، ووافقه عليه الربيع بن أنس، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك، لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطعُ مجيئُه العذرَ، ويُلزمُ سامِعَه به الحجة. والخبر عما مضى وما قد سلف، لا يُدرك علمُ صحته إلا بمجيئه مجيئًا يمتنع مَعه التشاغب والتواطؤ، ويستحيل مَعه الكذب والخطأ والسهو (١). وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع، ولا فيما قاله ابن زيد.
فأولى التأويلات -إذ كان الأمر كذلك- بالآية، ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالةٌ، مما يصح مخرجُه في المفهوم.
فإن قال قائل: فإن كان أولى التأويلات بالآية هو ما ذكرتَ، من أن الله أخبر الملائكة بأن ذرّية خليفته في الأرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الملائكة:"أتجعل فيها من يفسد فيها"، فأين ذكر إخبارِ الله إياهم في كتابه بذلك؟
قيل له: اكتفى بدلالة ما قد ظهرَ من الكلام عليه عنه، كما قال الشاعر:
| فَلا تَدْفِنُونِي إِنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ | عَلَيْكُمْ، وَلَكِن خَامِرِي أُمَّ عَامِرِ (٢) |
(٢) البيت للشنفري الأزدي في قصة. شرح الحماسة ٢: ٢٤-٢٦، والأغاني ٢١: ٨٩ وغيرهما. ويروى: "لا تقبروني إن قبري"، "ولكن أبشري". وقوله"خامري": أي استتري، وأصله من الخمرة (بكسر فسكون) وهو الاستخفاء. يريدون بذلك دنو الضبع مستخفية ملازمة لمكانها حتى تخالط القتيل فتصيب منه. وأم عامر: كنية الضبع. وذلك مما يقوله لها الصائد حين يريد صيدها، يغرها بذلك حتى يتمكن منها، فيقول لها: "أبشري أم عامر بشياه هزلى، وجراد عظلى، +وكسر رجال قتلى"، فتميل الضبع إليه فيصيدها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾
قال أبو جعفر: أما قوله:"ونحن نسبِّح بحمدك" فإنه يعني: إنا نعظِّمك بالحمد لك والشكر، كما قال جل ثناؤه: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) [سورة النصر: ٣]، وكما قال: (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) [سورة الشورى: ٥]، وكل ذكر لله عند العرب فتسبيحٌ وصلاة. يقول الرجل منهم: قضيتُ سُبْحَتي من الذكر والصلاة. وقد قيل: إن التسبيحَ صلاةُ الملائكة.
٦١٧- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: كان النبي ﷺ يُصلي، فمرّ رجل من المسلمين على رجل من المنافقين، فقال له: النبيُّ ﷺ يُصلِّي وأنت جالس! فقال له: امض إلى عملك إن كان لك عمل. فقال: ما أظنّ إلا سيمر عليك من ينكر عليك. فمرّ عليه عمر بن الخطاب فقال له: يا فلان، النبي ﷺ يصَلِّي وأنت جالس! فقال له مثلها، فقال: هذا من عَملي. فوثب عليه فضربَه حتى انتهى، ثم دخل المسجدَ فصلّى
٦١٨- قال أبو جعفر: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، وسهل بن موسى الرازي، قالا حدثنا ابن عُلَيَّة، قال: أخبرنا الجُرَيْرِي، عن أبي عبد الله الجَسْري، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ عَادَه -أو أن أبا ذَرّ عاد النبي صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، بأبي أنتَ، أي الكلام أحب إلى الله؟ فقال: ما اصطفى الله لملائكته:"سبحان رَبي وبحمده، سبحان ربي وبحمده" (٢).
(٢) الحديث: ٦١٨ - في الدر المنثور ولم ينسبه لابن جرير، وقال: "أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي ذر... " ٥: ١٦١، ١٧٦. وهو في المسند ٥: ١٤٨ ومسلم ٢: ٣١٩، ٨: ٨٦.
وأصلُ التسبيح لله عند العرب: التنزيهُ له من إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبرئة له من ذلك، كما قال أعشى بني ثعلبة:
أَقُولُ -لمَّا جَاءَنِي فَخْرُه-:... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ (٢)
يريد: سُبحان الله من فَخر علقمة، أي تنزيهًا لله مما أتى علقمة من الافتخار، على وجه النكير منه لذلك.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى التسبيح والتقديس في هذا الموضع، فقال بعضهم: قولهم:"نسبح بحمدك": نصلي لك.
* ذكر من قال ذلك:
٦١٩- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"ونحن نسبح بحمدك ونُقدس لك"، قال: يقولون: نصلّي لك.
وقال آخرون:"نُسبّح بحمدك" (٣) التسبيح المعلوم.
* ذكر من قال ذلك:
٦٢٠- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"ونحن نسبِّح بحمدك"، قال: التسبيحَ التسبيحَ (٤).
* * *
(٢) ديوانه: ١٠٦، من قصيدته المشهورة، التي قالها في هجاء علقمة بن علاثة، في خبر منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل (الأغاني ١٥: ٥٠-٥٦). وذكر ابن الشجري في أماليه ١: ٣٤٨ عن أبي الخطاب الأخفش، قال: "وإنما ترك التنوين في"سبحان" وترك صرفه، لأنه صار عندهم معرفة". وقال في ٢: ٢٥٠: "لم يصرفه، لأن فيه الألف والنون زائدين، وأنه علم للتسبيح، فإن نكرته صرفته". وانظر ص: ٤٩٥ وتعليق رقم: ٣.
(٣) في الأصول: "نسبح لك"، والصواب ما أثبتناه، وهو نص الآية.
(٤) الأثران: ٦١٩، ٦٢٠- في ابن كثير ١: ١٢٩، والدر المنثور ١: ٤٦، والشوكاني ١: ٥٠.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾
قال أبو جعفر: والتقديس هو التطهير والتعظيم، ومنه قولهم:"سُبُّوح قُدُّوس"، يعني بقولهم:"سُبوح"، تنزيهٌ لله، وبقولهم:"قُدوسٌ"، طهارةٌ له وتعظيم. ولذلك قيل للأرض:"أرض مُقدسة"، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذًا:"ونحن نسبِّح بحمدك"، ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك، ونصلي لك."ونقدس لك"، ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك. وقد قيل: إن تقديس الملائكة لربها صَلاتها له. كما:-
٦٢١- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"ونقدس لك"، قال: التقديسُ: الصلاة (١).
وقال بعضهم:"نقدس لك": نعظمك ونمجدك.
* ذكر من قال ذلك:
٦٢٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا أبو سعيد المؤدّب، قال: حدثنا إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله:"ونحن نسبّح بحمدك، ونقدس لك"، قال: نعظمك ونمجِّدك (٢).
٦٢٣- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى -وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل- جميعًا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله:"ونقدس لك"، قال نعظّمك ونكبِّرك (٣).
(٢) الأثر: ٦٢٢- في الدر المنثور ١: ٤٦.
(٣) الأثر: ٦٢٣- في ابن كثير ١: ١٢٩، والدر المنثور ١: ٤٦.
٦٢٥- وحدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، في قوله:"ونقدس لك"، قال: التقديس: التطهير (٢).
وأما قول من قال: إن التقديس الصلاة أو التعظيم، فإن معنى قوله ذلك راجع إلى المعنى الذي ذكرناه من التطهير، من أجل أنّ صلاتها لربها تعظيم منها له، وتطهير مما ينسبه إليه أهل الكفر به. ولو قال مكانَ:"ونقدِّس لك" و"نقدِّسك"، كان فصيحا من الكلام. وذلك أن العرب تقول: فلان يسبح الله ويقدِّسه، ويسبح لله ويقدِّس له، بمعنى واحد. وقد جاء بذلك القرآن، قال الله جل ثناؤه: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [سورة طه: ٣٣-٣٤]، وقال في موضع آخر: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) [سورة الجمعة: ١]
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: يعني بقوله:"أعلم ما لا تعلمون"، مما اطلع عليه من إبليس، وإضماره المعصيةَ لله وإخفائه الكبر، مما اطلع عليه تبارك وتعالى منه وخفي على ملائكته.
* ذكر من قال ذلك:
٦٢٦- حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"إني أعلم
(٢) الأثر: ٦٢٥- في ابن كثير ١: ١٢٩، وفي الدر المنثور ١: ٤٦: "وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: التقديس: التطهير"، ولم ينسبه للضحاك، ولا لابن جرير.
٦٢٧- وحدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"إني أعلم ما لا تعلمون"، يعني من شأن إبليس.
٦٢٨- وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد -وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل- قالا جميعًا: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها.
٦٢٩- وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن بَذِيمة، عن مجاهد، بمثله (٢).
٦٣٠- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عَن مجاهد مثله (٣).
٦٣١- وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"إني أعلم ما لا تعلمون" قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها (٤).
(٢) الأثر: ٦٢٩-"علي بن بذيمة"، بفتح الباء الموحدة وكسر الذال المعجمة، وهو ثقة.
(٣) الأثر: ٦٣٠-"ابن يمان"، بفتح الياء وتخفيف الميم: هو يحيى بن يمان العجلي الكوفي، وهو صدوق من شيوخ أحمد بن حنبل. و"سفيان" في هذا والذي قبله - هو الثوري.
(٤) الأثر: ٦٣١-"القاسم بن أبي بزة"، بفتح الباء الموحدة وتشديد الزاي: ثقة مكي، قال ابن حبان: "لم يسمع التفسير من مجاهد -أحد غير القاسم، وكل من يروي عن مجاهد التفسير- فإنما أخذه من كتاب القاسم". وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣/٢/١٢٢: "هو القاسم بن نافع بن أبي بزة، واسم أبي بزة: يسار". و"محمد بن عبد الرحمن" الراوي عنه هنا: هو ابن أبي ليلى.
٦٣٣- وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: -وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل- جميعًا عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد في قول الله:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس المعصية.
٦٣٤- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، مثله.
٦٣٥- وحدثني المثنى، قال: حدثنا سُويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، قال: قال مجاهد في قوله:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها (١).
وقال مرَّة آدم.
٦٣٦- وحدثني المثنى، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال سمعت عبد الوهاب بن مجاهد يحدث عن أبيه في قوله:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها، وعلم من آدم الطاعة وخلقَه لها (٢).
(٢) الأثر: ٦٣٦ - أما"مجاهد بن جبر"، فهو التابعي الكبير، الثقة الفقيه المفسر. ولكن ابنه"عبد الوهاب بن مجاهد": ضعيف جدًّا، قال أحمد بن حنبل: "لم يسمع من أبيه، ليس بشيء، ضعيف الحديث". وضعفه أيضًا ابن معين وأبو حاتم. ومر عبد الوهاب بسفيان الثوري، في مسجد الحرام، فقال سفيان: "هذا كذاب". وأما هذا الأثر، بزيادة: "وعلم من آدم الطاعة -... "- فلم نجده في موضع آخر.
٦٣٨- وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إني أعلم ما لا تعلمون". أي فيكم ومنكم، ولم يُبْدِها لهم، من المعصية والفساد وسفك الدماء.
وقال آخرون: معنى ذلك: إني أعلم ما لا تعلمون من أنه يكون من ذلك الخليفة أهلُ الطاعة والولايةِ لله.
* ذكر من قال ذلك:
٦٣٩- حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال:"إني أعلم ما لا تعلمون"، فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورُسلٌ وقوم صالحون وساكنو الجنة (٢).
وهذا الخبر من الله جل ثناؤه يُنبئ عن أن الملائكة التي قالت:"أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء"، استفظعتْ أن يكون لله خلق يعصيه، وعجبتْ منه إذْ أخبرت أن ذلك كائن. فلذلك قال لهم ربهم:"إني أعلم ما لا تعلمون". يعني بذلك، والله أعلم: إنكم لتعجبون من أمر الله وتستفظعونه، وأنا أعلم أنه في بعضكم، وتصفون أنفسكم بصفةٍ أعلمُ خِلافَها من بعضكم، وتعرضون بأمر قد جعلته لغيركم. وذلك أن الملائكة لما أخبرها ربها بما هو كائن من ذرية خليفته، من الفساد وسفك الدماء، قالت لربها: يا رب أجاعل أنت في الأرض خليفةً من غيرنا، يكون من ذريته من يعصيك، أم منا، فإنا نعظمك
(٢) الأثر: ٦٣٩- في ابن كثير ١: ١٣٠، والدر المنثور ١: ٤٦، والشوكاني ١: ٥٠. وفي ابن كثير: "في تلك الخليقة" وفي الدر المنثور"من تلك الخليقة" وفي الشوكاني: "سيكون من الخليقة": وجميعها بالقاف، وهو خطأ، والصواب ما في نص الطبري.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
قال القرطبي : وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج : هذا اجتراء(٣) من أبي عبيدة.
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي : قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى :﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]. وقال ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]. وقال ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩]. [ وقرئ في الشاذ :" إني جاعل في الأرض خليقة " حكاه الزمخشري وغيره ونقلها القرطبي عن زيد بن علي ](٤). وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم، عليه السلام، فقط، كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير، حكاه فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فإنهم(٥) إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون [ أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم والمآثم، قاله القرطبي ](٦) أو أنهم قاسوهم على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.
وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين [ وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي : لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا. قال قتادة : وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ الآية ](٧) وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون : يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي : نصلي لك كما سيأتي، أي : ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا ؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي : إني أعلم من المصلحة(٨) الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها(٩) ما لا تعلمون أنتم ؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.
وقد ثبت في الصحيح(١٠) : أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه السلام :" يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل " فقولهم : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقيل : معنى قوله جوابًا لهم :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها، وقيل : إنه جواب لقولهم :﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي : من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل : بل تضمن قولهم :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها فخر الدين مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم.
ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه :
قال ابن جرير : حدثني القاسم بن الحسن قال : حدثنا الحسين قال : حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن وقتادة، قالوا : قال الله للملائكة :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم : إني فاعل. وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك.
وقال السدي : استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم، قال(١١) : وروي عن قتادة نحوه. وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن، والله أعلم.
﴿فِي الأرْضِ﴾ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد(١٢) حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله(١٣) ﷺ قال :" دُحِيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، فقال الله : إني جاعل في الأرض خليفة، يعني مكة " (١٤).
وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.
﴿خَلِيفَةً﴾ قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا(١٥) : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا.
قال ابن جرير : فكان تأويل الآية على هذا :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ مني، يخلفني في الحكم بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم(١٦) بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها(١٧) فمن غير خلفائه.
قال ابن جرير : وإنما [ كان تأويل الآية على هذا ](١٨) معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا.
قال : والخليفة الفعلية من قولك، خلف فلان فلانا في هذا الأمر : إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال تعالى :﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم : خليفة ؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خَلَفًا.
قال : وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ يقول : ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلفا ليس منكم.
قال ابن جرير : وحدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : أول من سكن الأرض الجنُّ، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال : فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم(١٩) بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم وأسكنه إياها، فلذلك قال :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾(٢٠).
وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال : يعنون [ به ](٢١) بني آدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : قال الله للملائكة : إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة وليس لله، عز وجل، خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها [ ويسفك الدماء ](٢٢) ؟ !
وقد تقدم ما رواه السدي، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة : أن الله أعلم الملائكة بما يفعل ذرّية آدم، فقالت الملائكة ذلك. وتقدم آنفا(٢٣) ما رواه الضحاك، عن ابن عباس : أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن بُكَير(٢٤) بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال : كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فبعث الله جندا من الملائكة فضربوهم، حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ قال : إني أعلم ما لا تعلمون(٢٥).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله :﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] قال : خلق الله الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة ؛ فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء بينهم، وكان الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كما أفسدت الجن ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما سَفَكُوا.
قال ابن أبي حاتم : وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن، قال : قال الله للملائكة :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم : إني فاعل. فآمنوا بربهم(٢٦)، فعلمهم علمًا وطوى عنهم علمًا علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهم :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ؟ ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
قال الحسن : إن الجن كانوا في الأرض يفسدون(٢٧) ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كان [ الله ](٢٨) أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾(٢٩).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف، يعني ابن خَرّبوذ المكي، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول : السّجِلّ ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور، فأسَر ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلما قال تعالى :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قالا ذلك استطالة على الملائكة.
وهذا أثر غريب. وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد
٢ زيادة من جـ، ط، أ، و..
٣ في أ: "إجرام"..
٤ زيادة من جـ، ط، أ، و..
٥ في جـ، ب: "فإن الله"..
٦ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٧ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٨ في جـ: "بالمصلحة"..
٩ في جـ: "الذي ذكروها"..
١٠ صحيح مسلم برقم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
١١ في جـ، ط: "وقال"..
١٢ في جـ: "أحمد"..
١٣ في جـ، ط، ب: "النبي"..
١٤ تفسير ابن أبي حاتم (١/١٠٨).
.
١٥ في جـ: "فقالوا"..
١٦ في جـ: "وحكم"..
١٧ في جـ، ط، أ: "حقها"..
١٨ زيادة من جـ..
١٩ في جـ: "ألحقوهم"..
٢٠ تفسير الطبري (١/٤٥٠)..
٢١ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٢٢ زيادة من جـ..
٢٣ في جـ، ط: "أيضا".
.
٢٤ في أ: "بكر"..
٢٥ تفسير ابن أبي حاتم (١/١٠٩)..
٢٦ في أ، و: "أفأمنوا برأيهم"..
٢٧ في جـ: "يفسدون في الأرض"..
٢٨ زيادة من جـ، ط، ب، أ..
٢٩ تفسير عبد الرزاق (١/٦٥).
.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يُخْبِرُ (١) تَعَالَى بِامْتِنَانِهِ عَلَى بَنِي آدَمَ، بِتَنْوِيهِهِ بِذِكْرِهِمْ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى قَبْلَ إِيجَادِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ أَيْ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ، وَاقْصُصْ عَلَى قَوْمِكَ ذَلِكَ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ [وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ] (٢) أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ "إِذْ" هَاهُنَا زَائِدَةٌ، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ: وَقَالَ رَبُّكَ. وَرَدَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَكَذَا رَدَّهُ جَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ حَتَّى قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا اجْتِرَاءٌ (٣) مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ.
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ أَيْ: قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٥] وَقَالَ ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢]. وَقَالَ ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٠]. وَقَالَ ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩]. [وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيقَةً" حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهَا الْقُرْطُبِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ] (٤). وَلَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا بِالْخَلِيفَةِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَطْ، كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَعَزَاهُ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، بَلِ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ، حَكَاهُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَغَيْرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ آدَمَ عَيْنًا إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا حَسُنَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فَإِنَّهُمْ (٥) إِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِعِلْمٍ خَاصٍّ، أَوْ بِمَا فَهِمُوهُ مِنَ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَخْلُقُ هَذَا الصِّنْفَ مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [أَوْ فَهِمُوا مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنَّهُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الناس ويقع بَيْنَهُمْ مِنَ الْمَظَالِمِ وَيَرُدُّ عَنْهُمُ الْمَحَارِمَ وَالْمَآثِمَ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ] (٦) أَوْ أَنَّهُمْ قَاسُوهُمْ عَلَى مَنْ سَبَقَ، كَمَا سَنَذْكُرُ أَقْوَالَ الْمُفَسِّرِينَ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُ الْمَلَائِكَةِ هَذَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ، وَلَا عَلَى وَجْهِ الْحَسَدِ لِبَنِي آدَمَ، كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ [وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، أَيْ: لَا يَسْأَلُونَهُ شَيْئًا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِيهِ وَهَاهُنَا لَمَّا أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ فِي الْأَرْضِ خَلْقًا. قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ فِيهَا فَقَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ الْآيَةَ] (٧) وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالُ اسْتِعْلَامٍ وَاسْتِكْشَافٍ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ، يَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، مَا الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِبَادَتُكَ، فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، أَيْ: نُصَلِّي لَكَ كَمَا سَيَأْتِي، أَيْ: وَلَا يَصْدُرُ مِنَّا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهَلَّا وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ (٨) الرَّاجِحَةِ فِي خَلْقِ هَذَا الصِّنْفِ عَلَى الْمَفَاسِدِ الَّتِي ذَكَّرْتُمُوهَا (٩) مَا لَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ؛ فَإِنِّي سَأَجْعَلُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَأُرْسِلُ فِيهِمُ الرُّسُلَ، وَيُوجَدُ فِيهِمُ
(٢) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٣) في أ: "إجرام".
(٤) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٥) في جـ، ب: "فإن الله".
(٦) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٧) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٨) في جـ: "بالمصلحة".
(٩) في جـ: "الذي ذكروها".
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (١) : أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِذَا صَعِدَتْ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى بِأَعْمَالِ عِبَادِهِ سَأَلَهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَعَاقَبُونَ فِينَا وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَيَمْكُثُ هَؤُلَاءِ وَيَصْعَدُ أُولَئِكَ بِالْأَعْمَالِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ" فَقَوْلُهُمْ: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ جَوَابًا لَهُمْ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ لِي حِكْمَةً مُفَصَّلَةً فِي خَلْقِ هَؤُلَاءِ وَالْحَالَةُ مَا ذَكَرْتُمْ لَا تَعْلَمُونَهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنْ وُجُودِ إِبْلِيسَ بَيْنَكُمْ وَلَيْسَ هُوَ كَمَا وَصَفْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهِ. وَقِيلَ: بَلْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُمْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ طَلَبًا مِنْهُمْ أَنْ يَسْكُنُوا الْأَرْضَ بَدَلَ بَنِي آدَمَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مِنْ أَنَّ بَقَاءَكُمْ فِي السَّمَاءِ أَصْلَحُ لَكُمْ وَأَلْيَقُ بِكُمْ. ذَكَرَهَا فَخْرُ الدِّينِ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَجْوِبَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ بِبَسْطِ مَا ذَكَرْنَاهُ:
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَمُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي بَكْرٍ، عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، قَالُوا: قَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي فَاعِلٌ. وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: اسْتَشَارَ الْمَلَائِكَةَ فِي خَلْقِ آدَمَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ (٢) : وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوُهُ. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ إِنْ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى مَعْنَى الْإِخْبَارِ فَفِيهَا تَسَاهُلٌ، وَعِبَارَةُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ أَحْسَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (٣) حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٤) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "دُحِيت الْأَرْضُ مِنْ مَكَّةَ، وَأَوَّلُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْمَلَائِكَةُ، فَقَالَ اللَّهُ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، يَعْنِي مَكَّةَ" (٥).
وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ مُدْرَج، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْضِ مَكَّةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْضِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
﴿خَلِيفَةً﴾ قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾
(٢) في جـ، ط: "وقال".
(٣) في جـ: "أحمد".
(٤) في جـ، ط، ب: "النبي".
(٥) تفسير ابن أبي حاتم (١/١٠٨).
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَكَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ مِنِّي، يَخْلُفُنِي فِي الْحُكْمِ بَيْنَ خَلْقِي، وَإِنَّ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ هُوَ آدَمُ وَمَنْ قَامَ مَقَامَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالْحُكْمِ (٢) بِالْعَدْلِ بَيْنَ خَلْقِهِ. وَأَمَّا الْإِفْسَادُ وَسَفْكُ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا (٣) فَمِنْ غَيْرِ خُلَفَائِهِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّمَا [كَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا] (٤) مَعْنَى الْخِلَافَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ إِنَّمَا هِيَ خِلَافَةُ قرن منهم قرنا.
قال: والخليفة الفعلية مِنْ قَوْلِكَ، خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي هَذَا الْأَمْرِ: إِذَا قَامَ مَقَامَهُ فِيهِ بَعْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ١٤]. وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلسُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ: خَلِيفَةٌ؛ لِأَنَّهُ خَلَفَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، فَقَامَ بِالْأَمْرِ مَقَامَهُ، فَكَانَ مِنْهُ خَلَفًا.
قَالَ: وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ يَقُولُ: سَاكِنًا وَعَامِرًا يَسْكُنُهَا وَيُعَمِّرُهَا خَلَفًا لَيْسَ مِنْكُمْ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الْأَرْضَ الجنُّ، فَأَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا فِيهَا الدِّمَاءَ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسَ، فَقَتَلَهُمْ إِبْلِيسُ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَلْحَقَهُمْ (٥) بِجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَأَطْرَافِ الْجِبَالِ. ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ وَأَسْكَنَهُ إِيَّاهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٦).
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قَالَ: يَعْنُونَ [بِهِ] (٧) بَنِي آدَمَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْلُقَ فِي الْأَرْضِ خَلْقًا وَأَجْعَلَ فِيهَا خَلِيفَةً وَلَيْسَ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، خَلْقٌ إِلَّا الْمَلَائِكَةُ، وَالْأَرْضُ لَيْسَ فِيهَا خَلْقٌ، قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] (٨) ؟!
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ: أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ بِمَا يَفْعَلُ ذُرِّيَّةُ آدَمَ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ آنِفًا (٩) مَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْجِنَّ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ قَبْلَ بَنِي آدَمَ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ، فَقَاسُوا هَؤُلَاءِ بِأُولَئِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حدثنا
(٢) في جـ: "وحكم".
(٣) في جـ، ط، أ: "حقها".
(٤) زيادة من جـ.
(٥) في جـ: "ألحقوهم".
(٦) تفسير الطبري (١/٤٥٠).
(٧) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٨) زيادة من جـ.
(٩) في جـ، ط: "أيضا".
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٣] قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَخَلْقَ الْجِنَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَكَفَرَ قَوْمٌ مِنَ الْجِنِّ، فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَهْبِطُ إِلَيْهِمْ فِي الْأَرْضِ فَتُقَاتِلُهُمْ، فَكَانَتِ الدِّمَاءُ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ، فَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كَمَا أَفْسَدَتِ الْجِنُّ ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كَمَا سَفَكُوا.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي فَاعِلٌ. فَآمَنُوا بِرَبِّهِمْ (٣)، فَعَلَّمَهُمْ عِلْمًا وَطَوَى عَنْهُمْ عِلْمًا عَلِمَهُ وَلَمْ يَعْلَمُوهُ، فَقَالُوا بِالْعِلْمِ الَّذِي عَلَّمَهُمْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ؟ ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الْجِنَّ كَانُوا فِي الْأَرْضِ يُفْسِدُونَ (٤) وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ، وَلَكِنْ جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ فَقَالُوا بِالْقَوْلِ الَّذِي عَلَّمهم.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كَانَ [اللَّهُ] (٥) أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلْق أَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، فَذَلِكَ حِينَ قَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٦).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هشام الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْرُوفٍ، يَعْنِي ابْنَ خَرّبوذ الْمَكِّيَّ، عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: السّجِلّ مَلَكٌ، وَكَانَ هَارُوتُ وَمَارُوتُ مِنْ أَعْوَانِهِ، وَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثُ لَمَحَاتٍ يَنْظُرُهُنَّ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، فَنَظَرَ نَظْرَةً لَمْ تَكُنْ لَهُ فَأَبْصَرَ فِيهَا خَلْقَ آدَمَ وَمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ، فأسَر ذَلِكَ إِلَى هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَكَانَا مِنْ أَعْوَانِهِ، فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قَالَا ذَلِكَ اسْتِطَالَةً عَلَى الْمَلَائِكَةِ.
وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْبَاقِرِ، فَهُوَ نَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ تُوجِبُ رَدَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ إِنَّمَا كَانُوا اثْنَيْنِ فقط،
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١/١٠٩).
(٣) في أ، و: "أفأمنوا برأيهم".
(٤) في جـ: "يفسدون في الأرض".
(٥) زيادة من جـ، ط، ب، أ.
(٦) تفسير عبد الرزاق (١/٦٥).
وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -أَيْضًا-حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْد اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كَانُوا عَشْرَةَ آلَافٍ، فَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَأَحْرَقَتْهُمْ.
وَهَذَا -أَيْضًا-إِسْرَائِيلِيٌّ مُنْكَرٌ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِمَا أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ خَلْقِ آدَمَ، فَقَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَالَتْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُمْ (١) فِي السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ، بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُمْ (٢) أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَسَأَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَقَالَتْ عَلَى التَّعَجُّبِ مِنْهَا: وَكَيْفَ يَعْصُونَكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ خَالِقُهُمْ!؟ فَأَجَابَهُمْ رَبُّهُمْ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ أَنْتُمْ وَمَنْ بَعْضُ مَنْ تَرَوْنَهُ لِي طَائِعًا.
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْشَادِ عَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَبِّ خَبِّرْنَا، مَسْأَلَةُ [الْمَلَائِكَةِ] (٣) اسْتِخْبَارٌ مِنْهُمْ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ فَاسْتَشَارَ الْمَلَائِكَةَ فِي خَلْقِ آدَمَ، فَقَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وَقَدْ عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَكْرَهُ إِلَى اللَّهِ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْخَلِيقَةِ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ وَقَوْمٌ صَالِحُونَ وَسَاكِنُو الْجَنَّةِ، قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخَذَ فِي خَلْقِ آدَمَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا اللَّهُ خَالِقٌ خَلْقًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنَّا وَلَا أَعْلَمَ مِنَّا، فَابْتُلُوا بِخَلْقِ آدَمَ، وَكُلُّ خَلْقٍ مُبْتَلًى كَمَا ابْتُلِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ بِالطَّاعَةِ فَقَالَ: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: التسبيحُ: التسبيحُ، وَالتَّقْدِيسُ: الصَّلَاةُ (٤).
وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ-وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قَالَ: يَقُولُونَ: نُصَلِّي لَكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.
(٢) في أ، و: "ما أخبرها".
(٣) زيادة من جـ.
(٤) تفسير عبد الرزاق (١/٦٥).
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قَالَ: لَا نَعْصِي وَلَا نَأْتِي شَيْئًا تَكْرَهُهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّقْدِيسُ: هُوَ التَّعْظِيمُ وَالتَّطْهِيرُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: سُبُّوح قُدُّوس، يَعْنِي بِقَوْلِهِمْ: سُبوح، تَنْزِيهٌ لَهُ، وَبِقَوْلِهِمْ: قُدُّوسٌ، طَهَارَةٌ وَتَعْظِيمٌ لَهُ. وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْأَرْضِ: أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُطَهَّرَةَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ إِذًا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ نُنَزِّهُكَ وَنُبَرِّئُكَ مِمَّا يُضِيفُهُ إِلَيْكَ أهلُ الشِّرْكِ بِكَ ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ نَنْسِبُكَ إِلَى مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِكَ، مِنَ الطَّهَارَةِ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَمَا أَضَافَ إِلَيْكَ أَهْلُ الْكُفْرِ بِكَ.
[وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ" (١) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ سَمِعَ تَسْبِيحًا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَا "سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" (٢) ] (٣).
﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ فِي تِلْكَ الْخَلِيقَةِ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ وَقَوْمٌ صَالِحُونَ وَسَاكِنُو الْجَنَّةِ، وَسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَقْوَالٌ فِي حِكْمَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ نَصْبِ الْخَلِيفَةِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَيَقْطَعَ تَنَازُعَهُمْ، وَيَنْتَصِرَ لِمَظْلُومِهِمْ مِنْ ظَالِمِهِمْ، وَيُقِيمَ الْحُدُودَ، وَيَزْجُرَ عَنْ تَعَاطِي الْفَوَاحِشِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ إِقَامَتُهَا إِلَّا بِالْإِمَامِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَالْإِمَامَةُ تُنَالُ بِالنَّصِّ كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَبِي بَكْرٍ، أَوْ بِالْإِيمَاءِ إِلَيْهِ كَمَا يَقُولُ آخَرُونَ مِنْهُمْ، أَوْ بِاسْتِخْلَافِ الْخَلِيفَةِ آخَرَ بَعْدَهُ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَوْ بِتَرْكِهِ شُورَى فِي جَمَاعَةٍ صَالِحِينَ كَذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ، أَوْ بِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى مُبَايَعَتِهِ أَوْ بِمُبَايَعَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ فَيَجِبُ الْتِزَامُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَحَكَى عَلَى ذَلِكَ (٤) إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْإِجْمَاعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَوْ بِقَهْرِ وَاحِدٍ النَّاسَ عَلَى طَاعَتِهِ فَتَجِبُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى الشِّقَاقِ وَالِاخْتِلَافِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
وَهَلْ يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَى عَقْدِ الْإِمَامَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: بَلَى وَيَكْفِي شَاهِدَانِ. وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: يَجِبُ أَرْبَعَةٌ وَعَاقِدٌ وَمَعْقُودٌ لَهُ، كَمَا تَرَكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ عَلَى عَاقِدٍ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عوف، ومعقود له وهو عثمان، واستنبط
(٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/٧) من طريق مسكين بن ميمون عَنْ عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قرط رضي الله عنه به مرفوعا وسيأتي من رواية الطبراني عند تفسير الآية: ٤٤ من سورة الإسراء.
(٣) زيادة من جـ، ط، ب، أ.
(٤) في أ: "تلك".
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر(١) أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك، وأن الله مستخلفه في الأرض.
فقالت الملائكة عليهم السلام :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بالمعاصي ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [ و ]هذا تخصيص بعد تعميم، لبيان [ شدة ] مفسدة القتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك، فنزهوا الباري عن ذلك، وعظموه، وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا :﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أي : ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ يحتمل أن معناها : ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون : ونقدس لك أنفسنا، أي : نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة.
قال الله تعالى للملائكة :﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ من هذا الخليفة ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، لأن كلامكم بحسب ما ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة، أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك، إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم(٢) من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه، واتصف به، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك.
٢ - في ب: المكلفين..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر (١) أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك، وأن الله مستخلفه في الأرض.
فقالت الملائكة عليهم السلام: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بالمعاصي ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [و] هذا تخصيص بعد تعميم، لبيان [شدة] مفسدة القتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك، فنزهوا الباري عن ذلك، وعظموه، وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أي: ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ يحتمل أن معناها: ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: -[٤٩]- نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة.
قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ من هذا الخليفة ﴿مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة، أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك، إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم (٢) من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه، واتصف به، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك.
ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام، فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض، أراد الله تعالى، أن يبين لهم من فضل آدم، ما يعرفون به فضله، وكمال حكمة الله وعلمه فـ ﴿عَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أي: أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى، أي: الألفاظ والمعاني، حتى المكبر من الأسماء كالقصعة، والمصغر كالقصيعة.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ أي: عرض المسميات ﴿عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ امتحانا لهم، هل يعرفونها أم لا؟.
﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم وظنكم، أنكم أفضل من هذا الخليفة.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك، ومخالفة أمرك. ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ بوجه من الوجوه ﴿إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ إياه، فضلا منك وجودا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ العليم الذي أحاط علما بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.
الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة: ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا، واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم; وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.
فحينئذ قال الله: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ أي: أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة; فعجزوا عنها، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ تبين للملائكة فضل آدم عليهم; وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ وهو ما غاب عنا; فلم نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب; فالشهادة من باب أولى، ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: تظهرون ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم; إكراما له وتعظيما; وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله; وبادروا كلهم بالسجود، ﴿إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ امتنع عن السجود; واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ وهذا الإباء منه والاستكبار; نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه; فتبينت حينئذ عداوته لله ولآدم وكفره واستكباره.
وفي هذه الآيات من العبر والآيات; إثبات الكلام لله تعالى; وأنه لم يزل متكلما; يقول ما شاء; ويتكلم بما شاء; وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالوجب عليه; التسليم; واتهام عقله; والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة; وإحسانه بهم; بتعليمهم ما جهلوا; وتنبيههم على ما لم يعلموه.
وفيه فضيلة العلم من وجوه:
منها: أن الله تعرف لملائكته; بعلمه وحكمته، ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم; وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم; إكراما له; لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير; إذا عجزوا عما امتحنوا به; ثم عرفه صاحب الفضيلة; فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن; وبيان فضل آدم; وأفضال الله عليه; وعداوة إبليس له; إلى غير ذلك من العبر.
(٢) في ب: المكلفين.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣٢ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- خَلِيفَةً
- أَقْوَامًا يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
- وَيَسْفِكُ
- يُرِيقُ.
- وَنُقَدِّسُ لَكَ
- نُمَجِّدُكَ، وَنُطهِّرُ ذِكْرَكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ.
إعراب الآية ٣٠ من سورة البقرة
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة البقرة (٢) : آية ٣٠]
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠)وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ قال أبو عبيدة «١» : إِذْ اسم، وهو ظرف زمان ليس مما يزاد. قال أبو إسحاق «٢» ذكر الله عزّ وجلّ خلق الناس وغيرهم فالتقدير: ابتدأ خلقهم «إذ قال ربّك». لِلْمَلائِكَةِ خفض باللّام والهاء لتأنيث الجماعة. إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ الياء في موضع نصب جاعل خبر إنّ. والأصل إنني حذفت النون لاجتماع نونين فِي الْأَرْضِ خفض بفي. خَلِيفَةً نصب بجاعل، ولا يجوز حذف التنوين للفصل ولو وليه المفعول لجاز حذف التنوين. «خليفة» يكون بمعنى فاعل أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض أو من كان قبله من غير الملائكة كما روي ويجوز أن يكون «خليفة» بمعنى مفعول أي يخلف كما يقال ذبيحة بمعنى مفعولة. قالُوا أَتَجْعَلُ فقل مستقبل. فِيها مَنْ يُفْسِدُ في موضع نصب بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه «فيها» «يفسد» على اللفظ، ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى.
وَيَسْفِكُ «٣» عطف عليه، وروي عن الأعرج وَيَسْفِكُ الدِّماءَ «٤» بالنصب يجعله جواب الاستفهام بالواو. وواحد الدماء دم ولا يكون اسم على حرفين إلا وقد حذف منه والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل قال الشاعر: [الوافر] ١٣-
| فلو أنّا على حجر ذبحنا | جرى الدّميان بالخبر اليقين «٥» |
(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٠.
(٣) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ١/ ٢٩٠.
(٤) هذه قراءة ابن هرمز، انظر البحر المحيط ١/ ٢٩٠.
(٥) الشاهد للمثقّب العبدي في ملحق ديوانه ص ٢٨٣، والأزهية ١٤١، والمقاصد النحوية ١/ ١٩٢، ولعلي بن بدال في أمالي الزجاجي ص ٢٠ وخزانة الأدب ١/ ٢٦٧، وشرح شواهد الشافية ص ١١٢، وللمثقب أو لعلي بن بدال في خزانة الأدب ٧/ ٤٨٢، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٣٥٧، وجمهرة اللغة ص ٢٨٦، ورصف المباني ص ٢٤٢، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٣٩٥، وشرح الأشموني ٣/ ٦٦٩، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٦٤، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٨١، وشرح المفصل ٤/ ١٥١، والمقتضب ١/ ٢٣١، والمقرّب ٢/ ٤٤.
القراءات في الآية ٣٠ من سورة البقرة
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
أَعْلَمُ مَا
اظهار الميم الأولى مضمومة
بإدغام الميم في الميم ادغاماً كبيراً
إِنِّى أَعْلَمُ
باسكان الياء ومد المنفصل 4 أو 5 حركات
باسكان الياء ومد المنفصل 4 حركات
باسكان الياء ومد المنفصل 6 حركات
باسكان الياء ومد المنفصل حركتين
بفتح ياء الاضافة (إِنِّىَ أَعلم)
قَالَ رَبُّكَ
ادغام اللام في الراء ادغاماً كبيراً
اظهار اللام مفتوحة
لَكَ قَالَ
ادغام الكاف في القاف ادغاماً كبيراً
اظهار الكاف مفتوحة
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
ادغام النون الثانية في النون الثالثة ادغاماً كبيراً
اظهار النون الثانية مضمومة
الموضوعات القرآنية للآية ٣٠ من سورة البقرة
١٦ موضوعًا تتناولها هذه الآية
- إستخلاف الإنسان في الأرض
- إشفاق الملائكة من إفساد الإنسان في الأرض
- استخلافه في الأرض
- استخلاف الإنسان فيها وخلقه من ترابها
- استخلافه في الأرض
- تشريف آدم و اسكانه و زوجه الجنة
- تسبيح كل شيء بحمده
- تساؤل من الملائكة
- خلق الإنسان
- الخبر الصادق ما جاء عن الله ورسله
- الدِّم
- سفك الدماء بعض طبع الانسان
- صفات أخرى
- الفساد
- ما ورد عن الجن في القرآن
- هي مخلوقة قبل الجن و الأنس
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٦٦ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٥٩ قولًاعن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة بن الفضل- ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾، أي: فيكم ومنكم -ولم يُبْدِها لهم- من المعصية، والفساد، وسفك الدماء١٢
عن الضحاك -من طريق أبي رَوْق- في قوله: ﴿ونقدس لك﴾، قال: التقديس: التطهير١
قال الحسن البصري: يقولون: سبحان الله وبحمده، وهو صلاة الخلق، وتسبيحهم، وعليها يُرزقون١
عن أبي صالح [باذام] -من طريق إسماعيل- في قوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾، قال: نُعَظِّمك، ونُمَجِّدك١
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾، قال: التسبيح: التسبيح. والتقديس: الصلاة١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: التقديس: الصلاة١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ يقول: نحن نَذْكُرُك بأمرك. كقوله سبحانه: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣]، يعني: يَذْكُرُه بأمره، ﴿ونقدس لك﴾: ونُصَلِّي لك، ونُعَظِّم أمرك١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة بن الفَضْل- ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾: لا نعصي، ولا نأتي شيئًا تكرهه١
قال سفيان الثوري: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾: نُمَجِّدك، ونُعَظِّمك١٢
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّي، عن أبي مالك وأبي صالح- ﴿قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، يعني: من شأن إبليس١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، يقول: إنِّي قد اطَّلَعْتُ من قلب إبليس على ما لم تَطَّلِعُوا عليه من كِبْرِه واغْتِرارِه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عمَّن حَدَّثه-: كان إبليسُ أميرًا على ملائكة سماء الدنيا، فاستكبر، وهَمَّ بالمعصية، وطغى، فعلم الله ذلك منه، فذلك قوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، وأنّ في نفس إبليس بَغْيًا١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، نحو ذلك١
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، قال: عَلِم من إبليس المعصية، وخَلَقَه لها١
عن مجاهد -من طريق ابنه عبد الوهاب- قال: عَلِم من إبليس المعصية، وخَلَقه لها، وعَلِمَ من آدم الطاعة، وخَلَقه لها١
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، قال: كان في علم الله أنّه سيكون من تلك الخليفة أنبياء ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنّ في علمي أنَّكم سكان السماء، ويكون آدم وذريته سكان الأرض، ويكون منهم من يُسَبِّح بحمدي ويعبدني١
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، قال: كان الله أعْلَمَهُم إذا كان في الأرض خَلْقٌ أفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، فذلك قوله: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾. يعنون: الناس١
عن عبد الرحمن بن سابط -من طريق عطاء بن السائب- قوله: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾، قال: يعنون الناس١
قال إسماعيل السّدي: لما قال الله لهم ذلك قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: تكون له ذرية، يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا عند ذلك: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾١
عن يحيى بن أبي كثير -من طريق ابنه عبد الله- قال: إنّ الملائكة الذين قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ كانوا عشرة آلاف، فخرجت نارٌ من عند الله، فأَحْرَقَتْهُم١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ الآية، قال: إنّ الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجِنَّ يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة. قال: فكفر قوم من الجِنّ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض، فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض، فمِن ثَمَّ قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ الآية١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ يقول: أتجعل في الأرض ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ يعني: من يعمل فيها بالمعاصي، ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ بغير حقٍّ، كفِعْلِ الجِنِّ١
عن ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: إنّما تَكَلَّمُوا بما أعْلَمَهم أنّه كائنٌ مِن خَلْقِ آدم، فقالوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة بن الفضل- قال:... ثم أخبرهم بعلمه فيهم، فقال: يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء، ويعملون بالمعاصي. فقالوا جميعًا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-: لَمّا خلق الله النارَ ذُعِرَتْ منها الملائكةُ ذُعْرًا شديدًا، وقالوا: ربَّنا، لِمَ خلقتَ هذه النار، ولأيِّ شيء خلقتَها؟ قال: لِمَن عصاني مِن خلقي. قال: ولَمْ يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، إنما خلق آدم بعد ذلك. وقرأ قول الله: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ [الإنسان:١]. قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ليت ذلك الحين١. ثم قال: قالت الملائكة: يا رب، أوَيأتي علينا دهرٌ نعصيك فيه! لا يرون له خلقًا غيرهم، قال: لا، إنِّي أُريد أن أخلق في الأرض خلقًا، وأجعل فيها خليفة، يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض. فقالت الملائكة: أتجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء، وقد اخْتَرْتَنا؟ فاجعلنا نحن فيها، فنحن نُسَبِّح بحمدك ونُقَدِّس لك، ونعمل فيها بطاعتك. وأَعْظَمَتِ الملائكةُ أن يجعل الله في الأرض من يعصيه، فقال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾. فقال: فلان، وفلان. قال: فلما رَأَوْا ما أعطاه الله من العلم عليهم، أقرُّوا لآدم بالفضل عليهم، وأبى الخبيثُ إبليسُ أن يُقِرَّ له، قال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين* قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾ [الأعراف:١٢-١٣]٢٣٤
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾، قال: يقولون: نصلي لك١٢
وعن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، مثله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: التقديس: التطهير١٢
عن عبد الله بن عباس: كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة١
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ونقدس لك﴾، قال: نُعَظِّمك، ونُكَبِّرك١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- ﴿جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، يقول: ساكِنًا وعامِرًا يسكنها ويعمرها، ليس خَلْقًا منكم١٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: قال الله للملائكة: إنِّي أُريدُ أن أخلق في الأرض خَلْقًا، وأجعل فيها خليفة. وليس لله يومئذ خَلْقٌ إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خَلْق١
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أوَّلَ من لَبّى الملائكةُ، قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. قال: فَرادُّوه، فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك لبيك اعتذارًا إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك»١
عن عبد الله بن عمر، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ آدم لَمّا أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أيْ رَبّ، ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾. قال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. قالوا: ربنا، نحن أطوعُ لك من بني آدم. قال الله للملائكة: هَلُمُّوا مَلَكَيْن من الملائكة حتى نُهْبِطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟ فقالوا: ربنا، هاروت وماروت...١»٢
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح-: لَمّا فرغ الله من خلق ما أحبَّ؛ اسْتَوى على العرش، فجعل إبليسَ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن. وإنما سُّمُوا الجِنَّ لأنهم خزانُ الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا، فوقع في صدره كِبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد١ لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكِبْر في نفسه؛ اطَّلَع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية، يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا، ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: كان إبليس من حَيٍّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن، خُلِقوا من نار السموم من بين الملائكة. قال: وكان اسمه الحارث. قال: وكان خازنًا من خُزّان الجنة. قال: وخُلِقَت الملائكة كلهم من نورٍ غير هذا الحي. قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارِج من نار -وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا أُلهِبَت-. قال: وخُلِق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جُندٍ من الملائكة -وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن-، فقتلهم إبليس ومَن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغْتَرَّ في نفسه، وقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعْه أحد. قال: فاطَّلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطَّلع عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله للملائكة الذين معه: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾، كما أفسدت الجن، وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: لقد أخرج الله آدمَ من الجنة قبل أن يدخلها؛ قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. وقد كان فيها قبل أن يُخْلَق بألفي عام الجِنُّ؛ بنو الجان، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلَمّا أفسدوا في الأرض بعث عليهم جنودًا من الملائكة، فضربوهم، حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾، كما فعل أولئك الجان. فقال الله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾١
وعن عبد الله بن عمرو -من طريق مجاهد-، مثله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق السدي، عَمَّن حدثه- في قوله: ﴿وإذ قال ربك للملائكة﴾ الآية، قال: إنّ الله قال للملائكة: إنِّي خالقٌ بشرًا، وإنهم يتحاسدون، فيقتل بعضهم بعضًا، ويفسدون في الأرض. فلذلك قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾١
عن عبد الله بن عباس، قال: إيّاكم والرَّأْيَ؛ فإن الله تعالى رد الرَّأْيَ على الملائكة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾. قال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾١
عن قتادة -من طريق سعيد-: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ وقد علِمَت الملائكة من عِلْمِ الله أنّه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض، ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾. فكان في علم الله -جَلَّ ثناؤُه- أنّه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة، قال قتادة: وذُكِر لنا أنّ ابن عباس كان يقول: إنّ الله لَمّا أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالقٌ خَلْقًا أكرم عليه مِنّا، ولا أعلم مِنّا. فابْتُلُوا بخلق آدم، وكل خَلْقٍ مُبْتَلًى، كما ابتُلِيَت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله: ﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]١٢
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: إنّ الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكَفَر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض، فمن ثَمَّ قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾١
عن مجاهد -من طريق ابنه عبد الوهاب– قال: كان إبليس على سُلْطان سماء الدنيا وسُلْطان الأرض، وكان [مكتوبًا] في الرفيع الأعلى عند الله أنه سيجعل في الأرض خليفة، وأنه سيكون دمًا و[أحداثًا]، فوجد ذلك إبليس، فقرأه أو أبصره دون الملائكة، فلمّا ذكر أمرَ آدم للملائكة أخبر إبليسُ الملائكةَ أنّ هذا الخليفة الذي يكون ستسجد له الملائكة، وأسَرَّ إبليس في نفسه أن لن يسجد له، وأخبر الملائكةَ أن الله سيخلق خلقًا، وأنه يسفك الدماء، وأنه سيأمر الملائكة يسجدون لذلك الخليفة، قال: فلما قال الله عز وجل: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ حَفِظُوا ما كان قال لهم إبليس قبل ذلك، فقالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾١
عن الحسن البصري -من طريق جرير بن حازم، ومبارك، وأبي بكر-، وقتادة -من طريق أبي بكر- قالا: قال الله لملائكته: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قال لهم: إني فاعِل. فعَرَضوا برأيهم، فعلَّمهم عِلْمًا، وطوى عنهم عِلمًا عَلِمه لا يعلمونه. فقالوا بالعلم الذي عَلَّمهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ وقد كانت الملائكة عَلِمَت من عِلْمِ الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء، ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾١
عن أبي جعفر محمد بن علي -من طريق معروف المَكِّيّ عمَّن سمع أبا جعفر- قال: السِّجِلُّ مَلَكٌ، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لَمَحات ينظرهن في أُمِّ الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له، فأبصر فيها خَلْق آدم وما فيه من الأمور، فأسرَّ ذلك إلى هاروت وماروت وكانا من أعوانه، فلما قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. قالا ذلك استطالة على الملائكة١٢
عن أبي مالك غَزْوان الغِفارِيّ -من طريق السُّدِّيّ- قال: ما كان في القرآن ﴿إذ﴾ فقد كان[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٧٥.]]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ﴾، يعني: وقد[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٩٦.]]
عن قتادة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فاستشار الملائكةَ في خلق آدم[[أخرجه ابن جرير ١/٤٩١. وعلّقه ابن أبي حاتم ١/٧٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]
عن السدي -من طريق أسباط- في قوله تعالى: ﴿جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال: فاستشار الملائكة في خلق آدم[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٧٦.]][[c=١٣٣]]
عن الحسن البصري -من طريق جرير بن حازم، ومبارك، وأبي بكر الهُذَلِي- في قوله: ﴿إني جاعل﴾، قال: فاعل[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٥، وابن أبي حاتم ١/٧٦ من طريق مبارك بن فضالة، كما أخرجه ابن جرير ١/٤٩٢ مُطَوَّلًا عن الحسن وقتادة، وقد تقدم.]]
عن قتادة -من طريق أبي بكر الهُذَلِيّ- قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، قال لهم: إني فاعل[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٥.]][[c=١٣٤]]
عن أبي رَوْق عطية بن الحارث الهمداني -من طريق بِشْرِ بن عُمارة- قال: كل شيء في القرآن «جعل» فهو: خلق[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٥. وعزاه السيوطي إليه من قول الضحاك. قال الشيخ شاكر في تحقيقه لتفسير ابن جرير ١/٤٤٨ معللًا ذلك: «وأبو روق يكثر رواية التفسير عن الضحاك، فلعل ذِكْر الضحاك سقط من الناسخين في بعض نسخ الطبري». لكن السيوطي في الإتقان (ط: مجمع الملك فهد) ١/٩٩٩ عزا هذا الأثر إلى ابن جرير من قول أبي روق.]][[c=١٣٥]]
عن ابن سابط، أنّ النبي ﷺ قال: «دُحِيَت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت، فهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. وكان النبيُّ إذا هلك قومُه، ونجا هو والصالحون؛ أتاها هو ومن معه، فيعبدون الله بها حَتّى يموتوا فيها، وإنّ قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح بين زمزم وبين الركن والمقام»[[أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧٤/٩٠ مختصرًا، وابن جرير ١/٤٧٦ واللفظ له، وابن أبي حاتم ١/٧٦ (٣١٧) مختصرًا. قال ابن كثير في تفسيره ١/٢١٧: «وهذا مرسل، وفي سنده ضعف».]][[c=١٣٦]]
عن عبد الله بن عباس -من طريق سالم بن أبي حفصة، عن رجل- قال: إنّ الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه. ثم قرأ: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾[[أخرجه سفيان الثوري ص٤٣، وابن أبي حاتم ١/٧٦، وابن عساكر ٧/٤٥٢ كلاهما من طريقه. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، ووكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]][[c=١٣٧]]
عن خالد الحذاء، قال: سألتُ الحسن، فقلتُ: يا أبا سعيد، آدمُ للسماء خُلِق أم الأرض؟ قال: أما تقرأ القرآن: ﴿إني جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؟ لا، بل للأرض خُلِق[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٧٦ (٣١٨).]]
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: أوَّل من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جند من الملائكة، فقتلهم إبليسُ ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور، وأطراف الجبال، ثم خلق آدم، فأسكنه إياها، فلذلك قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٧.]]
عن الحسن البصري، في الآية، أي: خلفاء يخلف بعضهم بعضًا[[علّقه ابن جرير ١/٤٧٩.]][[c=١٣٨]]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وذلك أنّ الله عز وجل خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس -وهُوَ آدم عليه السلام، فجعلهم سُكّانَ الأرض، وجعل الملائكة سكان السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا مِن أهل سماء الدنيا -يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزّان الجنة، رأسهم إبليس-، فهبطوا إلى الأرض، فلم يُكَلَّفُوا من العبادة فِي الأرض ما كُلِّفُوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله عز وجل إليهم: ﴿إني جاعل فِي الأرض خليفة﴾ سواكم، ورافعكم إليَّ. فكرهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهونَ الملائكةِ أعمالًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٩٦-٩٧.]]
آثار متعلقة بالآية
قولانِعن أبي ذر، أنّ النبي ﷺ قال: «أحبُّ الكلام إلى الله ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان ربي وبحمده». وفي لفظ: «سبحان الله وبحمده»١
عن سعيد بن جبير، أنّ عمر بن الخطاب سأل النبي ﷺ عن صلاة الملائكة. فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأتاه جبريل، فقال: إنّ أهل السماء الدنيا سجودٌ إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي المُلْك والمَلَكُوت. وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي العِزَّة والجَبَرُوت. وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان الحيِّ الذي لا يموت١
سياقات القصة كاملة
٥ أقوالعن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة بن الفَضْل- قال: لَمّا أراد اللهُ أن يخلق آدم بقدرته ليبتليه ويبتلي به، لعلمه بما في ملائكته وجميع خلقه -وكان أوَّل بلاء ابتُلِيَت به الملائكة مِمّا لها فيه ما تحب وما تكره؛ للبلاء والتمحيص لِما فيهم مِمّا لم يعلموا، وأحاط به علمُ الله منهم-؛ جمع الملائكة من سكان السموات والأرض، ثم قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. يقول: ساكنًا وعامِرًا ليسكنها ويعمُرَها، خلقًا ليس منكم. ثم أخبرهم بعلمه فيهم، فقال: يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء، ويعملون بالمعاصي. فقالوا جميعًا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾، لا نعصي، ولا نأتي شيئًا كرهته؟ ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ أي: فيكم ومنكم -ولم يُبْدِها لهم- من المعصية، والفساد، وسفك الدماء، وإتيان ما أكْرَه منهم، مما يكون في الأرض مما ذكرتُ في بني آدم. قال الله لمحمد ﷺ: ﴿ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين﴾ إلى قوله: ﴿فقعوا له ساجدين﴾ [ص:٦٩- ٧٢]. فذكر لنبيه ﷺ الذي كان من ذِكْرِه آدمَ ﷺ حين أراد خلقه، ومراجعة الملائكة إيّاه فيما ذكر لهم منه. فلَمّا عَزَم الله -تعالى ذِكْرُه- على خلق آدم قال للملائكة: ﴿إني خالق بشرا من صلصال من حمإٍ مسنون﴾ [الحجر:٢٨] بيديه تكرمة له، وتعظيمًا لأمره، وتشريفًا له؛ حفظت الملائكة عهده، ووعَوْا قوله، وأجمعوا لطاعته، إلا ما كان من عدو الله إبليس، فإنّه صمت على ما كان في نفسه من الحسد، والبغي، والتكبر، والمعصية. وخلق الله آدم من أدَمَة[[أدمة الأرض: باطنها، وقيل: ظاهرها. لسان العرب (أدم).]] الأرض، من طين لازب من حمإٍ مسنون، بيديه تكرمة له، وتعظيمًا لأمره، وتشريفًا له على سائر خلقه. قال ابن إسحاق: فيُقال -والله أعلم-: خلق الله آدم، ثم وضعه ينظر إليه أربعين عامًا قبل أن ينفخ فيه الروح، حتى عاد صلصالًا كالفخار، ولم تمسه نار. قال: فيُقال -والله أعلم-: إنه لَمّا انتهى الروح إلى رأسه عطس، فقال: الحمد لله. فقال له ربه: يرحمك ربك. ووقع الملائكة حين استوى سجودًا له؛ حفظًا لعهد الله الذي عهد إليهم، وطاعة لأمره الذي أمرهم به، وقام عدو الله إبليس من بينهم، فلم يسجد مُكابرًا مُتَعَظِّمًا، بغيًا وحسدًا، فقال له: ﴿يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ إلى ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ [ص:٧٥-٨٥]. قال: فلمّا فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبى إلا المعصية؛ أوقع عليه اللعنة، وأخرجه من الجنة. ثم أقبل على آدم، وقد علمه الأسماء كلها، فقال: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ أي: إنما أجبناك فيما علَّمْتَنا، فأما ما لم تُعَلِّمْنا فأنت أعلم به. فكان ما سمّى آدمُ من شيء كان اسمَه الذي هو عليه إلى يوم القيامة[[أخرجه ابن جرير ١/٤٩٦.]]
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح-: لَمّا فَرَغَ اللهُ مِن خَلْق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليسُ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكة يقال لهم: الجن؛ وإنما سموا الجِنَّ لأنهم خُزّان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا، فوقع في صدره كِبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد١ لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكِبْرُ في نفسه اطَّلَع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذريةٌ، يُفْسِدون في الأرض، ويَتَحاسَدُون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا، أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال: إني أعلم ما لا تعلمون. يعني: من شأن إبليس. فبعث جبريلَ - عليه السلام - إلى الأرض؛ ليأتيه بطِين منها، فقالت الأرض: إنِّي أعوذ بالله منك أن تنقص مني، أو تُشِينَنِي. فرجع، ولم يأخذ، وقال: ربِّ، إنها عاذتْ بك؛ فأعذتُها. فبعث الله ميكائيل، فعاذت منه، فأعاذها، فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض، وخلط، فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به، فبلَّ التراب حتى عاد طينًا لازِبًا -واللازِب: هو الذي يلتزق بعضه ببعض-، ثم تُرِك حتى أنتَن وتَغَيَّر، وذلك حين يقول: ﴿من حمإٍ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦]، قال: مُنتِن. ثم قال للملائكة: ﴿إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧٢]، فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عليه؛ ليقول له: تتكبَّر عما عَمِلْتُ بيَدَيَّ ولم أتكبر أنا عنه؟ فخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمَرَّت بهالملائكة، ففزِعوا منه لَمّا رَأَوْه، وكان أشدهم منه فَزَعًا إبليس، فكان يَمُرُّ فيضربه، فيُصَوِّت الجسدُ كما يُصَوِّت الفَخّارُ، وتكون له صَلْصَلَة، فذلك حين يقول: ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤]، ويقول: لأمر ما خُلِقْتَ. ودخل من فِيه، فخرج من دُبُرِه، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صَمَد، وهذا أجْوَف، لئن سُلِّطت عليه لأُهْلِكَنَّه. فلما بلغ الحينُ الذي يريد الله -جل ثناؤه- أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الروح، فدخل الروح في رأسه عَطَس، فقالت له الملائكة: قل: الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال له الله: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١]، أي: استكبر، وكان من الكافرين. قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خَلَقْتُ بيَدَيَّ؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر خلقتَه من طين. قال الله له: اخرج منها ﴿فما يكون لك﴾ يعني: ما ينبغي لك ﴿أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف: ١٣]. والصَّغار هو الذُّلُّ. قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾، ثم عَرَض الخلق على الملائكة، فقال: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أنّ بني آدم يُفْسِدون في الأرض، ويسفكون الدماء. فقالوا له: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾. قال الله: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. قال: قولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، فهذا الذي أبدوا، وأعلم ما كنتم تكتمون، يعني: ما أسَرَّ إبليسُ في نفسه من الكِبْر٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: كان إبليس مِن حَيٍّ من أحياء الملائكة، يقال لهم: الجن، خُلِقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه: الحارث. قال: وكان خازِنًا من خُزّان الجنة. قال: وخُلِقَت الملائكة كلهم من نورٍ غير هذا الحي. قال: وخُلِقَت الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآن من مارج من نار -وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا أُلهِبَت-. قال: وخُلِق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جُندٍ من الملائكة -وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن-، فقتلهم إبليسُ ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلمّا فعل إبليس ذلك اغْتَرَّ في نفسه، وقال: قد صنعتُ شيئًا لم يصنعه أحد. قال: فاطَّلع اللهُ على ذلك مِن قلبه، ولم تَطَّلِع عليه الملائكةُ الذين كانوا معه؛ فقال الله للملائكة الذين معه: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾، كما أفسدت الجنُّ، وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك. فقال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. يقول: إني قد اطَّلَعْتُ مِن قَلْب إبليس على ما لم تَطَّلِعوا عليه من كِبْره واغْتِراره. قال: ثم أمر بتربة آدم فرُفِعَت، فخلق الله آدم من طين لازِب -واللازب: اللَّزِج الطيِّب- من حَمَأٍ مَسْنُون مُنتِن. قال: وإنما كان حَمَأً مسنونًا بعد التراب. قال: فخلق منه آدم عليه السلام بيده. قال: فمكث أربعين ليلة جسدًا مُلْقًى، فكان إبليس يأتيه، فيضربه برجله، فيُصَلْصِل -أي: فيُصَوِّت-. قال: فهو قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن:١٤]. يقول: كالشيء المنفوخ الذي ليس بمُصْمَت. قال: ثم يدخل في فِيه، ويَخْرُج من دُبُرِه، ويدخل من دُبُره، ويَخْرُج مِن فيه. ثم يقول: لَسْتَ شيئًا للصَّلْصَلَة، ولشيء ما خُلِقت! لَئِن سُلِّطتُّ عليك لأُهْلِكَنَّك، ولئن سُلِّطتَّ عَليَّ لأَعْصِيَنَّك. قال: فلمّا نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قِبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودَمًا، فلما انتهت النفخة إلى سُرَّتِه نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من حُسْنه، فذهب لينهض فلم يَقْدِر، فهو قول الله: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء:١١]. قال: ضَجِرًا، لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال: فلمّا تَمَّت النفخة في جسده عَطَس، فقال: الحمد لله رب العالمين. بإلهام الله له. فقال الله له: يرحمك الله، يا آدم. قال: ثم قال الله للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى واستكبر، لِما كان حدَّث به نفسَه من كِبْرِه واغْتِراره، فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سِنًّا، وأقوى خَلْقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إنّ النار أقوى من الطين. قال: فلَمّا أبى إبليسُ أن يسجد أبْلَسَه الله، أي: آيَسَه من الخيرِ كُلِّه، وجعله شيطانًا رجيمًا؛ عقوبة لمعصيته. ثُمَّ عَلَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة -يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خُلِقوا من نار السَّموم-، وقال لهم: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾ يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء، ﴿إن كنتم صادقين﴾: إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. قال: فلَمّا علمت الملائكةُ مؤاخذة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم، قالوا: ﴿سبحانك﴾ تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تُبْنا إليك، ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ تَبَرِّيًا منهم من علم الغيب ﴿إلا ما علمتنا﴾ كما علمتَ آدم. فقال: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾ يقول: أخْبِرْهم بأسمائهم، ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم، ﴿قال ألم أقل لكم﴾ أيها الملائكة خاصة: ﴿إني أعلم غيب السموات والأرض﴾، ولا يعلمه غيري، ﴿وأعلم ما تبدون﴾ يقول: ما تظهرون، ﴿وما كنتم تكتمون﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كَتَم إبليسُ في نفسه من الكِبْر والاغْتِرار١٢
عن الحسن البصري -من طريق جرير بن حازم، ومبارك، وأبي بكر-، وقتادة -من طريق أبي بكر- قالا: قال الله لملائكته: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قال لهم: إني فاعل. فَعَرَّضُوا برأيهم، فعلَّمَهم عِلْمًا، وطوى عنهم عِلْمًا عَلِمَه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذي علَّمهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. وقد كانت الملائكةُ عَلِمَتْ من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء، ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾. فلما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينها، فقالوا: ليخلق ربُّنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقًا إلا كنا أعلم منه، وأكرم عليه منه. فلمّا خلقه، ونفخ فيه من روحه، أمرهم أن يسجدوا له لِما قالوا، ففضَّله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرًا منه فنحن أعلم منه؛ لأنّا كُنّا قبله، وخُلِقَت الأمم قبله. فلما أُعْجِبوا بعلمهم ابتُلُوا، ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أنِّي لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبِروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قال: ففَزِع القوم إلى التوبة -وإليها يفزَع كلُّ مؤمن-، فقالوا: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾ لقولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أكرم عليه مِنّا، ولا أعلم مِنّا. قال: علَّمه اسمَ كل شيء، هذه الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن، والوحش، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة: ﴿قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. قال: أمّا ما أبْدَوا فقولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. وأما ما كتموا فقول بعضهم لبعض: نحن خير منه، وأعلم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وذلك أن اللَّه عز وجل خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس، وهو آدم عليه السلام، فجعلهم سُكّانَ الأرض، وجعل الملائكة سُكّانَ السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا من أهل سماء الدنيا -يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزّان الجنة، رأسهم إبليس-، فهبطوا إلى الأرض، فلم يُكَلَّفوا من العبادة في الأرض ما كُلِّفوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله عز وجل إليهم: ﴿إني جاعل فِي الأرض خليفة﴾ سواكم، ورافعكم إلَيَّ. فكَرِهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهون الملائكة أعمالًا. ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ يقول: أتجعل في الأرض ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ يعني: مَن يعمل فيها بالمعاصي، ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ بغير حق كفعل الجن، ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ يقول: نحن نذكرك بأمرك. كقوله سبحانه: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣] يعني: يذكره بأمره. ﴿ونقدس لك﴾ ونُصَلِّي لك، ونُعَظِّم أمرك. قال الله سبحانه: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنّ فِي علمي أنّكم سكان السماء، ويكون آدم وذريته سكان الأرض، ويكون منهم من يسبح بحمدي ويعبدني. فخلق آدم عليه السلام من طين أحمر وأبيض، من السَّبَخَةِ١ والعَذْبَةِ؛ فَمِن ثَمَّ نسلُه أبيض وأحمر وأسود، مؤمن وكافر. فحَسَد إبليسُ تلك الصورة، فقال للملائكة الذين هم معه: أرأيتم هذا الذي لم تَرَوْا شيئًا من الخلق على خِلْقَته، إن فُضِّل عَلَيَّ ماذا تصنعون؟ قالوا: نسمع ونطيع لأمر الله. وأَسَرَّ عدوُّ الله إبليسُ في نفسه: لَئِن فُضِّل آدمُ عليه لا يطيعه، ولَيَسْتَفِزَّنَّه. فتُرِك آدمُ طينًا أربعين سنة مُصَوَّرًا، فجعل إبليس يدخل من دُبُرِه ويخرج من فِيهِ، ويقول: أنا نار وهذا طين أجوف، والنار تغلب الطين، ولأَغْلِبَنَّه. فذلك قوله عز وجل: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠]، يعني: قوله يومئذ: لأغلبنه. وقوله: ﴿لأحتنكن﴾ يعني: لأَحْتَوِيَنَّ على ﴿ذريته إلّا قليلا﴾ [الإسراء:٦٢]. فقال للرُّوح: ادخلي هذا الجَسَد. فقالت: أيْ ربِّ، أين تُدْخِلُنِي هذا الجسد المظلم؟! فقال الله -تبارك وتعالى-: ادخُلِيه كُرْهًا. فدخلته كُرْهًا، وهي لا تخرج منه إلّا كُرْهًا. ثُمَّ نُفِخ فيه الروحُ من قِبَل رأسه، فترددت الرُّوحُ فيه حتّى بَلَغَت نِصْفَ جسده موضع السُّرَّة، فعَجَّل للقعود، فذلك قوله تعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١]. فجَعَلَت الرُّوحُ تَتَرَدَّدُ فيه، حتّى بلغت أصابع الرِّجْلَيْن، فأرادت أن تخرج منها فلم تَجِد منفذًا، فرجعت إلى الرأس، فخرجت من المِنخَرَيْنِ، فعطس عند ذلك لخروجها من مِنخَرَيْهِ، فقال: الحمد لله. فكان أول كلامه، فرد ربُّه عز وجل: يرحمك الله، لهذا خلقتك، تُسَبِّح بحمدي، وتُقَدِّس لي. فسبقت رحمتُه لآدم عليه السلام. ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها﴾ ثُمّ إن اللَّه تبارك وتعالى حشر الطير، والدوابَّ، وهوام الأرض كلها، فعلم آدم عليه السلام أسماءَها، فقال: يا آدم، هذا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار. حتى سَمّى له كلَّ دابة، وكل طير باسمه، ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلى المَلائِكَةِ﴾ ثُمَّ عرض أهل تلك الأسماء على الملائكة الذين هم في الأرض، ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي﴾ يعني: أخبِروني ﴿بِأَسْماءِ هؤُلاءِ﴾ يعني: دواب الأرض كلها، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بأنِّي جاعلٌ في الأرض مَن يُفسِد فيها ويَسْفِك الدماء. ﴿قالُوا﴾ قالت الملائكة: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾. قال الله عز وجل لهم: كيف تَدَّعُون العلمَ فيما لَمْ يُخْلق بعدُ، ولَم تَرَوْه، وأنتم لا تعلمون مَن تَرَوْن. قال الله عز وجل لآدم: يا آدم، ﴿أنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾. يقول: أخبر الملائكة بأسماء دواب الأرض والطير كلها. ففعل، قال الله عز وجل: ﴿فَلَمّا أنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ﴾ ما يكون في ﴿السَّماواتِ والأَرْضِ وأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ يعني: ما أظهرت الملائكةُ لإبليس من السمع والطاعة للرَّبِّ، ﴿و﴾ أعلم ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: إبليس وحده؛ ما كان أسَرَّ إبليسُ في نفسه من المعصية لله عز وجل في السجود لآدم٢
وقفات تدبرية في الآية ٣٠ من سورة البقرة
٣١ وقفةً في هذه الآية
-
"أتجعل فيها من يُفسد فيها" استعظمت الملائكة الإفساد لبعدها عنه..وكذلك تجد الطائع يستعظم الصغائر..والفاسق تهون عنده الكبائر ! حالك قطعة منك!
— علي الفيفي
-
"أتجعل فيها من يفسد فيها (ويسفك الدماء)" علمت الملائكة أن سفك الدماء عند ربها أمر عظيم. فذكرته في تعجبها.
— عبدالله بلقاسم
-
قالت الملائكة : ﴿ وَنَحْنُ نُسبّح بحمدك ﴾ ؛ أي بمعنى عموم الذكر كالتسبيح والتهليل والحمد والثناء والحوقلة (لا حول ولا قوة إلّا بالله).
— فرائد قرآنية
-
{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} رغم أن سفك الدماء نوع من الفساد،إلا أنه أفرده بالذكر تخصيصا لفداحة جرمه وشناعة ذنبه. [فريد الأنصاري]
— محاسن التاويل
-
﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ ﴾ ، أخبرت الملائكة بأرجي أعمالها عند ربها وهو التسبيح، سبِّح معهم، سبحان الله وبحمده.
— عبدالله بلقاسم
-
مجالس في تدبر القران تدبر أية 30 سورة البقرة
— خالد السبت
-
سورة البقرة (30)
— محمد الربيعة
-
(لِلْمَلَائِكَةِ). المقصود بهم هم الملائكة الذين لهم علاقة بخلق آدم من الكتبة والحفظة والرقيب والعتيد وغيرهم ، فهناك ملائكة لا يشملهم هذا الخطاب بدليل قوله تعالى لإبليس ( استكبرت أم كنت من العالين) ص75، والعالون هم ملائكة الملأ الأعلى .(في المطبوع 1/255)
— محمد متولي الشعراوي
-
هدايات من تفسير السعدي
— سعود بن خالد آل سعود الكبير
-
برنامج إنه ربـي
— محمد الدويش
-
برنامج هدى للناس سورة البقرة أية 30
— العباس الحازمي
-
الإنسان نال من الله تعالى أعظم تكريم وشرف إنه إنسان بنفخة من روح الله { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } وهو خليفة من الله في الأرض { إنّي جاعل في الأرض خليفة } وسخر الله تعالى له كل شيء{ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض } أيضًا خلقه الله تعالى بيديه { لما خلقت بيدي } فأي تكريم وشرف هذا !
— صالح التركي / من لطائف القرآن
و١٩ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
فتاوى متعلقة بالآية ٣٠ من سورة البقرة
٦ فتاوى تتعلق بهذه الآية
- لماذا كانت قصة إغواء إبليس لآدم وقد خلقه الله لخلافة الأرض ؟
- حول قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}
- يقول السائل: يقول الله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ...
- قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . كيف...
- نرجو أن تفتونا عن معنى قول الله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً . نرجو أن توضحوا لنا معنى ( خليفة ) في هذه الآية، وكيف نوفق بين الآية السابقة وقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِ...
- في الآية ٣٠ من سورة البقرة قال تعالى : (إني جاعل في الأرض خليفة) ولم يقل إني خالق في الأرض خليفة هل يدل ذلك على أن الله خلق آدم في الجنة؟
ترجمات معاني الآية ٣٠ من سورة البقرة
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(30) And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."[17] They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"[18] He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."
[17]- Khalīfah: successor, or generations of man, one following another.
[18]- An additional meaning is "...and we purify ourselves for You."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا