الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال : ما كان في القرآن ﴿إذ﴾ فقد كان.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله ﴿إني جاعل﴾ قال : فاعل.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : كل شيء في القران ﴿جعل﴾ فهو خلق.
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال : إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه ثم قرأ ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها قال الله ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو الجان، ففسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء. فلما أفسدوا في الأرض بعث عليهم جنودا من الملائكة، فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ كما فعل أولئك الجان فقال الله ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر. مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، فكان خازنا من خزان الجنة، وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي، وخلقت الجن من مارج من نار. وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت، فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتلوا بعضهم بعضا، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر بنفسه وقال : قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد، فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم يطلع عليه الملائكة. فقال الله للملائكة ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ فقالت الملائكة ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ كما أفسدت الجن قال ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ يقول : إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره.
ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم عليه السلام من طين ( لازب ) واللازب اللزج الطيب من ( حمأ مسنون ) منتن، وإنما كان حمأ مسنون بعد التراب، فخلق منه آدم بيده، فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى، فكان إبليس يأتيه يضربه برجله، فيصلصل فيصوت ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فمه، ثم يقول : لست شيئا. ولشيء ما خلقت ! ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت على لأعصينك. فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحما ودما، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر. فهو قول الله ( خلق الإنسان من عجل }.
فلما تممت النفخة في جسده عطس فقال ( الحمد لله رب العالمين ) بإلهام من الله فقال الله له " يرحمك الله يا آدم "، ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات :( اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ) لما حدث في نفسه من الكبر فقال : لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سنا، وأقوى خلقا، فأبلسه الله وآيسه من الخير كله، وجعله شيطانا رجيما.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي العالية قال : إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن. فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض. فمن ثم قالوا ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : لما خلق الله النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا وقالوا : ربنا لم خلقت هذه ؟ قال : لمن عصاني من خلقي - ولم يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة - قالوا : يا رب ويأتي علينا دهر نعصيك فيه ؟ قال : لا. إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا، وأجعل فيها خليفة يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض قالوا ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ فاجعلنا نحن فيها ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾.
وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة. لما فرغ الله من خلق ما أحب، استوى على العرش فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا. وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزائن الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازنا، فوقع في صدره كبر وقال : ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد أو لمزية لي، فاطلع الله على ذلك منه فقال للملائكة ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ قالوا ربنا ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. . . قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿وإذ قال ربك للملائكة. . .﴾ الآية. قال : إن الله قال للملائكة : إني خالق بشرا، وإنهم متحاسدون فيقتل بعضهم بعضا ويفسدون في الأرض. فلذلك قالوا ﴿أتجعل من يفسد فيها﴾ قال : وكان إبليس أميرا على ملائكة سماء الدنيا، فاستكبر وهم بالمعصية وطغى، فعلم الله ذلك منه. فذلك قوله ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ وإن في نفس إبليس بغيا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ قال : قد علمت الملائكة وعلم الله أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض.
وأخرج ابن المنذر وابن بطة في أماليه عن ابن عباس قال : إياكم والرأي فإن الله تعالى رد الرأي على الملائكة، وذلك أن الله تعالى قال ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ قالت الملائكة ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها. . . قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة عن أنس قال " قال رسول الله ﷺ : إن أول من لبى الملائكة قال الله ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ قال :" فزادوه فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون : لبيك لبيك اعتذارا إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك ".
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن سابط " أن النبي ﷺ قال : دحيت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت فهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ وكان النبي إذا هلك قومه نجا هو والصالحون أتاها هو ومن معه، فيعبدون الله بها حتى يموتوا فيها، وإن قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح، بين زمزم وبين الركن والمقام ".
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ قال ﴿التسبيح﴾ التسبيح و ﴿التقديس﴾ الصلاة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي ذر " أن النبي ﷺ قال : أحب الكلام إلى الله ما اصطفاه الله لملائكته. سبحان ربي وبحمده - وفي لفظ - سبحان الله وبحمده ".
وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير " أن عمر بن الخطاب سأل النبي ﷺ عن صلاة الملائكة، فلم يرد عليه شيئا. فأتاه جبريل فقال : إن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة، يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة، يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة، يقولون : سبحان الحي الذي لا يموت ".
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله ﴿ونقدس لك﴾ قال : نصلي لك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ﴿التقديس﴾ التطهير.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ﴿ونقدس لك﴾ قال : نعظمك ونكبرك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح في قوله ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ قال : نعظمك ونمجدك.
وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير في قوله ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ قال. علم من إبليس وخلقه لها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ قال : كان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في الأمل عن الحسن قال : لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة : ربنا إن الأرض لم تسعهم قال : إني جاعل موتا قالوا : إذا لا يهنأ لهم العيش قال : إني جاعل أملا.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن حبان في صحيحه والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمر " أنه سمع رسول الله ﷺ يقول : إن آدم لما أهبطه إلى الأرض قالت الملائكة : أي رب ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ قالوا : ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال الله للملائكة : هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان ؟ فقالوا : ربنا هاروت وماروت. . . قال فاهبطا إلى الأرض، فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت : لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك قالا : والله لا نشرك بالله أبدا. فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها فقالت : لا والله حتى تقتلا هذا الصبي قالا : لا والله لا نقتله أبدا. فذهبت ثم رجعت بقدح من خمر، فسألاها نفسها فقالت : لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي. فلما أفاقا قالت المرأة : والله ما تركتما شيئا أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ".
وأخرج ابن سعد في طبقاته وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والحكيم في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال " قال رسول الله ﷺ : إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض. جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب ".
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : خلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة قالوا كيف خلقت قبل وهي من الأرض ؟ قال : كانت حشفة على الماء عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها في وسط الأرض، فلما أراد الله أن يخلق آدم بعث ملكا من حملة العرش يأتي بتراب من الأرض، فلما هوى ليأخذ قالت الأرض : أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني اليوم شيئا يكون منه للنار نصيب غدا، فتركها فلما رجع إلى ربه قال : ما منعك أن تأتي بما أمرتك ؟ قال : سألتني بك فعظمت أن أرد شيئا سألني بك، فأرسل ملكا آخر فقال : مثل ذلك حتى أرسلهم كلهم، فأرسل ملك الموت فقالت له : مثل ذلك قال : إن الذي أرسلني أحق بالطاعة منك. فأخذ من وجه الأرض كلها. من طيبها، وخبيثها، حتى كانت قبضة عند موضع الكعبة، فجاء به إلى ربه فصب عليه من ماء الجنة، فجاء حمأ مسنونا، فخلق منه آدم بيده، ثم مسح على ظهره فقال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى