تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر(١) تعالى بامتنانه على بني آدم، بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ أي : واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [ وهو أبو عبيدة ](٢) أنه زعم أن " إذ " هاهنا زائدة، وأن تقدير الكلام : وقال ربك. ورده ابن جرير.
قال القرطبي : وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج : هذا اجتراء(٣) من أبي عبيدة.
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي : قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى :﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]. وقال ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]. وقال ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩]. [ وقرئ في الشاذ :" إني جاعل في الأرض خليقة " حكاه الزمخشري وغيره ونقلها القرطبي عن زيد بن علي ](٤). وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم، عليه السلام، فقط، كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير، حكاه فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فإنهم(٥) إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون [ أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم والمآثم، قاله القرطبي ](٦) أو أنهم قاسوهم على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.
وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين [ وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي : لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا. قال قتادة : وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ الآية ](٧) وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون : يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي : نصلي لك كما سيأتي، أي : ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا ؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي : إني أعلم من المصلحة(٨) الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها(٩) ما لا تعلمون أنتم ؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.
وقد ثبت في الصحيح(١٠) : أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه السلام :" يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل " فقولهم : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقيل : معنى قوله جوابًا لهم :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها، وقيل : إنه جواب لقولهم :﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي : من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل : بل تضمن قولهم :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم :﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها فخر الدين مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم.
ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه :
قال ابن جرير : حدثني القاسم بن الحسن قال : حدثنا الحسين قال : حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن وقتادة، قالوا : قال الله للملائكة :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم : إني فاعل. وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك.
وقال السدي : استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم، قال(١١) : وروي عن قتادة نحوه. وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن، والله أعلم.
﴿فِي الأرْضِ﴾ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد(١٢) حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله(١٣) ﷺ قال :" دُحِيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، فقال الله : إني جاعل في الأرض خليفة، يعني مكة " (١٤).
وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.
﴿خَلِيفَةً﴾ قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا(١٥) : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا.
قال ابن جرير : فكان تأويل الآية على هذا :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ مني، يخلفني في الحكم بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم(١٦) بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها(١٧) فمن غير خلفائه.
قال ابن جرير : وإنما [ كان تأويل الآية على هذا ](١٨) معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا.
قال : والخليفة الفعلية من قولك، خلف فلان فلانا في هذا الأمر : إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال تعالى :﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم : خليفة ؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خَلَفًا.
قال : وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ يقول : ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلفا ليس منكم.
قال ابن جرير : وحدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : أول من سكن الأرض الجنُّ، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال : فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم(١٩) بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم وأسكنه إياها، فلذلك قال :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾(٢٠).
وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال : يعنون [ به ](٢١) بني آدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : قال الله للملائكة : إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة وليس لله، عز وجل، خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها [ ويسفك الدماء ](٢٢) ؟ !
وقد تقدم ما رواه السدي، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة : أن الله أعلم الملائكة بما يفعل ذرّية آدم، فقالت الملائكة ذلك. وتقدم آنفا(٢٣) ما رواه الضحاك، عن ابن عباس : أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن بُكَير(٢٤) بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال : كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فبعث الله جندا من الملائكة فضربوهم، حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ قال : إني أعلم ما لا تعلمون(٢٥).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله :﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] قال : خلق الله الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة ؛ فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء بينهم، وكان الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كما أفسدت الجن ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما سَفَكُوا.
قال ابن أبي حاتم : وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن، قال : قال الله للملائكة :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم : إني فاعل. فآمنوا بربهم(٢٦)، فعلمهم علمًا وطوى عنهم علمًا علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهم :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ؟ ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
قال الحسن : إن الجن كانوا في الأرض يفسدون(٢٧) ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كان [ الله ](٢٨) أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا :﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾(٢٩).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف، يعني ابن خَرّبوذ المكي، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول : السّجِلّ ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور، فأسَر ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلما قال تعالى :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قالا ذلك استطالة على الملائكة.
وهذا أثر غريب. وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد
١ في جـ: "أخبر"..
٢ زيادة من جـ، ط، أ، و..
٣ في أ: "إجرام"..
٤ زيادة من جـ، ط، أ، و..
٥ في جـ، ب: "فإن الله"..
٦ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٧ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٨ في جـ: "بالمصلحة"..
٩ في جـ: "الذي ذكروها"..
١٠ صحيح مسلم برقم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
١١ في جـ، ط: "وقال"..
١٢ في جـ: "أحمد"..
١٣ في جـ، ط، ب: "النبي"..
١٤ تفسير ابن أبي حاتم (١/١٠٨).
.

١٥ في جـ: "فقالوا"..
١٦ في جـ: "وحكم"..
١٧ في جـ، ط، أ: "حقها"..
١٨ زيادة من جـ..
١٩ في جـ: "ألحقوهم"..
٢٠ تفسير الطبري (١/٤٥٠)..
٢١ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٢٢ زيادة من جـ..
٢٣ في جـ، ط: "أيضا".
.

٢٤ في أ: "بكر"..
٢٥ تفسير ابن أبي حاتم (١/١٠٩)..
٢٦ في أ، و: "أفأمنوا برأيهم"..
٢٧ في جـ: "يفسدون في الأرض"..
٢٨ زيادة من جـ، ط، ب، أ..
٢٩ تفسير عبد الرزاق (١/٦٥).
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى