البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
إذ : اسم ثنائي الوضع مبني لشبهه بالحرف وضعاً أو افتقاراً، وهو ظرف زمان للماضي، وما بعده جملة اسمية أو فعلية، وإذا كانت فعلية قبح تقديم الاسم على الفعل وإضافته إلى المصدرة بالمضارع، وعمل المضارع فيه مما يجعل المضارع ماضياً، وهو ملازم للظرفية إلا أن يضاف إليه زمان، ولا يكون مفعولاً به، ولا حرفاً للتعليل أو المفاجأة، ولا ظرف مكان، ولا زائدة، خلافاً لزاعمي ذلك، ولها أحكام غير هذا ذكرت في النحو.
الملك : ميمه أصلية وهو فعل من الملك، وهو القوة، ولا حذف فيه، وجمع على فعائله شذوذاً، قاله أبو عبيدة، وكأنهم توهموا أنه ملاك على وزن فعال، وقد جمعوا فعالاً المذكر، والمؤنث على فعائل قليلاً.
وقيل وزنه في الأصل فعأل نحو شمأل ثم نقلوا الحركة وحذفوا، وقد جاء فيه ملأك، فيحتمل أن يكون فعأ، وعلى هذا تكون الهمزة زائدة في فاء الكلمة وعينها، فمنهم من قال : الفاء لام، والعين همزة، من لاك إذا أرسل، وهي لغة محكية، فملك أصله ملأك، فخفف بنقل الحركة والحذف إلى فعل، قال الشاعر :
فلست لإنسى ولكن لملأكتنزل من جو السماء يصوب
فجاء به على الأصل، وهذا قول أبي عبيدة، واختاره أبو الفتح، وملائكة على هذا القول مفاعلة.
ومنهم من قال الفاء همزة، والعين لام من الألوكة، وهي الرسالة، فيكون على هذا أصله مألكاً، ويكون ملأك مقلوباً، جعلت فاؤه مكان عينه، وعينه مكان فائه، فعلى هذا القول يكون في وزنه معلاً.
ومنهم من قال : الفاء لام، والعين واو، ومن لاك الشيء : أداره في فيه، وصاحب الرسالة يديرها في فيه، فهو مفعل من ذلك، نحو : معاذ، ثم حذفوا العين تخفيفاً.
فعلى هذا القول يكون وزنه معلاً، وملائكة على القول مفاعلة، والهمزة أبدلت من واو كما أبدلت في مصائب.
وقال النضر بن شميل : الملك لا تشتق العرب فعله ولا تصرفه، وهو مما فات علمه، انتهى.
والتاء في الملائكة لتأنيث الجمع، وقيل : للمبالغة، وقد ورد بغير تاء، قال الشاعر :
أنا خالد صلت عليك الملائك***
خليفة : فعيلة، وفعيلة تأتي بمعنى الفاعل للمبالغة، كالعليم، أو بمعنى المفعول كالنطيحة، والهاء للمبالغة.
السفك : الصب والإراقة، لا يستعمل إلا في الدم، ويقال : سفك وسفك وأسفك بمعنى، ومضارع سفك يأتي على يفعل ويفعل.
الدماء : جمع دم، ولأمه ياء أو واو محذوفة لقولهم : دميان ودموان، وقصره وتضعيفه مسموعان من لسان العرب.
والمحذوف اللام، قيل : أصله فعل، وقيل : فعل، التسبح : تنزيه الله وتبرئته عن السوء، ولا يستعمل إلا لله تعالى، وأصله من السبح، وهو الجري.
والمسبح جار في تنزيه الله تعالى، التقديس : التطهير، ومنه بيت المقدس والأرض المقدسة، ومنه القدس : السطل الذي يتطهر به، والقداس : الجمان، قال الشاعر :
كنظم قداس سلكه متقطع***
وقال الزمخشري : من قدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد.
﴿وإذ قال ربك للملائكة﴾ : لم يرد في سبب نزول هذه الآيات شيء.
ومناسبتها لما قبلها أنه لما امتن عليهم بخلق ما في الأرض لهم، وكان قبله إخراجهم من العدم إلى الوجود، أتبع ذلك ببدء خلقهم، وامتن عليهم بتشريف أبيهم وتكريمه وجعله خليفة وإسكانه دار كرامته، وإسجاد الملائكة تعظيماً لشأنه وتنبيهاً على مكانه واختصاصه بالعلم الذي به كمال الذات وتمام الصفات، ولا شك أن الإحسان إلى الأصل إحسان إلى الفرع، وشرف الفرع بشرف الأصل.
واختلف المعربون في إذ، فذهب أبو عبيدة وابن قتيبة إلى زيادتها، وهذا ليس بشيء، وكان أبو عبيدة وابن قتيبة ضعيفين في علم النحو.
وذهب بعضهم إلى أنها بمعنى قد، التقدير : وقد قال ربك، وهذا ليس بشيء، وذهب بعضهم إلى أنه منصوب نصب المفعول به بأذكر، أي واذكر :﴿إذ قال ربك﴾، وهذا ليس بشيء، لأن فيه إخراجها عن بابها، وهو أنه لا يتصرف فيها بغير الظرفية، أو بإضافة ظرف زمان إليها.
وأجاز ذلك الزمخشري وابن عطية وناس قبلهما وبعدهما، وذهب بعضهم إلى أنها ظرف.
واختلوا، فقال بعضهم : هي في موضع رفع، التقدير : ابتداء خلقكم.
وقال بعضهم في موضع نصب، التقدير : وابتداء خلقكم، إذ قال ربك.
وناسب هذا التقدير لما تقدم قوله :﴿خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ وكلا هذين القولين لا تحرير فيه، لأن ابتداء خلقنا لم يكن وقت قول الله للملائكة :﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، لأن الفعل العامل في الظرف لا بد أن يقع فيه، أما أن يسبقه أو يتأخر عنه، فلا لأنه لا يكون له ظرفاً.
وذهب بعضهم إلى أن إذ منصوب يقال بعدها، وليس بشيء، لأن إذ مضافة إلى الجملة بعدها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
وذهب بعضهم إلى أن نصبها بأحياكم، تقديره :﴿وهو الذي أحياكم﴾ ﴿إذ قال ربك﴾، وهذا ليس بشيء لأنه حذف بغير دليل، وفيه أن الإحياء ليس واقعاً في وقت قول الله للملائكة، وحذف الموصول وصلته، وإبقاء معمول الصلة.
وذهب بعضهم إلى أنه معمول لخلقكم من قوله تعالى :﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ ﴿إذ قال ربك﴾، فتكون الواو زائدة، ويكون قد فصل بين العامل والمعمول بهذه الجمل التي كادت أن تكون سوراً من القرآن، لاستبداد كل آية منها بما سيقت له، وعدم تعلقها بما قبلها التعلق الإعرابي.
فهذه ثمانية أقوال ينبغي أن ينزل كتاب الله عنها.
والذي تقتضيه العربية نصبه بقوله :﴿قالوا أتجعل﴾، أي وقت قول الله للملائكة :﴿إني جاعل في الأرض﴾، ﴿قالوا أتجعل﴾، كما تقول في الكلام : إذ جئتني أكرمتك، أي وقت مجيئك أكرمتك، وإذ قلت لي كذا قلت لك كذا.
فانظر إلى حسن هذا الوجه السهل الواضح، وكيف لم يوفق أكثر الناس إلى القول به، وارتبكوا في دهياء وخبطوا خبط عشواء.
وإسناد القول إلى الرب في غاية من المناسبة والبيان، لأنه لما ذكر أنه خلق لهم ما في الأرض، كان في ذلك صلاح لأحوالهم ومعايشهم، فناسب ذكر الرب وإضافته إلى رسول الله ﷺ تنبيه على شرفه واختصاصه بخطابه، وهز لاستماع ما يذكر بعد ذلك من غريب افتتاح هذا الجنس الإنساني، وابتداء أمره ومآله.
وهذا تنويع في الخطاب، وخروج من الخطاب العام إلى الخطاب الخاص، وفي ذلك أيضاً إشارة لطيفة إلى أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها، إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه، ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه وجعل أفضل أنبيائه أمّ بهم ليلة إسرائه، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه وفي دارَي تكليفه وجزائه.
واللام في للملائكة : للتبليغ، وهو أحد المعاني التي جاءت لها اللام، فظاهر لفظ الملائكة العموم.
وقال بذلك قوم، وقال قوم هو عام المراد به الخصوص، وهم سكان الأرض من الملائكة بعد الجان.
وقيل : هم المحاربون مع إبليس.
ومعمول القول إني جاعل، وكان ذلك مصدراً بأن، لأن المقصود تأكيد الجملة المخبر بها، وإن هذا واقع لا محالة وإن تكسر بعد القول، ولفتحها بعده عند أكثر العرب شروط ذكرت في النحو، وبنو سليم يفتحونها بعده من غير شرط، وقال شاعرهم :
إذا قلت إني آيب أهل بلدةنزعت بها عنها الولية بالهجر
جاعل : اسم فاعل بمعنى الاستقبال، ويجوز إضافته للمفعول إلا إذا فصل بينهما كهذا، فلا يجوز، وإذا جاز إعماله، فهو أحسن من الإضافة، نص على ذلك سيبويه، وقال الكسائي : هما سواء، والذي أختاره أن الإضافة أحسن، وقد ذكرنا وجه اختيارنا ذلك في بعض ما كتبناه في العربية.
وفي الجعل هنا قولان : أحدهما : أنه بمعنى الخلق، فيتعدى إلى واحد، قاله أبو روق، وقريب منه ما روي عن الحسن وقتادة أنه بمعنى فاعل، ولم يذكر ابن عطية غير هذا.
والثاني : أنه بمعنى التصيير، فيتعدى إلى اثنين.
والثاني هو في الأرض، أي : مصير في الأرض خليفة، قاله الفراء، ولم يذكر الزمخشري غيره.
وكلا القولين سائغ، إلا أن الأول عندي أجود، لأنهم قالوا :﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ ؟ فظاهر هذا أنه مقابل لقوله :﴿جاعل في الأرض خليفة﴾.
فلو كان الجعل الأول على معنى التصيير لذكره ثانياً، فكان : أتجعل فيها خليفة من يفسد فيها ؟ وإذا لم يأت كذلك، كان معنى الخلق أرجح.
ولا احتياج إلى تقدير خليفة لدلالة ما قبله عليه، لأنه إضمار، وكلام بغير إضمار أحسن من كلام بإضمار، وجعل الخبر اسم فاعل، لأنه يدل على الثبوت دون التجدد شيئاً شيئاً.
والجعل : سواء كان بمعنى الخلق أو التصيير، وكان آدم هو الخليفة على أحسن الفهوم، لم يكن إلا مرة واحدة، فلا تكرر فيه، إذ لم يخلقه أو لم يصيره خليفة إلا مرة واحدة.
وقوله : في الأرض : ظاهره الأرض كلها، وهو قول الجمهور.
وقيل : أرض مكة.
وروى ابن سابط هذا التفسير بأنها أرض مكة مرفوعاً إلى النبي ﷺ، فإن صح ذلك لم يعدل عنه، قيل : ولذلك سمي وسطها بكة، لأن الأرض بكت من تحتها، واختصت بالذكر لأنها مقر من هلك قومه من الأنبياء، ودفن بها نوح وهود وصالح بين المقام والركن، وتكون الألف واللام فيها للعهد نحو :﴿فلن أبرح الأرض﴾ ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض﴾ ﴿استضعفوا في الأرض﴾ وقال الشاعر :
يقولون لي أرض الحجاز حديثةفقلت وما لي في سوى الأرض مطلب
وقرأ الجمهور : خليفة، بالفاء، ويحتمل أن يكون بمعنى الخالف، ويحتمل أن يكون بمعنى المخلوف، وإذا كان بمعنى الفاعل كان معناه : القائم مقام غيره في الأمر الذي جعل إليه.
والخليفة، قيل : هو آدم لأنه خليفة عن الملائكة الذين كانوا في الأرض، أو عن الجن بني الجان، أو عن إبليس في ملك الأرض، أو عن الله تعالى، وهو قول ابن مسعود وابن عباس.
والأنبياء هم خلائف الله في أرضه، واقتصر على آدم لأنه أبو الخلائف، كما اقتصر على مضر وتميم وقيس، والمراد القبيلة.
وقيل : ولد آدم لأنه يخلف بعضهم بعضاً : إذا هلكت أمة خلفتها أخرى، قاله الحسن، فيكون مفرداً أُريد به الجمع، كما جاء :﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ ﴿ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ وقيل : الخليفة اسم لكل من انتقل إليه تدبير أهل الأرض والنظر في مصالحهم، كما أن كل من ولى الروم : قيصر، والفرس : كسرى، واليمن : تبَّع.
وفي المستخلف فيه آدم قولان : أحدهما : الحكم بالحق والعدل.
الثاني : عمارة الأرض، يزرع ويحصد ويبني ويجري الأنهار.
وقرأ زيد بن علي وأبو البرهسم عمران : خليقة، بالقاف ومعناه واضح.
وخطاب الله الملائكة بقوله :﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ أن كان للملائكة الذين حاربوا مع إبليس الجن، فيكون ذلك عاماً بأنه رافعهم إلى السماء ومستخلف في الأرض آدم وذريته.
وروي ما يدل على ذلك عن ابن عباس، وهو ما ملخصه : أن الله أسكن الملائكة السماء، والجن الأرض، فعبدوا دهراً طويلاً ثم أفسدوا وحسدوا، فاقتتلوا، فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة رأسهم إبليس، وكان أشدهم وأعلمهم، فهبطوا الأرض وطردوا الجن إلى شعف الجبال وبطون الأودية وجزائر البحور وسكنوها، وخفف عنهم العبادة، وأعطى الله إبليس ملك الأرض وملك سماء ا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى