الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ :" إذ " ظرفُ زمانٍ ماضٍ، يُخَلِّص المضارعَ للمضيِّ وبُني لشَبَهِه بالحرفِ في الوَضْع والافتقار، وتليه الجملُ مطلقاً، فإذا كانتِ الجملةُ فعليةً قَبُحَ تقديمُ الاسمِ وتأخيرُ الفعلِ نحو : إذ زيدٍ قام، ولا يتصرَّفُ إلا بإضافةِ الزمنِ إليه نحو : يومئذٍ وحينئذٍ، ولا يكون مفعولاً به، وإن قال به أكثرُ المُعْرِبين، فإنهم يُقَدِّرونَ : اذكر وقتَ كذا، ولا ظرفَ مكان ولا زائداً ولا حرفاً للتعليل ولا للمفاجأة خلافاً لزاعمي ذلك، وقد تُحْذَفُ الجملةُ المضافُ هو إليها للعلمِ ويُعَوَّض منها تنوينٌ كقولِهِ تعالى :﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤]، وليس كسرتُه والحالةُ هذه كسرةَ إعرابٍ ولا تنوينُه تنوينَ صرفٍ خلافاً للأخفش، بل الكسرُ لالتقاءِ الساكنين والتنوينُ للعوضِ بدليلِ وجودِ الكسر ولا إضافةَ قال :
٣٢٧- نَهَيْتُكَ عن طِلابِكَ أمَّ عمروٍبعاقبةٍ وأنتَ إذٍ صَحيحُ
وللأخفشِ أن يقولَ : أصلُه " وأنتَ حينئذٍ " فلمّا حُذِفَ المضافُ بقي المضافُ إليه على حَالِه ولَم يَقُمْ مَقامَه، نحو :﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ﴾ [الأنفال: ٦٧] بالجر، إلا أنه ضعيفٌ.
و ﴿قَالَ رَبُّكَ﴾ جملةٌ فعليةٌ في محلِّ خَفْضٍ بإضافةِ الظرفِ إليها.
واعلم أنَّ " إذ " فيه تسعةُ أوجه، أحسنُها أنه منصوبٌ ب ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ أي : قالوا ذلك القولَ وقتَ قولِ اللهِ تعالى لهم : إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً، وهذا أسهلُ الأوجهِ. الثاني : أنه منصوبٌ ب " اذكُرْ " مقدراً وقد تقدَّم أنه لاَ يَتَصَرَّفُ فلا يقع مفعولاً. الثالث : أنه منصوبٌ ب " خَلَقَكم " المتقدمِ في قولِه :﴿اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [النساء: ١] والواو زائدةٌ. وهذا ليس بشيء لطولِ الفصلِ. الرابعُ : أنه منصوبٌ ب " قال " بعده. وهو فاسدٌ لأن المضافَ إليه لا يعمل في المضاف. الخامس : أنه زائدٌ ويعزى لأبي عبيد. السادس : أنه بمعنى قد. السابع أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره : ابتداءُ خَلْقِكم وقتُ قولِ ربِّك. الثامن : أنه منصوبٌ بفعلٍ لائق، تقديرُه : ابتدأ خلقُكم وقتَ قولِه ذلكَ، وهذان ضعيفان لأن وقتَ ابتداءِ الخلق ليس وقتَ القول، وأيضاً فإنه لاَ يَتَصرَّف. التاسع : أنه منصوبٌ ب " أحياكم " مقدَّراً، وهذا مردودٌ باختلافِ الوقتين أيضاً.
و " للملائكة " متعلِّقٌ ب " قال " واللامُ للتبليغ. وملائكةٌ جمع مَلَك. واختُلِف في " مَلَك " على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمِه، هل هي أصليةٌ أو زائدةٌ ؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا، فقال بعضهم : مَلَك ووزنه فَعَل من المُلْك، وشذَّ جمعُه على فعائِلة فالشذوذ في جَمْعِه فقط. وقال بعضهم : بل أصلُهُ مَلأّك، والهمزةُ فيه زائدةٌ كشَمْأَل ثم نُقِلَت حركةُ الهمزة إلى اللام وحُذِفَت الهمزةُ تخفيفاً، والجمعُ جاء على أصلِ الزيادةِ فهذان قَوْلان عند هؤلاء. والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضاً، فمنهم مَنْ قال : هو مشتقٌّ من " أَلَك " أي : أرسل ففاؤُه همزةٌ وعينه لام، ويدلُّ عليه قوله :
أَبْلِغْ أبا دَخْتَنُوسَ مَأْلُكَةًغيرَ الذي قد يُقال مِلْكَذِبِ
وقال آخر :
وغلامٌ أَرْسَلَتْه أمُّهبِأَلوكٍ فَبَذَلْنَا ما سَأَلْ
وقال آخر :
٣٣٠- أَبْلِغِ النُّعْمانَ عني مَألُكاأنَّه قد طالَ حَبْسي وانتظاري
فأصل مَلَكَ : مَأْلَك، ثم قُلِبت العينُ إلى موضع الفاء، والفاءُ إلى موضع العين فصارَ مَلأَكاً على وزنَ مَعْفَل، ثم نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ إلى اللامِ وحُذِفَتِ الهمزةُ تخفيفاً، فيكونُ وزنُ مَلَكَ : مَعَلاً بحَذْفِ الفاء. ومنهم مَنْ قال : هو مشتقٌّ من لأَك أي أرسل أيضاً، ففاؤُه لامٌ وعينُه همزةٌ ثم نُقِلَت حركةُ الهمزةِ وحُذِفَت كما تقدَّم، ويَدُلُّ على ذلك أنه قد نُطِقَ بهذا الأصلِ قال :
فَلَسْتُ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلأَكٍتَنَزَّلَ من جَوِّ السماء يَصُوبُ
ثم جاء الجمعُ على الأصلِ فَرُدَّتِ الهمزةُ على كِلا القَوْلينِ، فوزن ملائِكَة على هذا القول : مفاعِلَة، وعلى القولِ الذي قبلَه : معافِلَة بالقلب. وقيل : هو مشتقٌّ من : لاكَه يَلُوكه أي : أداره يُديره، لأنَّ المَلَكُ يُديرُ الرسالةَ في فيه، فأصل مَلَك : مَلْوَك، فنُقِلَتْ حركةُ الواوِ إلى اللامِ الساكنةِ قبلها، فتحَرَّك حرفُ العلة وانفتح ما قبلَه فَقُلب ألفاً فصارَ ملاكاً مثل مَقَام، ثم حُذِفَت الألفُ تخفيفاً فوزنُه مَفَل بحذفِ العينِ، وأصلُ ملائكة ملاوِكة فقُلبت الواوُ همزةً، ولكنَّ شرطَ قلبِ الواوِ والياءِ همزةً بعد ألفِ مفاعل أن تكونَ زائدةً نحو عجائز ورسائل، على أنه قد جاء ذلك في الأصليّ قليلاً قالوا : مصائِب ومنائِر، قُُرئ شاذاً :" معائِش " بالهمز، فهذه خمسةُ أقوال. والسادس : قال النضر بن شميل :" لا اشتقاقَ للملك عند العرب ".
والهاء في ملائكة لتأنيث الجَمْع نحو : صَلادِمة. وقيل للمبالغة كعلاَّمة ونسَّابة، وليس بشيء، وقد تُحْذَفُ هذه الهاء شذوذاً، قال الشاعر :
أبا خالدٍ صَلَّتْ عليكَ الملائِكُ
قوله :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ هذه الجملة معمولُ القولِ، فهي في محلِّ نصبٍ به، وكُسِرت " إنَّ " هنا لوقوعِها بعد القولِ المجرَّدِ من معنى الظن محكيةً به، فإن كان بمعنى الظنِ جَرى فيها وجهان : الفتحُ والكسرُ، وأنشدوا :
إذا قلتُ أني آيبٌ أهلَ بلدةٍنَزَعْتُ بها عنه الوليَّةَ بالهَجْر
وكان ينبغي أن يُفَتَح ليسَ إلاَّ نظراً لمعنى الظنِّ، لكن قد يقال جاز الكسر مراعاةً لصورةِ القولِ.
و " إنَّ " على ثلاثةِ أقسامٍ : قسمٍ يجب فيه كَسْرُها، وقسمٍ يجبُ فيه فَتْحُها وقسمٍ يجوز فيه وجهان، وليس هذا موضعَ تقريرِه، بل يأتي في غضون السور، ولكن الضابطَ الكلي في ذلك أنَّ كلَّ موضعٍ سَدَّ مَسَدَّها المصدرُ وَجَبَ فيه فتحُها نحو : بلغني أنك قائمٌ، وكلَّ موضعٍ لم يَسُدَّ مسدَّها وَجَبَ فيه كَسْرُها كوقوعِها بعد القولِ ومبتدأةً وصلةً وحالاً، وكلَّ موضعٍ جازَ أن يَسُدَّ مسدَّها جاز الوجهان كوقوعِها بعد فاءِ الجزاء، وإذا الفجائية وهذه أشدُّ العباراتِ في هذا الضابطِ.
و " جاعلٌ " فيه قولان، أحدُهما أنه بمعنى خالق، فيكونُ " خليفةً " مفعولاً به، و " في الأرض " فيه حينئذ قولان، أحدُهما وهو الواضح أنه متعلقٌ بجاعلٌ. الثاني : أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من النكرةِ بعدَه. القولُ الثاني : أنه بمعنى مُصَيِّر، ولم يَذْكر الزمخشري غيرَه، فيكونُ خليفةً " هو المفعولَ الأولَ، و " في الأرض " هو الثانيَ قُدِّم عليه، ويتعلَّقُ بمحذوف على ما تقرَّر. و " خليفة " يجوز أن يكون بمعنى فاعل أي : يَخْلُفُكم أو يَخْلُف مَنْ كان قبلَه من الجنِّ، وهذا أصحُّ لدخولِ تاءِ التأنيث عليه وقيل : بمعنى مفعول أي : يَخْلُف كلُّ جيلٍ مَنْ تقدَّمَه، وليس دخولُ التاءِ حينئذٍ قياساً. إلا أن يُقال :" إنَّ " خليفةً " جَرى مجرى الجوامدِ كالنطيحة والذبيحة. وإنما وُحِّد " خليفة " وإن كانَ المرادُ الجمعَ لأنه أريدَ به آدمُ وذريتُه، ولكن استَغْنى بذكره كما يُسْتَغْنى بذكرِ أبي القبيلة نحو : مُضَر ورَبِيعة، وقيل : المعنى على الجنس.
وقرئ :" خليقةً " بالقاف.
و " خليفةً " منصوبٌ ب " جاعل " كما تقدَّم، لأنَّه اسمُ فاعل. واسمُ الفاعل يعملُ عَمَل فعلِه مطلقاً إن كان فيه الألفُ واللام، وبشرطِ الحالِ أو الاستقبال والاعتماد إذا لم يكونا فيه، ويجوز إضافتُه لمعمولِه تخفيفاً ما لَم يُفْصل بينهما كهذه الآية.
قوله :﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ﴾ قد تقدَّم أن " قالوا " عامل في " إذ قال ربُّك " وأنه المختارُ، والهمزةُ في " أتجعل " للاستفهامِ على بابها، وقال الزمخشري :" للتعجب "، وقيل : للتقرير كقوله :
ألستُمْ خيرَ مَنْ ركب المَطاياوأنْدى العالمينَ بطونَ راحِ
وقال أبو البقاء :" للاستشهاد "، أي : أتجعلُ فيها مَنْ يُفْسِد كَمَنْ كان قبلُ " وهي عبارةٌ غريبةٌ. و " فيها " الأولى متعلقةٌ ب " تَجْعَل " إن قيل : إنها بمعنى الخَلْق، و " مَنْ يُفْسِدُ " مفعولٌ به، وإنْ قيل إنَّها بمعنى التصيير فيكون " فيها " مفعولاً ثانياً قُدِّم على الأولِ وهو " مَنْ يفسد "، و " مَنْ " تحتملُ أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةً، فعلى الأولِ لا مَحَلَّ للجملةِ بعدها من الإِعراب، وعلى الثاني محلُّها النصب، و " فيها " الثانيةُ مُتَعلقةٌ ب " يُفْسِدُ ". و " يَسْفِكُ " عطفٌ على " يُفْسِدُ " بالاعتبارين.
والجمهورُ على رَفْعِهِ، وقُرئ منصوباً على جوابِ الاستفهام بعدَ الواو التي تقتضي الجمع بإضمار " أَنْ " كقوله :
أَتَبيتُ رَيَّانَ الجفونِ من الكَرىوأبيتَ منك بليلةِ المَلْسُوعِ
وقال ابن عطية :" منصوبٌ بواو الصَرْف " وهذه عبارةُ الكوفيين، ومعنى واوِ الصرفِ أن الفعلَ كان يقتضي إعراباً فصَرَفَتْه الواوُ عنه إلى النصب، والمشهورُ " يَسْفِك " بكسر الفاء، وقُرئ بضمِّها، وقرئ أيضاً بضمِّ حرفِ المضارعةِ من أَسْفك وقُرئ أيضاً مشدَّداً للتكثير.
والسَّفْكُ : هو الصَّبُّ، ولا يُستعمل إلا في الدمِ، وقال ابن فارس، والجوهري :" يُستعمل أيضاً في الدمع ". وقال المَهدوي " ولا يُستعمل السفك إلا في الدَّمِ، وقد يُستعمل في نثرِ الكلامِ، يقال : سَفَكَ الكلامَ أي : نثره ".
والدِّماء : جمعُ دَمٍ، ولا يكونُ اسمٌ معربٌ على حرفين، فلا بدَّ له من ثالث محذوفٍ هو لامُه، ويجوزُ أن تكونَ واواً وأن تكونَ ياءً، لقولِهم في التثنيةِ : دَمَوان ودَمَيان، قال الشاعر :
٣٣٦- فَلَوْ أنَّا على حَجَرٍ ذُبِحْناجَرَى الدَّميَانِ بالخبرِ اليقين
وهل وزنُ دم " فَعْل " بسكون العين أو فَعَل بفتحها قولان، وقد يُرَدُّ محذوفُه، فَيُسْتعملُ مقصوراً كعصا وغيرِه، وعليه قولُه :
كَأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَهاأَعْقَبَتْها الغُبْسُ منه عَدَماً
غَفَلَتْ ثم أَتَتْ تَطْلُبهفإذا هِيَ بِعِظامٍ ودَماً
وقد تُشَدَّدُ ميمُه أيضاً، قال الشاعر :
أهانَ دَمَّكَ فَرْغَاً بعد عِزَّتِهيا عمروُ بَغْيُكَ إصراراً على الحَسَد
وأصلُ : الدِّماء : الدِّماو أو الدِّماي، فقُلب حرفُ العلةِ همزةً لوقوعِه طَرَفاً بعد ألفٍ زائدةً نحو : كساء ورداء.
قولُه :﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ الواوُ للحال، و ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبر، في محلِّ النصب على الحال، و " بحمدك " متعلقٌ بمحذوفٍ، لأنه حالٌ أيضاً، والباءُ فيه للمصاحبة أي نُسَبِّح ملتبسين بحمدك، نحو :" جاء زيد بثيابِه " فهما حالان متداخلتان، أي حالٌ في حال. وقيل : الباءُ للسببية، فتتعلَّق بالتسبيح. قال ابن عطية :" ويُحْتمل أن يكونَ قولُهم :" بحمدِكَ " اعتراضاً بين الكلامين، كأنهم قالوا : ونحن نسبّ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى