محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٩ من سورة البقرة في ١٢٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٦ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٩ من سورة البقرة

١٢٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
تأويل قوله تعالى :﴿هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعا، لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع. أما في الدين فدليل على وحدانية ربهم، وأما في الدنيا فمعاش وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه فلذلك قال جل ذكره : هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا. وقوله :«هو » مكنى من اسم الله جل ذكره، عائد على اسمه في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ. ومعنى خلقه ما خلق جل ثناؤه : إنشاؤه عينه، وإخراجه من حال العدم إلى الوجود. و«ما » بمعنى «الذي ». فمعنى الكلام إذا : كيف تكفرون بالله وقد كنتم نطفا في أصلاب آبائكم، فجعلكم بشرا أحياء، ثم يميتكم، ثم هو محييكم بعد ذلك، وباعثكم يوم الحشر للثواب والعقاب، وهو المنعم عليكم بما خلق لكم في الأرض من معايشكم وأدلتكم على وحدانية ربكم. و«كيف » بمعنى التعجب والتوبيخ لا بمعنى الاستفهام، كأنه قال : ويحكم كيف تكفرون بالله، كما قال : فأين تذهبون. وحل قوله : وكُنْتُمْ أمْوَاتا فأحْياكُمْ محلّ الحال، وفيه إضمار «قد »، ولكنها حذفت لما في الكلام من الدليل عليها. وذلك أن «فعل » إذا حلت محلّ الحال كان معلوما أنها مقتضية «قد »، كما قال جل ثناؤه : أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ بمعنى : قد حصرت صدورهم. وكما تقول للرجل : أصبحت كثرت ماشيتك، تريد : قد كثرت ماشيتك.
وبنحو الذي قلنا في قوله : هوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا كان قتادة يقول :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله : هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا نعم والله سخر لكم ما في الأرض.

القول في تأويل قوله تعالى : ثُم اسْتَوَى إلى السّمَاءِ فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَواتٍ.


قال أبو جعفر : اختلف في تأويل قوله : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ فقال بعضهم : معنى استوى إلى السماء، أقبل عليها، كما تقول : كان فلان مقبلاً على فلان ثم استوى عليّ يشاتمني واستوى إليّ يشاتمني، بمعنى : أقبل عليّ وإليّ يشاتمني. واستشهد على أن الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر :
أقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنا شَرَوْرَى سَوَامِدَ وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضّجُوعِ
فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع، وكان ذلك عنده بمعنى أقبلن. وهذا من التأويل في هذا البيت خطأ، وإنما معنى قوله :«واستوين من الضجوع » عندي : استوين على الطريق من الضجوع خارجات، بمعنى استقمن عليه.
وقال بعضهم : لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوّل، ولكنه بمعنى فعله، كما تقول : كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ثم تحوّل إلى الشام، إنما يريد تحوّل فعله.
وقال بعضهم : قوله ثُمّ اسْتَوَى إلى السّمَاءِ يعني به : استوت، كما قال الشاعر :
أقُولُ لَهُ لَمّا اسْتَوَى في تُرَابِهِ على أيّ دِينٍ قَتّلَ الناسَ مُصْعَبُ
وقال بعضهم : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ : عمد إليها. وقال : بل كل تارك عملاً كان فيه إلى آخره فهو مستو لما عمد ومستو إليه.
وقال بعضهم : الاستواء : هو العلوّ، والعلوّ : هو الارتفاع.
وممن قال ذلك الربيع بن أنس.
حدثت بذلك عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ يقول : ارتفع إلى السماء.
ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع في الذي استوى إلى السماء، فقال بعضهم : الذي استوى إلى السماء وعلا عليها : هو خالقها ومنشئها.
وقال بعضهم : بل العالي إليها الدخان الذي جعله الله للأرض سماء.
قال أبو جعفر : الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه : منها انتهاء شباب الرجل وقوّته، فيقال إذا صار كذلك : قد استوى الرجل، ومنها استقامة ما كان فيه أَوَدٌ من الأمور والأسباب، يقال منه : استوى لفلان أمره : إذا استقام له بعد أود. ومنه قول الطرماح بن حكيم :
طالَ على رَسْمٍ مَهْدَدٍ أبَدُهْوعَفا واسْتَوَى بِهِ بَلَدُهْ
يعني : استقام به.
ومنها الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال : استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه. ومنها الاحتياز والاستيلاء كقولهم : استوى فلان على المملكة، بمعنى احتوى عليها وحازها. ومنها العلوّ والارتفاع، كقول القائل : استوى فلان على سريره، يعني به علوّه عليه.
وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه : ثُمّ اسْتَوَى إلى السماءِ فَسَوّاهُنْ علا عليهنّ وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهنّ سبع سموات.
والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ الذي هو بمعنى العلوّ والارتفاع هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه. فيقال له : زعمت أن تأويل قوله : اسْتَوَى أقْبَلَ، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير، قيل له : فكذلك فقل : علا عليها علوّ ملك وسلطان لا علوّ انتقال وزوال. ثم لن يقول في شيء من ذلك قولاً إلا ألزم في الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولاً لقول أهل الحقّ فيه مخالفا، وفيما بينا منه ما يشرف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إنه شاء الله تعالى.
قال أبو جعفر : وإن قال لنا قائل : أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء، كان قبل خلق السماء أم بعده ؟ قيل : بعده، وقبل أن يسوّيهنّ سبع سموات، كما قال جل ثناؤه : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّمَاءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعا أوْ كَرْها والاستواء كان بعد أن خلقها دخانا، وقبل أن يسوّيها سبع سموات.
وقال بعضهم : إنما قال استوى إلى السماء ولا سماء، كقول الرجل لاَخر :«اعمل هذا الثوب » وإنما معه غزلٌ. وأما قوله فَسَوّاهُنّ فإنه يعني هيأهنّ وخلقهنّ ودبرهنّ وقوّمهنّ، والتسوية في كلام العرب : التقويم والإصلاح والتوطئة، كما يقال : سوّى فلان لفلان هذا الأمر : إذا قوّمه وأصلحه ووطأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته : تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهن على إرادته، وتفتيقهن بعد ارتتاقهن كما :
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس : فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ يقول : سوى خلقهن وهو بكل شيء عليم.
وقال جل ذكره : فَسَوّاهُنّ فأخرج مكنيّهن مخرج مكنى الجمع. وقد قال قبل : ثم استوى إلى السماء فأخرجها على تقدير الواحد. وإنما أخرج مكنيهن مخرج مكنيّ الجمع. لأن السماء جمع واحدها سماوة، فتقدير واحدتها وجمعها إذا تقدير بقرة وبقر، ونخلة ونخل وما أشبه ذلك ولذلك أُنّثَتْ مرة، فقيل : هذه سماء، وذُكّرتْ أخرى فقيل : السماء منفطر به كما يفعل ذلك بالجمع الذي لا فرق بينه وبين واحدة غير دخول الهاء وخروجها، فيقال : هذا بقر وهذه بقر، وهذا نخل وهذه نخل، وما أشبه ذلك. وكان بعض أهل العربية يزعم أن السماء واحدة، غير أنها تدلّ على السموات، فقيل : فَسَوّاهُنّ يراد بذلك التي ذكرت، وما دلت عليه من سائر السموات التي لم تذكر معها. قال : وإنما تذكّر إذا ذكّرت وهي مؤنثة، فيقال : السماء منفطر به كما يذكر المؤنث، وكما قال الشاعر :
فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهاولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقَالَهَا
وكما قال أعشى بني ثعلبة :
فإمّا تَرَيْ لِمّتِي بُدّلَتْفإنّ الحَوَادِثَ أزْرَى بِهَا
وقال بعضهم : السماء وإن كانت سماء فوق سماء، وأرضا فوق أرض، فهي في التأويل واحدة إن شئت، ثم تكون تلك الواحدة جماعا، كما يقال : ثوب أخلاق وأسمال، وبرمة أعشار للمتكسرة، وبرمة أكسار وأجبار، وأخلاق : أي أن نواحيه أخلاق.
فإن قال لنا قائل : فإنك قد قلت : إن الله جل ثناؤه استوى إلى السماء وهي دخان قبل أن يسوّيها سبع سموات، ثم سوّاها سبعا بعد استوائه إليها، فكيف زعمت أنها جماع ؟ قيل : إنهنّ كنّ سبعا غير مستويات، فلذلك قال جلّ ذكره : فسوّاهنّ سبعا : كما :
حدثني محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، قال : قال محمد بن إسحاق : كان أوّل ما خلق الله تبارك وتعالى : النور والظلمة، ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلما، وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا، ثم سمك السموات السبع من دخان يقال والله أعلم من دخان الماء حتى استقللن ولم يحبكهن، وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها وأخرج ضحاها، فجرى فيها الليل والنهار، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم، ثم دحي الأرض، وأرساها بالجبال، وقدّر فيها الأقوات، وبثّ فيها ما أراد من الخلق، ففرغ من الأرض وما قدّر فيها من أقواتها في أربعة أيام. ثم استوى إلى السماء وهي دخان كما قال فحبكهن، وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها، وأوحى في كل سماء أمرها، فأكمل خلقهنّ في يومين. ففرغ من خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى في اليوم السابع فوق سمواته، ثم قال للسموات والأرض : ائْتِيا طَوْعا أوْ كَرْها لما أردت بكما، فاطمئنا عليه طوعا أو كرها، قَالتَا : أتَيْنا طائِعِينَ.
فقد أخبر ابن إسحاق أن الله جل ثناؤه استوى إلى السماء بعد خلقه الأرض وما فيها وهنّ سبع من دخان، فسوّاهنّ كما وصف. وإنما استشهدنا لقولنا الذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق لأنه أوضح بيانا عن خبر السموات أنهنّ كنّ سبعا من دخان قبل استواء ربنا إليها بتسويتها من غيره، وأحسن شرحا لما أردنا الاستدلال به من أن معنى السماء التي قال الله فيها : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ بمعنى الجمع على ما وصفنا، وأنه إنما قال جل ثناؤه : فسوّاهنّ إذ كانت السماء بمعنى الجمع على ما بينا.
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فما صفة تسوية الله جل ثناؤه السموات التي ذكرها في قوله : فسَوّاهُنّ إذ كن قد خلقن سبعا قبل تسويته إياهن ؟ وما وجه ذكر خلقهن بعد ذكر خلق الأرض، ألأنها خلقت قبلها، أم بمعنى غير ذلك ؟ قيل : قد ذكرنا ذلك في الخبر الذي رويناه عن ابن إسحاق، ونزيد ذلك توكيدا بما انضمّ إليه من أخبار بعض السلف المتقدمين وأقوالهم.
فحدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا ثُم اسْتَوَى إلى السماء فَسَواهُن سَبْعَ سَمَواتٍ قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماءً، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعل سبع أ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾


قال أبو جعفر: اختلفوا في تأويل قوله:"ثم استوى إلى السَّماء".
فقال بعضهم: معنى استوى إلى السماء، أقبل عليها، كما تقول: كان فلان مقبلا على فلان، ثم استوَى عليّ يشاتمني - واستوَى إليّ يشاتمني. بمعنى: أقبل عليّ وإليّ يشاتمني. واستُشْهِد على أنّ الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر:
أَقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنَا شَرَوْرَىسَوَامِدَ، وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ (١)
فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع، وكان ذلك عنده بمعنى: أقبلن. وهذا من التأويل في هذا البيت خطأ، وإنما معنى قوله:"واستوين من الضجوع"، استوين على الطريق من الضجوع خارجات، بمعنى استقمن عليه.
وقال بعضهم: لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوُّل، ولكنه بمعنى فعله، كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم، ثم تحوَّل إلى الشام. إنما يريد:
(١) البيت لتميم بن أبي بن مقبل (معجم ما استعجم: ٧٩٥، ٨٥٧)، وروايته"ثواني" مكان"سوامد". وشروري: جبل بين بني أسد وبني عامر، في طريق مكة إلى الكوفة. والضجوع -بفتح الضاد المعجمة-: موضع أيضًا بين بلاد هذيل وبني سليم. وقوله: "سوامد" جمع سامد. سمدت الإبل في سيرها: جدت وسارت سيرًا دائمًا، ولم تعرف الإعياء. وسوامد: دوائب لا يلحقهن كلال. والنون في"قطعن" للإبل.
تحوّل فِعله. [وقال بعضهم: قوله:"ثم استوى إلى السماء" يعني به: استوت] (١). كما قال الشاعر:
أَقُولُ لَهُ لَمَّا اسْتَوَى فِي تُرَابِهِعَلَى أَيِّ دِينٍ قَتَّلَ النَّاسَ مُصْعَبُ (٢)
وقال بعضهم:"ثم استوى إلى السماء"، عمدَ لها (٣). وقال: بل كلُّ تارك عملا كان فيه إلى آخر، فهو مستو لما عمد له، ومستوٍ إليه.
وقال بعضهم: الاستواء هو العلو، والعلوّ هو الارتفاع. وممن قال ذلك الربيع بن أنس.
٥٨٨- حُدِّثت بذلك عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"ثم استوى إلى السماء". يقول: ارتفع إلى السماء (٤).
ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع، في الذي استوى إلى السّماء. فقال بعضهم: الذي استوى إلى السماء وعلا عليها، هو خالقُها ومنشئها. وقال بعضهم: بل العالي عليها: الدُّخَانُ الذي جعله الله للأرض سماء (٥).
قال أبو جعفر: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه: منها انتهاءُ شباب الرجل وقوّته، فيقال، إذا صار كذلك: قد استوى الرّجُل. ومنها استقامة ما كان فيه أوَدٌ من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلان أمرُه. إذا استقام بعد أوَدٍ، ومنه قول الطِّرِمَّاح بن حَكيم:
طَالَ عَلَى رَسْمِ مَهْدَدٍ أبَدُهْوَعَفَا وَاسْتَوَى بِهِ بَلَدُه (٦)
(١) هذه الجملة بين القوسين، ليست في المخطوطة، وكأنها مقحمة.
(٢) لم أجد هذا البيت. وفي المطبوعة: "قبل الرأس مصعب"، وهو خطأ لا شك فيه. وفي المخطوطة: "في ثراته"، ولا معنى لها، ولعلها"في تراثه". وأنا في شك من كل ذلك. بيد أن مصعبًا الذي ذكر في الشعر، هو فيما أرجح مصعب بن الزبير.
(٣) في المطبوعة: "عمد إليها".
(٤) الأثر: ٥٨٨- في الدر المنثور ١: ٤٣، والأثر التالي: ٥٨٩، من تمامه.
(٥) في المطبوعة: "العالي إليها".
(٦) ديوانه: ١١٠، واللسان (سوى) قال: "وهذا البيت مختلف الوزن، فالمصراع الأول من المنسرح، والثاني من الخفيف". والرسم: آثار الديار اللاصقة بالأرض. ومهدد اسم امرأة. والأبد: الدهر الطويل، والهاء في"أبده" راجع إلى الرسم. وعفا: درس وذهب أثره. والبلد: الأثر يقول: انمحى رسمها حتى استوى بلا أثر.
يعني: استقام به. ومنها: الإقبال على الشيء يقال استوى فلانٌ على فلان بما يكرهه ويسوءه بَعد الإحسان إليه. ومنها. الاحتياز والاستيلاء (١)، كقولهم: استوى فلان على المملكة. بمعنى احتوى عليها وحازَها. ومنها: العلوّ والارتفاع، كقول القائل، استوى فلان على سريره. يعني به علوَّه عليه.
وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه:"ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن"، علا عليهن وارتفع، فدبرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سموات.
والعجبُ ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله:"ثم استوى إلى السماء"، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربًا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها - إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر. ثم لم يَنْجُ مما هرَب منه! فيقال له: زعمت أن تأويل قوله"استوى" أقبلَ، أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقُلْ: علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان، لا علوّ انتقال وزَوال. ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفًا. وفيما بينا منه ما يُشرِف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله تعالى.
قال أبو جعفر: وإن قال لنا قائل (٢) أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء، كان قبل خلق السماء أم بعده؟
قيل: بعده، وقبل أن يسويهن سبعَ سموات، كما قال جل ثناؤه:
(١) في المخطوطة: "الاستيلاء والاحتواء".
(٢) في المطبوعة: "وإن قال... ".
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) [سورة فصلت: ١١]. والاستواء كان بعد أن خلقها دُخانًا، وقبل أن يسوِّيَها سبعَ سموات.
وقال بعضهم: إنما قال:"استوى إلى السّماء"، ولا سماء، كقول الرجل لآخر:"اعمل هذا الثوب"، وإنما معه غزلٌ.
وأما قوله"فسواهن" فإنه يعني هيأهن وخلقهن ودبَّرهن وقوَّمهن. والتسوية في كلام العرب، التقويم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوَّى فلان لفلان هذا الأمر. إذا قوّمه وأصلحه وَوَطَّأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته: تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهنّ على إرادته، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ (١).
٥٨٩- كما: حُدِّثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"فسوَّاهن سبع سموات" يقول: سوّى خلقهن،" وهو بكل شيء عليم (٢).
وقال جل ذكره:"فسواهن"، فأخرج مكنِيَّهن مخرج مكنيِّ الجميع (٣)، وقد قال قبلُ:"ثم استوى إلى السماء" فأخرجها على تقدير الواحد. وإنما أخرج مكنيَّهن مخرج مكنيِّ الجمع، لأن السماء جمع واحدها سماوة، فتقدير واحدتها وجميعها إذا تقدير بقرة وبقر ونخلة ونخل، وما أشبه ذلك. ولذلك أنِّثت مرة فقيل: هذه سماءٌ، وذُكِّرت أخرى (٤) فقيل: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) [سورة المزمل: ١٨]،
(١) في المطبوعة: "بعد إرتاقهن" وليست بشيء، وفي المخطوطة: "بعد أن تتاقهن"، وظاهر أنها تحريف لما أثبتناه. وارتتق الشيء: التأم والتحم حتى ليس به صدع. وهذا من تأويل ما في سورة الأنبياء: ٣٠ من قول الله سبحانه: ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ والفتق: الشق.
(٢) الأثر: ٥٨٩- في الدر المنثور ١: ٤٣، وهو من تمام الأثر السالف: ٥٨٨.
(٣) المكني: هو الضمير، فيما اصطلح عليه النحويون، لأنه كناية عن الذي أخفيت ذكره. وفي المطبوعة: "الجمع" مكان"الجميع" حيث ذكرت في المواضع الآتية في هذه العبارة.
(٤) في المطبوعة: "أنث السماء... وذكر" بطرح التاء.
كما يُفعل ذلك بالجمع الذي لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء وخروجها، فيقال: هذا بقر وهذه بقر، وهذا نخل وهذه نخل، وما أشبه ذلك.
وكان بعض أهل العربية يزعم أنّ السماء واحدة، غير أنها تدلّ على السموات، فقيل:"فسواهن"، يراد بذلك التي ذُكِرت وما دلت عليه من سائر السموات التي لم تُذْكر معها (١). قال: وإنما تُذكر إذا ذُكِّرت وهي مؤنثة، فيقال:"السماء منفطر به"، كما يذكر المؤنث (٢)، وكما قال الشاعر:
فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَاوَلا أَرْضَ أَبْقَل إِبْقَالَهَا (٣)
وكما قال أعشى بني ثعلبة:
فَإِمَّا تَرَيْ لِمَّتِي بُدِّلَتْفَإِنَّ الْحَوَادِثَ أَزْرَى بِهَا (٤)
(١) "بعض أهل العربية" هو الفراء، وإن لم يكن اللفظ لفظه، في كتابه معاني القرآن ١: ٢٥، ولكنه ذهب هذا المذهب، في كتابه أيضًا ص: ١٢٦ - ١٣١.
(٢) هكذا في الأصول"كما يذكر المؤنث"، وأخشى أن يكون صواب هذه العبارة: "كما تذكر الأرض، كما قال الشاعر:... " وقد ذكر الفراء في معاني القرآن ذلك فقال: ".. فإن السماء في معنى جمع فقال: (فسواهن) للمعنى المعروف أنهن سبع سموات. وكذلك الأرض يقع عليها -وهي واحدة- الجمع. ويقع عليهما التوحيد وهما مجموعتان، قال الله عز وجل: (رب السموات والأرض) ثم قال: (وما بينهما)، ولم يقل: بينهن. فهذا دليل على ما قلت لك". معاني القرآن. ١: ٢٥، وانظر أيضًا ص: ١٢٦ - ١٣١.
(٣) البيت من شعر عامر بن جوين الطائي، في سيبويه ١: ٢٤٠، ومعاني القرآن ١: ١٢٧ والخزانة ١: ٢١ - ٢٦، وشرح شواهد المغني: ٣١٩، والكامل ١: ٤٠٦، ٢: ٦٨، وقبله، يصف جيشًا:(٤) أعشى بني ثعلبة، وأعشى بني قيس، والأعشى، كلها واحد، ديوانه ١: ١٢٠، وفي سيبويه ١: ٢٣٩، ومعاني القرآن للفراء ١: ١٢٨، والخزانة ٤: ٥٧٨، ورواية الديوان:
وَجَارِيَةٍ مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ قَعْقَعْتُ بِالْخَيْلِ خَلْخَالَهَا
كَكِرْ فِئَةِ الْغَيْثِ ذَاتِ الصَّبِيرِتَرْمِي السَّحَابَ وَيَرْمِي لَهَا
تَوَاعَدْتُهَا بَعْدَ مَرِّ النُّجُومِ،كَلْفَاءَ تُكْثِرُ تَهْطَالَهَا
فلا مزنة............................
فَإِنْ تَعْهَدِينِي وَلِي لِمَّةٌفَإِنَّ الْحَوَادِثَ أَلْوَى بِهَا
ورواية سيبويه كما في الطبري، إلا أنه روى"أودى بها". وألوى به: ذهب به وأهلكه. وأودى به: أهلكه، أيضًا. وأما"أزرى بها": أي حقرها وأنزل بها الهوان، من الزرارية وهي التحقير. وكلها جيد.
وقال بعضهم: السماء وإن كانت سماء فوق سماء وأرضًا فوق أرض، فهي في التأويل واحدةٌ إن شئت، ثم تكون تلك الواحدة جماعًا، كما يقال: ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ، وبُرْمة أعشار، للمتكسرة، وبُرْمة أكسار وأجبار. وأخلاق، أي أنّ نواحيه أخلاق (١).
فإن قال لنا قائل: فإنك قد قلت إن الله جل ثناؤه استوَى إلى السماء وهي دخان قبل أن يسويها سبع سموات، ثم سواها سبعًا بعد استوائه إليها، فكيف زعمت أنها جِماع؟
قيل: إنهن كنّ سبعًا غيرَ مستويات، فلذلك قال جل ذكره: فسوَّاهن سبعًا. كما:-
٥٩٠- حدثني محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمد بن إسحاق: كان أوّلَ ما خلق الله تبارك وتعالى النورُ والظلمةُ، ثم ميَّز بينهما، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلمًا، وجعل النور نهارًا مضيئًا مبصرًا، ثم سمك السموات السبع من دخان - يقال، والله أعلم، من دخان الماء - حتى استقللن ولم يحبُكْهن (٢). وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها، وأخرج ضُحاها، فجرى فيها الليل والنهار، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم. ثم دحا الأرض وأرْساها بالجبال، وقدر فيها الأقوات، وبث فيها ما أراد من الخلق، ففرَغ من الأرض وما قدر فيها من أقواتها في أربعة أيام. ثم استوى إلى السماء وهي دخان -كما قال- فحبكهن، وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها، وأوحى في كل سماء أمرها، فأكمل
(١) أخلاق، جمع خلق (بفتحتين) : وهو البالي. وأسمال جمع سمل (بفتحتين) : وهو الرقيق المتمزق البالي. وبرمة أجبار، ضد قولهم برمة أكسار، كأنه جمع برمة جبر (بفتح فسكون) وإن لم يقولوه مفردًا، كما لم يقولوا برمة كسر، مفردًا. وأصله من جبر العظم، وهو لأمه بعد كسره.
(٢) في المخطوطة: "ولم يحبكن".
خلقهن في يومين، ففرغ من خلق السموات والأرض في ستة أيام. ثم استوى في اليوم السابع فوق سمواته، ثم قال للسموات والأرض: ائتيا طوعًا أو كرهًا لما أردت بكما، فاطمئنا عليه طوعًا أو كرهًا، قالتا: أتينا طائعين (١).
فقد أخبر ابن إسحاق أنّ الله جل ثناؤه استوى إلى السماء - بعد خلق الأرض (٢) وما فيها - وهن سبع من دخان، فسواهن كما وَصف. وإنما استشهدنا لقولنا الذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق، لأنه أوضح بيانًا - عن خلق السموات (٣)، أنهن كُنّ سبعًا من دخان قبل استواء ربنا إليها لتسويتها - من غيره (٤)، وأحسنُ شرحًا لما أردنا الاستدلال به، من أن معنى السماء التي قال الله تعالى ذكره فيها:"ثم استوى إلى السماء" بمعنى الجميع (٥)، على ما وصفنا. وأنه إنما قال جل ثناؤه:"فسوَّاهن"، إذ كانت السماء بمعنى الجميع، على ما بينا.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما صفة تسوية الله جل ثناؤه السموات التي ذكرها في قوله"فسواهن"، إذ كن قد خُلِقن سبعًا قبل تسويته إياهن؟ وما وجه ذِكْر خَلْقهن بعد ذِكْر خَلْق الأرض؟ ألأنها خلقت قبلها، أم بمعنى غير ذلك (٦) ؟
قيل: قد ذكرنا ذلك في الخبر الذي رويناه عن ابن إسحاق، ونؤكد ذلك تأكيدًا بما نضم إليه من أخبار بعض السلف المتقدمين وأقوالهم (٧).
(١) الأثر: ٥٩٠- هذا الأثر في الحقيقة تفسير للآيات ٩ - ١٢ من سورة فصلت. ولم يذكره الطبري في موضعه عند تفسيرها (٢٤: ٦٠ - ٦٥ طبعة بولاق). وكذلك لم يذكره ابن كثير والسيوطي والشوكاني- في هذا الموضع، ولا في موضعه من تفسير سورة فصلت. وهو من كلام ابن إسحاق، ولا بأس عليهم في الإعراض عن إخراجه. وقد صرح الطبري -بعد- أنه إنما ذكره استشهادًا، لا استدلالا، إذ وجده أوضح بيانا، وأحسن شرحًا.
(٢) في المطبوعة: "بعد خلقه الأرض".
(٣) في المطبوعة: "عن خبر السموات".
(٤) في المطبوعة: "بتسويتها"، وسياق كلامه: "أوضح بيانًا... من غيره"، وما بينهما فصل.
(٥) في المطبوعة"بمعنى الجمع"، وفي التي تليها، وقد مضى مثل ذلك آنفًا.
(٦) في المطبوعة: "أم بمعنى"، وهذه أجود.
(٧) في المطبوعة: "ونزيد ذلك توكيدًا".
٥٩١- فحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات". قال: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين - في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوتُ هو النون الذي ذكره الله في القرآن:"ن والقلم"، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاةُ على ظهر ملَك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض: فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرّت، فالجبال تخر على الأرض، فذلك قوله: (وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (١) [سورة النحل: ١٥]. وخلق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا) يقول: أنبت شجرها (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) يقول: أقواتها لأهلها (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) يقول: قل لمن يسألك: هكذا الأمر (٢) (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) [سورة فصلت: ٩-١١]، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها
(١) في الأصول: "وجعل لها رواسي أن تميد بكم"، وهو وهم سبق إليه القلم من النساخ فيما أرجح، والآية كما ذكرتها في سورة النحل، ومثلها في سورة لقمان: ١٠
(٢) في المخطوطة: "يقول: من سأل، فهكذا الأمر".
سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين - في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض -"وأوحى في كل سماء أمْرها" قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها، من البحار وجبال البَرَد وما لا يُعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينةً وحِفظًا، تُحفظُ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحبّ، استوى على العرش. فذلك حين يقول: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [سورة الأعراف: ٥٤]. ويقول: (كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) (١) [سورة الأنبياء: ٣٠].
٥٩٢- وحدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"هوَ الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء". قال: خلق الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرضَ ثار منها دخان، فذلك حين يقول:"ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات". قال: بعضُهن فوق بعض، وسبعَ أرضين، بعضُهن تحت بعض (٢).
(١) الخبر: ٥٩١- في ابن كثير ١: ١٢٣، والدر المنثور ١: ٤٢ - ٤٣، والشوكاني ١: ٤٨. وقد مضى الكلام في هذا الإسناد، واستوعب أخي السيد أحمد شاكر تحقيقه في موضعه (انظر الخبر: ١٦٨)، وقد مضى أيضًا قول الطبري، حين عرض لهذا الإسناد في الأثر رقم: ٤٦٥ ص: ٣٥٣: "فإن كان ذلك صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مرتابًا.. ". وقد مضى الطبري في تفسيره على رواية ما لم يصح عنده إسناده، لعلمه أن أهل العلم كانوا يومئذ يقومون بأمر الإسناد والبصر به، ولا يتلقون شيئًا بالقبول إلا بعد تمحيص إسناده. فلئن سألت: فيم يسوق الطبري مثل هذا الخبر الذي يرتاب في إسناده؟ وجواب ذلك: أنه لم يسقه ليحتج بما فيه، بل ساقه للاعتبار بمعنى واحد، وهو أن الله سبحانه سمك السموات السبع من دخان، ثم دحا الأرض وأرساها بالجبال، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فحبكهن سبعًا، وأوحى في كل سماء أمرها. وليس في الاعتبار بمثل هذا الأثر ضرر، لأن المعنى الذي أراده هو ظاهر القرآن وصريحه. وإن كان الخبر نفسه مما تلقاه بعض الصحابة عن بني إسرائيل، لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا حجة إلا فيما أنزل الله في كتابه، أو في الذي أوحى إلى نبيه مما صح عنه إسناده إليه. وكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبلناه لا نحكم فيه أحدًا، فإن قوله هو المهيمن بالحق على أقوال الرجال.
(٢) الأثر: ٥٩٢- في ابن كثير ١: ١٢٤، والدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٨.
٥٩٣- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فسواهنّ سبعَ سموات" قال: بعضُهن فوق بعض، بين كل سماءين مسيرة خمسمئة عام.
٥٩٤- حدثنا المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:- حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء -"ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سموات"، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: (وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) [سورة النازعات: ٣٠].
٥٩٥- حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال: إنّ الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرَضِين في الأحد والاثنين، وخلق الأقواتَ والرواسيَ في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرَغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل. فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: هو الذي أنعم عليكم، فخلق لكم ما في الأرض جميعا وسخَّره لكم تفضُّلا منه بذلك عليكم، ليكون لكم بلاغًا في دنياكم ومتاعًا إلى موافاة آجالكم، ودليلا لكم على وَحدانية ربكم. ثم علا إلى السموات السبع وهي دخان، فسوَّاهنَّ وحبَكهن، وأجرى في بعضهن شمسه وقمره ونجومه، وقدر في كل واحدة منهن ما قدر من خلقه (١).
* * *
(١) الآثار: ٥٩٣ - ٥٩٥، لم نجدها في شيء من تلك المراجع.

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾


يعني بقوله جل جلاله:"وهو" نفسَه، وبقوله:"بكل شيء عليم" أن الذي خلقكم، وخلق لكم ما في الأرض جميعًا، وسوّى السموات السبع بما فيهن فأحكمهن من دخان الماء، وأتقن صُنعهنّ، لا يخفى عليه - أيها المنافقون والملحدون الكافرون به من أهل الكتاب (١) - ما تُبدون وما تكتمون في أنفسكم، وإن أبدى منافقوكم بألسنتهم قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم على التكذيب به منطوون. وكذّبتْ أحباركم بما أتاهم به رسولي من الهدى والنور، وهم بصحته عارفون. وجحدوه وكتموا ما قد أخذتُ عليهم -ببيانه لخلقي من أمر محمد ونُبوّته- المواثيق وهم به عالمون. بل أنا عالم بذلك من أمركم وغيره من أموركم. وأمور غيركم (٢)، إني بكل شيء عليم.
وقوله:"عليم" بمعنى عالم. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: هو الذي قد كمَل في علمه.
٥٩٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، قال: حدثني علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: العالم الذي قد كمَل في علمه (٣).
* * *
(١) في المخطوطة: "وأهل الكتاب" عطفًا.
(٢) في المطبوعة: "بل أنا عالم بذلك وغيره من أموركم.. ".
(٣) الخبر: ٥٩٦- ليس في مراجعنا.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
لما ذكر تعالى دلالةً مِنْ خَلْقهم وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه مِنْ خَلْق السماوات والأرض، فقال :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي : قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا تَضَمَّن(١) معنى القصد والإقبال ؛ لأنه عدي بإلى ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أي : فخلق السماء سبعًا، والسماء هاهنا اسم جنس، فلهذا قال :﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي : وعلمه محيط بجميع ما خلق(٢). كما قال :﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله :﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].
ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا إن شاء الله. فأما قوله تعالى :﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٢] فقد قيل : إن ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر :
قل لمن ساد ثم ساد أبوهثم قد ساد قبل ذلك جده(٣)
وقيل : إن الدَّحْىَ كان بعد خلق السماوات، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس.
وقد قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك - وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ] (٤) قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوتُ هو النون الذي ذكره الله في القرآن :﴿ن وَالْقَلَمِ(٥) والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر مَلَك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر(٦) لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فَقَرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى :﴿وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ(٧) [النحل: ١٥]. وخلق الجبال فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول :﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ٩، ١٠]. يقول : أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يقول : أقواتها لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] يقول : من سأل فهكذا الأمر. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [ فضلت : ١٢ ] قال : خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي(٨) فيها، من البحار وجبال البَرَد وما لا نعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظًا(٩) تُحْفَظُ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش، فذلك حين يقول :﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ويقول ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقال ابن جرير : حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال : إن الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر(١٠) ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجَل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
وقال مجاهد في قوله :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾ قال : خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول :﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال : بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين، يعني بعضهن تحت بعض.
وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة :﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة : أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى :﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣١] قالوا : فذكر خلق السماء قبل الأرض. وفي صحيح البخاري(١١) : أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا، وقد قررنا ذلك في تفسير سورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله :﴿وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠ - ٣٢] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل لما اكتملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض، فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم والنسائي في التفسير - أيضًا - من رواية ابن جُرَيج قال : أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال : أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال :" خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل " (١٢).
وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه(١٣) مرفوعا، وقد حرر ذلك البيهقي(١٤).
١ في جـ، ط: "مضمن"..
٢ في جـ: "وعلمه محيط بجميع الخلق"، وفي ط: "وعلمه محيط بالأشياء بجميع ما خلق"..
٣ البيت في مغني اللبيب لابن هشام غير منسوب. أ. هـ. مستفادا من حاشية الشعب.
.

٤ زيادة من جـ..
٥ في جـ: "والقلم وما يسطرون"..
٦ في ب: "ذكرها".
٧ في جـ: "وجعل لها رواسي من فوقها أن تميد بكم"، وفي ط: "وجعل لها رواسي أن تميد بكم"، وفي ب: "وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم"..
٨ في جـ، ط: "الذين"..
٩ في أ: "وحفظها"..
١٠ في جـ: "وأخر".
.

١١ صحيح البخاري (٨/٥٥٥) "فتح"..
١٢ تفسير ابن أبي حاتم (١/١٠٣) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠١٠)..
١٣ في جـ، ط، ب: "فجعله"..
١٤ الأسماء والصفات (ص٢٧٦) وللعلامة عبد الرحمن المعلمي كلام متين في تصحيح هذا الحديث ورد الشبه عنه في كتابه "الأنوار الكاشفة" (ص١٨٥ - ١٩٠) فليراجع فإنه مهم.
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَهَذَا غَرِيبٌ وَالَّذِي قَبْلَهُ. وَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُولَئِكَ الْجَمَاعَةِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٦].
[وَعَبَّرَ عَنِ الْحَالِ قَبْلَ الْوُجُودِ بِالْمَوْتِ بِجَامِعِ مَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ مِنْ عَدَمِ الْإِحْسَاسِ، كَمَا قَالَ فِي الْأَصْنَامِ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٢١]، وَقَالَ ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣] (١).
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى دَلَالَةً مِنْ خَلْقهم وَمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ مِمَّا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ خَلْق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أَيْ: قَصَدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَالِاسْتِوَاءُ هَاهُنَا تَضَمَّن (٢) مَعْنَى الْقَصْدِ وَالْإِقْبَالِ؛ لِأَنَّهُ عُدِّيَ بِإِلَى ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أَيْ: فَخَلَقَ السَّمَاءَ سَبْعًا، وَالسَّمَاءُ هَاهُنَا اسْمُ جِنْسٍ، فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ (٣). كَمَا قَالَ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الْمُلْكِ: ١٤] وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٩-١٢].
فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِخَلْقِ الْأَرْضِ أَوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا، وَهَذَا شَأْنُ الْبِنَاءِ أَنْ يَبْدَأَ بِعِمَارَةِ أَسَافِلِهِ ثُمَّ أَعَالِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُفَسِّرُونَ بِذَلِكَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٧-٣٢] فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ﴿ثُمَّ﴾ هَاهُنَا إِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ الْخَبَرِ عَلَى الْخَبَرِ، لَا لِعَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الْفِعْلِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ (٤)
وَقِيلَ: إِنَّ الدَّحْىَ كَانَ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(١) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٢) في جـ، ط: "مضمن".
(٣) في جـ: "وعلمه محيط بجميع الخلق"، وفي ط: "وعلمه محيط بالأشياء بجميع ما خلق".
(٤) البيت في مغني البيب لابن هشام غير منسوب. أ. هـ. مستفادا من حاشية الشعب.
وَقَدْ قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ -وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-وَعَنْ مُرّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (١)﴾ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ، أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانًا، فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ فَسَمَا عَلَيْهِ، فَسَمَّاهُ سَمَاءً. ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضًا وَاحِدَةً، ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ أَرَضِينَ فِي يَوْمَيْنِ فِي الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، فَخَلَقَ الْأَرْضَ عَلَى حُوتٍ، والحوتُ هُوَ النُّونُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ن وَالْقَلَمِ (٢)﴾ وَالْحُوتُ فِي الْمَاءِ، وَالْمَاءُ عَلَى ظَهْرِ صَفَاةٍ، وَالصَّفَاةُ عَلَى ظَهْرِ مَلَك، وَالْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَالصَّخْرَةُ فِي الرِّيحِ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَ (٣) لُقْمَانُ -لَيْسَتْ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، فَتَحَرَّكَ الْحُوتُ فَاضْطَرَبَ، فَتَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ، فَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَ فَقَرّت، فَالْجِبَالُ تَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (٤)﴾ [النَّحْلِ: ١٥]. وَخَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا، وأقواتَ أَهْلِهَا وَشَجَرَهَا وَمَا يَنْبَغِي لَهَا فِي يَوْمَيْنِ، فِي الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فُصِّلَتْ: ٩، ١٠]. يَقُولُ: أَنْبَتَ شَجَرَهَا ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يَقُولُ: أَقْوَاتَهَا لِأَهْلِهَا ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٠] يَقُولُ: مَنْ سَأَلَ فَهَكَذَا الْأَمْرُ. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وَذَلِكَ الدُّخَانُ مِنْ تَنَفُّسِ الْمَاءِ حِينَ تَنَفَّسَ، فَجَعَلَهَا سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ، فِي الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ جُمِعَ فِيهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ والأرض، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فضلت: ١٢] قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ فِي كُلِّ سَمَاءٍ خَلْقَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْخَلْقِ الَّذِي (٥) فِيهَا، مِنَ الْبِحَارِ وَجِبَالِ البَرَد وَمَا لَا نَعْلَمُ، ثُمَّ زَيَّنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِالْكَوَاكِبِ، فَجَعَلَهَا زِينَةً وَحِفْظًا (٦) تُحْفَظُ مِنَ الشَّيَاطِينِ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] وَيَقُولُ ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٠].
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَدَأَ الْخَلْقَ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَخَلَقَ الْأَرَضِينَ فِي الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْأَقْوَاتَ وَالرَّوَاسِيَ فِي الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءَ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ فِي الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ، وَفَرَغَ فِي آخِرِ (٧) سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَخَلَقَ فِيهَا آدَمَ عَلَى عَجَل، فَتِلْكَ السَّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيهَا السَّاعَةُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ، فَلَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ ثَارَ مِنْهَا دُخَانٌ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾
(١) زيادة من جـ.
(٢) في جـ: "والقلم وما يسطرون".
(٣) في ب: "ذكرها"
(٤) في جـ: "وجعل لها رواسي من فوقها أن تميد بكم"، وفي ط: "وجعل لها رواسي أن تميد بكم"، وفي ب: "وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم".
(٥) في جـ، ط: "الذين".
(٦) في أ: "وحفظها".
(٧) في جـ: "وأخر".
﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قَالَ: بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، وَسَبْعُ أَرَضِينَ، يَعْنِي بِعَضَهُنَّ تَحْتَ بَعْضٍ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ السَّجْدَةِ: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٩-١٢] فَهَذِهِ وَهَذِهِ دَالَّتَانِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ السَّمَاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٧-٣١] قَالُوا: فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ الْأَرْضِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (١) : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ وَأَنَّ الْأَرْضَ إِنَّمَا دُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ أَجَابَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّازِعَاتِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّحْيَ مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٣٠-٣٢] فَفَسَّرَ الدَّحْيَ بِإِخْرَاجِ مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ لَمَّا اكْتَمَلَتْ صُورَةُ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِيَّةِ ثُمَّ السَّمَاوِيَّةِ دَحَى بَعْدَ ذَلِكَ الْأَرْضَ، فَأَخْرَجَتْ مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا مِنَ الْمِيَاهِ، فَنَبَتَتِ النَّبَاتَاتُ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا وَصِفَاتِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا، وَكَذَلِكَ جَرَتْ هَذِهِ الْأَفْلَاكُ فَدَارَتْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ -أَيْضًا-مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلْقَ الْجِبَالَ فِيهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلْقَ الشَّجَرَ فِيهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ" (٢).
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَرَائِبِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَجَعَلُوهُ مِنْ كَلَامِ كَعْبٍ، وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ كَلَامِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ فَجَعَلُوهُ (٣) مَرْفُوعًا، وَقَدْ حَرَّرَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ (٤).
(١) صحيح البخاري (٨/٥٥٥) "فتح".
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١/١٠٣) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠١٠).
(٣) في جـ، ط، ب: "فجعله".
(٤) الأسماء والصفات (ص٢٧٦) وللعلامة عبد الرحمن المعلمي كلام متين في تصحيح هذا الحديث ورد الشبه عنه في كتابه "الأنوار الكاشفة" (ص١٨٥-١٩٠) فليراجع فإنه مهم.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي : خلق لكم، برا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.
وفي هذه الآية العظيمة(١)  دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث، فإن [ تحريمها أيضا ] يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته، منعنا من الخبائث، تنزيها لنا.
وقوله :﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
﴿اسْتَوَى﴾ ترد في القرآن على ثلاثة معاني : فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها، الكمال والتمام، كما في قوله عن موسى :﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ وتارة تكون بمعنى " علا " و " ارتفع " وذلك إذا عديت ب " على " كما في قوله تعالى :﴿ثم استوى على العرش﴾(٢) ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ وتارة تكون بمعنى " قصد " كما إذا عديت ب " إلى " كما في هذه الآية، أي : لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات ﴿فسواهن سبع سماوات﴾ فخلقها وأحكمها، وأتقنها، ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ ف ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها﴾ و ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ يعلم السر وأخفى.
وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى :﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ لأن خلقه للمخلوقات، أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته.
١ - في ب: الكريمة..
٢ - في ب: أورد آية أخرى هي: " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى "..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٩} ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: خلق لكم، برا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.
وفي هذه الآية العظيمة (١) دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث، فإن [تحريمها أيضا] يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته، منعنا من الخبائث، تنزيها لنا.
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿اسْتَوَى﴾ ترد في القرآن على ثلاثة معاني: فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها، الكمال والتمام، كما في قوله عن موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ وتارة تكون بمعنى "علا "و "ارتفع "وذلك إذا عديت بـ "على "كما في قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ (٢) ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ وتارة تكون بمعنى "قصد "كما إذا عديت بـ "إلى "كما في هذه الآية، أي: لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات ﴿فسواهن سبع سماوات﴾ فخلقها وأحكمها، وأتقنها، ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ فـ ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها﴾ و ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ يعلم السر وأخفى.
وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ لأن خلقه للمخلوقات، أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته.
(١) في ب: الكريمة.
(٢) في ب: أورد آية أخرى هي: " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ".
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
اسْتَوَى
قَصَدَ.

إعراب الآية ٢٩ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

يعود على الذين. عَهْدَ اللَّهِ مفعول به. مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ خفضت بعدا بمن وميثاقه بعد إليه وهو بمعنى: إيثاقه. قال ابن كيسان: هو اسم يؤدي عن المصدر كما قال القطاميّ: [الوافر] ١٢-
أكفرا بعد ردّ الموت عنّيوبعد عطائك المائة الرّتاعا «١»
وَيَقْطَعُونَ عطف على ينقضون. ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ «ما» في موضع نصب بيقطعون. والمصدر قطيعة وقطعت الحبل قطعا وقطعت النهر قطوعا وقطعت الطّير قطاعا وقطاعا. إذا خرجت من بلد إلى بلد، وأصاب الناس قطعة إذا قلّت مياههم ورجل به قطع أي انبهار. وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ عطف على يقطعون. أُولئِكَ مبتدأ.
هُمُ ابتداء ثان. الْخاسِرُونَ خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول، إن شئت كانت هم زائدة والخاسرون الخبر.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨]

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ... كَيْفَ اسم في موضع نصب وهي مبنية على الفتح، وكان سبيلها أن تكون ساكنة لأن فيها موضع الاستفهام فأشبهت الحروف واختير لها الفتح من أجل الياء. تَكْفُرُونَ فعل مستقبل بِاللَّهِ خفض بالباء. وَكُنْتُمْ أَمْواتاً التقدير وقد كنتم أمواتا ثم حذفت قد. أَمْواتاً خبر كنتم فَأَحْياكُمْ الكاف والميم في موضع نصب بالفعل وكذا. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فعل مستقبل.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٩]

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ابتداء وخبر. ما في موضع نصب. جَمِيعاً عند سيبويه»
نصب على الحال. ثُمَّ اسْتَوى أهل الحجاز يفخّمون وأهل نجد يميلون ليدلّوا على أنه من ذوات الياء. إِلَى السَّماءِ خفض بإلى. فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قال محمد بن الوليد: سبع منصوب على أنه بدل من الهاء والنون أي فسوّى سبع سموات، قال أبو جعفر: يجوز عندي أن يكون فسوّى منهن كما قال جلّ وعزّ: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ
(١) الشاهد للقطامي في ديوانه ٣٧، وتذكرة النحاة ٤٥٦، وخزانة الأدب ٨/ ١٣٦، وشرح التصريح ٢/ ٦٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٩، وشرح عمدة الحافظ ٦٩٥، ومعاهد التنصيص ١/ ١٧٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٠٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٤١١، وأوضح المسالك ٣/ ٢١١، والدرر ٥/ ٢٦٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٦، وشرح شذور الذهب ٥٢٨ وشرح ابن عقيل ٤١٤.
(٢) انظر الكتاب: ١/ ٤٤٥، والبحر المحيط ١/ ٢٨٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٢٩ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

اسْتَوَى إِلَى

بالإمالة ومد المنفصل 4 حركات

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي

بالإمالة ومد المنفصل 6 حركات

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

بالتقليل ومد المنفصل 6 حركات

ورش عن نافع

بالفتح ومد المنفصل 3 حركات

قالون عن نافع الدوري عن أبي عمرو

بالفتح ومد المنفصل 4 حركات

هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر

بالفتح ومد المنفصل 4أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

بالفتح ومد المنفصل 6 حركات

ورش عن نافع

بالفتح ومد المنفصل حركتين

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٩ من سورة البقرة

٧ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٦ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٠ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: العالِمُ الذي قد كَمُل في عِلْمِه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٦٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن جرير (١/٤٦٦): «وقوله: ﴿عليم﴾ بمعنى: عالم». مُستندًا لأثرِ ابن عباس، ولم يذكر غيرَه.
٢
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، يعني: من أعمالكم عليم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٥ (٣١٢).
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وهو بكل شيء﴾ من الخلق ﴿عليم﴾ بالبعث وغيره١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٦.
٤
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، قال: سَخَّر لكم ما في الأرض جميعًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
٥
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، قال: سَخَّر لكم ما في الأرض جميعًا؛ كرامة من الله، ونعمة لابن آدم؛ متاعًا وبُلْغةً ومنفعةً إلى أجل١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٥٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٤ من طريق سعيد بن بشير. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذهب ابنُ جرير (١/٤٥٣-٤٥٤) في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ إلى معنى ما ذكره قتادة، مُسْتَنِدًا فيه إلى قول السلف.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ من شيء، ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ فبَدَأ بخَلْقِهِنَّ وخَلْقِ الأرض١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٦.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح- في قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾، يعني: صَعَد أمرُه إلى السماء١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٧٢).
٨
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾، قال: ارتفع١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٢٦٩٨، وابن جرير -كما في التغليق ٥‏/‏٣٤٤، والفتح ٣‏/‏٤٠٥-، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٥. وعَلَّقه البيهقي في الأسماء والصفات (عَقِب ٨٧٢). وهو في تفسير الطبري ١‏/‏٤٥٦ من قول الربيع كما سيأتي.
٩
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾، قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلمّا خلق الأرضَ ثار منها دُخان، فذلك قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٤٢، وابن جرير ١‏/‏٤٦٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٥، وأبو الشيخ في العظمة (٨٨٥). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿ثم استوى إلى السماء﴾، يقول: ارْتَفَع إلى السماء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٦٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٥.
١١
عن الحسن البصري، مثله١٢
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (١/٤٥٧) أن ﴿استوى﴾ بمعنى: علا، وارتفع. فقال: «وأَوْلى المعاني بقول الله -جل ثناؤه-: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن﴾: عَلا عليهن، وارتفع، فدَبَّرَهُنَّ بقدرته، وخَلَقَهُنَّ سبع سموات». ثم تَعَجَّب ممن أنكر هذا المعنى المفهوم من كلام العرب؛ هربًا عند نفسه من أن يكون إنّما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، وانتَقَدَه (١/٤٥٧) بقوله: «يُقال له: زعمتَ أن تأويل قوله: ﴿استوى﴾: أقْبَلَ. أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها عُلُوَّ ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال». وعَلَّل ابنُ تيمية (١/١٨٥-١٨٦) تفسيرَ السلف له بالارتفاع بدلالة القرآن في قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت:١١]: «وهذه نزلت في سورة (حم) بمكة، ثم أنزَل الله في المدينة سورةَ البقرة: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فلمّا ذَكَرَ أنّ اسْتِواءَه إلى السماء كان بعد أن خلق الأرض، وخلق ما فيها، تَضَمَّن معنى الصُّعُود؛ لأنّ السماء فوق الأرض، فالاستواءُ إليها ارتفاعٌ إليها». وعلَّقَ ابنُ كثير (١/٣٣٢) بقوله: «أي: قَصَد إلى السماء، والاستواءُ هاهنا تَضَمَّن معنى القصد والإقبال؛ لأنه عُدِّي بـ﴿إلى﴾».
١٢
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعن عبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾، قال: إنّ الله كان عرشُه على الماء، ولم يخلُق شيئًا قبل الماء، فلَمّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دُخانًا، فارتفع فوق الماء، فسَما عليه، فسَمّاه سماءً، ثم أيْبَسَ الماء، فجعله أرضًا واحدة، ثم فَتَقَها، فجعلها سبع أرضين في يومين؛ في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوتٍ، وهو الذي ذكره في قوله:﴿ن والقلم﴾ [القلم: ١]، والحوتُ في الماء، والماءُ على ظهر صَفاةٍ، والصَّفاة على ظهر ملك، والملكُ على صخرة، والصخرةُ في الريح، وهي الصخرةُ التي ذكرها لقمان، ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطرَب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبالَ، فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥]. وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وشجرها، وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاء والأربعاء، وذلك قوله: ﴿إنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض﴾ إلى قوله: ﴿وبارك فيها﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، يقول: أنبت شجرها، ﴿وقدر فيها أقواتها﴾ يقول: أقواتها لأهلها، ﴿في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ يقول: من سأل فهكذا الأمر، ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت: ١١]، وكان ذلك الدخانُ من تَنَفُّسِ الماء حين تَنَفَّس، فجعلها سماءً واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سموات في يومين؛ في الخميس والجمعة، وإنما سُمِّي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض، ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢] قال: خلق في كل سماء خَلْقَها؛ من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار، وجبال البَرَد، ومما لا يُعلم، ثم زَيَّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينةً وحِفْظًا من الشياطين. فلمّا فرغ من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فذلك حين يقول: ﴿خلق السموات والارض في ستة أيام﴾ [الأعراف: ٥٤]، يقول: ﴿كانتا رتقا ففتقناهما﴾ [الأنبياء: ٣٠]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٤٦٢، وابن أبي حاتم ١/ ٧٤ موقوفًا على السدي، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٧). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٤.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله -حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خَلَق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء-: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات:٣٠]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٦٤.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿فسواهن﴾، يعني: خلق سبع سموات. قال: أجرى النار على الماء، فبَخَرَ البحر، فصعد في الهواء، فجعل السموات منه١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٧٢).
١٦
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿فسواهن﴾، قال: سوّى خَلْقَهُنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٢٦٩٨، وابن جرير -كما في التغليق ٥‏/‏٣٤٤، والفتح ٣‏/‏٤٠٥-، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٥. وعَلَّقه البيهقي في الأسماء والصفات (عقب ٨٧٢). وهو في تفسير الطبري ١‏/‏٤٥٨ من قول الربيع.
١٧
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾، يقول: خلق سبع سموات بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٦٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٥، وأبو الشيخ (٨٨٥). وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.
١٨
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فسواهن سبع سموات﴾، قال: بعضهن فوق بعض، بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٤٢، وابن جرير ١‏/‏٤٦٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٥.
١٩
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿فسواهن سبع سموات﴾ يقول: سوّى خلقهن، ﴿وهو بكل شيئ عليم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٥٨.
٢٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فسواهن﴾ يعني: فخَلَقَهُنَّ ﴿سبع سماوات﴾، فهذا أعظمُ مِن خَلْق الإنسان، وذلك قوله سبحانه: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر:٤٧]١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابن عطية (١/١٦٣) في معنى ﴿فسوّاهُنَّ﴾ قولًا غير ما ذُكِر، فقال: «وقيل: سوّى سطوحها بالإملاس».

آثار متعلقة بالآية

٦ أقوال
١
عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: «خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏٢١٤٩ (٢٧٨٩)، وابن جرير ١٢‏/‏٣٢٨-٣٢٩، ٢٠‏/‏٣٨٣-٣٨٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٤ (٣٠٤).
٢
عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ أعْدَل آية في القرآن آخرُها اسمٌ من أسماء الله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن الضريس.
٣
عن حَبَّةَ العُرَنِيّ، قال: سمعت عليًّا ذات يوم يحلِفُ: والذي خلق السماء من دخان وماء١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٤
عن عبد الله بن سَلام -من طريق سعيد بن أبي سعيد- أنّه قال: إنّ الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرَّواسِي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل؛ فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٦٤.
٥
عن عبد الله بن عمرو، قال: لَمّا أراد الله أن يخلق الأشياء -إذ كان عرشه على الماء، وإذ لا أرض ولا سماء- خَلَق الريح، فسَلَّطها على الماء، حتى اضطربت أمواجُه، وأثار ركامه، فأخرج من الماء دخانًا وطينًا وزَبَدًا، فأمر الدُّخان فعلا وسما ونما، فخلق منه السموات، وخلق من الطين الأرضين، وخلق من الزَّبَد الجبال١
التخريج
  1. ١أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية ص١٢.
٦
قال محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة بن الفَضْل-: كان أوَّل ما خلق الله تبارك وتعالى النُّور والظُّلْمَة، ثم ميَّز بينهما، فجعل الظُّلْمَة ليلًا أسود مُظْلِمًا، وجعل النور نهارا مُضِيئًا مُبْصِرًا، ثم سَمَك السموات السبع من دخان، يقال -والله أعلم-: من دخان الماء، حتى استقللن، ولم يُحْبَكْنَ، وقد أغْطَش في السماء الدنيا ليلَها، وأخرج ضُحاها، فجرى فيها الليلُ والنهارُ، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم، ثم دَحى الأرض فأرساها بالجبال، وقدَّر فيها الأقوات، وبثَّ فيها ما أراد من الخَلْق، ففَرَغ من الأرض وما قَدَّر فيها من أقواتِها في أربعة أيام، ثم استوى إلى السماء وهي دخان -كما قال- فحَبَكَهُنَّ، وجعل في السماء الدنيا شمسَها وقمرَها ونجومَها، وأوحى في كل سماء أمرها، فأكمل خَلْقَهُنَّ في يومين، ففرغ من خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى في اليوم السابع فوق سماواته، ثم قال للسماوات والأرض: ﴿ائتيا طوعا أو كرها﴾ [فصلت:١١] لِما أردتُّ بكما، فاطمَئِنّا عليه طوعا أو كرها. ﴿قالتا أتينا طائعين﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٦٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختار ابنُ جرير (١/٤٦١) أنّ المعنى المراد بالسماء في قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾: معنى الجمع. وانتَقَد قولَ من قال: إن السماء وإن كانت سماء فوق سماء، فهي في التأويل واحدة. مُسْتَدِلًّا بأثرِ ابن اسحاق، ثُمَّ أعْقَبَه بقوله: «وإنما استشهدنا لقولنا الذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق؛ لأنه أوضح بيانًا عن خبر السموات أنهن كُنَّ سبعًا من دخان قبل استواء ربنا إليها بتسويتها من غيره، وأحسنُ شرحًا لما أردنا الاستدلال به من أنّ معنى السماء التي قال الله فيها: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ بمعنى الجمع على ما وصفنا، وأنه إنما قال -جَلَّ ثناؤه-: ﴿فسواهن﴾ إذ كانت السماء بمعنى الجمع على ما بَيَّنّا».
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٩ من سورة البقرة

١١ وقفةً في هذه الآية

  • {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} في الآية دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة لأنها سيقت في معرض الامتنان.

    — تفسير السعدي

  • يمكن أن أسيغ من عبيد البقر أن يجهلوا الكون وربه، ولكني لا أسيغ أبدًا من أتباع القرآن أن يعيشوا عَجَزَةً محجوبين بين أسرار الكون وقواه، وما أودع الله فيه من مرافق ومنافع! كيف وفي الصفحات الأولى من كتابهم: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ).

    — أبو حامدالغزالى

  • ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ هو الذي أنعم عليكم، فخلق لكم ما في الأرض جميعاً وسخَّره لكم تفضُّلاً منه بذلك عليكم؛ ليكون لكم بلاغًا في دنياكم ومتاعًا إلى موافاة آجالكم

    — الطبري

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 29 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • مجالس التدبر سورة البقرة (29)

    — محمد الربيعة

  • مسألة: قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات* وفى النازعات: ( و الأرض بعد ذلك دحاها (4) ؟ ظاهر آية البقرة، وحم السجدة (5) تقدم خلق الأقوات، وظاهر النازعات تأخره؟ . جوابه: أن (ثم) (6) هنا لترتيب الأخبار لا لترتيب الوقوع، ولا يلزم من ترتيب الأخبار ترتيب الوقوع، كقوله تعالى: (ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ثم آتينا موسى الكتاب. ولا ريب في تقديم إيتاء موسى الكتاب على وصيته لهذه الأمة.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • آية (٢٩) : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) * (خلق لكم) هذه اللام كأنها للمِلك فالله سبحانه وتعالى يخاطب هذا الإنسان حتى يرى كيف أكرمه الله عز وجل أنه خلق من أجله كل ما في الكون لأجله للانتفاع أو للاعتبار. * قال تعالى (فسواهنّ) ولم يقل خلقهنّ فالتسوية خلقٌ وبناءٌ وتزيين ولو تأملت السموات لرأيت بدعة الخلق ودقّته ونظاماً لا يختلُّ ولا يغيب.

    — مختصر لمسات بيانية

  • *ما تفسير قوله تعالى في سورة البقرة (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29))؟ لعله أشكل على السائل فكرة (سواهن). أولاً (خلق لكم) هذه اللام كأنها للمِلك فالله سبحانه وتعالى يخاطب هذا الإنسان حتى يرى كيف أكرمه الله عز وجل أنه خلق من أجله كل ما في الكون لأجله. علماؤنا يقولون أن هناك شيئان في الكون هو لأجلك بعضه لتنتفع به مباشرة كالماء والنبات والحيوان وبعضه للاعتبار (أولم يتفكروا في خلق السموات والأرض) هذا أيضاً لك حتى يحوزك إلى الإيمان فإذن (خلق لكم) أي لأجلكم للانتفاع أو للإعتبار. (ثم استوى إلى السماء) المفسرون يقولون إستوى أي عمد إلى خلقها. ثم عمد إلى خلق السماء بإرادته سبحانه وتعالى (الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب).ثم عمد إلى خلقها وهذا نوع من التأويل المقبول الآن نحن بحاجة إليه لأننا نترجم التفسير القرآني إلى الآخرين.يقول السماء لفظها لفظ الواحد وكل ما علاك فهو سماء. لكن معناها معنى الجمع ولذلك قال (فسواهن سبع سموات) إشارة إلى تفصيلاتها.

    — حسام النعيمي

  • *لِمَ قال تعالى (فسواهنّ) ولم يقل خلقهنّ ؟ لأن التسوية خلقٌ وبناءٌ وتزيين أما كلمة خلق فهي تدل على الإيجاد والبناء ولو تأملت السموات لرأيت بدعة الخلق ودقّته ونظاماً لا يختلُّ ولا يغيب.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • من أحكام القرآن أحكام الآية 29

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • التفسير الفقهي سورة البقرة آية 29

    — سعد الشثري

ترجمات معاني الآية ٢٩ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(29) It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself[16] to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.
[16]- See footnote to 2:19
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال